النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(قَالَ) أي: الراوي، وفيه إبهام فإن الراوي اثنان، فيحتملُ أن يكون المراد: قال
كل منهما، ويحتمل قال الراوي الشامل لهما أو لأحدهما. (وَلَمْ يَعُودُوا) أي: لم
يرجعوا بعد ذلك. (لِذَلِكَ) أي: إلى ذلك الفعل، أو لم يرجعوا في ذلك الفعل
لأجل ذلك القول الصادر منه وَّله. قال الطيبي: فإذا ورد في مثل أدنى تغيير من
وضع الرداء عن المنكب هذا الوعيد البليغ فكيف ما يشاهد من الأمور الشنيعة.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) بإسناد ضعيف، فیه نفیع بن الحارث أبو داود الأعمی تر که غير
واحد، ونسبه ابن معين وغيره للوضع، وفيه أيضًا علي بن الحزور كذلك متروك
الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث عنده عجائب، وقال مرة: فيه نظر.
١٧٦٦ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنَّ تُتْبَعَ جِنَازَةٌ
مَعَهَا رَانَّةٌ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
G O
الْشِّرْجُ
١٧٦٦ - قوله: (أَنْ تُتْبَعَ) بالتخفيف وتشدد على بناء المجهول، أي: تشيع
(جِنَازَةٌ مَعَهَا رَانَّةٌ) بالراء المهملة وبعد الألف نون مشددة بصيغة اسم الفاعل، أي:
نائحة صائحة. في ((القاموس)): رنَّ يَرِنَّ رَنيًا صاحَ، وفي رواية أحمد: رَنَّة، وهي
الصوت يريد به نواح النساء خلف الجنازة. وفيه: دليل على تحريم اتباع الجنازة
التي معها النائحة. قال القاري: وفي معناها إذا كان معها أمر آخر من المنكرات،
وهذا أصل أصيل في عدم الحضور عند مجلس فيه المحظور.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٢ ص ٩٢). (وابْنُ مَاجَهْ) في سنده عند ابن ماجه أبو يحيى القتات
رواه عنه إسرائيل. قال أحمد: روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرة مناكير جدًا. وقال
ابنُ معين: في حديثه ضعف. وقال يعقوب بن سفيان والبزار: لا بأس به. وقال
الحافظ: لين الحديث. قلتُ: قد تابعه على روايته هذا الحديث عن مجاهد ليث
ابن أبي سليم عند أحمد، فصار الحديث حسنًا بل صحيحًا لاعتضاده بالأحاديث
التي تدل على تحريم النياحة.
(١٧٦٦) روَاهُ أحمدُ، ورَوَاهُ ابنُ ماجَهْ في سُنَنه (١٥٨٣).

كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابَ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
١٢١
١٧٦٧ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: مَاتَ ابْنٌ لِي
فَوَجَدْتُ عَلَيْهِ، هَلْ سَمِعْتَ مِنْ خَلِيلِكَ صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ شَيْئًا يَطِيبُ بِأَنْفُسِنَا
عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ بَِّ قَالَ: ((صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَلْقَى
أَحَدُهُمْ أَبَاهُ، فَيَأْخُذُ بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ فَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ] {صحيح}
الْشَّرُْ
١٧٦٧ - قوله: (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو حسان القيسي، ففي مسلم: عن أبي حسان
قال: قلتُ لأبي هريرة: أنه قد مات لي ابنان ... إلخ. واسم أبي حسان هذا خالد
ابن غلاق القيسي. (مَاتَ ابْنٌ لِي) أي: صغير. (فَوَجَدْتُ عَلَيْهِ) أي: حزنت عليه
حُزْنًا شديدًا. (يَطِيبُ بِأَنْفُسِنَا) بالتخفيف مع فتح أوله فالباء للتعدية، وبالتشديد
فالباء للتأكيد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلَّقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿ وَهُزِىّ
إِلَيْكِ بِحِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] وهذه الزيادة - أعني: زيادة الباء - أمر مطرد عند أرباب
العربية على ما ذكره ((المغني))، قاله القاري. أي: يسليها. وفي مسلم: ((فما أنت
محدثي عن رسول اللَّه وَله بحديث تطيب به أنفسنا)).
(عَنْ مَوْتَانًا) أي: من الصغار. (صِغَارُهُمْ) أي: صغار المسلمين. (دَعَامِيصُ
الْجَنَّةِ) بالدال والعين والصاد المهملات جمع دعموص بضم الدال أي: صغار
أهلها، وأصل الدعموص دويبة تكون في الماء لا تفارقه، أي: أن هذا الصغير في
الجنة لا يفارقها. وفي ((النهاية)): جمع دعموص وهِي دويبة تغوص في الماء،
وتكون في مستنقع الماء، والدعموص أيضًا: الدَّخَّالُ في الأمور، أي: أنهم
سياحون في الجَنَّة دخالون في منازلها لا يمنعون من موضع، كما أن الصبيان في
الدنيا لا يمنعون من الدخول على الحرم، ولا يحتجب منهم، قاله الطيبي.
(يَلْقَي أَحَدُهُمْ) أي: أحد الصغار. (أَبَاهُ) أي: فكيف بأمه. وفي ((صحيحٍ
مسلم)): ((يتلقى أحدهم أباه أو قال: أبويه)). (بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ) أي: بطرفه. (فَلَا يُفَارِقُهُ
(١٧٦٧) مُسْلِم (٢٦٣٥) فيه، وأَحْمَد (٤٨٨/٢ و٥١٠) واللفظُ له عنه.

١٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) ولفظ مسلم: فيأخذ بثوبه أو قال بيده كما آخذ أنا بضفة ثوبك
هذا، فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة. وفيه دليل أن أطفال المؤمنين في
الجنة، وكذا آباء هؤلاء الأطفال وأمهاتهم في الجنة إذا احتسبوهم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الأدب والبر والصلة. (وَأَحْمَدُ) وأخرجه أيضًا البيهقي
(ج٤ ص٦٧). (وَاللَّفْظُ لَهُ) أي: لأحمد. ولعل المصنف لهذا ذكر أحمد؛ لأنه
ملتزم أنه لا يذكر بعد الشيخين أحدًا من المخرجين؛ لظهور صحة الحديث إذا كان
في ((الصحيحين)) أو في أحدهما.
١٧٦٨ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا
نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: ((اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانَ
كَذَا وَكَذَا)) فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ:
((مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ))
فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوِ اثْنَينِ؟ فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَينٍ. ثُمَّ قَالَ: ((وَاثْنَينٍ
وَاثْنَيْنِ وَاثْنَينٍ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٧٦٨ - قوله: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمها. ويحتمل أن
تكون هي أسماء بنت يزيد بن السكن. (ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ) قال الطيبي: أي:
أخذوا نصيبًا وافرًا من مواعظك. وقال القاري: أي: فازوا وظفروا به. ونحن
محرومات من اغتنامه واكتسابه، انتهى. وفي روايةٍ: ((غلبنا عليك الرجال))، أي:
بملازمتهم لك كل الأيام يتعلمون الدين، ونحن نساء ضعفة لا نقدر على
مزاحمتهم. (فَاجْعَلْ) أي: انظر لنا فَعَيِّنْ. (لَنَا مِنْ نَفْسِكَ) أي: من اختيارك لا من
(١٧٦٨) البُخَارِي (١٢٤٩ و٧٣١٠) وهو عنده في الجنائز مختصرًا، ورواه بهذا التمام في الاعتصام
(٧٣١٠) عنه فيه.

١٢٣
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابَ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
اختيارنا. (يَوْمًا) من الأيام فـ((مِنْ)) ابتدائية تتعلق بـ((اجْعَلَ))، و((يَوْمًا)) مفعول به،
يعني هذا الجعل منشؤه اختيارك لا اختيارنا. قال الكرماني: ويحتمل أن يكون
المراد من أوقات نفسك بإضمار الوقت والظرف صفة لـ((يَوْمًا))، وهو ظرف مستقر
على هذا الاحتمال، انتهى. يعني: اجعل لنا وقتًا ما من الأوقات المختصة بذاتك
الأشرف. (اجْتَمِعْنَ) بكسر الميم. (فِي يَوْم كَذَا) أي: في نهار كذا. (وَكَذَا) أي:
في وقت كذا. (فِي مَكَانٍ كَذَا) أي: من المسجد أو البيت. (وَكَذَا) أي: من وصفه
بمقدمه أو مؤخره. (فَاجْتَمَعْنَ) بفتح الميم .
(مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ) من التقديم. (بَينَ يَدَيْهَا) أي: إلى يوم القيامة. (إِلَّا كَانَ)
أي: التقديم أو تقدمهم وموتهم. (حِجَابًا) أي: سترًا. (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ) هي أم
سليم أو أم مبشر أو أم أيمن. (أَوِ اثْنَينٍ) عطف على (ثَلَاثَةً))، ويقال لمثل هذا:
عطف تلقين، كأنه يلقن المخاطب المتكلم بأن يعطفه على ما قبله. وفي رواية:
((واثنين؟)) أي: وما حكم اثنين أو ومن قدم اثنين. (فَأَعَادَتْهَا) أي: المرأة كلمة: أو
اثنين. (مَرَّتَينٍ) وفي رواية مسلم: ((فقالت امرأة: واثنين واثنين واثنين)). (ثُمَّ قَالَ)
أي: النبيِ وَّه. (وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنٍ) ثلاث مرات للتوكيد، والواو بمعنى أو.
وفي الحديث: ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أمور الدين.
وفيه: أن أطفال المسلمين في الجنة، وأن من مات له ولدان حجباه من النار، ولا
اختصاص لذلك بالنساء كما تقدم.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في العلم وفي الجنائز وفي الاعتصام، وأخرجه أيضًا مسلم في
الأدب والبر والصلة، واللفظ للبخاري في الاعتصام، فكان من حق المصنف أن
يقول: متفق عليه، واللفظ للبخاري، وأخرجه أحمد (ج٣ ص٣٤، ٧٢) والبيهقي
أيضًا.

١٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
١٧٦٩ - [٣٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «مَا مِنْ
مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا ثَلَاثَةٌ إِلَّا أَدْخَلَهُمَاَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمَا)).
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوِ اثْنَانٍ؟ قَالَ: ((أَوِ اثْنَانِ)). قَالَواَ: أَوْ وَاحِدٌ؟ قَالَ: ((أَوْ
وَاحِدٌ)). ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ السَّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ إِذَا
احْتَسَبَتْهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ قَوْلُهُ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ))] {ضعيف}
الْشَرُْ
١٧٦٩ - قوله: (مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ) على صيغة التثنية أي: من الوالدين. (ثَلَاثَةٌ)
أي: من الولد من البنين والبنات. (إِلَّا أَدْخَلَهُمَا) أي: الوالدين المسلمين. (بِفَضْلِ
رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمَا) أي: بفضل رحمة اللّه تعالى للوالدين. وهذا صريح في أن المراد
بقوله: ((إِيَّاهُمَا)) الأبوان لا الأولاد.
وورد بعض الأحاديث بما يدل على أن المراد: بفضل رحمة اللَّه للأولاد، ففي
حديث أنس عند ابن ماجه: ((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، لَمْ يَبْلُغُوا
الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُمْ اللَّهُ - أي: الأبوين والأولاد - بِفَضْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ)).
ورواه أحمد (ج٦ ص٣٧٦) والطبراني في ((الكبير)) من حديث أم سليم،
والنسائي من حديث أبي ذر، وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعي عند أحمد
(ج ٦ ص٣٩٦) والطبراني في ((الكبير)) برجال ثقات: ((من مات له ولدان في الإسلام
أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهما)).
وفي حديث عمرو بن عبسة عند أحمد (ج٤ ص٦ ٣٨): ((مَنْ وُلِدَ لَهُ ثَلاثَةٌ أَوْلَادٍ فِي
الْإِسْلَامِ فَمَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)). وللطبراني:
(إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ هُوَ وَإِيَّاهُمْ)). (أَوِ اثْنَانٍ) عطف على ثلاثة عطف التماس.
(قَالَ: أَوْ وَاحِدٌ) هذا صريح في أنَّ للواحد حكم الاثنين والثلاثة. (ثُمَّ قَالَ) أي:
تتميمًا ومبالغة في ثواب الولد. (إِنَّ السِّقْطَ) بكسر السين أكثر وأشهر من الضم
(١٧٦٩) أَحْمَد (٢٤١/٥) عنه؛ وبعضه في ابن مَاجَهْ (١٦٠٩).

١٢٥
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبَكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
والفتح، وهو ولد يسقط من بطنٍ أُمِّه قبل تمامه. (لَيَجُرُّ أُمَّهُ) بضم الجيم ليسحبها .
(بِسَرَرِهِ) بفتحتين وتكسر السين، هو ما تقطعه القابلة، وهو السُّر بالضم أيضًا. وأما
السرة فهي ما يبقى بعد القطع. وقال الجزري في ((النهاية)): السرر ما يبقى بعد
القطع مما تقطعه القابلة. (إِلَى الْجَنَّةِ) قال الطيبي: هذا تتميم ومبالغة للكلام
السابق، ومن ثم صدره مَ ثّ بالقسم، أي: إذا كان السقط الذي لا يؤبه به يجر الأم
بما قد قطع من العلاقة بينهما، فكيف الولد المألوف الذي هو فلذة الكبد. (إِذَا
احْتَسَبَتْهُ) أي: صبرت عليه طلبًا للأجر من اللَّه تعالى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) أي: من أول الحديث (ج ٥ص٢٤١)، وأخرجه أيضًا الطبراني في
((الكبير)). (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ قَوْلِهِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي: إلى آخر الحديث،
وفي سنده عندهم يحيى بن عبيد اللّه التيمي. قال الهيثمي: لم أجد من وثقه ولا
جرحه، انتهى. ونقل السندي عن البوصيري أنه قال في ((الزوائد)): في إسناده يحيى
ابن عبيد الله بن موهب، وقد اتفقوا على ضعفه، والله أعلم، انتهى.
قلتُ: يحيى بن عبيد الله بن موهب التيمي، قال فيه يعقوب بن سفيان: لا بأس
به إذا روى عن ثقة. وقال الساجي: فيجوز في الزهد وفي الرقائق، وليس هو بحُجة
في الأحكام. وقال الجوزجاني: أحاديثه متقاربة من حديث أهل الصدق، وضعفه
غيرهم. وقال الحافظ في ((التقريب)): إنه متروك، انتهى. وفي كونه هو المراد في
سند هذا الحديث عندي نظر. والظاهر: أن الراوي فيه رجل آخر لا يعرف، أو هو
يحيى بن عبد اللَّه الجابر، وهو لين الحديث. ذكر الحافظ في ((تهذيب التهذيب))
ترجمة يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي برقم الترمذي وابن ماجه ثم
قال تحت رقم ابن ماجه: يحيى بن عبيد الله عن عبيد الله بن مسلم الحضرمي،
وعنه عبيدة بن حميد. وقيل: عن عبيدة عن يحيى بن عبد الله الجابر عن عبيد الله
ابن مسلم، وهو الصواب، انتهى.
وقال الذهبي في ((الميزان)): يحيى بن عبيد الله عن عبيد الله بن مسلم عن معاذ لا
يعرف، روى عنه عبيدة بن حميد، وكأنه يحيى بن عبد اللَّه الجابر، انتهى. وذكر
الذهبي أيضًا هذا الحديث في ترجمة يحيى الجابر، فقال عبيدة بن حميد: حدثنا
يحيى الجابر عن عبد الله بن مسلم الحضرمي عن معاذ بن جبل مرفوعًا: ((ما من

١٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
امرأين مسلمين يموت لهما ثلاثة ... )) الحديث. وفيه: ((أن السقط ليجر أمه بسرره
إلى الجنة إذا احتسبت))، انتهى. وقال الحافظُ في ((اللسانٍ)): يحيى بن عبيد الله عن
عبيد الله بن مسلم وعنه عبيدة بن حميد، وقال إسرائيل وخالد الطحان: عن يحيى
ابن عبد الله الجابري، انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن حديث معاذ بن جبل هذا
ضعيف لا يصلح للاحتجاج. وفي ثواب السقط أحاديث لا يصلح واحد منها
للاستدلال. منها: حديث علي الآتي، ومنها: حديث أبي هريرة عند ابن ماجه
أيضًا قال: قال رسول اللّه وَليّ: ((لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه
خلفي)). قال في ((الزوائد)): قال المزي في ((التهذيب)) و((الأطراف)): يزيد بن
رومان لم يدرك أبا هريرة، ويزيد بن عبد الملك النوفلي، وإن وثقه ابن سعد فقد
ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. ومنها: حديث سهل بن حنيف مرفوعًا:
(تَزَوَّجُوا، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ، وَإِنَّ السِّقْطَ لَيُرَى مُحْبَتْطِئًا بَيَابِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ:
ادْخُلْ، يَقُولُ: حَتَّى أُدْخِلَ أَبَوَي))، رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه موسى بن
عُبيدة، وهو ضعيف، كذا في ((مجمع الزوائد)) (ج٣: ص١١). ومنها: حديث
معاوية بن حيدة عند ابن حبان في ((الضعفاء)) بنحو حديث سهل بن حنيف، ذكره
العيني .
١٧٧٠ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَِ:
((مَنْ قَدَّمَ ثَلَاثَةً مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنَّثَ، كَانُوا لَهُ حِصْنًا حَصِينًا مِنَ النَّارِ))
فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ. قَالَ: ((وَاثْنَيْنٍ)). قَالَ أُبَّيُّ بْنُ كَعْبٍ أَبُو المُنْذِرِ سَيِّدُ
الْقُرَّاءِ: قَدَّمْتُ وَاحِدًا. قَالَ: ((وَوَاحِدٌ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٧٧٠ - قوله: (مَنْ قَدَّمَ ثَلَاثَةً مِنَ الْوَلَدِ) أي: من قدمهم بالصبر على موتهم.
قال القاري: معناه من قدم صبر ثلاثة من الولد عند فقدهم واحتسب ثوابهم عند
(١٧٧٠) التِّرْمِذِي (١٠٦١)، وابن مَاجَهْ (١٦٠٦) فيه عن ابن مسعود، وقالَ التِّرْمِذِي: غريب.

١٢٧
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكاءِ عَلى الْمَيثِ
ربهم، أو المراد بالتقديم لازمه وهو التأخر، أي: من تأخر أي: موته عن موت
ثلاثة من أولاده المقدمين عليه. (لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) أي: الذنب. والمراد: أنهم
لم يحتلموا. قال القاري: والظاهرُ أن هذا قيد للكمال؛ لأن الغالب أن يكون القلب
عليهم أرق، والصبرُ عنهم أشق، وشفاعتهم أرجى وأسبق. وقال السندي: يأبى عنه
أي: عن التعميمِ قوله فِي حَدِيثِ عتبة بن عبد السلمي عند ابن ماجه: ((إِلَّا تَلَقَّوْهُ مِنْ
أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، مِنْ أَيِّهَا شَاءَ دَخَلَ))، إذ لا يلزم في الكبير الإسلام ودخول
الجنة فضلًا عن تلقيه إياه من الأبواب الثمانية، وكذا ما يأتي عنه في قوله: ((بِفَضْلٍ
اللهِ إِيَّاهُمْ))، أي: بفضل رحمة اللَّه تعالى للأولاد، إذ لا يلزم في الكبير أن يكون
مرحومًا فضلًا عن أن يُرحم أبوه بفضل رحمته، نعم قد جاء دخول الجنة بسبب
الصبر مطلقًا كما في بعض الأحاديث، انتهى. (حِصْنًا حَصِينًا) أي: سترًا قويًّا.
وقال القاري: أي: حصارًا محكمًا وحاجزًا مانعًا. (قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ) أي: فما حكمه؟
(قَالَ: وَاثْنَيْنٍ) أي: وكذا من قدم اثنين. وقال الطيبي: فقال أبو ذرٍّ: زد يا رسول
الله في البشارة، فإني قدمت اثنين، قال: ((وَاثْنَيْنِ))، أي: ومن قدم اثنين. (أَبُو
المُنْذِرِ) عطف بيان. (سَيِّدُ الْقُرَّاءِ) إنما قيل له: سيد القراء؛ لقوله مَّ: ((أَقْرَ أُكُمْ
أبِيٌّ)). (قَالَ: وَوَاحِدٌ) زاد التر مذيُّ: ((وَلَكِنْ إِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى)). (رَوَاهُ
التِّرْمِذِي وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص ٤٢٩،٣٧٥، ٤٥١) وابن أبي
شيبة، وإسناده ضعيف لانقطاعه؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن
مسعود، وفيه أيضًا اختلاف على راويه العوام بن حوشب، ذكره الشيخ أحمد شاكر
في تعليقه على ((مسند الإمام أحمد)) (ج٥: ص١٨٨). (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ
غَرِيبٌ)، وقال أيضًا: أبو عبيدة لم يسمعْ من أبيه .

١٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٧١ - [٣٥] وَعَنْ قُرَّةَ الْمُزَنِيِّ: أَنَّ رَجُلًّا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ نَّهِ وَمَعَهُ
ابْنٌ لَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَتُحِبُّهُ؟)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ وَّةِ أَحَبَّكَ اللَّهُ
كَمَا أُحِبَّهُ. فَفَقَدَهُ النَِّيُّ ◌َِّ فَقَالَ: ((مَا فَعَلَِ ابْنُ فُلَانٍ؟)) قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ
مَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَمَا تُحِبُّ أَّا تَأْتِي بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا
وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرَُكَ؟)) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهُ لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّنَا؟ قَالَ: ((بَلْ
لِكُلِّمْ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٧٧١ - قوله: (وَعَنْ قُرَّةَ) بضم القاف وتشديد المهملة ابن إياس. (الْمُزَنِيّ)
بضم الميم وفتح الزاي. (أَتُحِبُّهُ؟) أي: حبًّا بالغًا حيث يصحبك دائمًا. (أَحَبَّكَ اللَّهُ
كَمَا أُحِبُّهُ) دعاء له بزيادة محبة الله له وَ لّه، يريد أنه يحب ولده حبًّا شديدًا، يطلب
لك مثله من الله تعالى. (فَفَقَدَهُ) أي: الابن أو الأب، وهو الأليق بما وقع في رواية
للنسائي من قوله: فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه، ففقده
النبي وََّ، فقال: ((مَالِي لَا أَرَى قُلَانًا؟ ... )) الحديث. وقيل: فقده أي: ابنه معه. (مَا
فَعَلَ) بصيغة الفاعل. (ابْنُ فُلَانٍ) أي: ما جرى له من الفعلِ. (مَاتَ) أي: ابنه.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ) أي: فقال له حين لقيه في الطريق. (إِلّ وَجَدْتَهُ) أي: ابنك.
(يَنْتَظِرَُكَ) ليشفعك وليدخلها معك. وقال الطيبي: ينتظرك أي: مفتحًا لك مهيئًا
﴾ [ص: ٥٠] فاستعير للفتح
٥٠
لدخولك، كما قال تعالى: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ تُفَنَّحَةً لَُّ الْأَبَوَبُ
الانتظار مبالغة، انتهى. وفي رواية للنسائي: ((إِلَّا وَجَدْتَهُ عِنْدَهُ يَسْعَى يَفْتَحُ لَكَ))،
وفي أخرى له: ((إِلَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ)). (لَهُ خَاصَّةً) أي: هذا الحكم.
(أَمْ لِكُلِّنَا) أي: أم هو عامة لجميعنا معشر المسلمين. (بَلْ لِكُلَّكُمْ) أي: كافة. (رواه
أحمد). (ج٣: ص٤٣٦) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وأخرجه أيضًا
النسائي. قال الحافظ: بإسناد صحيح، والحاكم (ج١: ص٣٨٤) وصححه ووافقه
الذهبي، والبيهقي (ج٤: ص٥٩، ٦٠) وابن أبي شيبة (ج٤: ص١٤٥).
(١٧٧١) أَحْمَد (٣٥/٥) عنه.

كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابَ الْبُكاءِ علَى الْمَيثِ
******<<<<<<<< es ****<< > <<<<< > <<<<<< ><ss <<<
١٢٩
١٧٧٢ - [٣٦] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلِهِ: ((إِنَّ السَّقْطَ
لَيْرَاغِمُ رَبَّهُ إِذَا أَدْخَلَ أَبَوَيْهِ النَّارَ فَيُقَالَ: أَيُّهَا السَّقْطُ الْمُرَاغِمُ رَبَّهُ أَدْخِلْ
أَبَوَيْكَ الْجَنَّةَ؛ فَيَجُرُّهُمَا بِسَرَرِهِ حَتَّى يُدْخِلَهُمَا الْجَنَّةَ)) . [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٧٧٢ - قوله: (وَعَنْ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالب. (لَيُرَاغِمُ رَبَّهُ) أي: يحاجه
ويخاصمه ويعارضه. والمراد: أنه يبالغ في شفاعته ويجتهد حتى تقبل شفاعته. (إِذَا
أَدْخَلَ أَبَوَيْهِ) أي: إذا أراد أن يدخلهما. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) من طريق مندل بن علي
العنزي عن الحسن بن الحكم النخعي عن أسماء بنت عابس بن ربيعة عن أبيها عن
علي، ومندل ضعيف، وأسماء بنت عابس مجهولة لا يعرف حالها. قال في
((الزوائد)): إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف مندل بن علي، انتهى. والحديث
نسبه العيني في ((شرح البخاري)) إلى ابن أبي شيبة، وقال: ورواه أبو يعلى أيضًا.
١٧٧٣ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَِّهِ قَالَ: ((يَقُولُ اللَّهُ تَبَارََ
وَتَعَالَى: ابْنَ آدَمَ، إِنْ صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى لَمْ أَرْضَ لَكَ
ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الْشَّرْحُ
١٧٧٣ - قوله: (ابْنِ آدَمَ) منادى بتقدير حرف النداء. (إِنْ صَبَرْتَ) أي: على
البلاء .
(وَاحْتَسَبْتَ) أي: طلبت به الأجر والثواب من اللَّه تعالى. (دُونَ الْجَنَّةِ) أي:
دخولها ابتداءً، وإلا فأصل الدخول يكفي فيه الإيمان، قاله السندي. (رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَهْ) قال في ((الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
(١٧٧٢) ابن مَاجَهْ (١٦٠٨) عنه فيه.
(١٧٧٣) ابن مَاجَهْ (١٥٩٧) فیه عنه.

١٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٧٤ - [٣٨] وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: «مَا مِنْ
مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا، فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ
اسْتِرَّجَاعًا إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {ضعيف}
أُصِيبَ بِهَا».
الْشَرْحُ
١٧٧٤ - قوله: (وَعَنِ الْحُسَيْنِ) بضم الحاء مصغرًا. (بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي
طالب. (وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا) أي: بَعُدَ زمانها و((إنْ)) وصلية. (فَيُحْدِثُ) أي: يجدد.
(لِذَلِكَ) أي: عند تذكر تلك المصيبة، فاللام للتوقيت. (اسْتِرْجَاعًا) بالقول أي:
يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون قولًا جديدًا وقت التذكر. (إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
لَهُ عِنْدَ ذَلِك) أي: أثبت اللَّه له عند الاسترجاع ثوابًا جديدًا، بينه قوله: «فأعطاه مثل
أجرها)) أي: مثل ثواب تلك المصيبة. (يَوْمَ أَصِيبَ بِهَا) أي: وقت ابتلائه بتلك
المصيبة ابتداء وصبره وتسليمه بقضائه تعالى. وفيه: دليل على أن استرجاع
المصاب عند ذكر المصيبة يكون سببًا لاستحقاقه لمثل الأجر الذي كتبه الله له في
الوقت الذي أصيب فيه بتلك المصيبة، وإن تقادم عهدها ومضت عليها أيام طويلة،
وهذا فضل من الله تعالى ورحمة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١ : ص٢٠١). (وَالْبَيْهَِيُّ) وأخرجه أيضًا الطبراني في
((الأوسط)) وابن ماجه ولفظه: ((مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَذَكَرَ مُصِيبَتَهُ، فَأَحْدَثَ اسْتِرْجَاعًا
وَإِنْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَهُ يَوْمَ أُصِيبَ)). والحديث إسناده ضَعِيف
جِدًّا فيه هشام بن زياد وهو هشام بن أبي هشام أبو المقدام البصري، متروك. رواه
عن أمه، ولا يعرف من هي. ونقل السندي عن ((الزوائد)) قال: قد اختلف الشيخ
هل هو - أي: هشام - روى عن أبيه أو أمه، وذكره ابنُ كثيرٍ في ((التفسير))، وأشار
إلى رواية ابن ماجه، ثم قال: وقد رواه إسماعيل ابن علية ويزيد بن هارون عن
هشام ابن زیاد عن أبيه.
(١٧٧٤) أَحْمَد (١/ ٢٠١)، والبَيَّهَقِي (٩٦٩٥) في ((الشُّعَب)) عنه.

١٣١
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
P> <<<**<<<<<<<<<<***<<<<<<<<<<<<**<<<****<<<< <<<<<<< <<<<**
١٧٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ: ((إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ
أَحَدِكُمْ فَلْيَسْتَرْجِعْ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَصَائِبِ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٧٧٥- قوله: (إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ) أي: شسع نعله بكسر الشين
المعجمة وسكون المهملة، زمام للنعل بين الإصبع الوسطى والتي تليها. وقال في
((النهاية)): الشسع أحد سيور النعل، وهو ما يدخل بين الإصبعين. الوسطى والتي
تليها ويدخلُ طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام
السير الذي يعقد فيه الشسع. (فَلْيَسْتَرْجِعْ) أي: يقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وهو
أمر ندب. (فَإِنَّه) أي: انقطاع الشسع. وفي ((مجمع الزوائد)) و((الجامع الصغير))
نقلًا عن البزار ((فَإِنَّهَا)) أي: بضمير المؤنث، وكذا وقع في ((الميزان)). قال
المناوي: أي: هذه الحادثة التي هي انقطاع شسع النعل. (مِنَ الْمَصَائِب) أي: من
جملتها. قَالَ الْقَارِي: وروي أنه مَّه استرجعَ حين انطفأ سراج لهُ، ولعل المراد من
انقطاع الشسع أقل أفراد المصيبة. وقال ابنُ حجرٍ: نبّه بالشسع على ما فوقه
بالأولى، وعلى ما دونه بطريق التساوي، فيسن ذكر الاسترجاع في الجميع.
(١٧٧٥) البَيْهَقِي (٩٦٩٣) في الشُّعَب عنه.

١٣٢
aBOCE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
返e
١٧٧٦ - [٤٠] وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ:
سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: يَا عِيسَى إِنِّي
بَاعِثٌ مِنْ بَعْدَِكَ أُمَّةً إِذَا أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا اللَّهُ، وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا
يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا، وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا
لَهُمْ وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ؟ قَالَ: أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعْلِمِي)).
[رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٧٧٦ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ) هي أم الدرداء الصغرى، هجيمة الأوصابية
الدمشقية الفقيهة التابعية، لا أم الدرداء الكبرى الصحابية. (إِنِّي بَاعِثٌ) أي: خالق
ومظهر. (أُمَّةً) أي: جماعة عظيمة. والمراد بهم صلحاء أمة محمد نَّه. (حَمِدُوا
اللَّهَ) أي: على إصابتهم ما يحبون. (احْتَسَبُوا) أي: طلبوا الثواب من الله. (وَلَا
حِلْمَ) أي: الحال أنهم لا حلم لهم. (وَلَا عَقْلَ) أي: كَسْبِيَّانِ أو كاملان قبل ذلك
يحملهم على ما سبق منهم، قاله القاري. وفي ((مسند الإمام أحمد))
(ج٦: ص ٤٥٠) و((المستدرك)) (ج١: ص٣٤٨) ((وَلَا عِلْمَ)) بدل ((وَلَا عَقْلَ)) في
الموضعين، وكذا في ((مجمع الزوائد)) و((الترغيب)).
(فَقَالَ) أي: عيسى: (كَيْفَ يَكُونُ هَذَا) أي: ما ذكر من الحمد حال السراء
والصبر حال الضراء. (وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ)؛ لأن الحلم هي الصفة المعتدلة تمنع
الإنسان عن العجلة وتبعثه على التأمل في القضايا والأحكام حتى يقوم بمقتضى
المقام، فيشكر عند الإنعام ولا يبطر، ويصبر على المحنةِ، ولا يجزع عند
المصيبة. والعقلُ يمنعه ويعقَله عما لا ينبغي، فيكون مانعًا له من الكفران وحاملًا
وباعثًا له على حمد الله تعالى وبه يعلم الإنسان أن الأمر كله بيد الله، والخير فيما
اختاره الله، فيصبر على ما قدر وقضاه، وأما إذا لم يكن لهم حلم ولا عقل فأمرهم
غريب وحالهم عجيب.
(١٧٧٦) البَيْهَقِي (٩٩٥٣) في الشُّعَب عنه.

كِتَابِ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلى الْمَيثِ
١٣٣
(أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي) أي: اللدنيين عند المنحة والمحنة ليشكروا حال
السراء ويصبروا حال الضراء على وجه الكمال، قاله القاري. وقال الطيبي: قوله
((لَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ)) قيل: هو مؤكد لمفهوم احتسبوا وصبروا؛ لأن الاحتساب أن
يحمله على العمل والإخلاص وابتغاء مرضاة الله لا الحلم والعقل، وحينئذٍ يتوجه
السؤال، أي: كيف يصبر ويحتسب من لا حلم ولا عقل له؟ فأجابَ بأنه إن فني
حلمه وعقله يتحلم ويتعقل بحلم اللَّه وعلمه. وفي وضع ((علمي)) موضع العقل
إشارة إلى عدم جواز نسبة العقل إليه، تعالى عن صفات المخلوقين عُلوًّا كبيرًا،
وهو القوَّة المتهيئة لقبول العلم، انتهى. والحديث يدل على الترغيب في الصبر،
سيما لمن ابتلى في نفسه وماله، وعلى فضل الأمة المحمدية.
(رَوَاهُمَا) أي: هذا الحديث والذي قبله. (الْبَيْهَقِيُّ) الحديث الأول أخرجه
البزار وابن عدي أيضًا، كما في ((الجامع الصغير))، ونسبه الهيثمي (ج ٢: ص٣٣١)
للبزار. وقال: فيه بكر بن خنيس، وهو ضعيف، وروى البزار أيضًا عن شداد بن
أوس مثله، وفيه خارجة بن مصعب، وهو متروك. وفي الباب أيضًا عن أبي أمامة
عند الطبراني في (الكبير))، وفيه العلاء بن كثير، وهو متروك، وله حديث آخر عند
الطبراني أيضًا، وسنده ضعيف. والحديث الثاني أخرجه أيضًا أحمد (ص ٤٥٠)
والحاكم (ج١: ص٣٤٨) والبزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)). قال
الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
وقال الهيثمي (ج١٠: ص٦٨) بعد عزوه لأحمد والبزار والطبراني: ورجالُ
أحمد رجال الصحيح، غير الحسن بن سوار وأبي حلبس يزيد بن ميسرة، وهما
ثقتان، انتهى .

١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨ - بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ
(بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) أي: جوازها وفضلها وآدابها .
الفصل الأول
١٧٧٧ - [١] عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ
الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا
لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلُّهَا وَلَا تَشْرَبُوا
مُسْکِرًا).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٧٧٧- قوله: (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) بضم الباء أي: ابن الحصيب الأسلمي.
(نَهَيْتُكُمْ) أي: قبل هذا، وفي ((صحيح مسلم)): ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ))، وكذا وقع في
حديث أبي سعيد عند أحمد والبزار والحاكم، وفي حديث ثوبان عند الطبراني،
وفي حديث ابن مسعود عند ابن ماجه، وسيأتي. (عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) قال
القاري: الأمر للرخصة أو للاستحباب، وعليه الجمهور، بل ادعى بعضهم
الإجماع، بل حكى ابن عبد البر عن بعضهم وجوبها، انتهى. وقال الحافظ في
((الفتح)): في الحديث تصريح بجواز زيارة القبور. وفيه نسخ النهي عن ذلك. قال
النووي تبعًا للعبدري والحازمي وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال
جائزة، كذا أطلقوا، وفيه نظر؛ لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين
وإبراهيم النخعي والشعبي الكراهة مطلقًا، حتى قال الشعبي: لو لا نهي النبي وَل
(١٧٧٧) مُسْلِم (٩٧٧) في الجنائزِ عن بريدة.

١٣٥
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابُ زِيَارَةِ الْقُبورِ
لزرتُ قبرَ ابنتي، فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء، وكان
هؤلاء لم يبلغهم النسخ، والله أعلم. ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور
واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر بهِ.
قال الشوكاني: وهذا يتنزل على الخلاف في الأمر بعد النهي هل يفيد الوجوب
أو مجرد الإباحة فقط؟ والكلام في ذلك مستوفى في الأصول، انتهى. واختلف
في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن. وقيل: هو مخصوص بالرجال، كما هو
الظاهر من الخطاب، لكن عموم علة التذكير الواردة في الأحاديث قد تؤيد عموم
الحكم، إلا أن يمنع كونه تذكرة في حق النساء لتمكن غفلتهن، وسيأتي تفصيل
الكلام عليه في الفصل الثالث. قيل: سبب النهي عن زيارة القبور في أول الأمر
أنهم كانوا حديث عهد بالجاهلية وقريب عهد بعبادة الأوثان ودعاء الأصنام، فنهوا
عن زيارة القبور خشية أن يقولوا أو يفعلوا عندها ما كانوا يعتادونه في الجاهلية،
وخوفًا من أن يكون ذلك ذريعة لعبادة أهل القبور ودعائهم لكشف الشدائد وقضاء
الحوائج، ولما استحكموا في التوحيد أذن لهم في ذلك.
قال العيني في ((شرح البخاري)) (ج٨: ص ٧٠): معنى النهي عن زيارة القبور إنما
كان في أول الإسلام عندهم قربهم بعبادة الأوثان واتخاذ القبور مساجد، فلما
استحكم الإسلام وقوي في قلوب الناس وأمنت عبادة القبور والصلاة إليها، نسخ
النهي عنها؛ لأنها تذكر الآخرة وتزهد في الدنيا، انتهى. وقال الطيبي: الفاء في
قوله: ((فَزُورُوهَا)) متعلق بمحذوف، أي: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فإن
المباهاة بتكثير الأموات فعل الجاهلية. وأما الآن فقد دار رحى الإسلام وهدم
قواعد الشرك فزوروها؛ فإنها تورث رقة القلب وتذكر الموت والبِلَى وغير ذلك من
الفوائد، انتهى.
ويؤيده ما في رواية الترمذي من زيادة ((فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ))، وفي حديث أبي
سعيد عند أحمد وحديث أم سلمة عند الطبراني : ((فَإِنَّ فِيهَا عِبْرَةً))، وفي حديث ابن
مسعود الآتي: ((فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا))، وفي حديث أبي هريرة الآتي: ((فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ
الْمَوْتَ))، وفي حديث أنسٍ عند الحاكم: ((تُرِقَّ الْقَلْبَ وَتُدْمِعُ الْعَينَ فَلَا تَقُولُوا

١٣٦
SeRe
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
هُجْرًا)) أي: كلامًا فاحشًا أو ما لا ينبغي من الكلام، وهو بضم الهاء وسكون
الجیم .
(وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ) بتشديد الياء أي: عن ادخارها وإمساكها، وكان
النهي لأجل الفقراء المحتاجين من أهل البادية الذين دخلوا المدينة. (فَوْقَ ثَلَاثٍ)
أي: ليال. وفي رواية للنسائي: ((فوق ثلاثة أيام)). (فَأَمْسِكُوا) أي: لحومها مطلقًا،
فالأمر للرخصة، وهو الظاهر من إطلاق الحديث. (مَا بَدَا) بالألف أي: ظهر.
(لَكُمْ) أي: مدة بدو الإمساك.
قال الطيبي: نهاهم أن يأكلوا ما بقي من لحوم أضاحيهم فوق ثلاث ليال،
وأوجب عليهم التصدُّق به، فرخص لهم الإمساك ما شاء، انتهى.
وفي رواية للنسائي: (فَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا مَا بَدَا لَكُمْ)).
(وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ) أي: عن إلقاء التمر والزبيب ونحوهما في الماء. (إِلَّا فِي
سِقَاءٍ) بكسر السين أي: قربة، وذلك أن السقاء يبرد الماء فلا يشتد ما يقع فيه اشتداد
ما في الظروف والأواني، فيصير خمرًا، قاله الطيبي.
وقال القاري: فإن السقاء جلد رقيق لا يجعل الماء حارًا، فلا يصير مسكرًا عن
قريب، بخلاف سائر الظروف، فإنها تجعل الماء حارًّا، فيصير النبيذ مسكرًا،
فرخص لهم في شرب النبيذ من كل ظرف ما لم يصر مسكرًا، فقال: (فَاشْرَبُوا فِي
الأَسْقِيَةِ) أي: الظروف والأواني وإلا لا يصح المقابلة، وفيه تغليب لما عرف من
تعريف السقاء .
(وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) قال الطيبي: حاصله أن المنهي هو المسكر لا الظروف
بعينها، كما قال: ((نهاهم عن أربع: الحنتم والدباء والنقير والمزفت))، انتهى.
وسيأتي بسط الكلام في ذلك في الأشربة إن شاء الله تعالى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم
والبيهقي وغيرهم.

كِتَاب الْجَنَائِزِ
بَابُ زِيَارَةِ الْقبور
١٣٧
١٧٧٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَارَ النَِّيُّ ◌َلَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى
مِنْ حَوْلِهِ فَقَالَ: ((اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَّمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي
أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح)
W O
الشَّرْخُ
١٧٧٨ - قوله: (زَارَ النَّبِيُّ وَلَ قَبْرَ أُمِّهِ) أي: بالأبواء بين مكة والمدينة،
وذلك كان عام الفتح. قال القاضي عياض: سبب زيارته وَله قبرها أنه قصد قوة
الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها. ويؤيده قوله ◌َّله في آخر الحديث: ((فَزُورُوا
الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ)). وقيل: زيارته ◌َ لَ قبرها مع أنها كافرة تعليم منه للأمة
حقوق الوالدين والأقارب، فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها. (فَكَى) قال
القاضي: بكاؤه وَّر على ما فاتها من إدراكه والإيمان به. وقيل: على عذابها،
وفيه: دليل على جواز البكاء عند حضور المقابر. (فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) قال ابن الملِكِ:
لأنها كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوزُ؛ لأنَّ اللهَ لا يغفرُ لهم أبدًا.
وقال الشوكاني: فيه دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملَّة
الإسلام. وقال النووي: فيه النهي عن الاستغفار للكفارِ. (فَأَذِنَ لِي) بصيغة
المجهول مراعاة لقوله: ((فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي))، ويجوز أن يكون بصيغة الفاعل. قال
النووي: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت
زيارتهم بعد الوفاة، ففي الحياة أولى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] انتهى .
قلتُ: الحديث بظاهره يدل على أن أمه وَلّ ماتت على غير الإسلام، وهو
مذهب جمهور العلماء في شأنٍ أبويه ◌َّ، وقد ترجم النسائي وابن ماجه لهذا
الحديث: باب زيارة قبر المشرك.
(١٧٧٨) مُسْلِمٍ (٩٧٦)، وأَبُو دَاوُد (٣٢٣٤)، والنَّسَائِي (٩٠/٤)، وابن مَاجَهْ (١٥٦٩) في الجنائز عن
أبي هريرة.

١٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال السندي في ((حاشية النسائي)): كأنه أخذ ما ذكر في الترجمة من المنع عن
الاستغفار، أو من مجرد أنه الظاهر على مقتضى وجودها في وقت الجاهلية، لا من
قوله: بكى وأبكى، إذ لا يلزمُ من البكاء عند الحضور في ذلك المحل العذاب أو
الكفر، بل يمكن تحققه مع النجاة والإسلام أيضًا، لكن مَن يقولُ بنجاة الوالدين
لهم ثلاث مسالك في ذلك:
مسلك أنهما ما بلغتهما الدعوة، ولا عذاب على مَنْ لم تبلغه الدعوة؛ لقوله
تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء:١٥] ... إلخ، فلعلَّ مَن سلك هذا المسلك يقولُ في
تأويل الحديث: إن الاستغفار فرع تصور الذنب لهم، وذلك في أوان التكليف،
ولا يعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما
شرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين.
وأما من يقول بأنهما أحييا له وَ لِّ فآمنا به، فيحمل هذا الحديث على أنه كأنه قبل
الإحياء .
وأما من يقول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهو يقول
بمنع الاستغفار لهما قطعًا، فلا حاجة له إلى تأويل، فاتضح وجه الحديث على
جمیع المسالك، انتهى كلام السندي.
ولا يخفى ما في الوجوه الثلاثة من الضعف؛ لأن حديث إحياء أبويه مَ لِ ضَعِيف
جِدًّا، حتى حكمَ عليه بعضُ الأئمة بالوضع كالدار قطني والجوزقاني وابن الجوزي
وابن دحية، وصرَّح بضعفه فقط غير واحد كابن شاهين والخطيب وابن عساكر
والسهلي والمحب الطبري وابن سيد الناس، وقد اعترف بضعفه السيوطي أيضًا
حيث قال: وروى ابنُ شاهين حديثًا مسندًا في ذلك لكن الحديث مضعف. وأما
الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فهي مكية، وزيارته ◌َّةٍ لقبر أمه
كانت عام الفتح. وقيل: عام الحديبية سنة ست من الهجرة. وقيل: الآية في حق
الأمم السالفة السابقة خاصة. وقيل: المنفي فيها عذاب الاستئصال في الدنيا لا
عذاب الآخرة. وقيل: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها
إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع من أنواع العبادات والحدود.

١٣٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ زِيَارَةِ الْقَبُور
وأما القول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان في يوم القيامة، فهي دعوى
مجردة من غير برهان، فلا يلتفت إليه. قال النووي في شرح حديث أنسٍ: إنَّ رجلًا
قال: يا رسول الله، أينَ أبي؟ قال: ((فِي النَّارِ))، قال: فلما قفى دعاه. فقال: ((إِنَّ
أَبِي وَأَبَاَكَ فِي النَّارِ)). فيه: أنَّ مَن مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من
عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة؛ فإن هؤلاء
قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، انتهى.
وهذا يدل على أن النووي يكتفي في وجوب الإيمان على كُلِّ أحد ببلوغه دعوة
من قبله من الرسل، وإن لم يكن مرسلاً إليه، وإلى ذلك ذهب الحليمي، كما صرَّح
به في ((منهاجه)). وقال القاري: الجمهورُ على أن والديه وَلّ ماتا كافرين، وهذا
الحديث أصح ما ورد في حَقِّهما. وأما قول ابن حجر: وحديث إحيائهما حتى آمنا
به ثم توفيا حديث صحيح، وممن صححه الإمام القرطبي والحافظ ابن ناصر
الدين، فعلى تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضًا لحديث مسلم، مع أن
الحفاظ طعنوا فيه ومنعوا جوازه أيضًا بأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعًا، كما يدل
عليه الكتاب والسنة، وبأن الإيمان المطلوب من المكلف إنما هو الإيمان الغيبي،
وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وهذا الحديث الصحيح
صريح أيضًا في رد ما تشبث به بعضهم بأنهما كانا من أهل الفترة ولا عذاب عليهم
مع اختلاف في المسألة.
واعلم: أن هذه المسألة كثيرة النزاع والخلاف بين العلماء، فمنهم: مَن نصٌّ
على عدم نجاة الوالدين كما رأيت في كلام القاري والنووي، وقد بسطَ الكلامَ في
ذلك القاريُ في ((شرح الفقه الأكبر))، وفي رسالة مستقلة له. ومنهم: مَن شهد لهما
بالنجاة كالسيوطي، وقد ألّف في هذه المسألة سبع رسائل بسط الكلام فيها وذكر
الأدلة من الجانبين، من شاء رجع إليها .
والأسلم والأحوط عندي هو التوقف والسكوت.
(فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا) أي: القبور أو زيارتها. (تُذَكِّرُ الْمَوْتَ) في مسلمٍ:
(تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ)) يعني: وذكر الموت يزهد في الدنيا ويرغب في العقبى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم