النص المفهرس

صفحات 61-80

٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٣٨ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنَ عُبَادَةَ
شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َِّ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي
وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، وَجَدَهُ فِي غَاشِيَةٍ فَقَالَ: ((قَدْ
قُضِيَ) قَالَوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ وَِّ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ
النَّبِيِّ نََّ بَكَوْا فَقَالَ: ((أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَّا يُعَذِّبُ بِدَمْع الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ
الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَزَّحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ
لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٧٣٨ - قوله: (اشْتَكَى) أي: مرض. (شَكْوَى) بغير تنوين، مصدر أو
مفعول به أي: مرضًا. (لَهُ) أي: حاصلًا له. (يَعُودُهُ) جملة حالية أي: يقصد
عيادته. (فِي غَاشِيَةٍ) بمعجمتين. قال الخطابي: هذا يحتملُ وجهين: أن يراد به
القوم الحضور عنده الذين هم غاشيته، أي: يغشونه للخدمة، وأن يراد ما يتغشاه
من كرب الوجع الذي به. ويؤيده ما وقع في رواية مسلم: ((فِي غشيَّةٍ)). وورد في
بعض روايات البخاري: ((في غاشية أهله)). وهذا يأبى المعنى الثاني، ولا يتأتى
ذلك إلا على رواية العامة بإسقاط أهله. وقال التوربشتي في شرح ((المصابيح)):
الغاشيةُ: الداهية من شر أو مرض أو مكروه، والمراد به هاهنا: ما كان يتغشاه من
کرب الوجع الذي فيه لا حال الموت؛ لأنه برئ من ذلك المرض وعاش بعده
زمانًا .
(فَقَالَ:) وَهِ. (قَدْ قُضِيَ) على بناء المفعول بحذف همزةِ الاستفهام، أي: قد
خرج من الدنيا، ظن أنه قد مات فسأل عن ذلك. (فَبَكَى النَّبِيُّ ونَ﴾ أي: رحمة
عليه. (فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ وََّ) في نسبة البكاء إلى الرؤية إشارة إلى أنه لم
يكنْ إلا الدمعة. (بَكَوْا) في هذا إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم بن
النبي وَّر؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه، ولم يعترضه بمثل ما
(١٧٣٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٢٩٤)، ومُسْلِم (١٠٣/١٦٥) عَنْهُ فِيهِ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكاءِ عَلى الْمَيتِ
٦١
اعترضَ به هناك، فدلَّ على أنه تقرَّر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير
زيادة على ذلك لا يضر.
(أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ) بكسر الهمزة استئنافًا؛ لأن قوله: ((تَسْمَعُونَ)) لا يقتضي
مفعولًا؛ لأنه جعل كاللازم، فلا يقتضي مفعولًا، أي: ألا توجدون السماع، كذا
قرَّره البرماوي والحافظ، كالكرماني، وقد تعقّبه العيني، فقال: ما المانع أن يكون
بالفتح في محل المفعول ((تسمعون))، وهو الملائم لمعنى الكلام. انتهى. قال
القسطلاني: لكن الذي في روايتنا بالكسر. قال الحافظ: وفيه إشارة إلى أنه فهم
من بعضهم الإنكار، فبين لهم الفرق بين الحالتين. (وَلَكِنْ يُعَذَّبُ بِهَذَا) أي: إن
قال سوءًا من الجزع والنوح. (أَوْ يَرْحَمُ) أي: بهذا إن قال خيرًا واستسلم
لقضاء الله. ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((أَوْ يَرْحَمُ)) أي: إن لم ينفذ الوعيد. (إِنَّ
الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) يأتي الكلام فيه في الفصل الثالث من هذا الباب.
وفي هذا الحديث من الفوائد: استحباب عيادة المريض، وعيادة الفاضل
للمفضول، والإمام لأتباعه مع أصحابه. وفيه: النهي عن المنكر، وبيان الوعيد
عليه، وجواز البكاء عند المريض، وجواز اتباع القوم للباكي.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) إلا أن قوله: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)) في هذا الحديث من
زيادات البخاري، والحديث أخرجه البيهقي أيضًا.
١٧٣٩ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ:
(لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْحُ
١٧٣٩- قوله: (لَيْسَ مِنَّا) أي: من أهلِ سُنتنا وطريقتنا، وليس المراد به
إخراجه عن الدين؛ إذ المعاصي لا يكفر بها عند أهلِ السنةِ، ولكن فائدة إيراده بهذا
(١٧٣٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٢٩٦)، ومُسْلِم (١٦٧ / ١٠٤) عَن ابْن مَسْعُودٍ فِيهِ، والتِّرْمِذي (٩٩٩)،
والنَّسَائِي (٢٠/٤).

٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند
معاتبته: لست منك ولست مني، أي: ما أنت على طريقتي. وقيل: المعنى ليس
على ديننا الكامل، أي: أنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله. قال
الحافظُ في ((الفتح)): ويظهرُ لي أن هذا النفي يفسره التبري المذكور في حديث أبي
موسى الآتي حيثُ قال: ((أَنَا بَرِيءُ مِمَّنْ حَلَقَ ... )) إلخ. وأصلُ البراءة: الانفصال
من الشيء، وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته، وهذا يدلّ على تحريم ما ذكر
من شقِّ الجيب وغيره، وكان السبب في ذلك ما تضمنه ذلك من عدم الرضا
بالقضاء، فإن وقع التصريح باستحلاله مع العلم بتحريم السخط مثلًا بما وقع، فلا
مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين. قال: وحكي عن سفيان الثوري: أنه
كان يكره الخوض في تأويله ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في
النفوس وأبلغ في الزجر. انتهى.
(مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ) خص الخد بذلك؛ لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب
بقية الوجه داخل في ذلك، وإنما جمع وإن كان ليس للإنسان إلا خدان فقط باعتبار
إرادة الجمع، فإنَّ ((مَن)) مفرد اللفظ مجموع المعنى، فيكون من مقابلة الجمع
بالجمع. وأما على قوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] وقول العرب: شابت
مفارقه، وليس إلا مفرق واحد. (وَشَقَّ الْجُيُوبَ) بضم الجيم جمع جيب بفتح
الجيم، وهو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه في القميص ونحوه، من جابه
أي: قطعه .
(وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) في رواية مسلم بدعوى أهل الجاهلية وهي زمان الفترة
قبل الإسلام، أي: دعا بدعائهم بأن قال عند البكاء ما لا يجوز شرعًا مما يقول به
أهل الجاهلية، كالدعاء بالويل والثبور وكواكهفاه واجبلاه، وعمومه يشمل الذكر
والأنثى، وتخصيص الإناث في بعض الأحاديث خرج مخرج العادة، فإن هذه
الأفعال إنما هي عادتهن لا عادة الذكور، والواو فيهما بمعنى ((أو))، فالحكم في كل
واحد لا المجموع؛ لأن كلَّ منهما دال على عدم الرضاء والتسليم للقضاء.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجنائز، وفي مناقب قريش، ومسلم في
الإيمان. وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٣٨٦، ٤٣٢، ٤٤٢، ٤٥٦، ٤٦٥)
والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلى الْمَيثِ
****<<<<<<<<<*<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > <**<<<< > <<<<<<<<<<<<<<< ><> <<<**
٦٣
١٧٤٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، فَأَقْبَلَتِ
امْرَأَتْهُ أَمُّ عَبْدِ اللَّهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي؟ وَكَانَ يُحَدِّثُهَا أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ بَلهِ قَالَ: ((أَنَا بَرِيٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَصَلَقَ وَخَرَقَ)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِم]
الْشَرْجُ
مر
١٧٤٠ - قوله: (أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى) الأشعري. وفي رواية: وجع أبو
موسى وجعًا فغشي عليه. (فَأَقْبَلَتِ) أي: شرعت وجعلت وصارت. (امْرَأَتُهُ أَمُّ
عَبْدِ اللَّهِ) أي: بنت أبي دومة، كما في رواية النسائي، ويستفادُ من ((تاريخ البصرة))
لعمر بن شبة أن اسمها صفية بنت دمون، وأنها والدة أبي بردة بن أبي موسى، وأن
ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة من قبل عمر بن الخطاب رَضْ فَهُ،
وهي صحابية هاجرت مع أبي موسى، ذكرها الحافظ وابن عبد البر في الكُنى من
الصحابيات. (تَصِيحُ بِرَنَّةٍ) بفتح الراء وتشديد النون، صوت مع البكاء فيه ترجيع .
(ثُمَّ أَفَاقَ) أي: أبو موسى. (أَلَمْ تَعْلَمِي) أي: ما حدثتك. (وَكَانَ يُحَدِّثُهَا) قال
الطيبي: ((وكان يحدثها)) حال، والعامل ((قال))، ومفعول ((أَلَمْ تَعْلَمِي؟)) مقول
القول، أي: ألم تعلمي أن رسول اللَّه وَ له قال: ((أَنَا بَرِيٌ))، فتنازعا فيه.
(أَنَا بَرِي ◌ٌ) قال عياض: أي: من فعلهن أو مما يستوجبن من العقوبة أو من عهدة
ما لزمني من بيانه، وأصل البراءة: الانفصال، وليس المراد التبري من الدين
والخروج منه. قال النووي: ويحتملُ أن يراد به ظاهره وهو البراءة من فاعل هذه
الأمور. (مِمَّنْ حَلَقَ) أي: شعره عند المصيبة لأجلها، كما هو عادة الهنادك في
الهند. (وَصَلَقَ) بالصاد المهملة والقاف، وفي ((المصابيح)) بالسين بدل الصاد وهو
لغة، ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِاَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: رفع صوته بالبكاء
عند المصيبة. وقيل: هو أن تصك المرأة وجهها وتخدشه. (وَخَرَقَ) بالتخفيف
(١٧٤٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٢٩٦)، ومُسْلِم (١٦٧ / ١٠٤) مِنْ حَدِيثٍ أَبِي مُوسَى.

٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: شق ثوبه عند المصيبة، والحديث يدل على تحريم هذه الأفعال؛ لأنها مشعرة
بعدم الرضا بالقضا؛ وكان الجميع من صنيع الجاهلية، وكان ذلك في أبلغ
الأحوال من صنيع النساء .
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجنائز معلقًا. وقيل: موصولًا، ومسلم في
الإيمان، وأخرجه أحمد أيضًا (ج٤: ص٣٩٦ - ٤٠٤ - ٤٠٥ - ٤١١ - ٤١٦)
وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وابن حبان. (وَلَفْظُهُ لِمُسْلِم) ولفظ
البخاري: قال - أي: أبو بردة - وجع أبو موسى وجعًا، فغشي عليه، وَرَّأسه في
حجر امرأة من أهلِهِ، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق؛ قال: أنا برئ ممن
بريء منه رسول اللَّه وَله إن رسول اللّه ◌َله برئ من الصالقة والحالقة والشاقة.
١٧٤١ - [٦] وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ:
(أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ،
وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، والنِّيَاحَةُ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح}
- وقَالَ: ((النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ
مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ))(*).
الْشَّرْحُ
١٧٤١ - قوله: (أَرْبَعٌ) أي: أربع خصال كائنة. (فِي أُمَّتِي) حال كونهن. (مِنْ
أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) أي: من أمورهم وخصالهم المعتادة. (لَا يَتْرُكُونَهُنَّ) يعني: أن هذه
الخصال تدوم في الأمة لا يتركونهن بأسرهم تركهم لغيرها من سنن الجاهلية،
فإنهنَّ إن تتركهن طائفة جاءهن وتمسك بهن آخرون. (الْفَخْرُ) أي: الافتخارُ وهو
المباهاة والتمدح بالخصال والمناقب والمكارم. إما فيه أو في أهله، قال في
((الفائقِ)): الفخر تعداد الرجل من مآثره ومآثر آبائه. (فِي الْأحْسَابِ) أي: في شأنها
(١٧٤١) مُسْلِم (٩٣٤/٢٩) عَنْ أبِي مَالِك الأَشْعَرِيِّ فِي الجَنَائِزِ.
(*) مُسْلِم (٩٣٤)، وَابن مَاجَهْ (١٥٨١) عَنْ أَبِي مَالِك فِيهِ.

٦٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابَ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
وسببها، والحسب: ما يعده الرجل من الخصال التي تكون فيه، كالشجاعة
والفصاحة وغير ذلك. وقيل: الحسبُ: ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، ومعنى
الفخر في الأحساب: هو التكبر والتعظم بعَدِّ مناقبه ومآثر آبائه، وهذا يستلزمُ
تفضيل الرجل نفسه على غيره ليحقره، وهو لا يجوز. وفي الحديث: ((كرم الرجل
دينه وحسبه خلقه))، وفي ذلك نفي ما كان عليه أهل الجاهلية. وفيه: تنبيه على أن
الحسب الذي يحمد به الإنسان؛ ما تحلى به من خصالِ الخير في نفسه لا ما يعده
من مفاخره ومآثر آبائه.
(وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ) أي: إدخال العيب في أنساب الناس، وذلك يستلزم
تحقير الرجل آباء غيره، وتفضيل آبائه على آباء غيره، وهو ممنوع. قال
التوربشتي: الظاهر أن المراد منه الطعن فيمن ينتسب إليه حجيج الطاعن، فينسب
آباءه وذويه عند المساجلة والمساماة إلى الخمول والخساسة والغموض
والانحطاط؛ لأنه ذكر في مقابلة الفخر بالأحساب.
(وَالْاسْتِسْقَاءُ) أي: طلب السقيا. (بِالنُّجُوم) أي: بسببها يعني توقع الأمطار عن
وقوع النجوم في الأنواع، كما كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، قاله الطيبي : وقيل:
المعنى سؤال المطر من الأنواء، فإن كان ذلك على جهة اعتقاد أنها المؤثرة في
نزول المطر حقيقة، فهو كفر.
(وَالنِّيَاحَةُ) بالرفع وهو الرابعة، وهو البكاء على الميت بصياح وعويل وجزع.
والندبة: عد شمائل الميت ومحاسنه مثل: وا شجاعاه، وا أسداه، واجبلاه.
(وَالنَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا) أي: قبل حضور موتها. قال التوربشتي: وإنما
قيد به ليعلم أن من شرط التوبة أن يتوب التائب وهو يؤمل البقاء، ويمكن أن يتأتى
منه العمل الذي يتوب منه، ومصداق ذلك في كتاب الله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِِّ تُبْتُ اُلْفَلَنَ﴾ [النساء: ١٨]
(تُقَامُ) مجهول من الإقامة وهي الإيقاف.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بين أهل الموقف للفضيحة. قال الطيبي: ((تقام)) أي: تحشر،
ويحتمل أنها تقام على تلك الحالة بين أهل النار وأهل الموقف جزاء على قيامها في
المناحة، وهو أمثل وأشبه. (وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ) بكسر السين أي: قميص.

٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مِنْ قَطِرَانٍ) بفتح القاف وكسر الطاء. قال ابن عباس: هو النحاس المذاب.
وقيل: ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ فيطلى به الإبل الجربى، فيحرق
الجرب بحدته وحرارته الجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف. (وَدِرْعٌ) عطف على
سربال والدرع بكسر الدال: قميص النساء، والسربال: القميص مطلقًا. (مِنْ
جَرَبٍ) أي: من أجل جرب كائن بها.
قال الطيبي: أي: يسلط على أعضائها الجرب والحكة بحيث يغطي جلدها
تغطية الدرع ويلتزق بها التزاقه، فتطلى مواقعه بالقطران لتداوى، فيكون الدواء
أدوى من الداء؛ لاشتماله على لذع القطران وحدته وحرارته، وإسراع النار في
الجلود واشتعالها ونتن الرائحة وسواد اللون الذي تشمئز عنه النفوس.
قال التوربشتي: خصت بدرع من جرب؛ لأنها كانت تجرح بكلماتها المحرقة
قلوب ذوات المصيبات وتحك بها بواطنهن، فعوقبت في ذلك المعنى بما يماثله
في الصورة، وخصت أيضًا بسرابيل من قطران؛ لأنها كانت تلبس الثياب السود في
المأتم، فألبسها اللَّه قميصًا من قطران لتذوق وبال أمرها. انتهى.
فإن قلتَ: ذكر الخلال الأربع في الحديث، ولم يرتب عليها الوعيد سوى
النياحة فما الحكمة فيه؟ قلت: النياحة مختصة بالنساء وهن لا ينزجرن انزجار
الرجال فاحتجن إلى مزيد الوعيد، كذا في ((المرقاة)).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الجنائز وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص ٣٤٢ - ٣٤٣ - ٣٤٤)
والحاكم (ج١: ص٣٨٣) والبيهقي (ج٤: ص٦٣) وابن ماجه، ولفظه: قال
رسول اللَّه ◌َله: ((النياحة على الميت من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت ولم
تتب؛ قطع الله لها ثيابًا من قطران ودرعًا من لهب النار)).

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
٦٧
١٧٤٢ - [٧] وَعَنْ أَنَس قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرِ فَقَالَ:
(اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِيٍ)) قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِيَّ، وَلَمْ
تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ وَّهِ. فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ◌َهِ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ
فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى)). [مُتَّفَقُ عَلَيْهِ]
G O
الشَّرْحُ
١٧٤٢ - قوله: (مَرَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِاهْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ) لم يوقف على اسم المرأة
ولا اسم صاحب القبر، لكن في رواية مسلم ما يشعر بأنه ولدها، ولفظه: ((تَبْكِي
عَلَى صَبِيٍّ لَهَا))، وصرح به في مرسل يحيى بن أبي كثير عند عبد الرزاق، ولفظه:
((قد أصیبت بولدها)).
(فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ) قال القرطبي: الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نوح أو
غيره؛ ولهذا أمرها بالتقوى. قلت: ويؤيده أن في مرسل يحيى بن أبي كثير
المذكور: ((فسمع منها ما يكره، فوقف عليها)). وقال الطيبي: قوله: ((اتقي الله))،
توطئه لقوله: (وَاصْبِرِي) كأنه قيل لها: خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا
تجزعي ليحصل لك الثواب. (قَالَتْ: ) أي: جاهلة بمن يخاطبها وظانة أنه من آحاد
الناس. (إِلَيْكَ عَنِّي) اسم فعل أي: أبتعد وتنح. (لَمْ تُصَبْ) على بناء المجهول.
(بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ) الواو فيه للحال أي: خاطبته بذلك، والحال أنها لم تعرف
أنه رسول اللَّه ◌َ له؛ إذ لو عرفته لم تخاطبه بهذا الخطاب.
(فَقِيلَ لَهَا:) أي: للمرأة بعد ما ذهبَ النبي ◌َّ. (إِنَّهُ النَّبِيُّ وَّةَ) وفي رواية
للبخاري: ((فمر بها رجل فقال لها: إنه رسول الله، فقالت: ما عرفته)). وفي رواية
أبي يعلى من حديث أبي هريرة قال: فهل تعرفينه؟ قالت: لا. وللطبراني في
الأوسط من طريق عطية عن أنس : أن الذي سألها هو الفضل بن عباس. وزاد مسلم
في رواية له: فأخذها مثل الموت، أي: من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت
(١٧٤٢) البُخَارِي (١٢٨٣)، ومُسْلِم (٩٢٦/١٥)، وأَبُو دَاوُد (٣١٢٤ ٩٨٨)، والنَّسَائِي (٢٢/٤) عَنْهُ
فِیهِ .

٦٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أنه رسول اللَّه ◌َ له؛ خجلاً منه ومهابة. وإنما اشتبه عليها ◌َّ؛ لأنه من تواضعه لم
يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى، كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من
شاغل الوجد والبكاء.
(فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ) أي: عند بابه. (بَوَّابِينَ) يمنعون الناس من الدخول عليه. وفي
رواية للبخاري: ((بوابًا)) بالإِفراد. قال الطيبي: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها:
إنه النبي ◌َّ استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه مثل الملوك، له
حاجب أو بواب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته.
(فَقَالَتْ:) معتذرة إليه مما سبق منها حيث قالت: ((إليك عني)). (لَمْ أَعْرِفْكَ)
فاعذرني من تلك الردة وخشونتها. (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) وفي رواية
للبخاري: ((عند أول صدمة))، وهي مرة من الصدم، وهو ضرب الشيء الصلب
بمثله، ثم استعمل في كل مكروه حصل بغتة. والمعنى: الصبر الذي يحمد عليه
صاحبه ويصاب عليه فاعله بجزيل الأجر ما كان منه عند مفاجأة المصيبة، بخلاف
ما بعد ذلك، فإنه على مدى الأيام يسلو أو ينسى. وقال الحافظ: المعنى إذا وقع
الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكامل
الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصدم: ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير
للمصيبة الواردة على القلب.
قال الطيبي: صدر هذا الجواب منه ◌ََّ من قولها: ((لَمْ أَعْرِفْكَ)) على أسلوب
الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار، فإن من شيمتي أن لا أغضب إلا لله،
وانظري إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثواب بالجزع وعدم الصبر أول فجأة
المصيبة، فاغتفر لها ◌ِالَّلا تلك الجفوة لصدورها منها في حال مصيبتها وعدم
معرفتها به، وبين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب
عليه الثواب، بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على طول الأيام يسلو، كما يقع لكثير من
أهل المصائب.
وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز زيارة القبور للنساء؛ لأنه لم ينه المرأة
المذكورة عن زيارة قبر ميتها، وإنما أمرها بالصبر والتقوى لما رأى من جزعها؛
فدل على جوازها .

كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَاب الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
٦٩
وفيه: ما كان فيه عليه الصلاة والسلام من التواضع والرفق بالجاهل ومسامحة
المصاب وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفيه: أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس. وأن من أمر
بمعروف ينبغي له أن يقبل ولو لم يعرف الآمر.
وفيه: أن الجزع من المنهيات لأمره لها بالتقوى مقرونًا بالصبر، وفيه الترغيب
في احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي .
١٧٤٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا
يَمُوتُ لِمُسْلِمِ ثَلَاثٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَم)».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الْشَّرْجُ
١٧٤٣- قوله: (لَا يَمُوتُ لِمُسْلِم) رجل أو امرأة، ففي هذه اللفظةِ عموم
تشمل الذكر والأنثى، بخلاف الرواية الآتية فإنها مقيدة بالنساء، وليس لها مفهوم
لما في بقية الروايات من التعميم، وقيد الإسلام شرط؛ لأنه لا نجاة للكافر بموت
أولاده، فقيَّده به ليخرجَ الكافر، فهو مخصوص بالمسلمِ، وهل يدخل في ذلك من
مات له ولد فأكثر في حالة الكفر ثم أسلم بعد ذلك أو لا بد أنْ يكون موتهم في حالة
إسلامهِ، قد يدلُّ للأول حديث: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ))، لكن جاءت
أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه في الإسلام، فالرجوع إليها أولى.
فمنها: حديث أبي ثعلبة الأشجعي المروي في ((مسند أحمد)) و((المعجم الكبير))
للطبراني، قلتُ: يا رسول الله، مات لي ولدان في الإسلام، فقال: ((مَنْ مَاتَ لَهُ
وَلَدَانِ فِي الْإِسْلَامِ؛ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ)).
(١٧٤٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٢٥١)، ومُسْلِم (١٥٠/ ٢٦٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً فِيهِ.

٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وحديث عمرو بن عبسة عند أحمد وغيره مرفوعًا: «مَنْ وُلِدَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فِي
الْإِسْلَامِ فَمَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)).
(ثَلَاثَةُ) وهل هو حكم ما سوى الثلاثة؟ سيأتي في شرح الحديث الآتي. (مِنْ
الْوَلَدِ) بفتحتين يشمل الذكر والأنثى، والظاهر أن المراد من ولد الرجل حقيقة،
أي: الأولاد الصلبية، يدل عليه حديث أنس عند النسائي رفعه: ((مَنِ احْتَسَبَ ثَلَاثَةً
مِنْ صُلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ))، وكذا حديث عقبة بن عامر عند أحمد والطبراني رفعه: ((مَنْ
أَنْكَلَ ثَلاثَةً مِنْ صُلْبِهِ، فَاحْتَسَبَهُمْ عَلَى اللَّهِ ... )) الحديث، وحديث عمرو بن عبسة عند
الطبراني وحديث عثمان بن أبي العاص عند أبي يعلى والبزار والطبراني أيضًا،
وفيه عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة وهو ضعيف. وأما أولاد الأولاد، ففي
دخولهم بحث.
قال الحافظ: والذي يظهر أن أولاد الأولاد الصلب يدخلون، ولا سيما عند فقد
الوسائط بينهم وبين الأب، والتقييد بكونهم من الصلب يدلُّ على إخراج أولاد
البنات، وزاد في الرواية الآتية: ((لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ))، وسيأتي الكلام فيه.
(فَيَلِجَ النَّارَ) أي: فيدخلها من الولوج وهو الدخول، وهو منصوب بأن
المقدرة، تقديره فإن يلج النار؛ لأن الفعل المضارع ينصب بعد النفي بأن المقدرة
بعد الفاء، لكن حكى الطيبي منعه عن بعضهم معللًا بأن شرط ذلك أن يكون ما قبل
الفاء سببًا لما بعدها، ولا سببية هنا؛ لأنه ليس موت الأولاد، ولا عدمه سببًا لولوج
أبيهم النار بل سببًا للنجاة منها وعدم الدخول فيها، وبيان ذلك أنك تعمد إلى الفعل
الذي هو غير موجب فتجعله موجبًا، وتدخل عليه إن الشرطية وتجعل الفاء وما
بعدها من الفعل جوابًا، كما تقول في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ
غَضَبِىٌ﴾ [طه: ٨١] أن تطغوا فيه، فحلول الغضب حاصل، وفي قوله: ما تأتينا فتحدثنا
أن تأتنا، فالحديث واقع، وهنا إذا قلت: إن يمت لمسلم ثلاثة من الولد فولوج
النار حاصل لم يستقم.
قال الطيبي: فالفاء هنا بمعنى الواو التي للجمع، وهي تنصب المضارع بعد
النفي كالفاء، والمعنى لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار إلا
تحلة القسم لا محيد عن ذلك إن كانت الرواية بالنصب، وإن كانت الرواية بالرفع

٧١
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
*********<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<**<<<<<<<<<<< > <<<<<<< > <<<<<**
على أن الفاء عاطفة للتعقيب فمعناه: لا يوجد ولوج النار عقب موت الأولاد إلا
تحلة القسم أي: مقدارًا يسيرًا، ومعنى فاء التعقيب كمعنى الماضي في قوله
تعالى: ﴿وَنَادَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤ ] في أن ما سيكون بمنزلة الكائن
وأن ما أخبر به الصادق عن المستقبل كالواقع. وقال الحافظ: أن السببية - أي: في
صورة النصب - حاصلة بالنظر إلى الاستثناء؛ لأن الاستثناء بعد النفي إثبات، فكان
المعنى: أن تخفيف الولوج مسبب عن موت الأولاد وهو ظاهر؛ لأن الولوج عام
تخفيفه يقع بأمور منها موت الأولاد بشرطه. انتهى. وتعقبه السندي في ((حاشية
البخاري)) بما فيه تأمل. وأجاب ابن الحاجب والدماميني عن الإشكال المذكور
بوجه آخر، ذكره القسطلاني.
(إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَم) بفتح المثناة الفوقية وكسر المهملة وتشديد اللام، والقسم
بفتح القاف والسينَ أي: ما تنحل به اليمين، وهو مصدر حلل اليمين أي: كفرها.
قال أهل اللغة: يقال: فعلته تحلة القسم، أي: لم أفعله إلا بقدر ما حللت به يميني
ولم أبالغ. وقال الخطابي: حللت القسم تحلة أي: أبررتها. وقال الجزري في
((النهاية)): تقول العرب: ضربه تحليلًا ضربه تعزيرًا إذا لم يبالغ في ضربه، وهذا
مثل في القليل المفرط في القلة، وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار
الذي يبر به قسمه، مثل أن يحلف على النزول بمكان، فلو وقع به وقعة خفيفة
أجزأته، فتلك تحلة قسمه، فالمعنى لا يدخل النار إلا دخولًا يسيرًا مثل تحلة قسم
الحالف، ويريد بتحلته الورود على النار والاجتياز بها، والتاء في التحلة زائدة.
انتهى. قال القرطبي: اختلف في المراد بهذا القسم، فقيل: هو معين، وقيل: غير
معين، فالجمهور على الأول، والمراد قسم الله تعالى على ورود جميع الخلق
النار، فيردها بقدر ما يبر اللّه تعالى قسمه ثم ينجو، وقيل: لم يعن به قسم بعينه،
وإنما معناه التقليل لأمر ورودها، وهذا اللفظ يستعمل في هذا، تقولُ: لا ينام هذا
إلا لتحليل الإلية، وتقول: ما ضربته إلا تحليلًا، إذا لم تبالغ في الضرب، أي:
قدرًا يصيبه منه مكروه، وقيل: الاستثناء بمعنى الواو، أي: لا تمسه النار قليلًا ولا
كثيرًا ولا تحلة القسم، وقد جوز الفراء والأخفش مجيء ((إلا)) بمعنى ((الواو))،
والأول قول الجمهور، وبه جزم أبو عبيد وغيره قالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِن
مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] .

٧٢
e -*** *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الخطابي: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخلها مجتازًا، ولا
يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يحلل به الرجل يمينه، ويدل على ذلك ما وقع عند
عبد الرزاق في آخر هذا الحديث: ((إلا تحلة القسم)) يعني الورود، وذكر الحافظ
في ((الفتح)) روايات أخرى تدل على هذا، أي: على كون المراد بالقسم قول الله
تعالى المذكور، وبالورود الجواز والعبور، فعليك أن ترجع إلى الفتح. واختلف
في موضع القسم من الآية، فقيل: هو مقدر أي: والله إن منكم، وقيل: معطوف
على القسم الماضي في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]، أي: وربك إن منكم،
وقيل: هو مستفاد من قوله تعالى: ﴿حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ أي: قسمًا واجبًا. وقال الطيبي:
يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق، فإن قوله:
﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ تذييل وتقرير لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُرْ﴾، فهذا بمنزلة القسم بل أبلغ
لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات. واختلف في المراد بالورود في الآية، فقيل: هو
الدخول، رواه عبد الرزاق عن ابن عباس، وروى أحمد والنسائي والحاكم من
حديث جابر مرفوعًا: ((الْوُرُودُ الدُّخُولُ، لَا يَبْقَى بَرِّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى
الْمُؤْمِنِ بَرْدًا وَسَلَامًا))، وقيل: المراد بالورود الممر عليها. رواه الطبري عن أبي
هريرة وابن مسعود. وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأن
من عبر بالدخول تجوز به عن المرور، ووجهه أن المار عليها فوق الصراط في
معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم، ويؤيد صحة هذا
التأويل ما رواه مسلم من طريق أم مبشر أن حفصة قالت للنبي وَلّ لما قال: ((لَا
يَدْخُلُ أَحَدٌ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ النَّارَ)). أليس الله يقول: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ فقال:
أليس الله تعالى يقول: ﴿ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ الآية [مريم: ٧٢].
وفي هذا بيان ضعف من قال: إن الورود مختص بالكفار، ومن قال: الورود
الدنو منها، ومن قال: معناه الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها: ما يصيب
المؤمن في الدنيا من الحمى. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: أن أولاد
المسلمين في الجنة؛ لأنه يبعد أن الله تعالى يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء ولا
يرحمُ الأبناء، وكونهم في الجنة مذهب الجمهور، ووقف طائفة قليلة، وتقدم
البحث في ذلك. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي والنسائي
وابن ماجه والبيهقي.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
٧٣
١٧٤٤ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه لِنِسْوَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: ((لَا
يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبُهُ إِلَّ دَخَلْتِ الْجَنَّةَ)). فَقَالَتِ امْرَأَةٌ
مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَوِ اثْنَانِ)).
{صحیح}
- رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: (ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ))(*).
الشَّرْحُ
١٧٤٤ - قوله: (قَالَ لِنِسْوَةٍ) اسم جمع. (مِنَ الأَنَّصَارِ) أي: من نسائهم. قال
القاري: وفائدة ذكره كمال استحضار القضية لا أن هناك خصوصية. (مِنَ الْوَلَدِ)
بفتحتين وهو يشمل الذكر والأنثى والمفرد والجمع. (فَتَحْتَسِبُهُ) وفي رواية
البيهقي: ((فَتَحْتَسِبُهُمْ)). قال القاري: بالرفع لا غير، أي: تطلب بموته ثوابًا عند الله
بالصبر عليه. قال الطيبي: أي: فتصبر راجية لرحمة الله وغفرانه. وليس هذه الفاء
كما في ((فَيَلِجَ)) بل هي للتسبب بالموتِ، وحرف النفي منصب على السبب
والمسبب معًا، انتهى. قال الباجي: بيان لصفة من يؤجر بمصابه في ولده، وهو أن
تحتسبهم، وأما من لم يحتسبهم ولم يرض بأمر الله فيه، فإنه غير داخل في هذا
الوجه، انتھی.
والاحتساب عند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم
والصبر، وذكر المصنف هذا الحديث لقوله: ((فتحتسبه))، فجعله تفسيرًا للحديث
قبله. وقد ورد التقييد بذلك في أحاديث أخرى، ذكرها الحافظ في ((الفتح))، ثم
قال: وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية، فلابد من
قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة، انتهى.
(إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ) أي: دخولًا أوليًّا، وهو لا ينافي الولوج تحلة القسم،
والاستثناء من أعمِّ الأحوال. (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ) الظاهر أنها أم سليم الأنصارية
(١٧٤٤) مُسْلِم (١٥١/ ٢٦٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً فِيهِ.
(*) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٢)، ومُسْلِم (٢٦٣٤/١٥٣) عَنْهُ فِيهِ.

٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والدة أنس بن مالك، كما رواه الطبراني بإسناد جيد عنها أو أم مبشر الأنصارية.
رواه الطبراني أيضًا من حديث جابر، ويحتمل أن يكون كل منهما سأل عن ذلك في
ذلك المجلس، ويحتمل التعدد، والله تعالى أعلم. وجاءت روايات أخرى نسب
فيها السؤال إلى غيرهما كأم أيمن وعائشة وأم هانئ وجابر وعمر ظه. (أَوْ اثْنَانِ)
عطف تلقين، أي: هل يمكن أن تقول: أو اثنان. وفي رواية: ((واثنان)). قال
العيني: عطف على ثلاثة، ومثله يسمى بالعطف التلقيني، أي: قل يا رسول الله :
واثنان، ونظيره قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿وَمِن ذُرِّيَّنِيٌ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقال
الحافظ: أي: وإذا مات اثنان ما الحكم؟ فقال: ((واثنان))، أي: وإذا مات اثنان
فالحکم کذلك.
(قَالَ: أَوِ إِثْنَانٍ) قال العيني: أي: أو إن وجد اثنان فكالثلاثة، وفيه التسوية بين
حكم الثلاثة والاثنين. قال ابن بطال: وكأنه أوحي إليه بذلك في الحال، ولا يبعد
أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين، ويحتمل أن يكون كان العلم عنده
حاصلًا لكنه أشفق عليهم أن يتكلوا؛ لأن موت الاثنين غالبًا أكثر من موت الثلاثة،
ثم لما سئل عن ذلك لم يكن بد من الجواب، وهل يدخل في الحكم المذكور الولد
الواحد؟ فالظاهر أنه نعم؛ لما ورد في ذلك من الأحاديث الصريحة كحديث ابن
عباس في الفصل الثاني من هذا الباب، وحديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعًا:
((صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ، يَلْقَى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ فَيَأْخُذُ بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَلَا يُفَارِقْهُ حَتَّى
يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ)) .
وحديثُ قُرة المزني عند أحمد، وحديث علي عند ابن ماجه، وحديث معاذ بن
جبل عند أحمد، وحديث ابن مسعود عند الترمذي، وابن ماجه وستأتي هذه
الأحاديث في الفصل الثالث، وكحديث جابر بن سمرة عند الطبراني، وفيه ناصح
ابن عبد اللَّه وهو ضَعِيف جِدًّا، قاله الحافظ في ((الفتح)). وقال الهيثمي: هو
متروك، وقد سرد العيني في باب فضل من مات له ولد، فاحتسب أحاديث أخرى،
وكذا الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) في باب من مات له واحد، ويدل على ذلك أيضًا
حديث أبي هريرة الذي بعد هذا، فإن قوله ((صَفِيِّهُ)) يدخل فيه الواحد فما فوقه،
وهو أصحُّ ما ورد في ذلك.

٧٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البر والصلة وأخرجه أيضًا البيهقي. (وفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) أي:
للشيخين. (ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) يعني في اللفظ المتقدمة ((ثلاثة)) مطلق، وفي
رواية لهما (ثلاثة)) مقيدة بهذا الوصف، والحنث بكسر المهملة وسكون النون
آخره مثلثة: الإثم والذنب، قال تعالى: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ
٤٦
[الواقعة: ٤٦]، يعني: لم يبلغوا سنَّ التكليف الذي يكتب فيه الإثم والذنب، وقيل:
المعنى لم يبلغوا مبلغ الرجال حتى يجري عليهم القلم، فيكتب عليهم الحنث
والإثم.
قال الخليل: بلغ الغلام الحنث إذا جرى عليه القلم، والحنث: الإثم، وقيل:
المراد بلغ إلى زمان يُؤَاخذ بيمينه؛ إذا حنث. وقال الراغب: عبر بالحنث عن
البلوغ لما كان الإنسان يؤاخذ بما ارتكبه فيه بخلاف ما قبله، وخص الإثم بالذكر ؛
لأنه الذي يحصل بالبلوغ؛ لأن الصبي قد يثاب، وخص الصغير بذلك؛ لأن الشفقة
عليه أعظم والحب له أشد والرحمة له أوفر، وعلى هذا فمن بلغ الحنث لا يحصل
لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة، وبهذا
صرح كثير من العلماء، وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصور منه العقوق المقتضي
لعدم الرحمة، بخلاف الصغير فإنه لا يتصور منه ذلك؛ إذ ليس بمخاطب، لكن قال
الزين بن المنير والعراقي في شرح ((تقريب الأسانيد)): بل يدخل البالغون في ذلك
بطريق الفحوى؛ لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كَلَّ على أبويه، فكيف لا
يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي! ولا ريب أن التفجع على فقد الكبير أشد
والمصيبة أعظم، لا سيما إذا كان نجيبًا يقوم عن أبيه بأموره ويساعده في معيشته،
وهذا معلوم مشاهد.
قال الحافظُ: ويقوي الأول قوله في آخر حديث أنس: ((بفضل رحمته إياهم))؛
لأن الرحمة للصغار أكثر؛ لعدم حصول الإثم منهم. انتهى.

٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
١٧٤٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يَقُولُ اللَّهُ: مَا
لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا
الْجَنَّةَ)).
*
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٧٤٥ - قوله: (مَا لِعَبْدِي) أي: ليس لعبدي (جَزَاءٌ) أي: ثواب. (إِذَا قَبَضْتُ
صَفِيَّهُ) بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد التحتانية، وهو الحبيب المصافي،
كالولد والأخ، وكل من يحبه الإنسان. قال في ((النهاية)): صفي الرجل الذي
يصافيه الود ويخلصه له، فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، والمراد بالقبض قبض
روحه وهو الموت. (مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا) قال الطيبي: إنما قيَّده بذلك ليؤذن بأن الصفي
إذا كان من أهل الآخرة كانَ جزاؤه وراء الجنة وهو رضوان الله تعالى ورضوان من
الله أكبر. انتهى. قال القاري: وتعقّبه ابنُ حجر بما لا طائل تحته، وجعله بيانًا
للواقع.
(ثُمَّ احْتَسَبَهُ)، أي: صبرَ على فقدٍ صفيه وقبض روحه راجيًا الأجر من الله تعالى
على ذلك، وأصل الحسبة بالكسر الأجر، والاحتساب طلب الأجر من الله تعالى
خالصًا. (إِلَّا الْجَنَّةَ) متعلق بقوله: ((مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنٍ)). قال القاري: بالنصب
والرفع أي: ما له جزاء إلا الجنة، ويؤخذ من هذا الحديث أن الثواب المترتب على
الثلاثة والاثنين مرتب على الواحد، كما في رواية أخرى. انتهى.
قال الحافظ : استدل به ابنُ بطال على أن مَن مات له ولد واحد يلتحق بمن مات
له ثلاثة، وكذا اثنان، وأن قول الصحابي في بعض الروايات: ولم نسأله عن
الواحدِ، لا يمنع من حصول الفضل لمن مات له واحد، فلعله رَّ سُئل بعد ذلك
عن الواحد فأخبر بذلك، أو أعلم بأن حكم الواحد حكم ما زاد عليه.
قال الحافظ: وجه الدلالة من الحديث أن الصفي أعم من أن يكون ولدًا أم
غيره. وقد أفرد ورتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه، ويدخل في هذا ما
(١٧٤٥) البُخَارِي (٦٤٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ.

٧٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكاءِ عَلَى الْمَيتِ
أخرجه أحمد والنسائي من حديث قرة بن إياس: أن رجلاً كان يأتي النبي وَلّ ومعه
ابن له، فقال: ((أَتْحِبَّهُ؟)) قال: نَعَمْ، ففقَدَهُ، فقال: ((مَا فَعَلَ فُلانٌ؟» قالوا: يا
رسول الله، مات ابنُهُ، فقال: ((أَلَا تُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ
يَنْتَظِرَُكَ؟» فقال رجل: يا رسول الله، أله خاصة أم لكلنا؟ قال: ((بَلْ لِكُلِّكُمْ)).
وسنده على شرط الصحيح، وقد صححه ابن حبان والحاكم. انتهى. وسيأتي هذا
الحديث في الفصل الثالث.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في باب العمل الذي يبتغى به وجه اللَّه تعالى من أوائل الرقاق،
والحديث من أفراده.

٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٧٤٦ - [١١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ اَلِيَ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ.
G O
الشَّرْحُ
١٧٤٦ - قوله: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ نَ ◌ّهِ النَّائِحَةَ) النوح: هو رفع الصوت بتعديد
شمائل الميت ومحاسن أفعاله، والحديث دليل على تحريم ذلك، وهو مجمع
عليه .
قال القاري: يقال: ناحت المرأة على الميت؛ إذا ندبته، أي: بكت عليه
وعددت محاسنه. وقيل: النوح بكاء مع صوت. والمراد بها التي تنوح على الميت
أو على ما فاتها من متاع الدنيا، فإنه ممنوع منه في الحديث. وأما التي تنوح على
معصيتها فذلك نوع من العبادة. وخص النائحة؛ لأن النوح يكون من النساء غالبًا .
(وَالْمُسْتَمِعَةَ) أي: التي تقعد للسماع ويعجبها، كما أن المستمع والمغتاب شريكان
في الوزر، والمستمع والقارئ مشتركان في الأجر.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أحمدُ والبيهقي (ج ٤: ص ٦٣) قال المنذري: في إسناده
محمد بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده، وثلاثتهم ضعفاء. انتهى.
وقال الحافظُ في ((التلخيص)) بعد عزوه لأحمد ما لفظه: واستنكره أبو حاتم في
((العلل))، ورواه الطبراني والبيهقي من حديث عطاء عن ابن عمر، ورواه ابن عدي
من حديث الحسن عن أبي هريرة، وكلها ضعيفة.
(١٧٤٦) أَبُو دَاوُد (٣١٢٨) عَنْهُ فِيهِ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
**<<<<<<**
بَابُ الْبُكاءِ عَلى الْمَيثِ
٧٩
١٧٤٧ - [١٢] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ :
((عَجَبٌ لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ؛ حَمِدَ اللَّهَ وَّشَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ؛
حَمِدَ اللَّهَ وَصَبَرَ، فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ أَمْرِهِ حَتَّى فِي اللَّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِيّ
امْرَأَتِهِ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ في ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))] (صحيح}
G O
الْشَّرْجُ
١٧٤٧ - قوله: (عَجبٌ) أي: أمر غريب وشأن عجيب. (لِلْمُؤْمِنِ) أي:
الكامل، وقال الطيبي: أصله أعجب عجبًا، فعدل من النصب إلى الرفع للثبات،
كقولك: سلام عليك. قيل: ومن ثم كان سلام إبراهيم في قوله: ﴿قَالُواْ سَلَمًّا قَالَ
سَلَمٌ﴾ [هود: ٦٩] أبلغ من سلام الملائكة، كذا في ((المرقاة)). وذكر السيوطي هذا
الحديث في ((الجامع الصغير)) بلفظ: ((عَجِبْتُ لِلْمُسْلِم))، وعزاه للطيالسي والبيهقي
في ((الشعب))، ثم بينِ وجه العجب بقوله: (إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ) كصحة وسلامة ومال
وولد وجاه. (حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ) على نعمة الخير ودفع الشر. (وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ)
أي: بلية ومحنة. (حَمِدَ اللَّهَ وَصَبَرَ) على حكم ربه واحتسب.
قال القاري: وفيه: إشارة إلى أن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر؛ قال تعالى :
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [إبراهيم:٥] وقال ابنُ الملك: قوله ((إِنْ
أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللَّهَ)) أي: حمده عندها؛ لعلمه بما يثاب عليه من الثواب
العظيم، والثواب نعمة، فحمد الله لذلك يدل على أن الحمد محمود عند النعمة
وعند المصيبة. انتهى. وقد يقال: معناه حمده على سائر نعمه؛ ولذلك ذكره في
الحالين لقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] أو حمده على أن
المصيبة ليست في دينه، أو على أنه ما دفع أكبر أو أكثر منها. قال المظهر: وتحقق
الحمد عند المصيبة؛ لأنه يحصل بسببها ثواب عظيم، وهو نعمة تستوجب الشكر
عليها. قال الطيبي: وتوضيحه قول القائل:
وَإِنْ مُسَّ بِالضَّرَّاءِ أَعْقَبَهُ الْأَجْرُ
فَإِنْ مُسَّ بِالنَّعْمَاءِ عَمَّ سُرُورُهُ
(١٧٤٧) النَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٩٠٦) عَنْ سَعْدٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.