النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
(تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) قال الحافظ: استدل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض
الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منها أخذت منه قهرًا. وقال ابن
دقيق العيد: قد يستدل به على وجوب إعطاء الزكاة للإمام، لأنه وصف الزكاة
بكونها مأخوذة من الأغنياء، فكل ما اقتضى خلاف هذه الصفة فالحديث ينفيه،
انتهى. وقيل: حديث معاذ في صدقة السوائم وفي العشر ونحوهما. وأما الذهب
والوَرِق فإن أدى زكاتهما خفية يجزئه. قال الحافظ: قد أطبقَ الفقهاءُ بعد ذلك على
أن لأرباب الأموال الباطنة مباشرة الإخراج. وشذ من قال بوجوب الدفع إلى
الإِمام، انتهى.
قلتُ: يحتاج إلى الفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة في ذلك إلى دليل قوي
يعتمد عليه. والظاهر عندي: أن ولاية أخذ الزكاة إلى الإمام ظاهرة وباطنة، فإن لم
يكن إمام فرقها المالك في مصارفها. وقد حقق ذلك الشوكاني في (السيل الجرار))
بما لا مزید علیه فليرجع إليه .
(فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) خصهم بالذكر، وإن كان مستحق الزكاة أصنافًا أخر؛
لمقابلة الأغنياء ولاحتمال أن يكون الفقراء هم الأغلب.
واستدل به من لا يرى جواز نقل الزكاة عن بلد المال، لأن الضمير في فقرائهم
يعود على أهل اليمن، فيدل على وجوب صرف الزكاة إلى فقراء من أخذت منهم،
وعدم جواز إخراجها إلى غيرهم إلا لضرورة؛ كعدم فقير فيهم. قال الإسماعيلي:
ظاهر الحديث أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم، انتهى.
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث: باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في
الفقراء حيث كانوا. قال ابن المنير: اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلدِ المالِ
لعموم قوله: ((فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ))؛ لأن الضمير يعودُ للمسلمين، فأي فقير منهم
ردت فيه الصدقة، في أي جهة كان، فقد وافق عموم الحديث، انتهى.
قال الحافظُ: والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عدم النقل، وأن الضمير
يعود على المخاطبين، فيختص بذلك فقراؤهم. لكن رجح ابن دقيق العيد الأول،
وقال: وإنه وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في
كِتاب الزَّكاة
قواعد الشرع الكلية لا تعتبر في الزكاة، كما لا تعتبر في الصلاة، فلا يختص بهم
الحكم وإن اختص بهم خطاب المواجهة، انتهى.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما،
ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية
والجمهور: ترك النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم
يجزئ عند الشافعية على الأصحِّ، إلا إذا فقد المستحقون لها ولا يبعد أنه اختيار
البخاري؛ لأن قوله: ((حَيْثُ كَانُوا)) يشعر بأنه لا ينقلها عن بلدٍ، وفيه ممن هو
مُتصف بصفة الاستحقاق؛ انتهى كلام الحافظ.
وقال شيخنا في ((شرح الترمذي)): والظاهرُ عندي: عدم النقل إلا إذا فقد
المستحقون لها أو تكون في النقل مصلحة أنفع وأهم من عدمه، والله تعالى أعلم.
قال الحافظُ: وفي الحديث إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون الغنيين لعموم
قوله: (من أغنياءهم))، قاله عياض، وفيه بحث، وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر
لعود الضمير في ((فقرائهم)) إلى المسلمين، سواء قلنا بخصوص البلد أو العموم،
وأن من ملك نصابًا لا يعطى من الزكاة، وهو مذهب الحنفية من حيثُ أنه جعل
المأخوذ منه غنيًّا، وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذة منه، فهو
غني، والغنى مانع من إعطاء الزكاة، إلا من استثنى في الحديث. قال ابنُ دقيق
العيد: وليس هذا البحث بالشديد القوة.
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي: للإنفاق. (فَإِيََّكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) بنصب ((كرائم))
بفعل مُضمر لا يجوز إظهاره للقرينة الدالة عليه. قال ابنُ قتيبة: ولا يجوز حذف
واو ((وَكَرَائِمَ))، انتهى. وعلَّل بأنها حرف عطف، فيختل الكلام بالحذف. وكرائم
جمع كريمة، وهي خيار المال وأفضله. قال الجزري في ((النهاية)): كرائم أموالهم
أي: نفائسها التي تتعلق بها نفس مالكها ويختصها لها حيث هي جامعة للكمال
الممكن في حقِّها.
وقال في ((جامع الأصول)): هي خيارها ونفائسها وما يكرم على أصحابها ويعز
عليهم. والمراد: اجتنبها فلا تأخذها في الصدقة، وخُذ الوسط لا العالي ولا النازل
الردي، ففيه: ترك أخذ خيار المال وهي الأكولة والربى وفحل الغنم والماخض
وحزرات المال.
١٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والحكمة فيه: أن الزكاة وجبت مواساةً للفقراء من مال الأغنياء، ولا يناسب
ذلك الاجحاف بأرباب الأموال، فسامح الشرع بأرباب الأموال بما يضنون به،
ونهى المصدقين عن أخذه إلا إن رضوا بذلك كما سيأتي.
(وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُوم) أي: تجنب الظلم لئلا يدعوا عليك المظلوم. وفيه تنبيه
على المنع من جميع أنواع الظلم، وإنما ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم للإشارة
إلى أن أخذها ظلم. قال السندي: فیه أنه وإن كان قد یغلب حب الدنيا حتی ینسی
الآخرة، فلا يترك الظلم لكونه حرامًا مضرًّا في الآخرة فليترك لحب الدنيا خوفًا من
دعوة المظلوم، وإلا فالظلم يجب تركه، لكونه حرامًا، وإن لم يخف دعوة
صاحبه .
(فَإِنَّه) أي: الشأن. (لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ) أي: بين وصولها إلى محل الاستجابة
والقبول .
(حِجَابٌ) أي: مانع بل هي معروضة عليه، يعني: ليس لها ما يصرفها ولو كان
المظلوم فيه ما يقتضي أنه لا يستجاب لمثله من كون مطعمه حرام أو نحو ذلك،
حتى ورد في بعض طرقه: ((وَإِنْ كَانَ كَافِرًا))، رواه أحمد من حديث أنس، قاله
العيني .
وقال الحافظُ: والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيًا، كما جاء في حديث أبي
هريرة عند أحمد مرفوعًا: ((دَعْوَةُ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورِهِ عَلَى
نَفْسِهِ)). وإسناده حسن. وليس المراد أن لَلَّه تعالى حجابًا يحجبه عن الناس.
وقال الطيبي: قوله: ((اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُوم)) تذييل لاشتماله على الظلم الخاص من
أخذ الكرائم وعلى غيره، وقوله: ((فَإِنَّهُ لَيْسََ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)) تعليل للاتقاء
وتمثيل للدعاء، كمن يقصد دار السطان متظلمًا، فلا يحجب عنه. انتهى.
قال ابن العربي: هذا الحديث وإن كان مطلقًا فهو مقيد بالحديث الآخر: إن
الداعي على ثلاث مراتب، إما أن يُجعل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه،
وإما أن يدفع عنه من السوء مثله، وهذا كما قيد مطلق قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ
اُلْمُضْطَرَ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١] .
١٦٣
كِتَابَ الزَّكاةِ
***<<<<<<<<**<<<<<<<<<< > <**<<<< > <<<<<<<<<**<<<<<<<<<< > ***<<<<< > <<***
تنبيه:
لم يقعْ في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كما تقدم كان في
آخر الأمر.
وأجاب الكرماني: بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا في
القرآن، وبأنهما إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلًا، بخلاف الصوم فإنه قد
يسقط بالفدية والحج، فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضوب، وقال
السندي: هذا الحديث ليس مسوقًا لتفاصيل الشرائع بل لكيفية الدعوة إلى الشرائع
إجمالًا، وأما تفاصيلها فذاك أمر مفوض إلى معرفة معاذ، فترك ذكر الصوم والحج
لا يضر، كما لا يضر ترك تفاصيل الصلاة والزكاة، انتهى. وأجاب البلقيني بنحوه
وبسط فيه، ذكره الحافظ في ((الفتح))، والسيوطي في ((حاشية النسائي)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة وفي المظالم والمغازي والتوحيد،
ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي، كلهم في الزكاة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٣٣).
١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٨٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «مَا مِنْ
صَاحِبٍ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ
لَهُ صَفَائِحُ مِّنْ نَارٍ، فَأَحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ
وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا رُدَّتَّ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى
يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَىِّ الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: (وَلَا صَاحِبُ إِبِل لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ
وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَّ لَهَا بِقَاعِ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا
فَصِيلاً وَاحِدًّا، تَطَؤُّهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاَمِهَا، كُلَّمَا مُرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ
أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى
سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَىَّ الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟
قَالَ: ((وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَم لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
بُطِحَ لَهَا بِقَاعِ قَرْقَرٍ لَّ يَفْقِدُ مِّنَّهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْضَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا
عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونَّهَا، وَتَطَؤُّهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مُرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا
فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ
إِمَّا إِلَىَّ الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: ((الْخَيْلُ
ثَلَاثَةُ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلِ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلِ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ
وِزْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنَّوَاءً عَلَى أَهْلِ الْأَسْلَامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا
الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا
وَلَا رِقَابِهَا فَهِيَ لَّهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْج وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَّةِ مِنْ
شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَّ لَّهُ عَدَّدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَائِهَا وَأَبْوَالِهَا
حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إِلَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا
وَأَرْوَائِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ
يَسْقِيَهَا إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ)).
(١٧٨٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهُ فِيهَا؛ البُخَارِي (٤٩٦٢) فِي التَّفْسِيرِ، وَمُسْلِم (٢٤ / ٩٨٧) فِي الزَّكَاةِ.
١٦٥
كِتَابُ الرَّڪاةِ
*****<<<<<<<<<<<<<<<<<<<*******<<<<<<<<<<<**<<<<<<<<<<< > *<<<<<<<<<<<**
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: ((مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ
الْآيَةُ الْفَاذَّةُ الجَامِعَةُ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ ﴾﴾. الزَّلْزَلَة.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٧٨٨ - قوله: (مَا مِنْ صَاحِبٍ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا) قال
التوربشتي في شرح ((المصابيح)): ذكر جنسين من المال ثم قال: ((لَا يُؤَدِّي مِنْهَا
حَقَّهَا))، ذهابًا إلى أن الضمير إلى معنى الذهب والفضة دون لفظهما؛ لأن كل واحد
منهما جملة وافية ودنانير ودراهم، ويحتمل أن يراد بها الأموال، ويحتمل أنه أراد
بها الفضة واكتفى بذكر أحدهما كقول القائل :
مَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ
فَإِنِّي وَقَيَّارًا بِهَا لَغَرِيبُ
وبمثله ورد التنزيل، قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ وَلَا
يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، (صُفِّحَتْ) بضم الصاد وتشديد الفاء المكسورة
أي: جعلت الفضة ونحوها. (لَهُ) أي: لصاحبها (صَفَائِحُ) أي: كأمثالِ الألواح
جمع صفيحة، وهي ما طبع عريضًا، وقرئت مرفوعًا على أنه مفعول ما لم يسم
فاعله لقوله: ((صُفِّحَتْ)) ومنصوبًا على أنه مفعول ثانٍ، وفي الفعل ضمير الذهب
والفضة، وأنث إما بالتأويل السابق، وإما على التطبيق بينه وبين المفعول الثاني
الذي هو هو. (مِنْ نَارٍ) أي: يجعل الذهب والفضة صفائح من نار أي: يجعل
صفائح، كأنها نار أو كأنها مأخوذة من نار، يعني كأن صفائح الذهب والفضة لفرط
إحمائها وشدة حرارتها صفائح النار، فتكوى بها. (فَأَحْمِيَ عَلَيْهَا) بصيغة
المجهول، والجار والمجرور نائب الفاعل أي: أوقد عليها نار ذات حِمَّى وحَرٍّ
شديد من قوله: ﴿نَارُ حَامِيَةٌ ﴾﴾، ففيه مبالغة ليست في فأحميت في نار، قاله
الطيبي، والضمير في ((عَلَيْهَا)) إلى الفضة، فالفاء تفسيرية. وقيل: الضمير إلى
الصفائح النارية، أي: تحمى مرة ثانية. (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) ليشتد حرها، فالفاء
تعقيبية. (فَيُكْوَى بِهَا) أي: بتلك الفضة أو بتلك الصفائح.
ECON
١٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(جنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ) قيل: خص هذه الأعضاء بالذكر من بين سائر الأعضاء؛
لأنها مجوفة فتسرع الحرارة إليها، أو لأن الكي في الوجه أبشع وأشهر، وفي الظهر
والجنب أوجع وآلم. وقيل: لأن جمعهم وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى
والتنعيم بالمطاعم الشهية والملابس البهية. وقيل: لأن السائل متى تعرض للطلب
من البخيل، أول ما يبدو منه من آثار الكراهة والمنع أنه يُقَطِّب في وجهه، ويتكلح
ويجمع أساريره، فيتجعَّد جبينه، ثم إن كرر الطلب ناء بجانبه عنه ومال عن جهته
وتركه جانبًا، فإن استمر الطلب ولاه ظهره واستقبل جهة أخرى، وهي النهاية في
الردِّ والغاية في المنع الدال على كراهيته للعطاء والبذل، وهذا دأب مانعي البر
والإحسان، وعادة البخلاء بالرفد والعطاء، فلذلك خص هذه الأعضاء بالكيِّ، قاله
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥ ص٤٦٥). (كُلَّما رُدَّتْ) أي: عن بدنه إلى
النار. (أُعِيدَتْ) أي: أشد ما كانت كما ترد الحديدة المحماة إلى الكور. ويخرج
منه ساعة فساعة، قال الطيبي : أي: كلما بردت ردت إلی نار جهنم لیحمی علیها،
والمراد منه الاستمرار، انتهى.
قلتُ: وقع في بعض نسخ مسلم: ((كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ)). قال النووي : هكذا هو
في بعض النسخ: (بَرَدَتْ)) بالباء، وفي بعضها: (رُدَّتْ)) بحذف الباء وبضم الراء،
وذكر القاضي الروايتين، وقال: الأولى هي الصواب، قال: والثانية رواية
الجمهور، انتهى. وقال ابن الملك: يعني: إذا وصل كَيّ هذه الأعضاء من أولها
إلى آخرها أعيد الكي إلى أولها حتى وصل إلى آخرها. (لَهُ) أي: لمانع الزكاة.
(فِي يَوْم) وهو يوم القيامة. (كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) أي: على الكافرين،
ويطولً على بقية العاصين بقدر ذنوبهم. وأما المؤمنون الكاملون فهو على بعضهم
كركعتي الفجر، وأشار إليه بقوله رغمت: ﴿يَوْمُ عَسِيْرُ جَ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ
١٠
[المدثر: ٩، ١٠] (حَتَّى يُقْضَى) على بناء المفعول أي: يحكم. (فَيُرَى سَبِيلُهُ) بصيغة
المجهول من الرؤية أو الإراءة. وقوله: ((سَبِيلُهُ)) مرفوع على الأول، ومنصوب
على أنه مفعول ثان على الثاني. ورُوي أيضًا (فَيَرَى)) بصيغة المعلوم من الرؤية أي:
هو سبيله. قال النووي: ضبطناه بضم ياء ((يرى)) وفتحها وبرفع لام ((سَبِيلُهُ)) ونصبها.
(إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ) إن لم يكن له ذنب سواه، وكان العذاب تكفيرًا له. (وَإِمَّا إِلَى النَّارِ)
إن كان على خلاف ذلك.
١٦٧
كِتَّابُ الرَّكاةِ
قال القاري: وفيه رد على من يقول: إن الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ﴾
[ التوبة: ٣٤] ... إلخ. مختصة بأهل الكتاب، ويؤيده القاعدة الأصولية: إن العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أنه لا دلالة في الحديث على خلوده في
النار. وبهذا يعلم ضعف قول ابن حجر أيضًا: ((إما إلى الجنة)) إن كان مؤمنًا بأن لم
يستحل ترك الزكاة، ((وإما إلى النار)) إن كان كافرًا بأن استحل تركها.
(قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْإِبِلُ) أي: هذا حكم النقود، فالإبل ما حكمها؟ أو عرفنا
حكم النقدين فما حكم الإبل؟ فالفاء متصل بمحذوف. (وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ) بالرفع
أي: يوجد ويكون. وقيل: بالجر عطفًا على قوله ((مِنْ صَاحِبٍ ذَهَبٍ)) والحاصل :
أنه ليس جوابًا للسؤال لفظًا لوجود الواو بل جواب له معنى. (لَا يُؤَدِّي) صفة أي :
لا يعطي صاحب الإبل. (مِنْهَا حَقَّهَا) أي: الواجب عليه فيها. (وَمِنْ حَقِّهَا) أي :
المندوب و((مِنْ)) تبعيضية. (حَلَبُهَا) قال النووي: بفتح اللام على اللغة المشهورة
وحكي إسكانها، وهو غريب ضعيف، وإن كان هو القياس. (يَوْمَ وِرْدِهَا) بكسر
الواو. وقيل: الورد: الإتيان إلى الماء، ونوبة الإتيان إلى الماء، فإن الإبل تأتي
الماء في كل ثلاثة أو أربعة، وربما تأتي في ثمانية. قال الجزري في ((جامع
الأصول)): ((يَوْمَ وِرْدِهَا)) أي: يوم ترد الماء، فيسقي من لبنها من حضره من
المحتاجين إليه، وهذا على سبيل الندب والفضل لا الوجوب، انتهى.
وإنما خص حالة وردها؛ لأنه حالة كثرة لبنها؛ ولأن الفقراء يحضرون هناك طلبًا
لذلك. وقال الطيبي: معناه أن يسقي ألبانها المارة ومن ينتاب المياه من أبناء
السبيل. وقيل: أمر أن يحلبها صاحبها عند الماء؛ ليصيب ذوو الحاجة منه، وهذا
مثل نهيه عليه الصلاة والسلام عن الجذاذ بالليل، أراد أن يصرم بالنهار ليحضرها
الفقراء، انتهى.
قال ابن بطال: يريد حق الكرم والمواساة وشريف الأخلاق لا أن ذلك فرض،
قال: وكانت عادة العرب التصدق باللبن على الماء، فكان الضعفاء يرصدون ذلك
منهم، قال: والحق حقان: فرض عين وغيره، فالحلب من الحقوق التي هي من
مكارم الأخلاق. وقال الإسماعيلي القاضي: الحق المفترض هو الموصوف
المحدود، وقد تحدث أمور لا تحد، فتجب فيهما المواساة للضرورة التي تنزل من
ضعيف مضطر أو جائع أو عار أو ميت ليس له من يواريه، فيجب حينئذٍ على من
١٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يمكنه المواساة التي تزول بها هذه الضرورات، قال ابن التين: وقيل: كان هذا قبل
فرض الزكاة، انتهى.
قال القاري: واعلم أن ذكره وقع استطرادًا وبيانًا لما ينبغي أن يعتني به من له
مروءة، لا لكون التعذيب يترتب عليه أيضًا لما هو مقرر من أن العذاب لا يكون إلا
على ترك واجب أو فعل محرم، اللهم إلا أن يحمل على وقت القحط أو حالة
الاضطرار أو على وجوب ضيافة المال، وهذا معنى ما قيل: إن حقَّها الأول أعم
من الثاني، وقيل: إن التعذيب عليهما معا تغليظ، انتهى كلام القاري.
قلتُ: الحديث بظاهره دليل لمن يرى في المال حقوقًا واجبة غير الزكاة خلافًا
للجمهور. وأجابوا عن ذلك بوجوه كما رأيت في كلام ابن بطال وابن التين
والجزري والقاري. وقال الحافظُ العراقي: الظاهر أن قوله: ((وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ
وِرْدِهَا)) مدرج من قول أبي هريرة، قال: وكأنَّ أبا داود أشار إلى ذلك في ((سُننه)) من
غير تصريحٍ، فإنه لما ذكر هذه الزيادة روى بعدها من حديث أبي عمر الغداني عن
أبي هريرةً، قال: سمعت رسول اللّه وَّل ... نحو هذه القصّة، فقال له - يعني
لأبي هريرة - فما حقُّ الإبل؟ قال: تعطي الكريمة وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر
وتطرق الفحل وتسقي اللبن. قال العراقي: ففي هذه الرواية أن هذا من قولٍ
أبي هريرة، فإن قلت: ففي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي الزبير عن جابرٍ: ((مَا
مِنْ صَاحِبٍ إِبِلِ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَم لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا ... )) الحديث. وفيه: قُلنا: يا
رسولَ الله، وَمَا حَقُّها؟ قال: ((إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمِنْحَتُهَا، وَحَلَبُهَا عَلَى
الْمَاءِ، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... )) وذكر الحديث. وهذا صريح في رفع هذا
الكلام إلى النبي ◌َّه صراحة لا يحتمل معها الإدراج.
قلتُ: قال العراقي: الظاهرُ أن هذه الزيادة ليست متصلة، وقد بين ذلك
أبو الزبير في بعضٍ طُرق مسلم، فذكر الحديث دون الزيادة، ثم قالَ أبو الزبير:
سمعتُ عُبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبد الله، فقال مثل قول
عبيد بن عمير: قال أبو الزبير: وسمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجلٌ: يا رسول
اللَّه، ما حق الإبل؟ قال: ((حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا،
كِتَاب الزَّكَاةِ
<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< <<<<<<<<<<<<<<
وَمِنْحَتُهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)). قال العراقي: فقد تبيَّن بهذهِ الطريق أن هذه
الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من عُبيد بن عمير مرسلة، لا ذكر لجابر فيها، انتهى.
قال الولي العراقي في ((شرح التقريب)) بعد ذكر ذلك: وبتقدير أن تصح هذه
الزيادة مرفوعة، فجواب الجمهور عنها من وجهين: أحدهما: أن ذلك منسوخ بآية
الزكاة. وفي ((سنن ابن ماجه)) عن ابن عمر لما سُئِل عن هذه الآية: إنما كان هذا
قبل أن تنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها طهورًا للأمور إلخ، ثانيهما: أن هذا من الحق
الزائد على الواجب ولا عقاب بتركه، وإنما ذكر استطرادًا لما ذكر حقها بين الكمال
فيه، وإن كان له أقل يزول الذم بفعله، وهو الزكاة، ويحتمل أن يكون ذلك من
الحقِّ الواجب إذا كان هناك مضطر إلى شرب لبنها، فيحمل الحديث على هذه
الصورة، انتھی.
(إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) استثناء مفرغ من أعمِّ الأحوالِ. (بُطِحَ) على بناءِ
المفعول، أي: طُرِحَ، وألقي صاحب الإبل على وجهه. (لَهَا) أي: لأجل تلك
الإبلِ. قال النووي: قوله: ((بُطِحَ)) قال جماعة: معناه: ألقي على وجهه. قال
القاضي: قد جاء في رواية للبخاري ((فِي تَرْكُ الْحِيَلِ)) ((تخبط وجهه بأخفافها))، قال:
وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البطح كونه على الوجه، وإنما هو في اللغة بمعنى
البسط والمدِّ، فقد يكون على وجههِ، وقد يكون على ظهرِهِ، ومنه سميت بطحاء
مكة؛ لانبساطها. (بِقَاع) أي: في أرض واسعة مستوية. (قَرْقَرٍ) بقاف وراء
مكررتين بفتح القافين وَّإسكان الراء الأولى، أي: أملس. وقيل: أي: مستو
واسع، فيكون صفة مؤكدة. قال الجزري: القاع: المكان المستوي من الأرض
الواسع، والقرقر: الأملس. وقال النووي: القرقر: المستوي من الأرض
الواسع، فهو بمعنى القاع، فذكره بعده تأكيدًا. (أَوْفَرَ مَا كَانَتْ) أي: أكثر عددًا
وأعظم سِمَنًا وأقوى قوة؛ لأنها تكون عنده على حالات مختلفة، فتأتي على أكملها
ليكون ذلك أنكى له لشدة ثقلها. في ((شرح السنة)): يريد كمال حال الإبل التي
وطئت صاحبها في القوة والسمن ليكون أثقل لوطئها. قال الطيبي: ((أَوْفَرَ)) مضاف
إلى (مَا)) المصدرية، والوقت مقدر وهو منصوب على الحال من المجرور في ((لها))
والعامل (بُطِحَ)) وقوله. (لَا يَفْقِدُ) أي: الصاحب. (مِنْهَا) أي: من الإبل. (فَصِيلًا)
أي: ولدا. (وَاحِدًا) تأكيد، والجملة مؤكدة لقوله: ((أَوْفَرَ)). (تَطَؤُّهُ) حال أو
١٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
استئناف بيان، أي: تدوسه الإبل. (بِأَخْفَافِهَا) جمع خف البعير، أي: بأرجلها،
والخف من الإبل بمنزلة الظلف للغنم، والقدم للآدمي، والحافر للحمار والبغل
والفرس. والظلف - بكسر الظاء - للبقر والغنم والظباء. وكل حافر منشق منقسم
فهو ظلف، وقد استعير الظلف للفرس. (وَتَعَضُّهُ) بفتحِ العين. (بِأَفْوَاهِهَا) أي:
بأسنانها. (كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا) أي: أولى الإبل. (رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا) كذا في جميع
الأصول من ((صحيح مسلم)) من رواية زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة.
((كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها)). قال عياض: قالوا: هو تغيير وتصحيف،
وصوابه ما في الرواية التي بعده من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه: (كُلَّمَا مَرَّ
عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا)) وبهذا ينتظمُ الكلام، وكذا وقع في مسلم من حديث
أبي ذر أيضًا، وأقرَّهُ النووي على هذا، وحكاه القرطبي، وأوضح وجه الرد بأنه:
إنما يرد الأول الذي قد مر قبل، وأما الآخر فلم يمر بعد، فلا يقال فيه: رد، ثم
أجاب بأنه يحتمل أن المعنى: أن أول الماشية إذا وصلت إلى آخرها تمشي عليه
تلاحقت بها أخراها، ثم إذا أرادت الأولى الرجوع بدأت الأخرى بالرجوع،
فجاءت الأخرى أول حتى تنتهي إلى آخر الأولى، وكذا وجهه الطيبي، فقال: إن
المعنى: أولاها إذا مرت عليه التتابع إلى أن تنتهي إلى الأخرى، ثم ردت الأخرى
من هذه الغاية، وتبعها ما كان يليها فما يليها، إلى أن تنتهي أيضًا إلى الأولى،
حصل الغرض من التتابع والاستمرار، انتهى، فيكون الابتداء في المرة الأولى من
الإبل الأولى، وفي الثانية من الأخرى. والحاصل: أنه يحصل هذا مرة بعد
أخرى. (خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) أي: على هذا المعذب، وإلا فقد جاء أنه يخفف على
المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة، قاله السندي. وقيل: معناه لو
حاسب فيه غير الله سبحانه.
(فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ) أي: كيف حال صاحبها. (لَا يَفْقِدُ مِنْهَا) أي: من ذواتها
وصفاتها شيئًا. وقال الطيبي: أي: قرونها سليمة. (لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ) بفتح العين
المهملة وسكون القاف بعدها صاد مهملة ثم ألف ممدودة أي: ملتوية القرنين،
وإنما ذكرها؛ لأن العقصاء لا تؤلم بنطحها، كما يؤلم غير العقصاء. (وَلَا جَلْحَاءُ)
بجيم مفتوحة ثم لام ساكنة ثم حاء مهملة: التي لا قرن لها. (وَلَا عَضْبَاءُ) بفتح
العين المهملة وسكون الضاد المعجمة المكسورة القرن، وقال النووي: التي
١٧١
كِتَابُ الزّكاةِ
<<******<<<<<***<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< *<<<<<- > <<<<<***
انكسر قرنها الداخل، ونفي الثلاثة عبارة عن سلامة قرونها ليكون أجرح
للمنطوح. وظاهرُ الحديث أن هذه الصفات فيها معدومة في العُقبى، وإن كانت
موجودة لها في الدنيا. وظاهر البعث أن يعيد اللَّه تعالى الأشياء على ما كانت هي
عليه في الدُّنيا، كما هو مفهوم من الكتاب والسنة، ولعلَّه يخلقها كما كانت، ثم
يعطيها القرون؛ ليكون سببًا لعذاب من منع زكاتها على وجه الشدة. (تَنْطِحُهُ) بكسر
الطاء، ويجوز فتحها، والأول أفصح وهو المشهور في الرواية، كما قال العراقي،
أي: تضربه وتطعنه بقرونها، وفي ((القاموس)) نطحه كمنعه وضربه: أصابه بقرنه،
فقوله: (بِقُرُونِهَا) إما تأكيد وإما تجريد. (بِأَظْلَافِهَا) جمع ظلف بكسر الظاء وهو
للبقر والغنم والظباء، وهو المنشق من القوائم.
وفي الحديث: أن الله يحيي البهائم ليعاقب بها مانع الزكاة، وفي ذلك معاملة
له بنقيض قصده؛ لأنه قصد منع حق الله منها، وهو الارتفاق والانتفاع بما يمنعه
منها، فكان ما قصد الانتفاع به أضر الأشياء عليه. والحكمة في كونها تعاد كلها مع
أن حق اللَّه فيها إنما هو في بعضها؛ لأنَّ الحقَّ في جميع المال غير متميِّز، ولأن
المال لما لم تخرج زكاته غير مطهر. وفيه: دليل على وجوب الزكاة في الذهب
والفضة والإبل والبقر والغنم. قال النووي: ولا خلاف في ذلك، وهذا الحديث
أصح الأحاديث الواردة في زكاة البقر.
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْخَيْلُ) أي: ما حكمه. (قَالَ: فَالْخَيْلُ ... ) إلخ. قال
الطيبي: جواب على أسلوب الحكيم، وله توجيهان، فعلى مذهب الشافعي معناه:
دع السؤال عن الوجوب؛ إذ ليس فيه حق واجب، ولكن اسأل عما يرجع من
اقتنائها على صاحبها من المضرة والمنفعة، وعلى مذهب أبي حنيفة معناه: لا تسأل
عما وجب فيه من الحقوق وحده، بل أسأل عنه وعما يتصل بها من المنفعة
والمضرة إلى صاحبها. فإن قيل: كيف يستدلَّ بهذا الحديث على الوجوب؟
قلتُ: بعطف الرقاب على الظهور؛ لأن المراد بالرقاب الذوات؛ إذ ليس في
الرقاب منفعة للغير كما في الظهور، وبمفهوم الجواب الآتي في قوله عليَّلاَ: ((مَا
أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ)). وأجاب القاضي عنه: بأن معنى قوله: ((ثُمَّ لَمْ يَنْسَ
حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا))، أداء زكاة تجارتها، انتهى. وقيل: المراد بالحق في رقابها
١٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإحسان إليها، والقيام بعلفها وسائر مؤنها. والمراد بظهورها: إطراق فحلها إذا
طلب منه إعارته. وهذا على سبيل الندب. وقال ابنُ حجرٍ: أي: فالخيل ما
حكمها؟ أيجب فيها زكاة فيعاقب تاركها لذلك أو لا فلا؟ قالَ: فالخيلُ أحكامها
ثلاثة أخرى، أي: غير ما مر، فلا زكاة فيها حتى يعاقب تاركها. (ثَلَاثَةٌ) أي:
ربطها على ثلاثة أنحاء، قاله القاري. (هِيَ) أي: الخيل. (وِزْرٌ) أي: إثم وثقل.
(وَهِيَ لِرَجُلِ سِتْرٌ) بكسر السين أي: لحاله في معيشيته لحفظه عن الاحتياج إلى
الخلق، وصيانته عن السؤال. (وَهِيَ لِرَجُلِ أَجْرٌ) أي: ثواب عظيم. قال الطيبي:
في قوله ((فالْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ)) فيهِ جمع وتفريق وتقسيم. أما الجمع: فقوله: ((ثلاثة))،
وأما التفريق فقوله: (فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ) الظاهرُ: أن يقال: فخيل ربطها،
أو يقال: «وأما الذي له وزر فرجل)).
قلتُ: قال النووي: قوله: ((فأما التي هي له وزر)»، هكذا هو في أكثر ((نسخ
صحيح مسلم))، ووقع في بعضها ((الَّذِي)) وهو أوضح وأظهر. وعلى النسخة
المشهورة فالأظهر أن يكون التقدير: فخيل رجل. (رَبَطَهَا رِيَاءً) أي: ليرى الناس
عظمته في ركوبه وحشمته. (وَفَخْرًا) أي: يفتخر باللسان على من دونه من أفراد
الإنسان. (وَنِوَاءً) بكسر النون والمد، أي: معاداة؟، يقال: ناوأت الرجل مناوأة
أي: عاديته، والواو بمعنى أو، فإن هذه الأشياء قد تفترق في الأشخاص، وكل
واحد منها مذموم على حدته. (فَهِيَ) أي: تلك الخيل. (لَهُ وِزْرٌ) أي: على ذلك
القصد، فهي جملة مؤكدة مشعرة باهتمام الشارع به، والتحذير عنه.
(وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال الطيبي: لم يرد به الجهاد،
بل النية الصالحة؛ إذ يلزم التكرار، قال: ويعضده رواية غيره: ((وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا
وَتَعَفُّفًّا)) أي: استغناءً بها، وتعففًا عن السؤال، أو هو أن يطلب بنتاجها العفة
والغنى، أو يتردد عليها متاجرة ومزارعة، فتكون سترًّا له يحجبه عن الفاقة. (ثُمَّ لَمْ
يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا) أي: بالعارية للركوب أو الفعل. (وَلَا رِقَابِهَا) قال
الطيبي: إما تأكيد وتتمة للظهور، وإما دليل على وجوب الزكاة فيها، انتهى. وقال
الجزري في جامع الأصول (ج٥ ص٤٦٦، ٤٦٧): أما حق ظهورها فهو أن يحمل
عليها منقطعًا، ويشهد له قوله في موضع آخر: وأَنْ يفقرَ ظهْرُها. وأما حقُّ رقابها،
فقيل: أراد به الإحسان إليها، والقيام بعلفها وسائر مؤنها، وقيل: أراد به الحمل
١٧٣
كِتَابُ الزَّكاةِ
عليها فعبر بالرقبة عن الذات، انتهى. وأوَّلَّهُ السندي بأن المراد: لم ينس شكر الله
لأجل إباحة ظهورها وتمليك رقابها، وذلك الشكر يتأدى بالعارية. (فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ)
أي: حجاب يمنعه عن الحاجة للناس.
(رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَام) فيه: إشارة إلى أن المراد به الجهاد فإن نفعه
متعد إلى أهل الإسلام. (فِي مَرْج) بفتح الميم وسكون الراء آخره جيم أي: مرعى.
في ((النهاية)) هو الأرض الواسعَّة ذات نبات كثير يمرج فيها الدواب أي: تسرح،
والجار متعلق بـ(رَبَطَ)). وَ(رَوْضَةٍ) عطف تفسير، أو الروضة أخص من المرعى،
وفي نسخة ((المصابيح)) بلفظ: ((أو))، وكذا في مسلم. قال ابن الملك: شك من
الراوي ذكره في ((المرقاة)). وقال الولي العراقي: المرج: الموضع الواسع الذي
فيه نبات ترعاه الدوآب، سمي بذلك؛ لأنها تمرج فيه، أي: تروح وتجيء وتذهب
كيف شاءت. الروضة: الموضع الذي يكثر فيه الماء، فيكون فيه صنوف النبات من
رياحين البادية وغيرها، فالفرقُ بين المرج والروضة: أن الأول معد لرعي
الدواب، ولذلك يكون واسعًا ليتأتى لها فيه ذلك، والروضة ليست معدة لرعي
الدواب، وإنما هي للتنزه بها لما فيها من أصناف النبات. هذا هو الذي يتحرر من
كلام أهل اللغة، فصح عطف الروضة على المرج، وكذا وقع في ((صحيح مسلم))
عطف الروضة أولًا بالواو وثانية بأو؟ والظاهر: أنَّ الواو أولًا بمعنى ((أو)) انتهى.
(فَمَا أَكَلَتْ) أي: الخيل. (مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ) بيان مقدم. (مِنْ شَيْءٍ) أي: من
العلف أو الأزهار، قل أو كثر. (إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ) أي: الذي أكلته من
العشب والذرع. (حَسَنَاتٌ) بالرفع نائب الفاعل، ونصب ((عدد)) على نزع الخافض
أي: بعدد مأكولاتها. وقال الولي العراقي: برفع ((عَدَد)) لنيابته عن الفاعل، ونصب
(حَسَنَات)) بالكسرة على التمييز. ويحتمل رفع قوله: ((حَسَنَات)) على أنه بدل من
((عدد)) أو عطف بيان. ويحتمل أن يكون هو النائب عن الفاعل، ويكون قوله:
((عَدَد) منصوبًا نصب المصدر العددي. (وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاتِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ)
لأن بها بقاء حياتها مع أن أصلها قبل الاستحالة غالبًا من مال مالكها. (وَلَا تَقْطَعُ)
أي: الخيل. (طِوَلَهَا) بكسر الطاء وفتح الواو، ويقال: طِيلها بالياء، وكذا جاء في
((الموطأ)). والطُّول والطِيل: حبلها الطويل الذي شد أحد طرفيه في يد الفرس
والآخر في وتد أو غيره، لتدور فيه وترعى من جوانبها، ولا تذهب لوجهها.
١٧٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَاسْتَنَّتْ) بتشديد النون أي: جرت بقوة من الاستنان، وهو الجري.
قال القاري: أي: عدت ومرجت ونشطت لمراحها. (شَرَفًا) بفتح الشين
المعجمة والراء، هو العالي من الأرض، وقيل: المراد هنا طلقا أو طلقين، قاله
النووي. وقال الجزري: الشرف: الشوط والمدى. (عَدَدَ آثَارِهَا) أي: بعدد
خطاها. (أَرْوَائِهَا) أي: في تلك الحالة، ولعله أراد بالروث هنا ما يشمل البول، أو
أسقطه للعلم به منه. (عَلَى نَهَرٍ) بفتح الهاء وسكونها. (فَشَرِبَتْ) أي: الخيل. (وَلَا
يُرِيدُ) أي: والحال أن صاحبَها لا ينوي. (أَنْ يَسْقِيَهَا) بفتح الياء وضمها. (إِلَّا
كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَمَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ) قال الطيبي: فيه مبالغة في اعتداد الثواب، لأنه
إذا اعتبر ما تستقذره النفوس وتنفر عنه الطباع، فكيف بغيرها وكذا إذا احتسب ما لا
نية له فيه، وقد ورد: ((وإنما لكل امرئ ما نوى))، فما بال ما إذا قصد الاحتساب
فيه، قال ابن الملك: فالحاصل أنه يجعل لمالكها بجميع حركاتها وسكناتها
وفضلاتها حسنات.
قال الحافظ: وفيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا
قصد أصلها، وإن لم يقصد تلك التفاصيل. (فَالْحُمُرُ) بضمتين جمع حمار، أي: ما
حكمها. (إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ) بالرفع. (الْفَاذَّةُ) بالذال المعجمة المشددة أي: المنفردة
في معناها. وقيل: القليلة النظير. وقيل: النادرة الواحدة. (الْجَامِعَةُ) أي: العامة
المتناولة لكل خير ومعروف. قال ابن الملك: يعني: ليس في القرآن آية مثلها في
قلة الألفاظ وجمع معاني الخير والشر. قال الطيبي: سميت جامعة لاشتمال اسم
الخير على جميع أنواع الطاعات فرائضها نوافلها، واسم الشر على ما يقابلها من
الكفر والمعاصي صغيرها وكبيرها، قال النووي: وفيه إشارة إلى التمسك
بالعموم. ومعنى ذلك: أنه لم ينزل عليَّ فيها نص بعينها، ولكن نزلت هذه الآية
العامة. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) أي: مقدار نملة أو ذرة من الهباء الطائر في الهواء.
(خَيْرًا يَرَهُ) أي: يرى ثوابه وجزاءه. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) فلو أعان أحدًا
على بر بركوبها يثاب، ولو استعان بركوبها على فعل معصية يعاقب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد في مواضع من ((مسنده)) مطولًا ومختصرًا،
وأبو داود الطيالسي والبيهقي، ورواه البخاري وأبو داود والنسائي مختصرًا.
١٧٥
كِتَاب الزَّكاة
**<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<<<<***<<<<<< > <<<<<< > <<<<<<< > <<<<**
والحديث نسبه الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥ ص٢٩٦) للبخاري ومسلم
و((الموطأ)) وأبي داود والنسائي، ونسبه المنذري في ((الترغيب)) للبخاري ومسلم.
والظاهر: أنهما أرادا بهذه النسبة أصل الحديث لا تفصيله وتمامه، فإنه لم يروه
كاملًا أحد من أصحاب الكتب الستة إلا مسلم، من أحب الوقوف على اختلاف
الروايات وألفاظها رجع إلى ((جامع الأصول)) (ج٥ ص٢٩٦، ٣٠٣).
١٧٨٩ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالَّا فَلَمْ
يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَأْخُذُ
بِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُلَكَ)). ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةُ:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ إِلَى آَخِرِ الْآيَةِ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
W O
الْشَّرْحُ
١٧٨٩ - قوله: (مَنْ آتَاهُ اللَّهُ) بمد الهمزة أي: أعطاه. (مَالًا) قال الحافظ:
المراد بالمال الناض. (مُثِّلَ) بضم الميم وتشديد المثلثة على صيغة المجهول،
أي: صور وجعل. (لَهُ مَالُهُ) أي: الذي لم يؤدِّ زكاته. (شُجَاعًا) بضم الشين
ويكسر، منصوب على أنه مفعول ثان. وقال الطيبي: شجاعًا نصب يجري مجرى
المفعول، أي: صور ماله شجاعًا أو ضمن، مثل معنى التصيير، أي: صير ماله
على صورة شجاع. وقال البدر الدماميني: شجاعًا منصوب على الحال، وهو الحية
الذكر. وقيل: هو الحية مطلقًا، وقيل: الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس
والرَّاجِلَ، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحاري. (أَقْرَعَ) قال في ((جامعِ
الأُصولِ)): الأقرعُ: صفة الحية بطول العمر. وذلك أنه بطول عمره قد أمرق شعرَ
رأسه، فهو أخبث له وأشد شرًّا، انتهى، وقال في ((النهاية)): هو الذي لا شعر له
على رأسه، يريد حية قد تمعط وذهب جلد رأسه؛ لكثرة سُمِّه وطول عمره، قال
الأزهري في ((تهذيبه)): سمي أقرع؛ لأنه يقري السم ويجمعه في رأسه حتى تتمعَّط
(١٧٨٩) البُخَاريُّ (١٤٠٣) عن أبي هريرة، ومُسْلِم (٩٨٨) عَنْهُ فِيهَا.
١٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فروة رأسه، قال ذو الرمة :
عَنِ الْعَظْمِ صِلِّ قَاتِلُ اللَّسْعِ مَارِدُهُ
فَرَى السُّم حَتَّى انْمَازَ فَزْوَةَ رَأْسِهِ
وقيل: هو الأبيض الرأس من كثرةِ السمِّ، وكلما كثر سمه أبیضَّ رأسه، وقيل:
نوع من الحيات أقبح منظرًا. (لَهُ زَبِيبَتَانٍ) ثنية زبيبة، بزاي معجمة مفتوحة
فموحدتين بينهما تحتية ساكنة، وهما الزبدتان اللتان في الشدقين، يقال: تكلم
فلان حتى زبَّب شِدقاه، أي: خرج الزبد عليهما. وقيل: هما النكتتان السَّوْدَاوَانِ
وإن فوق عينيه، وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه. وقيل: هما نقطتان
يكتنفان فاه. وقيل: هما في حلقه بمنزلة زنمتي العنز: وقيل: لحمتان على رأسه
مثل القرنين. وقيل: نابان يخرجان من فيه.
(يُطَوَّقُهُ) بفتح الواو المشددة، والضمير الذي فِيهِ مفعوله الأول والضمير البارز
مفعوله الثاني، وهو يرجع إلى ((من)) في قوله: ((مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا)) والضمير المستتر
يرجع إلى الشجاع، أي: يجعل الشجاع طوفًا في عنقه. وقيل: المعنى: يطوق
ذلك الرجل شجاعًا، قال القاري: وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ
• [آل عمران: ١٨٠].
بِهِ
(ثُمَّ يَأْخُذُ) أي: الشجاع ذلك البخيل. قال الحافظُ: فاعل ((يأخذ)): الشجاع
والمأخوذ يد صاحب المال، كما وقع مبينًا في رواية همام عن أبي هريرة الآتية في
ترك الحيل. عند البخاري بلفظ: (لَا يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ)).
(بِلِهْزِمَتَيْهِ) بكسر اللام وسكون الهاء بعدها زاي مكسورة ثم ميم بعدها فوقية، تنثية
لهزمة، وفسرهما بقوله: (يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ) بكسر الشين المعجمة، وسكون الدال
المهملة، أي: بطرفي فمه. قيل: ضمير (لِهْزِمَتَيْهِ)) للشجاع، ويمكن أن يكون
لصاحب المال. قال الطيبي: اللهزمة: اللحي وما يتصل به من الحنك، وفسر
بالشدق وهو قريب منه، انتهى. وقال في ((الصحاح)): هما العظمان الناتئان في
اللحيين تحت الأذنين، وفي ((الجامع)): هما لحم الخدين الذي يتحرك إذا أكل
الإنسان. وقيل: مضيغتان في أصل الحنك.
(ثُمَّ يَقُولُ) أي: الشجاع المصور من المال. (أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزَُ) فائدة هذا
القول: الحسرة والزيادة في التعذيب، حيث لا ينفعه الندم. وفيه نوع من التهكم
١٧٧
كِتَابُ الرَّكَاةِ
المزيد غصته وهمه؛ لأنه شرٌّ أتاه من حيثُ كان يرجو خيرًا، وزاد في رواية
البخاري: ((يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ)). وفي حديث ثوبان عند ابن حبان: ((يتبعه
فيقول: ((أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيمضغها، ثم يتبعه
سائر جسده). ولمسلم في حديث جابر: ((يَتْبَعُ صَاحِبَهُ حَيْثُمَا ذَهَبَ وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ))،
فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه، فجعل يقضمها كما يقضم الفحل.
وللطبراني في حديث ابن مسعود: ((يَنْقُرُ رَأْسَهُ)).
(ثُمَّ ثَلَا) أي: النبي ◌َّ، ففي حديث ابن مسعود عند الشافعي والحميدي: ثم
قرأ رسول اللَّه وَله، فذكر الآية ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] بالغيب في
(يَحْسَبَنَّ)) أسنده إلى الذين، وقدر مفعولًا دلَّ عليه ((يَبْخَلُونَ)) أي: لا يحسبن
الباخلون بخلهم خيرًا لهمٍ، وفي رواية: ((وَلَا تَحْسَبَنَّ)) بالخطاب، وهي قراءة
حمزة، أسند إلى رسول اللَّه وَلَه وقدر مضافًا أي: لا تحسبن يا محمد بخل الذين
يبخلون هو خيرًا لهم، فـ(بخل)) و((خير)) مفعولان. وفي حديث ابن مسعود عند
الترمذي: ثم قرأ رسول اللَّه وَ له مصداقه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةٌ﴾ [آل
عمران: ١٨٠]. قال الحافظُ: في هذين الحديثين تقوية لقول من قال: المراد بالتطويق
في الآية الحقيقة، خلافًا لمن قال: إن معناه: سيطوقون الإثم. وفي تلاوة
النبي وَلّ الآية عقب ذلك دلالة على أن الآية نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول
أكثر أهل العلم بالتفسير، وقيل: إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة النبي وَ لآه،
وقيل: نزلت فيمن له قرابة لا يصلهم، قاله مسروق انتهى.
(الْآيَةَ) أي: بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم، سيطوقون ما
بخلوا به يوم القيامة. قال السندي: ظاهر قوله: ((مَا بَخِلُوا بِهِ)) أنه یجعل قدر الزكاة
طوقًا له، لأنه الذي بخل به.
وظاهر الحديث أنه الكل، ويمكن أن يقال: المراد في القرآن ما بخلوا بزكاته
وهو كل المال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، ثم لا تنافي بين هذا وبين قوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة:٣٤] إذ يمكن أن يجعل
بعض أنواع المال طوقًّا، وبعضها يُحمى عليه في نار جهنم، أو يعذب حينًا بهذه
الصفة وحينًا بتلك الصفة، والله أعلم، انتهى. وقال الحافظ: المراد بالمال - أي:
في الحديث : - ((الناض)). ولا تنافي بين روايتي أبي هريرة، يعني: هذه الرواية
١٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التي نحن في شرحها، والرواية السابقة بلفظ: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا
يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في
نار جهنم، فيكوى بها جنبه ... )) الخ. لاحتمال اجتماع الأمرين معا، فهذه الرواية
توافق الآية التي ذكرها، وهي ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾، والرواية السابقة توافق قوله تعالى:
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [الآية - التوبة: ٣٥] وقال العيني: في الحديث ما يدل على
قلب الأعيان، وذلك في قدرة الله تعالى بَيِّنٌ لا ينكر. وفيه أن لفظ مالًا بعمومه
يتناول الذهب والفضة وغيرهما من الأموال الزكوية. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الزكاة
والتفسير وترك الحيل، وأخرجه أيضًا مالك والنسائي وابن حبان والبيهقي
(ج٤: ص٨١) ولكن وقفه مالك على أبي هريرة ولم يرفعه، وهذا الحديث جعله
أبو العباس الطرقي والذي قبله حديثًا واحدًا ولا يخفى ما فيه، وذكره المنذري في
((الترغيب والترهيب))، ثم قال: رواه البخاري والنسائي ومسلم، وقد وهم في
نسبته (صحيح مسلم)) فإنه لم يروه بذلك، وقد نقله ابن كثير في التفسير عن
البخاري، وقال: تفرد به البخاري دون مسلم. وفي الباب عن ابن مسعود عند
أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وسيأتي، وعن جابر عند أحمد
ومسلم والنسائي، وعن ابن عمر عند أحمد والنسائي، وعن ثوبان عند البزار
والطبراني وابن خزيمة وابن حبان.
١٧٩٠ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُل يَكُونُ لَهُ
إِيِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمْ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا أَنِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَّ مَا تَكُونُ،
وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُّهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ
أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ)».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٧٩٠ - قوله: (مَا مِنْ رَجُل يَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ) ((أو)) للتقسيم. (لَا
يُؤَدِّي حَقَّهَا) هذا لفظ البخاري. وفي رواية مسلم: ((لا يؤدي زكاتها)).
(١٧٩٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٤٦٠)، ومُسْلِم (٣٠/ ٩٩٠) عَنْهُ فِيهَا.
كِتَابُ الزَّكَاةِ
١٧٩
(إلا أُتِيَ بها) بضم الهمزة على صيغة المجهول. (أَعْظَمَ مَا تَكُونُ) بالتأنيث.
((وَأَعْظَمَ)) بالنصب على الحال ((وَمَا)) مصدرية. (وَأَسْمَنَهُ) عطف على المنصوب
السابق، والضمير راجع إلى لفظ ((ما)). (تَطَوّهُ بِأَخْفَافِهَا) أي: تدوسُهُ ذوات
الأخفاف بأرجلها، وهذا راجع للإبل؛ لأن الخف مخصوص بها، كما أن الظلف
مخصوص بالبقر والغنم والظباء، والحافر يختص بالفرس والبغل والحمار،
والقدم للآدمي. (تَنْطِحُهُ) بكسر الطاء وتُفْتَحُ، أي: تضربه ذوات القرون.
(بِقُرُونِهَا) فالضمير في كلِّ قسم عائد على بعض الجملة لا على الكل، والخف
للإبل، والقرون للبقر والغنم، كما أن الظلف لهما، وقيل: قوله: ((تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا))
راجع للبقر .
(كُلَّمَا جَازَتْ) بالجيم والزاي، أي: مرت. (رُدَّتْ) بضم الراء مبنيًّا للمفعول،
أي: أعيدت. (عليه) أي: على الرجل، يعني: فهو معاقب بذلك. (حَتَّى يُقْضَى
بَيْنَ النَّاسِ) أي: إلى أن يفرغ الحساب.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه، والبيهقي (ج ٤ : ص ٩٧) وغيرهم.
١٧٩١ - [٥] وَعَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا
أَتَاكُمُ الْمُصَدِّقُ فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٧٩١ - قوله: (إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَدِّقُ) بكسر الدال المشددة مع تخفيف الصاد
أي: آخذ الصدقة، وهو الساعي العامل، وأما المصَّدِّق بتشديد الصاد فهو: دافع
الصدقة، أي: معطيها، وهو رب المال. (فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ) بضم الدال، أي:
يرجع. (وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ) الجملة حال. وفي رواية الترمذي والبيهقي: ((فَلَا
(١٧٩١) مُسْلِمٌ (٩٨٩/٢٩)، وَالتِّرْ مِذِيُّ (٦٤٨)، وَالنَّسَائِي (٣١/٥)، وَابن مَاجَهْ (١٨٠٢) عَنْ جَرِيرٍ
فِيهَا .