النص المفهرس

صفحات 101-120

EACH
١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٥٦ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوقِّيَتْ بِنْتٌ لِعُثْمَانَ
ابْنِ عَقَّانَ بِمَكَّةَ، فَجِثْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِنِّي
لَجَّالِسٌ بَينَهُمَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ مُوَاجِهُهُ: أَلَا تَنَّهَى
عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَّيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُّكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ).
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ. ثُمَّ حَدَّثَ فَقَالَ: صَدَرْتُ مَعَ
عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ خَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ:
اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ فَنَظَّرْتُ فَإِذَا هُوَّ صُهَيْبٌ، قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ
فَقَالَ: ادْعُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا
أَنْ أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِّي يَقُولُ: وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ : يَا
صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضٍ
بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟)) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةً
فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، لَا وَاللَّهِّ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ (( إِنَّ الْمَيِّتَ
لَيُعَذَّبُ بِيُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))، وَلَكِنَّ: (إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ
عَلَيْهِ)). وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُّ: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾ قَالَ ابْنُ
عَبَّاسِ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَمَا قَالَ ابْنُ
عُمَرَ شَيْئًا.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الْشَّرْحُ
١٧٥٦ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بالتصغير. (بِنْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ
عَقَّانَ) هي أم أبان، كما صرح به في ((مسند أحمد)) و((صحيح مسلم)) و((النسائي)).
(لِنَشْهَدَهَا) أي: لنحضر صلاتها ودفنها. (وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب. (وَابْنُ
عَبَّاسٍ) أي: وقد حضراها أيضًا، وفي رواية لمسلم: فحضرها ابن عمر وابن
عباسَّ. (فَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا) أي: بين ابن عمر وابن عباس. قال الطيبي: الظاهر
أن يقال: (وَإِنِّي لَجَالِسٌ)) ليكون حالًا، والعامل حضر، والفاء تستدعي الاتصال
بقوله: ((فَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا)) نقله السيد جمال الدين.
(١٧٥٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٢٨٦) (١٢٨٧) (١٢٨٨)، ومُسْلِم (٩٢٧) (٩٢٩) فيه عنه.

١٠١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
قلتُ: قوله: ((فَإِنِّي لَجَالِسٌ)) كذا في جميع النسخ الموجودة الحاضرة عندنا،
وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ١١: ص٣٩٩). ووقع في ((الصحيحين))
((وَإِنِّي لَجَالِسٌ)) بالواو. وقال ابنُ حجرٍ: قوله: ((فَإِنِّي لَجَالِسٌ)) عطف على ((فَجِثْنَا)).
وقال القاري: الأظهر أن الفاء دخلت على مقدر، تقديره: فبعد حضورها إني
لجالس بينهما؛ إشعارًا بكمال الاطّلاع على ما نقل عنهما.
(لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) أخيها، وهو عمرو بن عثمان بن عفان الأموي يكنى أبا
عثمان، مدني ثقة من كبار التابعين. قال الزبير بن بكار: كان أكبر ولد عثمان الذين
أعقبوا، وإن معاوية زوَّجه لما ولي الخلافة ابنته رملة. (وَهُوَ) أي: ابن عمر.
(مُوَاجِهُهُ) أي: مقابل ابن عثمان. (أَلَا تَنْهَى) النساء. (عَنِ الْبُكَاءِ) أي: بالصياح
والنياح. وفي رواية لمسلم وأحمد عن ابن مليكة قال: كنت جالسًا إلى جنب ابن
عمر، ونحن ننتظر جنازة أم أبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان، فجاءَ ابن
عباس يقوده قائد، فأراه أخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي فكنت
بينهما، فإذا صوت من الدار. وفي رواية النسائي والحميدي: فبكى النساء، فظهر
السبب في قول ابن عمر لعمرو بن عثمان ما قال. والظاهر: أن المكان الذي جلس
فيه ابن عباس كان أوفق له من الجلوس بجنب ابن عمر، أو اختار أن لا يقيم ابن أبي
مليكة من مكانه ويجلس فيه للنهي عن ذلك.
(إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) زاد في روايةٍ لمسلمٍ وأحمدَ وقال: فأرسلها
عبد الله مرسلة. قال النووي: معناه أنَّ ابنَ عمر أطلق في روايته تعذيب الميت
بیکاء الحي، ولم يقيده بيهودي كما قيدته عائشة، ولا بوصية كما قيده آخرون، ولا
قال: ((ببعض بكاء أهله)) كما رواه أبوه عمر. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أي: معترضًا على
ابن عمر بأن عائشة خالفته كأبيه. (قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَّ) أي: للعموم، وهو
أن يكون بصوت أو ندبة أو يروى أي: بعض ذلك الكلام؛ لأن في روايته: ((بِبَعْضٍ
بُكَاءِ أَهْلِهِ))، كما سيأتي. (ثُمَّ حَدَّثَ) أي: روى ابن عباس ما سمعه من عمر
(صدَرْتُ) أي: رجعت. (مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ) قافلا من حجه. (بِالْبَيْدَاءِ) بفتح
الموحدة وسكون التحتية، مفازة بين مكة والمدينة، قاله العيني. وقال القاري:
موضع قريب من ذي الحليفة. (فَإِذَا هُوَ) أي: عمر ((وَإِذَا)) للمفاجأة. (بِرَكْبٍ) بفتح
فسكون أي: جماعة راكبين. (تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ) بفتح السين المهملة وضم الميم،

THE
١٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
شجرة عظيمة من شجر الغضاة. (فَقَالَ) أي: عمر. (اذْهَبْ فَانْظُرْ) أي: تحقق
(صُهَيْبٌ) أي: ومن معه، بضم الصاد ابن سنان بن قاسط، وكان من السابقين
الأولين المعذبين في الله. (قَالَ) أي: ابن عباس. (فَأَخْبَرْتُهُ) أي: أخبرت عمر
بذلك. (ادْعُهُ) بضم الهاء أي: اطلب صهيبًا لي. (فَقُلْتُ) أي: لصهيب. (ارْتَحَلْ)
أي: من مكانك. (فَالْحَقْ) بفتح الحاء، أمر من اللحوق. (أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) هذا
توطئة للمصاحبة والخصوصية الخالصة والمؤاخاة السالفة بين عمر وصهيب.
(فَلَمَّا أَنْ) زائدة. (أُصِيبَ عُمَرُ) أي: بالجراحة التي مات بها، وكان ذلك عقب
حجه المذكور، ففي رواية مسلم المذكورة: ((فلما قدمنا المدينة لم يلبث عمر أن
أصيب)). وفي رواية الحميدي: ((لم يلبث أن طُعِنَ)). (يَبْكِي) حال. (يَقُولُ) بدل
اشتمال من (يبكي))، قاله القاري. وقال العيني: ((يَبْكِي)) جملة وقعت حالاً من
صهيب، وكذلك (يقول)) حَالَ، ويجوز أن يكون من الأحوال المترادفة، وأن يكون
من المتداخلة. (وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ) كلمة وَاللندبة. والألف في آخره ليس مما
يلحق الأسماء الستة لبيان الإعراب، بل هو مما يزاد في آخر المندوب لتطويل مد
الصوت، والهاء ليست بضمير، بل هو هاء السكت، وشرط المندوب أن يكون
معروفًا، فلا بدَّ من القول بأن الأخوة والصاحبية له كانا معلومين معروفين حتى
يصح وقوعهما للندبة. (أَتَبْكِي) بهمزة الاستفهام الإنكاري. (عَلَيَّ) أي: بالصوت
والندبة، وفي رواية النسائي: ((فقال عمر: يا صهيب، لا تبك)).
قال السندي: خاف أن يفضي بكاؤه إلى البكاء بعد الموت، وإلا فالحديث في
البكاء بعد الموت. (بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) قيده ببعض البكاء، فحمل على ما فيه
نوح وندبة جمعًا بين الأحاديث. وقيل: المراد بالبعض ما يكون من وصيته.
(فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ) قال الطيبي: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله
تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، فاستغربت من عمر ذلك القول
فجعلت قولها: ((يَرْحَمُ اللَّهُ)) تمهيدًا ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ. (لَا)
أي: ليس كذلك. (إِنَّ الْمَيِّتَ) بكسر الهمزة وتفتح. (لَيُعَذَّبُ بِيُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) في
البخاري: ((إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِيُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)). وفي مسلم: ((إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ
الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ))، وفي أخرى له: ما قاله رسول اللّهِ وَله قط: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ
بِبُكَاءِ أَحَدٍ))، قال القاري: أي: مطلقًا ولا مقيدًا، وهذا النفي المؤكد بالقسم منها

١٠٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
بناء على ظنها وزعمها، أو مقيد بسماعها، وإلا فمن حفظ حجة على من لم يحفظ،
والمثبت مقدم على النافي. وكيف والحديث روي من طرق صحيحة بألفاظ
صريحة، مع أنه بعمومه لا ينافي ما قالت بخصوصه. (وَلَكِنْ) بإسكان النون أي:
الذي حدث به جملة ((إن الله ... )) الخ. قال القاري: وفي نسخة ((وَلَكِنْ)) قال: وفي
البخاري: وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ،ِ لِ قَالَ، وفي رواية لمسلمٍ: وَلَكِنَّهُ قَالَ. ((إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ
الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)) فحملت الميت على الكافر وأنكرت الإطلاق، وقد
جاء فيه الزيادة كقوله تعالى: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] وقوله: ﴿فَلَنْ
تَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبً:٣٠] لكن قد يقال: زيادة العذاب بعمل الغير أيضًا مشكلة
معارضة بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ ... ﴾ إلخ، فينبغي أن تحمل الباء في قوله:
(بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ)) على المصاحبة لا السببية، وتخصيص الكافر حينئذٍ لأنه محل
الزيادة، قاله السندي في ((حاشية النسائي)).
وقال في ((حاشية البخاري)): كأنها فهمت أن معنى هذا الحديث هو أن الله يزيد
* [النبأ: ٣٠]
الكافر عذابًا جزاء لكفره، كما قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا
إلا أن الله أجرى عادته بإظهار الزيادة عند البكاء، فصار كأن البكاء سبب للزيادة؛
لأن الزيادة جزاء للبكاء، ولا يتصور مثل ذلك في تعذيب المؤمن بسبب البكاء،
فصار هذا الحديث بفهمها غير مخالف لقوله تعالى : ﴿وَلَا نَزِرُ﴾ بل هو موافق لقوله
تعالى: ﴿فَلَنْ تَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ بخلاف حديث تعذيب المؤمن، فلا يرد أن هذا
الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ ... ﴾ إلخ. فما بالها تثبته وتبطل
الحديث الآخر بالمخالفة فافهم، انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف.
وقال القاري: فيه: أن النفي منها ضؤُّا هنا مناقض لما قالت سابقًا من أن الحديث
ورد في يهودية كانوا ييكون عليها، وهي تعذب في قبرها، انتهى. وقال الحافظ :
هذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيها إشعار بأنها لم تَرُدَّ الحديث بحديث
آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن. قال الداودي: رواية ابن عباس عن
عائشة بينت ما نفته عمرة وعروة عنها، إلا أنها خصته بالكافر؛ لأنها أثبتت أن
الميت يزداد عذابًا ببكاء أهله، فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء.

١٠٤
*ee
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) أي: تأكيدًا لقولها أولًا: (حَسْبُكُمُ القُرْآنُ) بسكون السين
المهملة، أي: كافيكم أيها المؤمنون القرآن، أي: في تأييد ما ذهبت إليه من رد
الخبر: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الجملة بدل كل أو بعض من القرآن أو خبر مبتدأ
محذوف هو: هو. قال الطيبي: الوزر والوقر أخوان، وزر الشيء إذا حمله،
والوازرة صفة النفس. والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي
اقترفته. لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما تأخذ جبارة الدنيا الوليَّ بالولي والجار
بالجار، انتهى.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ عِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند انتهاء حديثه عن عائشة مؤيدًا لها ومصدقًا
لكلامها: (وَاللَّهُ) بالرفع مع الواو، وهو حاصل معنى الآية في سورة النجم بلفظ:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ قال مَيْرَك: أي: إن العبرة لا يملكها ابن آدم ولا تسبب له
فيها، فكيف يعاقب عليها فضلًا عن الميت، انتهى. وحاصله جواز عموم البكاء،
وهو خلاف الإجماع. وقال الداودي: معناه أن الله تعالى أذن في الجميل من البكاء
فلا يعذب على ما أذن فيه، انتهى. وهو خارج عن البحث كما لا يخفى. وقال
الطيبي: غرضه تقرير قول عائشة أي: أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره
من اللّه يظهرها فيه فلا أثر له في ذلك، انتهى.
وفيه: أن الكل من عند الله خلقًا ومن العبد كسبًا كما هو مقرر، والشرع قد اعتبر
ما يترتب عليه من الأثر كسائر أفعال البشر، ألا ترى أن التبسم والضحك في وجه
المؤمن من الحسنات، وعلى المؤمن على وجه السخرية من السيئات، وكذا
الحزن والسرور تارة يكونان من الأحوال السيئة، يثاب الشخص بهما، وتارة من
الأفعال الدنية، يعاقب عليهما، كما هو مقرر في محله. ثم قال الطيبي: فإن قلت :
كيف لم يؤثر ذلك في حق المؤمن وقد أثر في حق الكافر؟ قلت: لأن المؤمن
الكامل لا يرضى بالمعصية مطلقًا، سواء صدرت منه أو من غيره بخلاف الكافر،
ومن ثم قالت الصديقة رضياثنان: حسبكم القرآن أي: كافيكم أيها المؤمنون من القرآن
هذه الآية ﴿وَلَا زَزِرُ ... ﴾ إلخ، إنها في شأنكم، وما ذكر رسول اللّهِ وَ لَه((إن الله
يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه)) في شأن الكفار، انتهى. قال القاري: لا دلالة
لقولها على هذه المدعى مع أن العبرة بعموم ألفاظ الآيات والأحاديث في المعنى لا
الخصوص الأسباب في المبنى، انتهى.

١٠٥
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكاءِ عَلَى الْمَيثِ
وقال الكرماني: لعل غرض ابن عباس من هذا الكلام في هذا المقام أن الكل
بخلق الله وإرادته، فالأولى فيه أن يقال بظاهر الحديث، وأن له أن يعذبه بلا ذنب،
ويكون البكاء عليه علامة لذلك أو يعذبه بذنب غيره، سيما وهو السبب في وقوع
الغير فيه، ولا يُسْأَلُ عما يفعل، وتخصص آية الوزر بيوم القيامة.
(فَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا) أي: من القول أو شيئًا آخر. قال الطيبي: أي: فعند ذلك
سكت ابن عمر وأذعن. وقال الزين بن المنير: لا يدل سكوته على الإذعان، فلعله
كره المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبي: ليس سكوته لشك طرأ له بعد ما
صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلًا للتأويل، ولم
يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم يتعين
الحاجة إلى ذلك حينئذٍ. وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل
بالظن، وقد رواه عمر وابنه، ليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما لجواز أن
يكون الخبران صحيحين معًا، ولا منافاة بينهما، فالميت إنما تلزم العقوبة بما تقدم
من وصيته إليهم به وقت حياته، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وهو موجود في
أشعارهم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٤١، ٤٢) والنسائي والبيهقي
(ج٤ ص ٧٣).

BECHE
١٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٥٧ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ ◌َِّ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ
وَجَعْفَرِ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ -
تَعْنِي: شَقَّ الْبَابِ - فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفٍَ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ
أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَقَالَ: انَّهَهُنَّ، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ:
وَاللَّهِ غَلَبْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ: ((فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ)).
فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ لَمْ تَفْعَلَ مَا أَمَرََكَ رَسُولُ اللّهِ وَلّهِ وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
وَهِ مِنَ الْعَنَاءِ.
W O
الْشِّرْحُ
١٧٥٧ - قوله: (لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ) بالنصب على المفعولية والفاعل. (قَتْلُ ابْنِ
حَارِثَةَ) أي: زيد وقد تقدم ترجمته. (وَجَعْفَرٍ) هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن
هاشم الطيار، ذو الجناحين، ابن عم النبي ◌َّ، وأحد السابقين إلى الإسلام وأخو
علي شقيقه، وكان أكبر من علي بعشر سنين، هاجر إلى الحبشة فأسلم النجاشي
ومن تبعه على يديه، وأقام جعفر عنده، ثم هاجر إلى المدينة فقدم والنبي وقّ
بخيبر، فقبل بين عينيه وقال: ((مَا أَدْرِي أَنَا بِقُدُوم جَعْفَرِ أُسَرُّ أَوْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ؟)) وكان
أشبه الناس خَلْقًا وخُلُقًا برسول الله وَله، وكان أبو هريرة يقولَ: خَيرَ الناس
للمساكين جعفر، ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى أن كانَ ليخرجَ إلينا العكة
ليس فيها شيء فيشقها. وفي روايةٍ: كانَ يحبُّ المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم
ويخدمونه، فكان رسولُ اللَّه ◌َلّ يكنيه أبا المساكين. وقال أبو هريرة: ما احتذى
النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول اللّه ◌َ ل أفضل من جعفر بن
أبي طالب، استعمله رسول اللَّه وَ له على غزوة مؤتة، واستشهد بها سنة ثمان من
الهجرة، قاتل فيها حتى قطعت يداه جميعًا، فقال رسول اللّه وَ ل﴾ (( إِنَّ اللَّهَ أَبْدَلَهُ بِيَدَيْهِ
جَنَاحَينِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ))، فمن هناك قيل له جعفر الطيار وجعفر
ذو الجناحين، وهو أول من عرقب فرسًا في سبيل الله، نزل يوم مؤتة إذ رأى
(١٧٥٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٢٩٩)، ومُسْلِم (٩٣٥) فيه عنها .

١٠٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلى الْمَيثِ
الغلبة، فعرقب فرسه. وقاتل حتى قتل، قال ابن عمر: كنت معهم في تلك
الغزوة، فالتمسنا جعفرًا فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعًا وتسعين بين طعنة
ورمية، و کان سنه یوم قتل (٤١) سنة .
(وَابْنِ رَوَاحَةَ) هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي
الأنصاري الشاعر، أحد السابقين الأولين من الأنصار، وأحد النقباء ليلة العقبة،
وثالث الأمراء بغزوة مؤتة، شهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. قال ابن
سعد: كان يكتب للنبي وَّل، وهو الذي جاء ببشارة بدر إلى المدينة. قال ابن
عبد البر: هو أحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول اللَّه وَله،
وفيه وفي صاحبيه حسان وكعب بن مالك نزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الشعراء: ٢٣٧]، ومناقبه كثيرة، وقصة غزوة مؤتة مروية في
((الصحيحين)). (جَلَسَ) هو جواب (لَمَّا)) أي: لما جاء النبي ◌َّ خبر شهادتهم على
لسان جبريل جلس أي: في المسجد، كما في رواية أبي داود.
وفيه: دليل على جواز الجلوس للعزاء في المسجد. (يُعْرَفَ) بصيغة المجهول.
(فِيهِ) أي: في وجهه. (الْحُزْنُ) أي: أثره وهو بضم الحاء وسكون الزاي، والجملة
حال أي: جلس حزينًا، وعدل إلى قوله: ((يعرف))، ليدل على أنه رَّ كظم الحزن
كظمًا، وكان ذلك القدر الذي ظهر فيه من جبلة البشرية. (وَأَنَا أَنْظُرُ) جملة حالية
أيضًا. وقائلها عائشة ◌َّا. (مِنْ صَائِرِ الْبَابِ) بالصاد المهملة المفتوحة والهمزة
بعد الألف أي: الشق الذي كان بالباب. قال المازري: كذا وقع في ((الصحيحين))
((صَائِرِ الْبَابِ))، والصواب: صير الباب بكسر الصاد وسكون التحتية، وهو الشق.
قال القسطلاني: وهو المحفوظ كما في ((المجمل)) و((الصحاح)) و((القاموس))،
وقال ابن الجوزي: صائر وصير بمعنى واحد. وفي كلام الخطابي نحوه. (تَعْنِي)
أي: تريد عائشة بصائر الباب. (شَقَّ الْبَابِ) بفتح الشين المعجمة أي: الموضع
الذي ينظر منه، وهذا لفظ البخاري في المغازي. قال العيني: وهذا التفسير إنما
وقع في رواية القابسي، فيكون من الراوي. وفي رواية لهما ((وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ
الْبَابِ - شَقِّ الْبَابِ)) أي: بدون لفظ تعني.
(فَأَتَاهُ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وكأنه أبهم عمدًا لما وقع في حقِّه
من غض عائشة منه. (إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أي: امرأته وهي أسماء بنت عميس الخثعمية

١٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومن حضر عندها من النساء من أقاربها وأقارب جعفر ومن في معناها، ولم يذكر
أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة غير أسماء. (وَذَكَرَ) أي: الرجل. (بُكَاءَهُنَّ)
الجملة في محل النصب على الحالية سادة مسد الخبر. قال الطيبي: هو حال عن
المستتر في قوله: ((فَقَالَ)) وحذفت ◌َُّّهَا خبر ((أَنْ)) من القول المحكي عن نساء جعفر
لدلالة الحال عليه، يعني أن ذلك الرجل قال: إن نساء جعفر فعلن كذا وكذا مما
حظره الشرع من البكاء المشتمل على رفع الصوت والنياحة، انتهى. وقد وقع عند
النسائي ((يَيْكِينَ))، وعند أبي عوانة «قَدْ كَثُرَ بُكَاؤُهُنَّ))، وعند ابن حبان ((قد أكثرن
بكاءهن)) .
(فَأَمَرَهُ) عليه الصلاة والسلام. (أَنْ يَنْهَاهُنَّ) عن فعلهن. (فَذَهَبَ) أي: فنهاهن
فلم يطعنه. (ثُمَّ أَتَاهُ) أي: أتى الرجل النبي وَِّ. (الثَّانِيَةَ) أي: المرة الثانية فقال:
إنهن. (لَمْ يُطِعْنَهُ) أي: في ترك البكاء. قال الطيبي: قوله: ((لم يطعنه)) حكاية
لمعنى قول الرجل، أي: فذهب ونهاهن ثم أتى النبي ◌َّ وقال: نهيتهن فلم
يطعنني، يدل عليه قوله في المرة الثالثة: والله غلبننا، ووقع في رواية أبي عوانة:
فذكر أنهن لم يطعنه. (انْهَهُنَّ) بهمزة وصل مكسورة وفتح الهاء أمر من النهي.
(فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ) أي: فذهب إليهن ونهاهن ولم يطعنه أيضًا، فأتاه المرة الثالثة.
(غَلَبْتَنَا) بلفظ جمع المؤنث الغائبة، أي: في عدم الامتثال لقوله؛ لكونه لم يصرح
لهن بنهي الشارع، أو حملن الأمر على التنزيه، أو لشدة الحزن لم يستطعن ترك
ذلك، وليس النهي عن البكاء فقط، بل الظاهر أنه على نحو النوح.
(فَزَعَمْتَ) بالغيبة أي: عائشة وهو مقول عمرة، والزعم قد يطلق على القول
المحقق، وهو المراد هنا، قاله الحافظ. أي: قالت عمرة: فزعمت أي: قالت
عائشة. (أَنَّهُ) بَّهِ. (قَالَ) للرجل لما لم ينتهين: (فَاحْثُ) بضم المثلثة أمر من حثا
· يحثو وبكسرها أيضًا من حثي يحثي أي: ارم. (فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) بالنصب أي:
ليسد محل النوح فلا يتمكن منه، أو المراد به المبالغة في الزجر. قال القرطبي:
هذا يدلُّ على أنهن رفعن أصواتهن بالبكاء، فلما لم ينتهين أمره أن يسد أفواههن
بذلك، وخص الأفواه بذلك؛ لأنها محل النوح بخلاف الأعين مثلًا. وقيل: لم
يرد بالأمر حقيقته. قال عياض: هو بمعنى التعجيز، أي: أنهن لا يسكتن إلا بسد
أفواههن، ولا يسدها إلا أن تملأ بالتراب، فإن أمكنك فافعل .

١٠٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
وقال القرطبي: يحتمل أنهن لم يطعن الناهي لكونه لم يصرح لهن بأن النبي وَالثّ
نهاهن، فحملن ذلك على أنه مرشد للمصلحة من قبل نفسه، أو علمن ذلك لكن
غلب عليهن شدة الحزن لحرارة المصيبة، ثم الظاهر أنه كان في بكائهن زيادة على
القدر المباح، فيكون النهي للتحريم، بدليل أنه كرره وبالغ فيه وأمر بعقوبتهن إن لم
يسكتن، ويحتمل أن يكون بكاء مجردًا، والنهي للتنزيه، ولو كان للتحريم لأرسل
غير الرجل المذكور لمنعهن؛ لأنه لم يقر على باطل، ويبعد تمادي الصحابيات بعد
تكرار النهي على فعل الأمر المحرم. وفائدة نهيهن عن الأمر المباح خشية أن
يسترسلن فيه، فيفضي بهن إلى الأمر المحرم لضعف صبرهن، فيستفاد منه جواز
النهي عن المباح عند خشية إفضائه إلى ما يحرم، كذا في ((الفتح)).
(فَقُلْتُ) للرجل. (أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ) بالراء والغين المعجمة، أي: ألصق اللَّه
أنفك بالرغام بفتح الراء وهو التراب إهانة وإذلالًا. قال الحافظ: دعت عليه من
جنس ما أمر أن يفعله بالنسوة لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبي ◌َّ بكثرة
تردده إليه في ذلك. وقال الطيبي: أي: أذلك اللَّه فإنك آذيت رسول اللَّهُ وَّ وما
كففتهن عن البكاء، وهذا معنى قولها ضَّا: (لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرََكَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ) أي:
على درجة الكمال في الزجر، وإلا فقد قام بالأمر حيث نهاهن عن الضجر، قاله
القاري. وقال الكرماني: أي: لم تبلغ النهي، ونفته وإن كان قد نهاهن لأنه لم
يترتب على نهيه الامتثال، فكأنه لم يفعله، ويحتمل أن تكون أرادت لم تفعل أي :
الحثو بالتراب. (وَلَمْ تَتْرُْكُ رَسُولَ اللَّهِ وَ مِنَ الْعَنَاءِ) بفتح العين المهملة والنون
والمد أي: المشقة والتعب، ومراد عائشة أن الرجل لا يقدر على ذلك، فإذا كان لا
يقدر فقد أتعب نفسه ومن يخاطبه في شيء لا يقدر على إزالته، ولعل الرجل لم
يفهم من الأمر المحتم. وقال النووي: معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من
الإنكار لنقصك وتقصيرك، ولا تخبر النبي وقال بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك
ويستريح من العناء. وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا: جواز الجلوس للعزاء
بسكينة ووقار، وجواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب، وتأديب من
نهي عما لا ينبغي له فعله إذا لم ينته، قاله الحافظ، وقد ترجم البخاري في
((صحيحه) على هذا الحديث باب: من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن.

١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الزين بن المنير ما ملخصه: موقع هذه الترجمة من الفقة أن الاعتدال في
الأحوال هو المسلك الأقوم؛ فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يُفْرِطْ في الحزن حتى
يقع في المحذور من اللطم والشق والنوح وغيرها، ولا يفرط في التجلد حتى
يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، فيقتدي به وقّ في تلك الحالة، بأن
يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقار وسكينة تظهر عليه مخائل الحزن، ويؤذن بأن
المصيبة عظيمة، كذا في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجنائز وفي المغازي، ومسلم في الجنائز،
وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وأبو عوانة وابن حبان والبيهقي
(ج ٤ ص٥٩).
١٧٥٨ - [٢٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: غَرِيبٌ
وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ إِذْ
أَقْبَلَّتِ امْرَأَةٌ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللّهِ وَ فَقَالَ: ((أَتْرِيدِينَ أَنْ
تُدْخِلِ الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ؟)) مَرَّتَينٍ، وَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ.
[رَوَاهُ مُسلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٧٥٨- قوله: (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أم المؤمنين. (لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) أي:
زوجها الأول. (غَرِيبٌ وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ) بالإضافة أي أنه من أهل مكة ومات
بالمدينة. (لَأَبْكِيَنَّهُ) بتشديد النون، أي: والله لأبكين عليه. (بَكَّاءً) أي: شديدًا.
(يُتَحَدَّثُ عَنْهُ) بصيغة المجهول، أي: يتحدث الناس به ويتعجبون منه لكمال
شدته، والظاهر أن هذا منها كان قبل علمها بتحريم النياحة. (فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ
لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ) أي: بالقصد والعزيمة، وتهيئة أسباب الحزن من الثياب السود
وغيرها. قال الطيبي: الفاء متصلة بقولها: قلت، أي: قلت عقيب ما تهيأت
(١٧٥٨) مُسْلِم (٩٢٢) عنها فيه.

كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابَ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
١١١
للبكاء، ولا يجوز أن يتصل بالقول إلا مع الواو ليكون حالًا، انتهى. وقال ابن
حجر: هو عطف على ((قلت))، أي: عقب قولي ذلك وقع مني تمام التهيؤ.
(إِذْ أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ) ظرف لـ((تهيأت))، وقيل: ظرف لـ((قلت)). وفي رواية للبيهقي:
فلما تهيأت للبكاء عليه إذا امرأة تريد أن تأتيني، وفي أخرى له: فبينا أنا كذلك قد
تهيأت للبكاء عليه إذا أتت امرأة. (تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي) من الإسعاد وهو الإعانة، أي:
تساعدني في البكاء والنوح. (فَاسْتَقْبَلَهَا) أي: تلك المرأة. (فَقَالَ) أي: بعد علمه
بما هي قاصدة له. (أَتُرِيدِينَ) أيتها المرأة بإعانتك على المعصية. (أَنْ تُدْخِلِي
الشَّيْطَانَ) أي: أن تكوني سببًا لدخول الشيطان. (بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ) أي: الشيطان.
(مِنْهُ) أي: من ذلك البيت وأبعده من إغواء أهله. (مَرَّتَينٍ) الظاهر أنه متعلق بـ((قَالَ))
أي: أعاد هذا الكلام لكمال الاهتمام مرتين. (وَكَفَفْتُ) عطف على مقدر، أي:
فأنزجرت ومنعت نفسي. (عَنِ الْبُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ) أي: البكاء المذموم. قال البيهقي:
هذا في بكاء یکون معه ندب أو نياحة، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه البيهقي أيضًا (ج٤: ص٦٣).
١٧٥٩ - [٢٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنَ
رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَّبْكِي: وَاجَبَلَاهُ، وَأَكَذَا، وَا كَذَّا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ
حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لَيَ: أَنْتَ كَذَلِكَ؟ - زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَلَّمَا
مَاتَ لَمْ تَيْكِ عَلَيْهِ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَرْجُ
١٧٥٩- قوله: (عَنِ الُّعْمَانِ) بضم النون. (أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللهِ) بصيغة
المجهول يعني مرض، وحصل له الإغماء في مرضه، فلما رأت أخته عمرة هذه
الحالة بكت وندبت. (أُخْتُهُ عَمْرَةُ) بنت رواحة الأنصارية زوجة بشير بن سعد
الأنصاري، ووالدة النعمان بن بشير، راوي هذا الحديث، وهي التي سألت بشيرًا
(١٧٥٩) البُخَارِي (٤٢٦٧) عنه فیه.

١١٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
أن يخص ابنها منه بعطية دون إخوته، فردَّ النبي وَّ ذلك، والحديث في
((الصحيحين)). قال ابن عبد البر: لما ولدت النعمان بن بشير حملته إلى رسول الله
وَالر فدعا بتمرة، فمضغها ثم ألقاها في فيه فحنكه بها، فقالت: يا رسول اللَّه وَله.
أدع اللَّه أن يكثر ماله وولده، فقال: ((أَمْا تَرْضِينَ أَنْ يَعِيشَ كَمَا عَاشَ خَالُهُ حَمِيدًا،
وَقُتِلَ شَهِيدًا، وَدَخَلَ الْجَنَّةَ)).
(تَبْكِي) عليه وتقول. (وَا جَبَلَاهْ) بالجيم والموحدة واللام، والواو فيه للندبة
وهو حرف نداء، ولكنه يختص بالندبة. والهاء فيه للسكت. قال الطيبي: حال
والقول محذوف أي: قائلة: واجبلاه، أي: أنه كان لها كالجبل تأوي إليه عند
طروق الحوادث فتعتصم به، ومستندًا تستند إليه في أمورها. (وَا كَذَا وَا كَذَا)
مرتين كنايتان عن نحو سيداه وسنداه. (تُعَدِّدُ عَلَيْهِ) بضم التاء من التعديد، وهو ذکر
أوصاف الميت ومحاسنه في أثناء البكاء، يعني: تذكر محاسنه، وذلك غير جائز،
وعند أبي نعيم في ((المستخرج)): وا عضداه، وفي مرسل الحسن عند ابن سعد:
واجبلاه واعزاه. وفي مرسل أبي عمران الجوني عنده: واظهراه، وزاد فيه أن
رسول اللَّهُ وَّه كان عاده، فأغمي عليه فقال: ((اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلُهُ حَضَرَ فَيَسِّرْ عَلَيْهِ
وَإِلَّا فَاشْفِهِ))، قال: فوجد خفة، فقال: كأن مَلِك قد رفع مرزبة من حديد يقول:
أنت كذا، فلو قلت: نعم، لقمعني بها. (فَقَالَ) عبد الله. (حِينَ أَفَاقَ) من الإغماء
لأخته عمرة. (مَا قُلْتِ شَيْئًا) مما سبق. (إِلَّا قِيلَ لِي) استثناء مفرغ. (أَنْتَ كَذَلِكَ؟)
استفهام على سبيل الإنكار، أي: قيل لي: أنت لها جبل؟ أي كهف تلجئ إليك،
على سبيل الإيذاء والإهانة والتهكم والوعيد الشديد، وزاد أبو نعيم في آخرها:
فنهاها عن البكاء عليه. قال الطيبي: هذا الحديث ينصر مذهب عمر رَوْ قْتَهُ في
حديث ابن أبي مليكة. وقال ابن حجر: فإن قلت: ما وجه توبيخه بهذا مع أنه لم
يرض به ولا أمر؟ قلت: إخباره بذلك حتى ينزجر الناس عن فعل شيء من ذلك.
(فَلَمَّا مَاتَ) عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة وبلغها خبره. (لَمْ تَيْكِ عَلَيْهِ) أي :
أخته لنهيه إياها عن ذلك في مرضه الذي أغمي عليه فيه ولم يمت منه، وقيل: لم
تبك عليه مخافة أن يقال له بعد الموت أيضًا، كما قيل في حالة الإغماء.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في المغازي وأخرجه ابن سعد والبيهقي أيضًا (ج ٤: ص٦٤).

كِتَابَ الْجَنَّائِزْ
بَابُ الْبَكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
١١٣
١٧٦٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَ يَقُولُ:
((مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيُقولُ: وَا جَبَلَاهُ، وَا سَيِّدَاهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ،
إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَينٍ يَلْهَزَانِهِ وَيَقُولَانٍ: أَهَكَذَا كُنْتَ؟)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنَّ] أحسن}
G O
الشَّرْحُ
١٧٦٠ - قوله: (مَا مِنْ مَيِّتٍ) أي: حقيقي أو مشرف على الموت. (يَمُوتُ)
قال الطيبي: هو كقول ابن عباس: يمرض المريض وتضل الضالة فَسُمِّيَ المشارف
للموت والمرض والضلال: ميتًا ومريضًا وضالةً، وهذه الحالة هي الحالة التي
ظهرت على عبد الله بن رواحة. (فَيَقُومُ) أي: فيشرع. (يَلْهَزَانِهِ) بفتح الهاء أي:
يضربانه ويدفعانه. وفي ((النهاية)): اللهز: الضرب بجمع اليد في الصدر، يقال:
لهزه بالرمح أي: طعنه في الصدر. (أَهَكَذَا كُنْتَ) أي: توبيخًا وتقريعًا وتهكمًا
به، كما في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾﴾. وفيه وفي حديث
النعمان دليل على تحريم الندبة والنياحة على الميت الحقيقي وعلى المشرف على
الموت .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أحمد (ج٤ ص ٤١٤) بلفظ: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ
عَلَيْهِ، إِذَا قَالَتِ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ وَانَاصِرَاهُ وَاكَاسِيَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتٌ
عَضُدُهَا؟ أَنْتَ نَاصِرُهَا؟ أَنْتَ كَاسِيهَا؟)) وأخرجه ابن ماجه بلفظ: ((يُتَعْتَعُ بِهِ، وَيُقَالُ:
انَتَ كَذَلِكَ؟)). وقوله: ((يُتَعْتَعُ)) على بناء المفعول من تعتعت الرجل إذا عنفته
وأقلقته، كذا في ((الصحاح)). والعنف هو الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر.
وأخرجه الحاكم بنحوه وقال: صحيح الإسناد. قال الحافظ في ((الفتح))
و((التلخيص)) بعد ذكر حديث أبي موسى من رواية أحمد والترمذي والحاكم:
وشاهده ما روى البخاري في المغازي من ((صحيحه)) من حديث النعمان بن بشير،
فذكر لفظه، وفي الباب عن عبد الله بن عمر أخرجه الطبراني في ((الكبير)). وعن
(١٧٦٠) التِّرْمِذِي (١٠٠٣) فيه عنه وقالَ: غريب.

١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
معاذ بن جبل أخرجه الطبراني أيضًا، ذكرهما الهيثمي في الزوائد (ج٣ ص ١٤ -
١٥)، والمنذري في ((الترغيب)) وقالا في الأول: الأعمشُ لم يدرك ابن عمر، وفي
الثاني: الحسن لم يدرك معاذًا.
١٧٦١ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَاتَ مَيِّتْ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَه
فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ وَيَطْرُدُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّ : (دَعْهُنَّ؛ فَإِنَّ الْعَينَ دَامِعَةٌ، وَالْقَلْبَ مُصَابٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ والنَّسَائِيُّ] {ضعيف}
G O
الْشَّرْحُ
١٧٦١ - قوله: (مَاتَ مَيِّتْ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴾) هي زينب بنت رسول الله
وَخَّر كما سيأتي في الحديث الآتي. (يَبْكِينَ عَلَيْهِ) أي: على الميت من غير نياحة.
(دَعْهُنَّ) أي: اتركهن. (فَإِنَّ الْعَينَ دَامِعَةٌ) أي: بالطبع والجبلة البشرية. قال
السندي: فیه أن بکاءهن کان بدمع العين لا بالصياح، فلذلك رخص في ذلك، وبه
يحصل التوفيق بين أحاديث الباب. (وَالْقَلْبَ) بالنصب والرفع. (مُصَابٌ) أي:
أصابته المصيبة فلا بد له من أن يحزن، فهو السبب في بكاء العين. (وَالْعَهْدَ) أي:
زمان المصيبة. (قَرِيبٌ) أي: منهن فالصبر صعب عليهن. قال الطيبي: كان من
الظاهر أن يعكس الترتيب؛ لأن قرب العهد مؤثر في القلب بالحزن، والحزن مؤثر
في البكاء، ولكن قدم ما يشاهد، ويستدل به على الحزن الصادر من قرب، وفيه
أنهن لم يكن يزدن على البكاء النياحة والجزع، انتهى.
وقال القاري: الظاهر أن بكاءهن كان بصوت لكن لا برفعه، فنهاهن عمر سدًّا
لباب الذريعة حتى لا ينجر إلى النياحة المذمومة، فأمره عليه الصلاة والسلام
بتركهن، وأظهر عذرًا لهن في أفعالهن، انتهى. والظاهر عندي هو ما قاله الطيبي
والسندي .
(١٧٦١) النَّسائي (١٩/٤) فیه عنه.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلى الْمَيثِ
١١٥
- *
<<<< D *<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<**<<<< > <<<<**
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والبيهقي (ج٤ ص ٧٠)
أيضًا، ولفظ ابن ماجه: أن النبي ◌ُّه كان في جنازة فرأى عمر امرأة - أي: باكية -
فصاح بها لَتَنْتَهِي عَنْهُ فقال النبيِّ: ((دَعْهَا يَا عُمَرُ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ
وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ))، ذكره الحافظ في ((التلخيص))، وسكت عنه، ونقل السندي في
حاشيته ابن ماجه عن الحافظ أنه قال في ((الفتح)): رجاله ثقات.
١٧٦٢ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: مَاتَتْ زَينَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَلَه
فَبَكَتِ النِّسَاءُ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَضْرِبُهُنَّ بَسَوْطِهِ، فَأَخَّرَهُ رَسُولُ اللّهِ وَلَهَ بِيَدِهِ
وَقَالَ: ((مَهْلَا يَا عُمَرُ !)) ثُمَّ قَالَ: (إِيَّا كُنَّ وَنَعِيقَ الشَّيْطَانِ)) ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّهُ مَهْمَا
كَانَ مِنَ الْعَينِ وَمِنَ الْقَلْبِ فَمِنَ اللَّهِ رَكَ وَمِنَ الرَّحْمَةِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْيَدِ وَمِنَ
اللِّسَانِ فَمِنَ الشَّيْطَانِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٧٦٢ - قوله: (مَاتَتْ زَينَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَلّهِ) وقع في رواية عند أحمد
والبيهقي وابن سعد: رُقية بنت رسول الله بدل زينب، وهو خطأ، والصواب
زينب، وهي أكبر بناته بّه، وأول مَن تزوج منهن، ولدت قبل البعثة بمدَّة. قيل:
إنها عشر سنين، وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمه هالة بنت
خويلد، أسلمت زينب وهاجرت حين أبى زوجها أبو العاص أن يسلم، وولدت من
أبي العاص غلامًا اسمه عليٍّ مات وقد ناهز الاحتلام ومات في حياته، وجارية
اسمها أمامة عاشت حتى تزوجها عليٍّ بعد فاطمة، وتوفيت زينب في أول سنة ثمان
من الهجرة، وكان سبب موتها أنها لما خرجت من مكة إلى رسول اللَّه وَ ل عدا
عليها هبار بن الأسود ورجل آخر، فدفعها أحدهما فيما ذكروا، فسقطت على
صخرةٍ، فأسقطت واهراقت الدماء، فلم يزل بها مرضها حتى ماتت سنة (٨) من
الهجرة، وكان زوجها محبًّا فيها، وكانت وفاته بعدها بقليل.
(١٧٦٢) أَحْمَد (١/ ٣٣٥) عن ابن عباس .

١١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَأَخَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ بِيَدِهِ). في ((المسند)) (ج ١ ص٢٣٨): ((فأخذ رسول اللَّه
وَّ بيده)). (مَهْلًا) بسكون الهاء، أي: أمهلهن مهلًا أو أعطهن مهلًا. قال السيد:
((مَهْلًا)) مصدر عامله محذوف، وقيل: المَهْل والمَهَل: الرفق والتؤدة والتباطؤ،
ويقال: مَهْلاً وعلى مَهْل أي: امهِل، وهو مصدر نائب مناب فعله يستوي فيه
المذكر والمؤنث مفردًا ومثنى وجمعًا. (يَا عُمَرُ) والمعنى لا تبادر حتى يتبين لهن
الحكم. وفي رواية لأحمد (ج ١ ص٣٣٥): ((دَعْهُنَّ يَبْكِينَ)). (وَنَعِيقَ الشَّيْطَانِ) أي:
صياحه بالنياحة، وأضيف إليه لحمله عليه، مِن نعق الراعي بغنمه: دعاها لتعود
إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]. (ثُمَّ قَالَ) أي: النبي ◌ِّ مبينًا
له أتمَّ البيان. (إِنَّهُ) أي: الشأن. (مَهْمَا كَانَ) في ((القاموس)): ((مهما)) بسيط لا
مركب من مه وما لا من ((ما ما)) خلافا لزاعميهما، انتهى. واختلف في أنها اسم
شرط أو حرف شرط، وهو في هذا المقام ظرف لفعل الشرط، أي: مهما كان
البكاء. (مِنَ الْعَينِ) أي: من الدمع. (ومن القلب) أي: من الحزن. (فَمِنَ اللَّهِ
رَمن) أي: محمود ومرضي من جهته وصادر من خلقته. وقال الطيبي: ((مَهْمَا))
حرف الشرط تقول: مهما تفعل افعل. قيل: إن أصلها ((مَامَا)) فقلبت الألف الأولى
هاء، ومحله رفع بمعنى أيما شيء كان من العين فمن الله.
(وَمِنَ الرَّحْمَةِ) أي: وناشئ من رحمة صاحبه. (وَمَا كَانَ) ((مَا)) شرطية أيضًا. (مِنَ
الْيَدِ) كالضرب على الخد وقطع الثوب ونتف الشعر. (وَمِنَ اللَّسَانِ) أي: بطريق
الصياح وعلى وجه النياح، أو يقول ما لا يرضى به الرب. (فَمِنَ الشَّيْطَانِ) أي: من
إغوائه أو برضاه.
قال الطيبي: وجه اختصاص البكاء بالله أن الغالب في البكاء أن يكون محمودًا،
فالأدب أن يسند إلى الله تعالى، بخلاف قول الخنا والضرب باليد عند المصيبات
فإن ذلك مذموم. وقال مَيْرَك: ولعل إسناد البكاء إلى الله تعالى لأجل أن الله تعالى
راض به ولا يؤاخذ به، بخلاف ما صدر من اللسان واليد عند المصيبة؛ فإن
الشيطان راض بهما والرحمن يؤاخذ بهما. وقال القاري: بعضها مباح أو محمود،
فينسب إلى الله لإباحته أو لرضاه فيترتب عليه الثواب، وبعضها معصية فينسب إلى
الشيطان؛ حيث تسبب بالإغواء وحصل له به الرضا، فيستوجب عليه العذاب.

١١٧
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ١ ص٢٣٧ - ٢٣٨ و ٣٣٥)، وأخرجه البيهقي (ج ٤ ص ٧٠) وابن
سعد أيضًا، والحديث في إسناده علي بن زيد، وفيه كلام وهو موثق، وأشار إليه
الحافظ في ((التلخيص)) وسكت عنه.
١٧٦٣ - [٢٨] وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ
الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ضَرَبَتِ امْرَأَتْهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً ثُمَّ رَفَعَتْ، فَسَمِعَتْ
صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ آخرٌ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا.
[البخاري]
الْشَّرْجُ
١٧٦٣ - قوله: (وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا) أي: بلا إسنادٍ. قال القاري: كان من
حق المصنف أن يذكر من يرويه البخاري عنه أولًا، وينسب الحديث إليه معنعنًا،
ثم يقول بعد تمام الحديث: رواه البخاري تعليقًا، انتهى. قلت: أورد البخاري هذا
الأثر معلقًا بحذف كل السند، يعني ذكره غیر معزو إلى من رواه حيث قال: باب ما
يكره من اتخاذ المسجد على القبور، ولما مات الحسن بن الحسن بن علي
... إلخٍ. ثم روى بسنده عن عائشة عن النبي ◌َّ قال في مرضه الذي مات فيه:
((لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))، وعلى هذا فلا وجه
للاعتراض على المصنف، وقد وصل هذا الأثر الحسينُ بن إسماعيل بن عبد الله
المحاملي في ((أماليه)) من طريق جرير عن المغيرة بن مقسم، ووصله أيضًا ابن أبي
الدنيا في كتاب ((القبور)) من طريق المغيرة.
(لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب الهاشمي، بفتح الحاء
والسين في الاسمين، وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، وكانت وفاته سنة سبع
وتسعين وله بضع وخمسون سنة، وهو من ثقات التابعين، وله ولد يسمى الحسن
أيضًا فهم ثلاثة في نسق واحد. (ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ) فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي
(١٧٦٣) علَّقَهُ البُخَارِي ((التعليق)) (٤٨١/٢ - ٤٨٢). قلتُ: ووصلَهُ المحاملي في ((أماليه)) هو في الجزء
السادس عشر منه، رواية الأصبهانيين، كما في ((الفتح)) (٤٠٠/٣).

١١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
طالب الهاشمية، وهي ابنة عمه تقدم ترجمتها. (الْقُبَّةَ) بضم القاف، وتشديد
الموحدة أي: الخيمة، كما جاء في رواية المحاملي وابن أبي الدنيا بلفظ
الفسطاط. (عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً) قال ابنُ المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع
بالميت بالقرب منه تعليلًا للنفس وتخييلًا باستصحاب المألوف من الأنس ومكابرة
للحس، كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية ومخاطبة المنازل الخالية،
فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا. (ثُمَّ رَفَعَتْ) بالبناء للفاعل
أي: أمرت المرأة برفعها أو للمفعول أي: رفعت الخيمة.
(فَسَمِعَتْ) أي: المرأة، ويروى: فسمعوا أي: المرأة ومن معها. (صَائِحًا)
أي: هاتفًا من مؤمني الجن أو الملائكة. (أَلَا) بالتخفيف للتنبيه. (مَا فَقَدُوا) بفتح
القاف، ويروى: ما طلبوا. (فَأَجَابَهُ آخَرُ) أي: صائح آخر. (بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا)
أي: رجعوا، وفي هذا الأثر دليل على كراهة ضرب القبة على القبر، وإليه ذهب
أحمد وهو الحق. قال ابن قدامة: كره أحمد أن يضرب على القبر فسطاط، وأوصى
أبو هريرة حين حضرته الوفاة أن لا يضربوا عليه فسطاطًا، انتهى. وذكر البخاري
ذلك الأثر في الباب المذكور؛ لأنه يدلَّ على كراهة ضرب القبة على القبر.
قال القسطلاني: مطابقته للترجمة ومناسبته لحديث الباب من جهة أن المقيم في
الفسطاط لا يخلو من الصلاة فيه، فيستلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون
القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة، وإذا أنكر الصائح بناءً زائلًا فالبناء الثابت
أجدر، لكن لا يؤخذ من كلام الصائح حكم؛ لأنَّ مسالك الأحكام الكتاب والسنة
والإجماع والقياس، ولا وحي بعده عليه الصلاة والسلام، وإنما هذا وأمثاله تنبيه
على انتزاع الأدلة من مواضعها واستنباطها من مظانها، انتهى. وقال الحافظ: إنما
ذكره البخاري لموافقته للأدلة الشرعية لا لأنه دليل برأسه.

١١٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلى الْمَيتِ
١٧٦٤، ١٧٦٥ - [٢٩، ٣٠] وَعَنْ عِمْرَانِ بْنِ حُصَينٍ وَأَبِي بَرْزَةَ
قَالَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ بِهِ فِي جِنَازَةٍ، فَرَأَى قَوْمًا قَدْ طَرَحُّوا أَرْدِيَتَهُمْ
يَمْشُونَ فِي قُمُصٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ إِ ((أَبِفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ تَأْخُذُونَ؟ أَوْ بِصَنِيعِ
الْجَاهِلِيَّةِ تَشَبَّهُوَّنَ؟ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدْعُوَ عَلَيْكُمْ دَعْوَةً تَرْجِعُونَ فِي غَيْرِ
صُوَرِكُمْ)) قَالَ: فَأَخَذُوا أَرْدِيَتَهُمْ وَلَمْ يَعُودُوا لِذَلِكَ.
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضَعِيف جِدًّا}
الْشَّرْجُ
١٧٦٤، ١٧٦٥ - قوله: (فَرَأَى قَوْمًا) أي: من متبعي الجنازة. (قَدْ
طَرَحُوا أَرْدِيَتَهُمْ) قال السندي: أي: غيروا لباسهم للحزن على الميت، وهذا من
صنيع الجاهلية، لكن أهل الجاهلية يبالغون فيه فلذلك سمى هذا تشبهًا بهم،
انتهى. (يَمْشُونَ) حال من فاعل ((طرحوا))، أو صفة بعد صفة لـ((قومًا)). (فِي قُمُصٍ)
بضمتين جمع قميص. قال القاري: يؤخذ منه أن الشعار المعروف في ذلك الزمن
هو الرداء فوق القميص. قال الطيبي: حال متداخلة؛ لأن ((يمشون)) حال من الواو
في ((طرحوا))، أو هو من الواو في (يمشون)). (أَبِفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ) أي: من تغير الزي
المألوف عند الموت. (تَأْخُذُونَ) الهمزة للإنكار، ومحله الفعل، وقدم الجار لبيان
محط الإنكار. (أَوْ بِصَنِيعِ الْجَاهِلِيَّةِ) أو للتنويع أو للشك. (تَشَبَّهُونَ) أي: تتشبهون
فحذف إحدى التائين. (لَقَدْ هَمَمْتُ) أي: قصدت. (دَعْوَةً) مفعول مطلق.
(تَرْجِعُونَ) على بنائه للفاعل أو للمفعول، أي: تصيرون أو تردون بتلك الدعوة.
(فِي غَيْرِ صُوَرِكُمْ) أي: بالمسخ. قال الطيبي: هو محمول على تضمين الرجوع
معنى صار، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]، أو تحمل
الصورة على الصفة والحالة، أي: ترجعون إلى غير الفطرة كما كنتم علیه، انتهى.
قال مَيْرَك: ويحتمل أن يكون المراد ترجعون إلى بيوتكم في غير صوركم، و((في
غير صوركم)) حال فلا حاجة إلى الوجهين، انتهى.
(١٧٦٤)، (١٧٦٥) ابن مَاجَهْ (١٤٨٥) عنهما فيه.