النص المفهرس
صفحات 141-160
SECRE
١٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
(ج١: ص٣٧٥) والبيهقي (ج٤: ص٧٦) وعزاه المجد ابن تيمية في ((المنتقى)) إلى
الجماعة بدون استثناء، وهو وَهْمٌ منه، فإنَّ هذا الحديث من أفراد مسلم، ولم
أجده في الترمذي أيضًا، ولا عزاه إليهما غيره كالجزري في ((جامع الأصول))
(ج ١١: ص٤٣٩) والمنذري في ((مختصر السنن))، والنابلسي في ((الذخائر))
(ج ٤ : ص٩١) والنووي في ((شرح مسلم)).
قال مَيْرَك: حديث أبي هريرة في زيارة النبي ◌َّ قبر أمه ذكره الحافظ الكبير
أبو الحجاج المزي في ((الأطراف))، وهو لم يوجد في نسخ رواياتنا بالصحيح
المشرقية. قال النووي في ((شرحه)): هذا الحديث وجد في رواية أبي العلاء بن
ماهان لأهل المغرب، ولا يوجد في نسخة بلادنا من طريق عبد الغافر بن محمد
الفارسي، انتهى. وقد رواه محيي السنة من طريق عبد الغافر من ((صحيح مسلم))،
فلعله يوجد في بعض النسخ، ولولا ذلك لم يذكره المزي في ((الأطراف))، انتهى.
١٧٧٩ - [٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّه يُعَلِّمُهُمْ إِذَا
خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ،
وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
G O
الشَّرْحُ
١٧٧٩ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ يُعَلِّمُهُمْ) أي: الصحابة. (إِذَا خَرَجُوا إِلَى
الْمَقَابِرِ) أي: للزيارة أن يقولوا عند وصولهم إليها: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) قال الطيبي:
في محلِّ النصب على أنه مفعول ثان لـ((يُعَلِّمُ))، أي: يعلمهم كيفية التسليم على أهل
المقابر، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يؤخرون السلام. قال الحماسي:
وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَكَّمَا
عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصٍ
فخالفهم وقدم السلام. قال الخطابي: فيه أن السلام على الموتى كما هو على
(١٧٧٩) مُسْلِم (٩٧٥) عن أبي هريرة فيه.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ
١٤١
الأحياء في تقديم الدعاء على الاسم أي: في ابتداء السلام، ولا يقدم الاسم على
الدعاء كما يفعله العامة، وكذلك في كل دعاء بخير. قال الله تعالى: ﴿رَحْمَثُ اللَّهِ
[صافات: ١٣٠] ولا
وَبَكَنُهُ, عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [ هود: ٧٣] وقال ◌َ: ﴿سَلَمُ عَلَىَ إِلَّ يَاسِينَ
يعارض هذا حديث جابر بن سليم عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي قال:
أتيتُ النبيِّ فقلتُ: عليك السلام، فقال: ((لَا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلَامُ؛ فَإِنَّ عَلَيْكَ
السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ))؛ لأن فيه إشارة إلى ما جرت به العادة منهم في تحية الأموات
وإخبارًا عن الواقع لا المشروع، أي: أن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه
اللفظة، فكره النبي وَله أن يُحَيًّا بتحية الأموات، والسنة لا تختلف في تحية الأحياء
والأموات. وسيأتي بسط الكلام عليه في شرح حديث جابر بن سليم في باب فضل
الصدقة. والذي في مسلم: ((كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم
يقول: السلام عليكم ... )) إلخ. وفي ابن ماجه: ((كان قائلهم يقول))، أي: بغير
الفاء. قال السندي: قوله: ((كَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ)) بدل من قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ
يُعَلِّمُهُمْ)) للتنبيه على أنهم كانوا يعلمون بما يعلمهم رسول اللَّه ◌َّةِ، والمراد: أنه
كان يعلمهم هذا الذكر، وكانوا يأتون به، انتهى. وذكره الجزري
(ج ١١: ص ٤٤٢) نقلاً عن مسلم والنسائي بلفظ: كان يعلمهم إذا خرجوا إلى
المقابر أن يقول قائلهم.
(أَهْلَ الدِّيَارِ) بالنصب بتقدير حرف النداء. ويؤيده ما في الرواية الآتية بياء
النداء. وقيل: نصبه على الاختصاص أفصح، وبالجر على البدل من الضمير.
قال الطيبي: سمى ◌َّ موضع القبور دارًا تشبيهًا له بدار الأحياء لاجتماع الموتى
فيها. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بيان لأهل الديار.
(وَالْمُسْلِمِينَ) قال النووي: فيه أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد،
وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن
﴾ [الذاريات: ٣٥] ولا يجوز أن
(٣٦)
كَانَ فِيَهَا مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ (٢٥) فَا وَجَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقًا لا
يجوز السلام عليه والترحم، انتهى.
(وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ) التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك والتفويض
١٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وامتثال قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّيِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] وقيل:
المشيئة عائدة إلى الكون معهم في تلك التربة بعينها، يعني: أن التعليق باعتبار
اللحوق بخصوص أهل المقبرة.
وقيل: أتى به لأن الموت على الإيمان والإسلام مشكوك فيه، فعلى هذا يكون
خاصًّا بالأمة، وأتى به بَّه تعليمًا لِهم، أو ((أِنْ)) فيه بمعنى ((إِذْ)) كما في: ﴿وَخَافُونِ إِن
كُمْ مُؤْمِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] (نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) أي: الخلاص من المكاره.
في الحديث: دليل على استحباب التسليم على أهل القبر والدعاء لهم بالعافية.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج ٤: ص٧٩)
وزاد في رواية النسائي: ((أَنْتُمْ لَنَا فَرَطْ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ))، وفي حديث عائشة عند ابن
ماجه: ((اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ)).
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ
١٤٣
الفصل الثاني
١٧٨٠ - [٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ وَّهِ بِقُبُورٍ بِالْمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ
عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
سَلَفْنَا وَنَحْنُ بِالْأَثْرِ)).
5 0
الْشِّرْجُ
١٧٨٠ - قوله: (فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ) أي: على أهل القبور. قال القاري: فيه
دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت،
وأن يستمرَّ كذلك في الدعاء أيضًا، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافًا لما قاله ابن
حجر من أن السنة عندنا أنه حالة الدعاء يستقبل القبلة، كما علم من أحاديث في
مطلق الدعاء، انتهى. وفيه: أن كثيرًا من مواضع الدعاء ما وقع استقباله عليه
الصلاة والسلام للقبلة. منها ما نحن فيه، ومنها: حالة الطواف والسعي، ودخول
المسجد وخروجه، وحال الأكل والشرب، وعيادة المريض وأمثال ذلك، فيتعين
أن يقتصر الاستقبال وعدمه على المورد إن وجد، وإلا فخير المجالس ما استقبل
کما ورد به الخبر، انتهى كلام القاري.
(أَنْتُمْ سَلَفْنَا) بفتحتين في ((النهاية)) هو من سلف المال، كأنه أسلفه وجعله ثمنًا
للأجر على الصبر عليه. وقيل: سلف الإنسان مَنْ تَقَدَّمَهُ بالموت من الآباء وذوي
القرابة، ولذا سمي صدر الأول من التابعين بالسلف الصالح، انتهى. (وَنَحْنُ
بِالأَثَرِ) بفتحتين يعني تابعون لكم من ورائكم، لاحقون بكم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) لم أجد من رواه غيره، ونسبه العيني في ((شرح البخاري))
(ج ٨ص٦٩) إلى أحمد. (وَقَالَ) أي: الترمذي. (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) في
سنده قابوس بن أبي ظبيان، وهو مختلف فيه.
(١٧٨٠) التِّرْمِذِي (١٠٥٣) فيه عنه، وقال: حسنٌ غريبٌ.
١٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SEOBBCE X
الفصل الثالث
١٧٨١ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ رُّا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ،وَّهِ كُلَّمَا كَانَ
لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَلَهِ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُولُ: ((السَّلَامُ
عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِعِ الْغَرْقَدِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
W O
الْشَّرْجُ
١٧٨١ - قوله: (كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا) أي: في آخر عمره بعد حجة الوداع، قاله
السندي. (مِنْ رَسُولِ اللهِ وََّ) ((مِنْ)) متعلق بالليلة بمعنى النصيب، أو المحذوف
أي: التي تخصها منه. قال الطيبي: ((كُلَّمَا)) ظرف فيه معنى الشرط والعموم
وجوابه. (يَخْرُجُ) وهو العامل فيه. وهذا حكاية معنى قولها لا لفظها، أي: كان
من عادته أنه إذا بات عندها أن يخرج. (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) أي: في آخره. (إِلَى الْبَقِيعِ)
أي: بقيع الغرقد، وهو موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها. في النهاية: هو
المكان المتسع، ولا يسمى بقيعًا إلا وفيه شجر أو أصولها، والغرقد شجر، والآن
بقيت الإضافة دون الشجرة. وقال النووي: البقيع مدفن أهل المدينة، سمي بقيع
لغرقٍ كان فيه، وهو ما عظم من العَوْسَجِ. وفي الحديث فضيلة الدعاء آخر الليل
وفضيلة زيارة قبور البقيع .
(دَارَ قَوْم) دار منصوب على النداء. والتقدير: يا أهل دار قوم، فحذف المضاف
وأقام المضَّاف إليه مقامه، وقيل: الدار مقحم. (وَأَتَاكُمْ) بالقصر أي: جاءكم. قال
ابن الملك: وإنما قال أتاكم؛ لأن ما هو آت كالحاضر، انتهى. أو لتحققه كأنه
وقع. (مَا تُوعَدُونَ) أي: ما كنتم توعدون به من الثواب أو أعم منه ومن العذاب.
(غَدًا) هو متعلق بما قبله، ويحتمل تعلقه بما بعده وهو قوله: (مُؤَجَّلُونَ) أي: أنتم
مؤخرون وممهلون إلى غد باعتبار أجوركم استيفاءً واستقصاءً، فالجملة مستأنفة
(١٧٨١) مُسْلِم (٩٧٤) عنها فيه.
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
باب زيارة الفيور
مبينة أن ما جاءهم من الموعود أمور إجمالية لا أمور تفصيلية. قال الطيبي: إعرابه
مشكل إن حمل على الحال المؤكدة من واو ((توعدون)) على حذف الواو والمبتدأ
كان فيه شذوذان. قال ابن حجر: وهو سائغ إذا دل عليه السياق، كما هنا. قال
الطيبي: ويجوز حمله على الإبدال من ((مَا تُوعَدُونَ)) أي: أتاكم ما تؤجلونه أنتم،
والأجل الوقت المضروب والمحدود في المستقبل؛ لأن ما هو آت بمنزلة
الحاضر، انتهى. قال القاري: وهو كما قال ابن حجر بعيد تكلف جدًّا، بل السياق
ینبو عنه، انتھی.
ورواه النسائي بلفظ: ((وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ مُتَوَاعِدُونَ غَدًا وَمُتَواكِلُونَ)). قال السندي:
متواعدون أي: كان كل منا ومنكم وعد صاحبه حضور غد، أي: يَومَ القِيَامَة،
ومتواكلون أي: متكلٍ بعضهم على بعض في الشفاعة والشهادة، واللَّه تعالى
أعلم. (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) أي: مقبرة المدينة، وفيه أَنَّ الدعوة
الإجمالية على وجه العموم كافية. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه النسائي والبيهقي أيضًا.
١٧٨٢ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ - تَعْنِي: فِي
زِيَارَةِ الْقُبُورِ - قَالَ: (قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
بِكُمْ لَلاَحِقُونَ)) .
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
3 0
الْشَّرْجُ
١٧٨٢ - قوله: (تَعْنِي) أي: تريد عائشة ظًُّا بالسؤال كيفية المقال، وهذا
تفسير من المصنف. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ) فيه تغليب الرجال على النساء.
(الْمُسْتَقْدِمِينَ) أي: الذين تقدموا علينا بالموت. (مِنَّا) أي: معشر المؤمنين.
(وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) أي: المتأخرين في الموت، والسين فيها لمجرد التأكيد لا
للطلب، أي: الأموات منا والإحياء، وفي الحديث: دليل لمن جوز للنساء زيارة
(١٧٨٢) رَوَاهُ مُسْلِم
١٤٦
Cer* * Feese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القبور عند وجود الشروط المعتبرة في حقهن. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه النسائي
والبيهقي أيضًا.
١٧٨٣ - [٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ
قَالَ: «مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَرًّا)).
صَى لّه
وسلم
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا] {موضوع}
الشَّرْحُ
١٧٨٣- قوله: (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ) الظاهر أنه محمد بن النعمان بن
بشير الأنصاري أبو سعيد، ثقة من كبار التابعين. (يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ)
أي: بإسقاط الصحابي أو من دونه. (أَوْ أَحَدِهِمَا) عطف على ((أبويه)) أي: أو قبر
أحدهما. (فِي كُلُّ جُمُعَةٍ) أي: في كل يوم جمعة أو في كل أسبوع، ويؤيد الأول
رواية ابن عدي من حديث أبي بكر بلفظ: ((من زار قبر والديه أو أحدهما يوم
الجمعة)). (غُفِرَ لَهُ) ذنوبه الصغائر. (وَكُتُبَ برًّا) بفتح الباء أي: كان بارًّا بهما غير
عاق بتضييع حقهما، فعدل منه إلى قوله ((كَتَبَ)) لمزيد الإثبات، وأنه من الراسخين
ثبت في ديوان الأبرار، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]
وفيه: استحباب زيارة قبر الوالدين في يوم الجمعة، لكن الحديث مرسل، وكل ما
يروى في ذلك ضعيف.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا) تقدَّم معنى المرسل، ولم أقف على
إسناد هذا الحديث، فلا أدري كيف حاله. وفي الباب عن أبي بكر عند ابن عدي
بإسناد ضعيف، وعن أبي هريرة عند الحكيم الترمذي وإسناده أيضًا ضعيف، قاله
العزيزي في ((شرح الجامع الصغير)).
وحديث أبي هريرة عزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج ٤ ص٥٩) إلى الطبراني
في ((الأوسط)) و((الصغير))، وقال: وفيه عبد الكريم أبو أمية وهو ضعيف، انتهى.
(١٧٨٣) البَيْهَقِي (٧٩٠١) في الشُّعَب عنه، وهو مرسل.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ زِيَارَةِ الْقُبورِ
١٤٧
وروى الحاكم (ج١ ص ٣٧٧) والبيهقي (ج ٣ ص٧٨) من حديث الحسين: أن فاطمة
كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة. قال الحاكم: رواته ثقات، وتعقبه الذهبي
فقال: هذا منكر جدًّا، وسليمان بن داود ضعيف.
١٧٨٤ - [٨] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: «كُنْتُ
نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوَهَا؛ فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ)).
[ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الْشَرْحُ
١٧٨٤ - قوله: (كُنْتُ نَھَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) خوفًا علیکم من فعل
الجاهلية من الجزع والنوح وذكر ما لا ينبغي في ابتداء إسلامكم، والآن استحكم
فيكم الإسلام وصرتم أهل التقوى. (فَزُورُوهَا) ندبًا، ففيه جمع بين الناسخ
والمنسوخ. (فَإِنَّهَا) أي: زيارة القبور أو القبور أي: رؤيتها. (تُزَّهِّدُ فِي الدُّنْيَا) أي:
ترغب عنها وتحمل على التقليل منها. (وَتُذَكَّرُ الآخِرَةَ) وتعين على الاستعداد لها .
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) قال المنذري في ((الترغيب)): بإسناد صحيح، وقال الحافظ في
((التلخيص)): في إسناده أيوب بن هانئ، وهو مختلف فيه، وقال في ((الزوائد)):
إسناده حسن، وأيوب بن هانئ قال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: صالح،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، انتهى. وأخرجه الحاكم (ج ١ ص ٣٧٥) والبيهقي
(ج ٤ ص٧٧) وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: أيوب ضعفه ابن معين، انتهى.
والظاهر: أن الحديث حسن الإسناد، كما قال البوصيري.
(١٧٨٤) ابن مَاجَهْ (١٥٧١) عنه فيه.
١٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٨٥ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لِهِ لَعَنَ زَوَّارَاتٍ
الْقُبُورِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَالَ: قَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنْ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ النَّبِيَّ فِي زِيَارَةِ
الْقُبُورِ، فَلَمَّا رَخَّصَ دَخَلُّ فِي رُّخْصَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا
كَرِهَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةٍ صَبْرِهِنَّ وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ. تَمَّ كَلَامُهُ. (صحيح)
5 0
الْشِّرْحُ
١٧٨٥ - قوله: (زَوَّرَاتِ الْقُبُورِ) قال القاري: لعلَّ المراد كثيرات الزيارة،
وقال القرطبي: حمل بعضهم حديث الترمذي في اللعن على من يكثر الزيارة
منهن؛ لأن زوَّارات للمبالغة، ويمكنُ أن يقال: أن النساء إنما يمنعن من إكثار
الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة، والتشبه
بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ وغير ذلك من المفاسد،
وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزَّوارات، ذكره العيني.
وقال السيوطي: زوَّارات جمع زوارة بمعنى زائرة. قلتُ: ويؤيده حديث ابن
عباس عند أحمد وأبي داود والنسائي بلفظ: ((زَائِرَاتِ الْقُبُورِ))، فإنه يدل على أنه لا
فرق بين الزائرات والزوارات، وأن الزوارات بمعنى الزائرات، وعلى هذا يمكن
أن يقال: إن اللعن محمول على زيارتهم بما لا يجوز؛ كالتبرج والجزع والصياح
وغير ذلك مما لا ينبغي، وأما إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن؛ لأن
الزيارة عللت بتذكر الموت، ويحتاج إليه الرجال والنساء جميعًا.
قال القاري بعد ذكر الأحاديث التي وردت في الرخصة في زيارة القبور: وقد
عللت الزيارة فيها بأنها ترقق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة والموت، وبأن
فيها عبرة ما لفظه: هذه الأحاديث بتعليلاتها تدل على أن النساء كالرجال في حكم
(١٧٨٥) أحْمَد (٤٤٣٤٤٢/٣)، والتِّرْ مِذِي (١٠٥٦)، وابن مَاجَهْ (١٥٧٥) عنه فيه، وقالَ التِّرْمِذِي:
حسنٌ صحيحٌ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ
١٤٩
الزيارة إذا زرن بالشروط المعتبرة في حقهن، وأما خبر: لعن الله زوّارات القبور،
فمحمول علی زیارتھن لمحرم کالنوح وغيره مما اعتدنه، انتهى .
وقال القرطبي: وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك - أي: تضييع حق الزوج والتبرج
وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك - فلا مانع من الإذن لهن؛ لأن تذكر الموت يحتاج
إليه الرجال والنساء، انتهى. قال الشوكاني: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده
في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه ابن حبان والبيهقي (ج ٤ ص٧٨)
أيضًا، وفي الباب عن ابن عباس، وقد تقدم في باب المساجد. وعن حسان بن
ثابت، أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي. (وَقَالَ) أي: الترمذي. (قَدْ
رَأَى) أي: اعتقد. (بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا) أي: اللعن. (كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ
النَّبِيُّ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَلَمَّا رَخَّصَ دَخَّلَ فِي رُخْصَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ)، قال الحافظ
في ((الفتح)): وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا أمنت الفتنة، وممن حملهن الإذن على
عمومه للرجال والنساء عائشة عنه كما تقدم في آخر بابٍ دَفْن الميت.
قال الشوكاني: استدلَّ القائلون بالجواز بأدِلَّة منها: دخولهن تحت الإذن العام
بالزيارة، ويجاب عنه بأن الإذن العام مخصص بهذا النهي الخاص المستفاد من
اللعن، إما على مذهب الجمهور فمن غير فرق بين تقدم العام وتأخره ومقارنته وهو
الحق، وإما على مذهب البعض القائلين بأن العام المتأخر ناسخ فلا يتم الاستدلال
به إلا بعد معرفة تأخره منها، انتهى.
وقال شيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)) (ج٢ ص١٣٨): النهي ورد
خاصًّا بالنساء، والإباحة لفظها عام، والعام لا ينسخ الخاص، بل الخاص حاكم
عليه ومقيد له. قال الشوكاني: ومنها ما رواه مسلم عن عائشة قالت: كيف أقول يا
رسول اللَّه، إذا زرت القبور؟ قال: ((قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ ... )) إلخ - وهو
ثاني أحاديث الفصل الثالث من هذا الباب - ومنها ما أخرجه البخاري: أَنَّ
النبيِ بَّهِ مرَّ بامرأةٍ تبكي عند قبر، فقال: ((اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي)»، قالتْ: إليك عني
... الحديث. وقد تقدم في باب البكاء، ومنها ما رواه الحاكم أن فاطمة
بنت محمد ◌ّ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة ... إلخ. قلت: هذا حديث
١٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ضعيف منكر كما تقدم عن الذهبي. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَرِهَ) أي: النبي ◌َ،
وروي بصيغة المجهول، قاله القاري. (زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةٍ صَبْرِهِنَّ وَكَثْرَةِ
جَزَعِهِنَّ) يعني: بقيت النساء تحت النهي؛ لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، قال
السندي: وهو الأقربُ إلى تخصيصهن بالذكر في أحاديث اللعن، وأجاب القائلون
بالجواز عن هذه الأحاديث بأنها محمولة على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره، كما
تقدم عن القرطبي والشوكاني والقاري. وبهذا تجمع الأحاديث المتخالفة في
الظاهر، وهو الراجح عندي. والله تعالى أعلم. (تَمَّ كَلَامُهُ) أي : قال المصنف: تم
كلام الترمذي.
١٧٨٦ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِي الَّذِي فِيهِ
رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ وَإِنِّي وَاضِعٌ ثَوْبِي وَأَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ زَوْجِي وَأَبِي، فَلَمَّا دُفِنَ
عُمَرُ مَعَهُمْ فَوَاللَّهِ مَا دَخَلْتُهُ إِلَّا وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَلَيَّ ثِيَابِي؛ حَيَاءً مِنْ عُمَرَ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
G O
الْشَّرْخُ
١٧٨٦ - قوله: (بَيْتِ الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ) أي: قبره، أو دفن فيه
رسول اللَّه وَ ليل، وفي ((مسند الإمام أحمد)) (ج٦ ص٢٠٢): بيتي الذي دفن فيه
رسول اللَّه وَلّه وأبي. (وَإِنِّي وَاضِعٌ) بالتنوين، والظاهرُ واضعة، فكأنه نزل منزلة
الحائض، أو التذكير باعتبار الشخص، ويجوز إضافته إلى قولها: (ثَوْبِي) أي:
بعض ثيابي، ولذا أفرد هنا وجمع فيما سيأتي، وفي ((المسند)): ((فَأَضَعْ ثَوْبِي))،
بلفظ المتكلم من المضارع. (وَأَقُولُ) وفي ((المسند)): ((فَأَقُولُ))، أي: في نفسي
لبيان عذر الوضع. وقال الطيبي: القول بمعنى الاعتقاد، وهو كالتعليل لوضع
الثوب. (إِنَّمَا هُوَ) أي: الكائن هنا. (زَوْجِي وَأَبِي) أي: إنما هو زوجي والآخر
أبي، والضمير للشأن، أي: إنما الشأن زوجي وأبي مدفونان فيه، أو الضمير
للبيت، أي: إنما هو مدفن زوجي وأبي على تقدير مضاف. (فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ مَعَهُمْ)
(١٧٨٦) رَوَاهُ أَحْمَد (٢٠٢/٦) رَضِ لَّهُ.
كِتّاب الْجَنَائِزِ
بَاب زِيَارَةِ الْقبورِ
١٥١
فيه اختيار أن أقل الجمع اثنان .
(فَوَ اللَّهِ مَا دَخَلْتُهُ إِلَّا وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَليَّ ثِيَابِي؛ حَيَاءً مِنْ عُمَر) فيه: أنه ينبغي احترام
الميت عند زيارة قبره کاحترامه حيًّا .
قال الطيبي: في الحديث دليل بَيِّنٌ على أنه يجبُ احترام أهل القبور، وتنزيل كلٍّ
منزلته ما هو عليه في حياته من مراعاة الأدب معهم على قدر مراتبهم، والله أعلم،
انتھی .
وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب ((القبور)) عن سليم بن غفر: أنه مر على مقبرة
وهو حاقن قد غلبه البول، فقيل له: لو نزلت فبلت، قال: سبحان الله! والله إني
لأستحي من الأموات كما أستحي من الأحياء، ذكره القاري.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٦ ص ٢٠٢) قال: ثنا حماد بن أسامة، قال: أنا هشام عن أبيه عن
عائشة قالت: كنت أدخل ... إلخ.
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٨ص٢٦): رجالُهُ رجال الصحيح.
هذا آخر كتاب الجنائز، وقد بقيت أحكام ومسائل كثيرة تتعلق بالميت
والمحتضر محل ذكرها وبسطها كتب الفقه والفتاوى، من شاء الوقوف عليها رجع
إلى ((المغني)) لابن قدامة وغيره من الكتب المؤلفة في الجنائز والمحتضر خاصة،
ولشيخنا الأجل المباركفوري تأليف متوسط في هذا الموضوع في الأردوية سماه
((كتاب الجنائز))، وقد رتَّبه على مقدمة وعشرة أبواب، قد استوعب فيها أحكام
الجنائز ومسائلها، وهو مفيد جدًّا، لم يصنف مثله في اللغة الأردوية، وقد طبع
مرتين .
١٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جنيه
DJO
٦ - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(كِتَابُ الزَّكَاةِ) قال الحافظ: هي الركن الثالث من الأركان التي بُني الإسلام
عليها، كما تقدَّم في كتاب الإيمان، وهو أمر مقطوع به في الشرع، يستغنى عن
تكلف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعها. وأما أصل فرضية
الزكاة: (فَمَنْ جَحَدَهَا كَفَرَ))، انتهى. وهي في اللغة: النماء، أي: الزيادة
والتطهير. والزكاة موجبة لنماء المال وطيبه وطهارته، ونماء أجر صاحبه وطهارته
من الذنوب. وتطلق على المال المؤدى، وعلى أدائه على الوجه المخصوص
المعتبر في الشرع. والأصل في شرعية الزكاة والصدقة: مراعاة الفقراء
ومواساتهم.
قال ابن دقيق العيد: الزكاة في اللغة لمعنيين: أحدهما: النماء، والثاني:
الطهارة، فمن الأول: قولهم: زكى الزرع، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِهِم
بِهَا﴾ [ التوبة: ١٠٣] وسمي هذا الحق زكاة بالاعتبارين: أما الأول فبمعنى أن يكون
إخراجها سببًا للنماء في المال كما صحَّ: ((مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ)) وجه الدليل منه
أن النقصان محسوس بإخراج القدر الواجب، فلا يكون غير ناقص إلا بزيادة تبلغه
إلى ما كان عليه على المعنيين جميعًا، أعني المعنوي والحسي في الزيادة أو بمعنى
أن متعلقها الأموال ذات النماء - كالتجارة والزراعة - أو بمعنى تضعيف أجورها،
كما جاء أن اللَّه يربي الصدقة حتى تكون كالجبل، وأما بالمعنى الثاني؛ فلأنها
طهرة للنفس من رذيلة البخل، أو لأنها تطهر من الذنوب، وهذا الحق أثبته الشارع
لمصلحة الدافع والآخذ معًا. أما في حق الدافع فتطهيره وتضعيف أجوره. وأما
في حق الآخذ فلسدٍّ خلته، انتهى.
وقال الشامي: ولها معانٍ أُخر: البركة، يقال: زكت البقعة إذا بورك فيها،
والمدح: يقال: زكى نفسه إذا مدحها، والثناءُ الجميل، يقال: زكى الشاهد إذا أثنى
عليه، وكلها توجد في المعنى الشرعي؛ لأنها تُطَهِّرُ مؤديها من الذنوب ومن صفة
١٥٣
كِتابَ الزَّكاةِ
768 <-*< >> <<<<<<<< ><> <<<<<<<<<<<<<<<<< > <<***<<<< > << >> <<<<< > <<<<<<<<<<<< > <<<<<< > *<<<<<<< > <<<<<<*
البخل، والمال بإنفاق بعضه؛ ولذا كان المدفوع مستقذرًا فحرم على آل البيت
﴿خُذْ مِنْ أَمَوَلِهِمْ صَدَفَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ وتنميه بالخلف، ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ
فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [٤ ٣٩ ١ ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الرِّبَوَأْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ١٢٠٦، وبها تحصل
البركة، ((لا ينقص مال من صدقة))، ويمدح بها الدافع ويثنى عليه بالجميل ﴿ وَالَّذِينَ
﴾ [المؤمنون: ٤]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَّكَّى ﴿٤﴾ [الأعلى: ١٤ وهي شرعًا على
٤
هُمْ لِلَّكَوَةِ فَعِلُونَ
مذهب الحنفية: تمليك جزء مال عَيَّنَهُ الشارعُ من مسلم فقير غير هاشمي ولا مولاه
مع قطع المنفعة عن المملك من كل وجه لله تعالى، كذا في ((الدر المختار)).
وقال ابنُ العربي: تطلق الزكاة على الصدقة - الواجبة والمندوبة - وعلى الحقِّ
والنفقة والعفو عند اللغويين، وهي شرعًا: إيتاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير
ونحوه غير هاشمي .
ثم لها ركن وسبب وشرط وحكم حكمة، فركنها جعلها لِلَّهِ تعالى بالإخلاص،
وسببها المال، وشرطها نوعان: شرط السبب، وشرط مَن تجب عليه، فالأول:
ملك النصاب الحولي، والثاني: العقل والبلوغ والحرية. وحكمها سقوط
الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الآخرة. وحكمتها كثيرة:
منها: التطهير من أدناس الذنوب والبخل. ومنها: ارتفاع الدرجة والقربة.
ومنها: الإحسان إلى المحتاجين، ومنها: استرقاق الأحرار، فإن الإنسان عبيد
الإحسان، انتهى. قال الحافظ: هو جيد، لكن في شرط من تجب عليه اختلاف،
انتھی .
وإن شئت الوقوف على مصالح فرضية الزكاة والحكم المرعية في وجوبها في
الأصناف الأربعة دون غيرها من المال، واختلاف مقاديرها وتعيين النصاب في
أنواع المال، فعليك أن ترجع إلى كتب أسرار الشريعة مثل ((حجة اللَّه البالغة))
(ج ٢: ص ٢٩، ٣٠) للشاه ولي الله الدهلوي، و((الهدي)) (ج١: ص١٥١، ١٥٢)
و((الإعلام)) (ج١: ص ١٨٢، ١٨٣) للإمام ابن القيم. و((أسرار الشريعة الإسلامية))
للشيخ إبراهيم أفندي.
واعلم: أنه اختلف في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد
الهجرة، وقال ابن خزيمة في ((صحيحة)): إن فرضها كان قبل الهجرة. واحتج بما
١٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي
طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبر به عن النبي وَّهِ: ((وَيَأْمُرنا بالصَّلاة والزَّكَاة
والصِّيام)).
قال الحافظُ: في استدلاله بذلك نظر؛ لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت
بعد ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قَدِمَ على
النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من قصة الصلاة والصيام
وبلغ ذلك جعفرًا، فقال: ((يأمرنا)) بمعنى: يأمر به أمته، وهو بعيد جدًّا. وأولى ما
حمل عليه حديث أم سلمة هذا إن سلم من قدح في إسناده: أن المراد بقوله:
((يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام)) أي: في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون
المراد بالصلاة الصلوات الخمس، ولا بالصيام صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه
الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول، انتهى. واختلف الأولون فقيل: كان
فرضها في السنة الثانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النووي في ((الروضة))، وجزم
ابنُ الأثير في ((التاريخ)) بأن ذلك كان في التاسعة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنها
ذكرت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس، وفي عدة
أحاديث، وكذا في مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة. وقال
فيها: يأمرنا بالزكاة، ووقع في ((تاريخ الإسلام)) في السنة الأولى فرضت الزكاة.
قلتُ: قال الحافظ ابن كثير في تفسير المزمل تحت قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [المزمل: ٢٠] وهذا يدل لمن قال بأن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن
مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة، والله أعلم.
وقال القاري: المعتمدُ أن الزكاة فرضت بمكة إجمالًا، وبينت بالمدينة تفصيلاً؛
جمعًا بين الآيات التي تدلّ على فرضيتها بمكة وغيرها من الآيات والأدلة، انتهى.
قلتُ: وهذا هو الراجح، بل هو المتعين عندي، والله تعالى أعلم. قال الشيخ
محمد الخضري في ((تاريخ الأمم الإسلامية)): مما فرض بمكة الزكاة، فإنا قلما
نجد من الأوامر المكية ذكر الصلاة إلا وبجانبه إيتاء الزكاة، وطلبت زكاة ما يخرج
من الأرض في سورة الأنعام ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] إلا أن هذه
الحقوق الواجبة لم تفصل بمكة، فقد كان ذلك موكولًا لما في النفوس من الجود
١٥٥
كِتّابُ الرَّكاةِ
****<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< <<<<<<<<<<<<<**
وبحسب حاجة الناس.
وقال صاحب ((تفسير المنار)): فرضت الزكاة المطلقة بمكة في أول الإسلام،
وترك أمر مقدارها ودفعها إلى شعور المؤمنين وأريحتهم، ثم فرض مقدارها من
كلٍ من أنواع الأموال في السنة الثانية من الهجرة على المشهور. وقيل: في
الأولى، ذكره الذهبي في ((تاريخ الإسلام))، وكانت تصرف للفقراء، كما قال تعالى
في سورة البقرة: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا اُلْفُقَرَآءَ فَهُوَ
خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: [البقرة: ٢٧١] وقد نزلت في السنة الثانية، وكما قال النبي وَالثّ لمعاذ:
(تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ))، ثم نزلت هذه المصارف السبع أو الثمان في
سنة تسع، فتوهم بعض العلماء أن فرض الزكاة كانت في هذه السنة. قال:
والحكمة فيما ذكر: أن تعيين المقادير، وقيام أولي الأمر بتحصيلها وتوزيعها على
من فرضت لهم، وتعدد أصنافهم، كل ذلك إنما وجد بوجود حكومة إسلامية تناط
بِهَا مصالح الأمة في دينها ودنياها في دار تسمى دار الإسلام؛ لأن أحكامه تنفذ فيها
بسلطانه، وكانت أول دار الإسلام دار الهجرة، إذ كانت مكة دار كفر وحرب لا
ينفذ فيها للإسلام حكم، بل لم يكن لأحد من أهله فيها حُرِّيَّةُ الجهر بالصلاة إلا
بحماية قريب أو جار من المشركين. انتهى.
١٥٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الفصل الأول
١٧٨٧ - [١] عَنِ ابْن عَبَّاسِ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ،وَلَهَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَن
فَقَالَ: ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابَ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ
خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ: أَنَّ اللَّهُ
قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤَخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى نُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا
لِذَلِكَ، فَإِيََّكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ
اللَّهِ حِجَابٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٧٨٧ - قوله: (بَعَثَ مُعَاذًا) بضم الميم. (إِلَى الْيَمَنِ) كان بعثه إليها سنة
عشر قبل حجة الوداع، كما ذكره البخاري في أواخر المغازي. وقيل: كان ذلك
في أواخر سنة تسع عند انصرافه وقليل من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن
مالك، وأخرجه ابنُ سعدٍ في ((الطبقات)) عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع
الآخر سنة عشر. وقيل: بعثَهُ عام الفتح سنة ثمان. واتفقوا على أنه لم يزلْ على
اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكرٍ ، ثم توجه إلى الشام فماتَ بها. واختلف هل كان
معاذ واليًا أو قاضيًا؟ فجزم الغساني بالأول، وابن عبد البر بالثاني.
قال في ((الاستيعاب)): بعثه رسول اللّه وَله قاضيًا إلى الجند باليمن يعلم الناس
القرآن وشعائر الإسلام ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال
الذين باليمن، وكان رسول اللّه وَ له قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن
سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وزياد بن لبيد على
(١٧٨٧) عَنْهُ الْبُخَارِي (١٤٩٦)، ومُسْلِم (١٩/٢٩)، وأَبُو دَاوُد (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥)،
والنَّسَائِي (٢/٥)، وابنُ ماجه (١٧٨٣) فِي الزَّكَاةِ.
كِتَابُ الزَّكاةِ
**** roces
١٥٧
حضر موت، ومعاذ بن جبل على الجندِ، وأبي موسى الأشعري على زبيد وزمعة
وعدن والساحل، انتهى. قال الحافظ: ولمعاذ بالجند مسجد مشهور إلى اليوم.
(إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ) بنصب ((أَهْلَ)) بدلا من ((قَوْمًا)) لا صفة، وروى أحمد
(ج٥: ص ٢٣٥) عن معاذ قال: لما بعثه رسول اللّه ◌َ لّ إلى اليمن، خرج معه
رسول اللَّه ◌َلّه يوصيه ومعاذ راكب ... إلخ. فقوله: ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابِ))
كالتوطئة والتمهيد للوصية لتستجمع وتقوى همته في الدعاء لهم؛ لكون أهّل
الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من
عبدة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن
يكون فيهم من غيرهم، وإنما خَصَّهم بالذكرِ تفضيلًا لهم أو تغلبًا على غيرهم.
(فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) وقعت البداءة في
المطالبة بالشهادتين؛ لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا بهما،
فمن كان منهم غير موحد على التحقيق، فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من
الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدًا فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من
التوحيد وبين الإقرار بالرسالة، وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه؛
كمن يقول بنبوة عزير أو يعتقد التشبيه، فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من
عقائدهم، واستدل بذلك على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا
إله إلا الله حتى يضيف الشهادة لمحمد بالرسالة وهو قول الجمهور.
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا) أي: انقادوا. (لِذَلِكَ) أي: للإتيان بالشهادتين. ولابن
خزيمة: ((فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لِذَلِكَ)). واستدلَّ به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع،
حيث أمر بالدعاء أولًا إلى الإيمان فقط، وجعل الدعاء إلى الفروع بعد إجابتهم إلى
الإيمان. وتعقب: بأن الترتيب في الدعاء لا يلزم منه الترتيب في الوجوب؛ ألا ترى
أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب وقد قدمت الصلاة على الزكاة في
هذا الحديث، وَأَخِّرَ الإخبار بوجوب الزكاة عن الطاعة بالصلاة مع أنهما مستويتان
في الخطاب للوجوب.
وقال السندي: قوله: (فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ ... )) إلخ. أي: فادعهم بالتدريج إلى
دِيننا شيئًا فشيئًا، ولا تدعهم إلى كله دفعة؛ لئلا يمنعهم من دخولهم فيه ما يجدون
١٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيه من كثرة مخالفته لدينهم، فإن مثله قد يمنعُ من الدخول ويورث التنفر لمن أخذ
قبل على دين آخر بخلاف من لم يأخذ على آخر، فلا دلالة في الحديث على أن
الكافر غير مكلف بالفروع، كيف ولو كان ذاك مطلوبًا للزم أن التكليف بالزكاة بعد
الصلاة، وهذا باطل بالاتفاق، انتهى.
قال النووي: اعلم أنَّ المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به
والمنهي عنه، هذا قول المحققين والأكثرين. وقيل: ليسوا مخاطبين. وقيل:
مخاطبون بالمنهي دون المأمور. وقال العيني: قال شمسُ الأئمة في كتابه في فصل
بيان موجب الأمر في حقِّ الكفارِ: لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان، ولا خلاف
أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات، ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات
يتناولهم أيضًا، ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في
الآخرة. فأمّا في وجوب الأداء في أحكام الدنيا، فمذهب العراقيين من أصحابنا:
أنَّ الخطاب يتناولهم أيضًا، والأداء واجب عليهم، ومشائخ ديارنا يقولون: إنهم لا
يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات، انتهى.
وقال ابنُ عابدين في ((ردِّ المختار)) في بحث الجزية نقلًا عن شرح ((المنار))
لصاحبٍ ((البحر)): إنَّ الكفار مخاطبون بالإيمان وبالعقوبات سوى حد الشرب
والمعاملات. وأما العبادات فقال السمر قنديون: إنهم غير مخاطبين أداء واعتقادًا .
وقال البخاريون: إنهم غير مخاطبين بهما أداء فقط. وقال العراقيون: إنهم
مخاطبون بهما فيعاقبون علیهما، وهو المعتمد، انتهى.
قال صاحبُ ((فتح الملهم)) بعد ذكر هذا كله: ويؤيد هذا الأخير قوله تعالى:
﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
﴾ : [فصلت:
: [المدثر: ٤٣] الآيتين، فتحصل من هذا كله أن الكفار
٦، ٧] و﴿قَالُوْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
يعاقبون على ترك اعتقاد الصلاة مثلًا وترك أدائها كليهما عند من قال بتعلق الخطاب
بهم في الدنيا اعتقادًا وأداءً، وإن لم يجب عليهم قضاء الصلوات بعد الإسلام عند
أحد، ويعاقبون على ترك الاعتقاد فقط عند من قال بتعلق الخطاب اعتقادًا لا أداءً،
ولا يعاقبون على ترك واحد منهما عند الشرذمة القائلة بعدم تعلق الخطاب بهم
أصلاً إلا بسبب ترك الإيمان بالتوحيد والرسالة، فالنزاعُ تحققه بحسب تعلق
١٥٩
كِتّاب الزّكاةِ
الخطاب في الدنيا وتبينه وظهور آثاره في الآخرة، انتهى.
(فَأَعْلِمُهُمْ) بفتح الهمزة من الإعلام بمعنى الإخبارِ. (أنَّ اللّهَ) بفتح الهمزة؛
لأنها في محل نصب، مفعول ثان للإعلام، والضمير مفعول أول. (خَمْسَ
صَلَوَاتٍ) قال السندي، هذا يدل على عدم وجوب الوتر، كما عليه الجمهور
والصاحبان من علمائنا الحنفية.
قلتُ: وهذا ظاهر؛ لأن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاته وَ له بقليل. والقول
بأنه يحتمل أنه ثبت وجوب الوتر بعد ذلك مما لا يلتفت إليه؛ لأنه احتمال ناشئ من
غير دليل. (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) بأن أقروا بوجوب الخمس عليهم أو فعلوها.
قال ابن دقيق العيد: طاعتهم في الصلاة يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون
المراد إقرارهم بوجوبها عليهم وإلتزامهم لها، والثاني: أن يكون المراد الطاعة
بالفعل وأداء الصلاة. وقد يرجح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار
بالفرضية، فتعود الإشارة إليها. ويترجح الثاني بأنهم لو أخبروا بالوجوب فبادروا
إلى الأمتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط التلفظ بالإقرار بخلاف الشهادتين،
فالشرط عدم الإنكار، والإذعان للوجوب، انتهى.
قال الحافظُ: والذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل
بالإقرار أو بالفعل كفاه أو بهما فأولى، وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر
الصلاة: ((فَإِذَا صَلَّوا))، وبعد ذكر الزكاة: ((فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ)).
(فَأَعْلِمْهُمْ) أي: فأخبرهم. (أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) أي: زكاة في
أموالهم. قيل: الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة: أنهم إذا أجابوا إلى
الشهادتين ودخلوا بذلك في الإسلام، ولم يطيعوا لوجوب الصلاة بل جحدوها،
كان ذلك كفرًا وردة عن الإسلام بعد دخولهم فيه، فصار ما لهم فيئًا، فلا يؤمرون
بالزكاة، بل يقتلون. وقال الخطابي: أَخَّرَ ذكر الصدقة عن ذكر الصلاة؛ لأنها إنما
تجب على قوم دون قوم، وإنما لا تكرر تكرر الصلاة. قال الحافظُ: هذا حسن.
وتمامه أن يقال: بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب، لأنه لو
طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة.