النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٦١ - [٢] وَعَنْ أبي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إِذَا وُضِعَتِ
الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِى.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لِأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ
صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحیح}
الْشَّرْجُ
١٦٦١ - قوله: (إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ) يحتمل أن المراد بالجنازة الميت، أي:
إذا وضع الميت على السرير، ويحتملُ: أنَّ المرادَ بها السرير، أي: إذا وضع
السرير على الكتف، والأول أولى؛ لقوله بعد ذلك: ((فِإِنْ تَكُ صَالِحَةً قَالَتْ))، فإن
المراد هناك الميت، ويؤيده حديث أبي هريرة عند النسائي وأبي داود الطيالسي
بلفظ: ((إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ))، كذا قيل. قال السندي: بل هو
المتعين؛ إذ على الثاني يكون قوله: ((فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ)) تكرارًا، ولا
يمكن جعله تأكيدًا؛ إذ لا يناسبها الفاء فليتأمل، نعم ضمير احتملها بالسرير أنسب؛
إذ هو المحمول أصالة والميت تبعًا، لكن يكفي في صحة إرادة الميت كونه
محمولًا تبعًا، ويحتمل أن يكون المراد بالضمير السرير بالاستخدام، انتهى.
قلتُ: وقع في رواية للبخاري واحتملها الرجال بالواو بدل الفاء، فلا يبعد أن
يكون تأكيدًا، نعم التأسيس أولى من التأكيد. وقال القاري: إذا وضعت الجنازة
أي: بين يدي الرجال وهيئت ليحملوها. (قَالَتْ) حقيقة بلسان القال، بحروف
وأصوات يخلقها اللَّه تعالى فيها. قال ابن بزيرة: قوله في آخر الحديث: ((يَسْمَعُ
صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ)) دال على أنه قول بلسان القال لا بلسان الحال. قيل: يحتمل أن
القائل الروح أو الجسد بواسطة رد الروح إليه، وقيل: دعوى إعادة الروح إلى
الجسد قبل الدفن يحتاج إلى دليل، والله من قادر على أن يحدث نُطْقًّا في الميت
إذا شاء. (قَدّمُونِي) أي: لثواب العمل الصالح الذي عملته. قال السندي: كأنه
(١٦٦١) البُخَارِي (١٣١٦) فِيهِ عَنْهُ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٦١
يعتقد أنهم يسمعون قوله، فيقول لهم ذلك، أو أنه تعالى يجري على لسانه ذلك
ليخبر عنه رسوله ول﴾ للناس، فتحصل الفائدة بواسطة ذلك الإخبار، والله تعالى
أعلم.
(قَالَتْ لِأَهْلِهَا) قال الطيبي: أي: لأجل أهلها؛ إظهارًا لوقوعها في الهلكة، وكل
من وقع في الهلكة دعا بالويل. (يَا وَيْلَهَا) أي: ويل الجنازة أي: يا هلاكي احضر
فهذا أوانك! وكان القياس أن يقول: يا ويلي، فعدل إلى إضافة الويل إلى ضمير
الغائب حملاً على المعنى؛ كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، أو كأنه لما أبصر
نفسه غير صالحة نفر عنها وجعلها كأنها غيره. ويؤيد الأول أن في رواية أبي هريرة
عند النسائي: يا ويلتى أين تذهبون بي، فدل على أن ذلك من تصرف الرواة. ((أَيْنَ
تَذْهَبُونَ بِهَا)) قالته؛ لأنها تعلم أنها لم تقدم خيرًا، وأنها تقدم على ما يسوؤها فتكره
القدوم عليه. (يَسْمَعُ صَوْتَهَا) المنكرِ بذلك الويل. (كُلِّ شَيْءٍ) أي: حتى الجماد،
وقيل: أي: من الحيوان. (إِلَّا الْإِنْسَانَ) بالنصب على الاستثناء. (وَلَوْ سَمِعَ
الْإِنْسَانُ) أي: صوتها بالويل المزعج. (لَصَعِقَ) أي: لغشي عليه أو مات من شدة
هول ذلك، وهذا في غير الصالح؛ لأن الصالح من شأنه اللطف والرفق في كلامه،
فلا يناسب الصعق من سماع كلامه، وقيل: يحتمل حصول الصعق من سماع كلام
الصالح أيضًا؛ لكونه غير مألوف.
قال السندي: وهذا مبني على أن المراد لو سمعه أحيانًا وإلا فلو سمعه على
الدوام لما بقي غير مألوف، والله أعلم، انتهى. وفيه بيان حكمة عدم سماع
الإنسان من أنه يختل نظام العالم ويكون الإيمان شهوديًّا لا غيبيًّا، واستدل البخاري
بقوله: ((فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ)) على منع النساء من حمل الجنازة وإن كان الميت امرأة،
فقد بوب على هذا الحديث: بَاب حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ. وقد استشكل
ذلك لكونه إخبارًا فلا يكون حجة في منع النساء؛ لأنه ليس فيه أن لا يكون الواقع
إلا ذلك.
وأجيب: بأن كلام الشارع مهما أمكن حمله على التشريع لا يحمل على مجرد
الإخبار عن الواقع. وقدروى أبو يعلى من حديث أنس قال: خرجنا مع رسول الله
وَّر في جنازة فرأى نسوة فقال: ((أَتَحْمِلْنَهُ؟)) قُلْنَ: لَا. قَالَ: ((أَتَدْفِنَّهُ؟)) قُلْنَ: لَا.
٥٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قالَ: ((فَارْجِعْنِ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ)).
ونقلَ النووي في ((شرح المهذب)): أنه لا خلافَ في هذه المسألة بين العلماء،
والسببُ فيه: أن في الحمَل على الأعناق والأمر بالإسراع مَظنة الانكشاف غالبًا،
وهو مباين للمطلوب منهن من التستر، مع ضعف نفوسهن عن مشاهدة الموتى
غالبًا فكيف بالحمل، مع ما يتوقع من صراخهن عند حمله ووضعه، وأيضًا لا بد أن
يشيع الجنازة الرجال، فلو حملها النساء؛ لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن
بالرجال، فيفضي إلى الفتنة، نعم، إن لم يوجد غيرهن تعين عليهن. (رَوَاهُ
البُخَارِيُّ) وأخرجَهُ أيضًا النسائي.
١٦٦٢ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ
فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْحُ
١٦٦٢ - قوله: (إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا) فيه: مشروعية القيام للجنازة إذا
مرَّت بالمكلف القاعد وإن لم يقصد تشييعها، وظاهره عموم كل جنازة من مؤمن
وغيره، ويؤيده قيامه وقّ لجنازة يهودي مرت به، وقد علل ذلك بأن الموت فزع.
وفي رواية: ((أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟))، وسيأتي الكلام على ذلك.
واختلف العلماء في حكم القيام للجنازة لمن مرت به، فذهب جماعة من
السلف والخلف، كما قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) إلى وجوبه. وقال مالك
والشافعي وأبو حنيفة وصاحباه: أنه منسوخ. وذهب أحمد ومن وافقه إلى أنه
مستحب .
قال الشوكاني: ذهب أحمد وإسحاق بن راهويه وابن حبيب وابن الماجشون من
المالكية: إلى أنَّ القيام للجنازة لم يُنسخ والقعود منه وَّ، كما في حديث علي
(١٦٦٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٣١٠)، ومُسْلِم (٧٧/ ٩٥٩) عَنْهُ فِيهِ، والتِّرْ مِذي (١٠٤٣)، والنَّسَائِي
(٤ م ٤٤).
٥٦٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
الآتي إنما هو لبيان الجواز، فمن جلس فهو في سعة ومن قام فله أجر، وكذا قال
ابنُ حزم: إن قعوده وَّر بعد أمره بالقيام يدلّ على أن الأمر للندب، ولا يجوز أن
يكون نسخًّا. قال النووي: والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي، وصاحب
(المهذب)) من الشافعية، وممن ذهب إلى استحباب القيام ابن عمر وأبو مسعود
وقيس بن سعد وسهل بن حنيف، كما يدلّ على ذلك الروايات المذكورة في الباب
- أي: باب ما جاء في القيام للجنازة إذا مرت من كتاب ((المنتقى)) -. وقال أبو
حنيفة ومالك والشافعي: إن القيام منسوخ بحديث عليٍّ الآتي. قال الشافعي: إما
أن يكون القيام منسوخًا أو يكون لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله،
والحجة في الآخر من أمر رسول اللَّه وَّل، انتهى.
وقد دلَّ كلامُ الشوكاني على أن الإمام أحمد ذهب إلى استحباب القيام للجنازة.
وقال عياض: ذهب أحمد إلى التوسعة والتخيير، ويؤيده ما حكاه الترمذي عن
أحمد أنه قال: إن شاء قام وإن شاء قعد. وقال ابن قدامة: إذا مرَّت به جنازة لم
يستحب له القيام لها لقول عليٍّ: قَامَ رَسُولُ اللهِّ ◌ِ لهِّثُمَّ قَعَدَ. قال أحمد: إن قام لم
أَعِبْهُ، وإن قعد فلا بأس. وذكر ابن أبي موسى والقاضي: أن القيام مستحب؛ لأن
النبي ◌َّ أمر بالقيام. قال ابن قدامة: وقد ذكرنا أن آخر الأمرين من رسول اللّه وَالّ.
ترك القيام بها، والأخذ بالآخر من أمره أولى، انتهى. وسيأتي بيان ما هو الراجح
في ذلك في شرح حديث علي الآتي.
(فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ) يحتمل أن المراد حتى توضع على الأرض أو
توضع في اللحد، وقد روي عن أبي هريرة باللفظين إلا أنه أشار البخاري إلى
ترجيح رواية حتى توضع بالأرض بقوله: بَاب مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ
عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ. وصرح أبو داود بترجيحها حيث قال بعد رواية حديث أبي
سعيد من طريق سهيل بن أبي صالح بلفظ: ((إِذَا تَبِعْتُمُ الْجَنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى
تُوضَعَ))، وروى الثوري هذا الحديث عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه:
((حَتَّى تُوضَعَ بِالأَرْضِ))، ورواه أبو معاوية عن سهيل قال: ((حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ))،
وسُفيان أحفظ من أبي معاوية، انتهى. وكذا قال الأثرم.
٥٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ: ورواه جرير عن سهيل، أي: عن أبي صالح عن أبي سعيد فقال:
حتى توضع حسب - وزاد - قال سهيل: ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن
مناكب الرجال. أخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) بهذه الزيادة والبيهقي
(ج٤ ص٢٦) وهو في مسلم بدونها. قال الحافظُ: ورجَّح رواية: ((حَتَّى تُوضَعَ
بِالأَرْضِ)) عند البخاري بفعلٍ أبي صالح؛ لأنه راوي الخبر، وهو أعرف بالمراد
منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة، كما قال أبو داود، انتهى.
قلتُ: المختارُ عند القائلين باستحباب قيام التابع، قبل الوضع هو أنَّ المرادَ
بالوضع وضعها بالأرض. وفي ((المحيط)) للحنفية: الأفضلُ أن لا يجلسوا حتى
يسووا عليه التراب، وحجته رواية أبي معاوية. وفي ((البدائع)) و((الخانية))
و((العناية)) وغيرها خلافه، حيث صرحوا بأنه لا بأس بالجلوس بعد الوضع
بالأرض. والحديث يفيد النهي عن جلوس المشيع، أي: الماشي مع الجنازة قبل
أن توضع على الأرض. واختلف العلماء في ذلك، فذهب بعض السلف إلى أنه
يجب القيام حتى توضع، واحتج له برواية سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: ما
رأينا رسول اللَّه وَليل شهد جنازة قط فجلس حتى توضع. أخرجه النسائي.
قال الشوكاني: ولا يخفى أن مجرد الفعل لا ينتهض دليلًا للوجوب، فالأولى
الاستدلال له بحديث أبي سعيد، فإن فيه النهي عن القعود قبل وضعها، وهو حَقيقة
للتحريم وترك الحرام واجب، ومثل ذلك حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا:
((مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ وَلَمْ يَمْشٍ مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى تَغِيبَ عَنْهُ، فَإِنْ مَشَى مَعَهَا فَلاَ يَقْعُدْ
حَتَّى تُوضَعَ))، انتهى.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن: يستحبُّ له أن لا يجلس
حتى توضع عن أعناق الرجال، حكى عنهم ذلك النووي، والحافظ في ((الفتح))،
ونقله ابن المنذر عن أكثر الصحابة والتابعين، وحكى في ((الفتح)) عن الشعبي
والنخعي: أنَّه يكره القعود قبلَ أن توضع، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، كما في
كتب فروعهم. واختلف الشافعية في ذلك فقال بعضُهم: قيام المشيع قبل وضع
الجنازة بالأرض منسوخ كالقيام لمن مرت به، وهو الذي حكاه ابن قدامة عن
الشافعي، وقال بعضُهم كقول الجمهور: إنه يستحب له أن لا يقعد حتى توضع،
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْىِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٦٥
واستدل للنسخ بما سيأتي من حديث عبادة بن الصامت عند الترمذي وأبي داود
وابن ماجه والبيهقي (ج٤ص٢٨) والبزار والحازمي (ص١٣٠) قال: كانَ
رسولُ اللَّهِ وَلِّ إذا اتبع الجنازة لم يقعد حتى توضع في اللحدِ، فعرض له حَبر،
فقال: هكذا نصنعُ يا محمد، فجلس رسول اللَّه بَّه وقال: ((اجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ)).
وأجيب عنه بأنه حديث ضعيف كما ستعرف، فلا يسوغ الاستدلال به على نسخ
السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة. قال الحافظُ في ((الفتح)): لو لم يكن إسناده
ضعيفًا لكان حجة في النسخ. وقال الحازمي بعد روايته: هذا حديث غريب، ولو
صحَّ لكان صريحًا في النسخ، غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا
الإسناد، انتهى.
على أن هذا الحديث إنما يدلَّ على نسخ القيام قبل الوضع في اللحدِ لا على
نسخ القيام قبل الوضع بالأرض، والمطلوب إثبات هذا لا ذاك. قال القاري في
شرح قوله: ((خَالِفُوهُمْ)) فبقي القول بأن التابع لِم يقعد حتى توضع عن أعناق الرجال
هو الصحيح، مع أن قوله: ((حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ)) يرده ما في حديث البراء الطويل
المتقدم: كنا مع رسول اللّه وَّل في جنازة، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس
فجلسنا حوله .
واستدل للنسخ أيضًا بما سيأتي من حديث علي قال: كان رسول اللَّهِ وَلّ أمرنا
بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس. أخرجه أحمد
(ج ١ ص ٨٢) وابن حبان والحازمي (ص١٢١) وأخرجه البيهقي (ج ٤ ص ٢٧) بلفظ:
ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود.
وأجاب عنه الشوكاني: بأن هذا الحديث إن صح صلح للنسخ؛ لقوله فيه :
((وأمرنا بالجلوس))، ولكنه لم يخرج هذه الزيادة مسلم ولا الترمذي ولا أبو داود.
ولا ابن ماجه ولا أحمد في أكثر رواياته، بل اقتصروا على قوله: ((ثم قعد)).
ومجرد الفعل لا يدل على نسخ القول؛ لاحتمال أن قعوده كان لبيان الجواز،
قال: واقتصار جمهور المخرجين لحديث علي وحفاظهم على مجرد القعود بدون
ذكر زيادة الأمر بالجلوس مما يوجب عدم الاطمينان إليها، والتمسك بها في النسخ
لما هو من الصحة في الغاية.
٥٦٦
الحميد
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
وأجاب عنه ابنُ حزم (ج ٥ ص١٥٤) بأن الأمر فيه للإباحة والتخفيف، قال: كنا
نقطع بالنسخ بهذا الخبر، لولا ما روينا من طريق النسائي عن سعيد المقبري عن
أبي هريرة وأبي سعيد قالا جميعًا: ما رأينا رسول اللَّه ◌َله شهد جنازة قط فجلس
حتى تُوضع، قال: فهذا عمله علَّ المداوم، وأبو هريرة وأبو سعيد ما فارقاه ◌ِلَّلُ
حتى مات، فصحَّ أن أمره بالجلوس إباحة وتخفيف، وأمره بالقيام وقيامه ندب،
انتھی .
قلتُ: والظاهرُ أن المراد بالقيام المذكور في حديث علي هو القيام للجنازة إذا
مرت به، لا قيام التابع والمشيع. وأما رواية الحازمي (ص ١٣٠) بلفظ: قال عليٍّ:
قدمنا مع رسول اللَّه ◌َ له المدينة أول ما قدمنا، فكان النبي وَّ لا يجلس حتى توضعٍ
الجنازة، ثم جلس بعد وجلسنا معه، فكان يؤخذ بالآخر فالآخِرُ من أمرٍ رسول الله
وَاخله، ففي كونها صالحة للاستدلال نظر، قال الحازمي: هذا الحديث بهذه الألفاظ
غريب أيضًا.
قلتُ: وكذا رواية البيهقي (ج ٤ ص٢٧) بلفظ: قام رسول اللّه ◌َل مع الجنائز
حتى توضع وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود، غريب أيضًا.
نعم، يشكل رواية الترمذي والنسائي والبيهقي (ج٤ ص٢٧) بلفظ: عن علي بن
أبي طالبٍ، أنه ذكر القيام على الجنازة حتى توضع، فقال علي بن أبي طالب: قام
رسول اللَّه ◌َليل ثم قعد.
ورواية البيهقي (ج٤ ص٢٨) بلفظ: رأى عليٌّ الناسَ قيامًا ينتظرون الجنازة أن
توضع، فأشار إليهم بِدِرَّةٍ معه، أو سوط أن اجلسوا فإن رسول اللَّه ◌َ له قد جلسَ
بعد ما كان يقوم. لأن هاتين الروايتين تدلان على أن المراد القيام مطلقًا، وأن الذي
فهمه عليٌّ رَوقَهُ هو الترك مطلقًا، ولهذا أمر بالقعود من رأى قائمًا ينتظر الجنازة أن
توضع .
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن الذي استند إليه عليٍّ في الأمر بقعود المنتظرين
إنما هو فعله ولية، ومن المعلوم أن مجرد الفعل لا يدل على النسخ؛ لأنه يحتمل أن
قعوده كان لبيان الجواز، وأن النهي في حديث أبي سعيد للتنزيه لا للتحريم،
فتأمل.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
*
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
*RE
٥٦٧
والقول الراجح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور من أنه يستحب أن لا يجلس
التابع والمشيع للجنازة حتى توضع بالأرض. وأن النهي في قوله: ((فلا يقعد))،
محمول على التنزيه. والله تعالى أعلم.
ويدل على استحباب القيام إلى أن توضع ما رواه البيهقي (ج ٤ ص ٢٧) من طريق
أبي حازم، قال: مشيت مع أبي هريرة وابن عمر وابن الزبير والحسن بن علي أمام
الجنازة حتى انتهينا إلى المقبرة، فقاموا حتى وضعت ثم جلسوا، فقلت لبعضهم،
فقال: إن القائم مثل الحامل يعني في الأجر.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي
(ج٤ ص٢٦).
١٦٦٣ - [٤] وعَنْ جَابِرِ قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وِّهِ
وَقُمْنَا مَعَهُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ. فَقَالَ: ((إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإِذَا
رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْحُ
٤١ ٤٠ جـ
١٦٦٣ - قوله: (إِنَّهَا) أي: الميتة. (يَهُودِيَّةً) أو الجنازة جنازة يهودية، وهذا
لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ((إنها جنازة يهودي)). (إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ) بفتحتين. قال
القرطبي : معناه: أن الموتَ يُفزع منه إشارة إلى استعظامه. ومقصود الحديث: أن
لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر
الموت، فَمِنْ ثَمَّ استوى فيه كون الميت مسلمًا أو غير مسلم. وقال غيرُه: جعل
نفس الموت فزعًا مبالغة، كما يقال: رجل عدل. قال البيضاوي: هو مصدر جرى
مجرى الوصف للمبالغة، أو فيه تقدير - أي: الموت ذو فزع - انتهى. ويؤيد
الثاني رواية النسائي بلفظ: ((إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا)). وعن أبي هريرة عند ابن ماجه وعن
ابن عباس عند البزار مثله. قال البزار: وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن
رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة.
(١٦٦٣) مُسْلِم (٩٦٠/٧٨) فِيهِ عَنْهُ.
٥٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا) أي: تعظيمًا لهول الموت وفزعه، لا تعظيمًا
للمیت، فلا يختصُّ القيام بميِّت دون ميت.
واعلم: أنه اختلفت الأحاديث في تعليل القيام بجنازة اليهودي أو اليهودية، ففي
هذا الحديث التعليل بقوله: ((إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ))، وفي حديث سهل بن حنيف وقیس
الآتي التعليل بكونها نفسًا، وفي حديث أنس عند النسائي والحاكم: إنَّما قُمنا
للملائكة، ونحوه لأحمد من حديث أبي موسى، وسيأتي هذان الحديثان في
الفصل الثالث، وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد والحاكم والبيهقي :
((إِنَّمَا تَقُومُونَ لِلَّذِي يَقْبِضُ النُّفُوسَ))، وأخرجه ابن حبان بلفظ: ((إِعْظامًا للهِ الَّذِي
يَقْبِضُ الأَرْوَاحَ)).
ولا معارضة في هذه التعليلات، إذ يجوز تعدد الأغراض والعلل، فيكون القيام
مطلوبًا؛ تعظيما لأمر الموت والملائكة جميعًا وغير ذلك. قال الحافظُ: لا منافاة
فيها؛ لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله وتعظيم للقائمين بأمره في
ذلك وهم الملائكة، وأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن علي: قام
رسول اللَّه مَله تأذًّا بريح اليهودي. زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عياش:
(فآذاه ريح بخورها)). وللنسائي والطبري من وجه آخر عن الحسن: ((كَره أن تعلو
رأسَه جنازةُ يهودي)). فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة.
أما أولًا: فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة.
وأما ثانيًا: فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي
صريح من لفظ النبي ◌َّ، فكأن الراوي لم يسمع بالتعليل منه فعلل باجتهاده، كذا
في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظُ لمسلم. ولفظُ البخاري: مرَّ بنا جنازة فقام لها النبي
وسلم
صَلىالله
وقمنا، فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، قال: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا)).
قال مَيْرَك: في قوله: (متفق عليه))، نظر من وجهين، أحدهما: إنَّ جُملة: ((إن
الموت فزع)) من أفراد مسلم عن البخاري، والثاني: أن لفظ البخاري: ((إنها جنازة
يهودي))، انتهى. والحديث أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي أيضًا.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلاةِ عَلَيْهَا
٥٦٩
١٦٦٤ - [٥] وَعَنْ عَلِّ رَوَهُ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِ قَامَ فَقُمْنَا
وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا - يَعْنِي فِي الْجَنَازَةِ -.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكِ وَأَبِي دَاوُدَ: ((قَامَ فِي الْجَنَازَةِ، ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ))] {صحيح}
G O
الْشَرْحُ
١٦٦٤ - قوله: (رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَامَ) أي: لرؤية الجنازة. (فَقُمْنَا) أي:
تبعًا له. (وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا) وفي رواية لمسلم: قام رسول اللَّه ◌ِ له ثم قعد. قال
البيضاوي: يحتمل قول علي: ثم قعد، أي: بعد أن جاوزته وبعدت عنه. ويحتمل
أن يريد كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلًا، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينة
في أن المراد بالأمر الوارد في ذلك الندب. ويحتمل أن يكون نسخًا للوجوب
المستفاد من ظاهر الأمر. والأول أرجح؛ لأن احتمال المجاز يعني في الأمر أولى
من دعوى النسخ، انتهى. وقال الترمذي: معنى قول علي: قام النبي ◌ِّل في
الجنازة ثم قعدَ، يقولُ: كان النبي ◌َّه يقومُ إذا رأى الجنازة ثم ترك ذلك بعد، فكان
لا يقوم إذا رأى الجنازة، قال: وهذا الحديثُ ناسخ للحديث الأول: ((إِذَا رَأَيْتُمُ
الْجَنَازَةَ فَقُومُوا))، انتهى.
وكذا استدل به على النسخ كل من ذهب إلى نسخ القيام للجنازة لمن مَرَّت به.
وتعقبه النووي بأن حديث علي هذا ليس صريحًا في النسخ؛ لاحتمال أن القعود فيه
لبيان الجواز، فلا يصحُّ دعوى النسخ؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذّر الجمع بين
الأحاديثِ، ولم يتعذّر بل هو ممكن، كما تقدم. وقال ابنُ حزم في ((المحلى))
(ج ٥ص١٥٤): قعوده ◌ِ الّ بعد بأمرِه بالقيام يدلُّ على أنَّ الأمر للندب. ولا يجوزُ أن
يكون نسخًّا؛ لأنَّ النسخ لا يكون إلا بنهي أو بترك معه نهي، انتهى.
وأما حديث علي الآتي بلفظٍ: أُمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جَلس بعد ذلك
وأمرنا بالجلوس، فقد تقدَّم جوابه عن الشوكاني وابن حزم في شرح حديث
(١٦٦٤) مُسْلِم (٩٦٢/٨٤)، وَأَبُو دَاوُد (٣١٧٥)، والترمذي (١٠٤٤)، والنَّسَائِي (٧٧/٤)، وابن
مَاجَه (١٥٤٤) فِیهِ عَنْهُ.
٥٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أبي سعيد. وأمّا ما رواه أحمدُ (ج ١ ص١٤٢) والحازمي (ص١٢١) من طريق أبي
معمر وهو عبد الله بن سخبرة قال: كُنا مع عليٍّ فمَرَّ به جنازة فقام لها ناس، فقال
عليٍّ: مَن أفتاكم هذا؟ فقالوا: أبو موسى. قال: إنما فعل ذلك رسول اللَّه وَل
مرة، فكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نهي انتهى، لفظ أحمد. ولفظ الحازمي:
فلما نسخ ذلك ونهي عنه انتهى.
ففيه: أنه لا يصلح النسخ ما ثبت بالأحاديث المخرجة في ((الصحيحين))
وغيرهما؛ لأن مداره على ليث بن أبي سليم وهو صدوق يَهم، قاله البخاري. وقال
الحافظُ: صدوقٌ اختلطَ أخيرًا، ولم يتميز حديثه فترك، انتهى. ولا يغتر برواية
الثوري هذا الحديث عن ليثٍ، فإن رواية الثقات عن الضعفاء الواهمين لا يدل على
کون الرواية صالحة للاحتجاج، كما لا يخفى.
وقد روى هذا الحديث أحمد بأطول من هذا من طريق ليث في مسند أبي موسى
الأشعري (ج٤ ص٤١٣). وفيه: فإذا نهي انتهى، فما عاد لها بعد، ورواه النسائي
من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر قال: كُنا عند علي فمرَّت به جنازة
فقاموا لها، فقال علي: ما هذا؟ قالوا: أمر أبي موسى، فقال: إنما قام رسول الله
۵﴾ لجنازة یهودیة ولم يعد بعد ذلك، انتهى.
وهذا كما ترى، ليس فيه ذكر النسخ والنهي، وهو موافق لرواية مسلم
والترمذي وأبي داود وأكثر روايات أحمد، فهو مقدم على رواية ليث، ولأن ابنَ
نجيح اتفق الأئمة على توثيقه. ولعلك عرفت بما ذكرنا أنه لا يصلح شيء مما
يذكره الجمهور لنسخ القيام للجنازة.
والقول الراجح عندي: هو ما ذهب إليه أحمد أنه مخيّر، إن قام فلا عيب عليه،
وإن قعد فلا بأس به، والله - تعالى - أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أحمد (ج١ ص٨٣، ١٣١، ١٣٨) والترمذي والنسائي
وابن ماجه والبيهقي (ج ٤ ص٢٧). (وَفِي رِوَايَةٍ مَالِك وَأَبِي دَاودَ: قَامَ فِي الْجَنَازَةِ)
أي: لها. (ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ) هذا لفظ أبي داود. وسياق ((الموطأ)): كان يقوم في الجنائز
ثم جلس بعد. قال مَيْرَك: وكأنه اعتراض على صاحب ((المصابيح))، حيث أورد
الحديث في الصحاح بلفظ مالك وأبي داود دون مسلم. والجواب: من قبل
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْىِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٧١
صاحب ((المصابيح)) أنه يحتمل أنه اختار لفظ أبي داود؛ لأنه أصرح في النسخ -
على زعمه - من عبارة مسلم كما لا يخفى، وإنما أورده؛ لبيان أن الأمر بالقيام
للجنازة المفهوم من الحديث السابق منسوخ، لا لأنه المقصود من الباب، تأمل.
انتھی .
١٦٦٥ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّه: ((مَنِ اتَّبَعَ
جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا؛
فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ
رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِرَاطٍ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٦٦٥- قوله: (مَن اتَّبَعَ) بتشديد التاء المثناة الفوقية من الاتباع. قال
القاري: وفي نسخة صحيحة: ((من تبع)) أي: بدون الألف. وكسر الباء. قلتُ:
وقع في أكثر روايات البخاري: ((اتبع)) بالتشديد. وفي رواية الأصيلي وابن
عساكر: (تَبَعَ)) بغير ألف وكسر الموحدة (جَنَازَةَ مُسْلِمٍ) يقال: تَبَعَ القومُ بالكسر
يَتْبَعهم بالفتح تَبْعًا وتَبَاعةً؛ إذا مشي خلفهم أو مروا بهً فمضى معهم، واتَّبَع القوم
مثل تبعهم. (إِيمَانًا) أي: بالله ورسوله. وقيل: أي: تصديقًا بأنه حق. وقيل:
تصديقًا بما وعد عليه من الأجر. (وَاحْتِسَابًا) أي: طلبًا للثواب لا مكافأة ومخافة،
ونصبهما على العلة أو على أنهما حالان أي: مؤمنًا ومحتسبًا. (وَكَانَ مَعَهُ) أي:
استمر مع جنازته. (حَتَّى يُصَلَّيَ عَلَيْهَا) بصيغة المعلوم. وضمير الفاعل يرجع إلى
((من))، ويروي بفتح اللام على صيغة المجهول، وقوله: ((عليها))، مفعول ناب عن
الفاعل .
فعلى الرواية الأولى: لا يحصل الموعود به إلا لمن توجد منه الصلاة. وعلى
الثانية: قد يقالُ يحصل له ذلك ولو لم يصل. والصواب: أنه لا يحصل له
(١٦٦٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٧)، ومُسْلِم (٩٤٥/٥٢) عنه، وَهَذَا لَفْظُ البُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ
فِي أَوَائِلِ صَحِيحِهِ.
٥٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القيراطان بالدفن من غير صلاة؛ لأن المراد أن يُصلي هو أيضًا؛ جمعًا بين الروايتين
وحملًا للمطلق على المقيد.
قال الحافظُ: رواية فتح اللام محمولة على رواية الكسر، فإن حصول القيراط
متوقف على وجود الصلاة من الذي يحصل له. انتهى. وقال ابن المنير: إن
القيراط لا يحصل إلا لمن اتبع وصلى أو اتبع وشيع وحضر الدفن، لا لمن اتبع مثلًا
وشيع ثم انصرف بغير صلاة، وذلك لأنَّ الاتباع إنما هو وسيلة لأحد مقصودین،
إما الصلاة وإما الدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المترتب على
المقصود، وإن كان يترجى أن يحصل لذلك، فضل ما يحتسب .
(وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا) بالبناء للفاعل، ويروى بالبناء للمفعول، والجار والمجرور
نائب الفاعل، والفعلان منصوبان بـ((أن)) مضمرة بعد ((حتى)). (مِنَ الأَجْرِ) حال من
قوله: ((بقيراطين)). قال الطيبي: أي: كائنًا من الثوابٍ، فـ((من)) بيانية تقدمت على
المبين. (بِقِيرَاطَيْنِ) مثنى قيراط أي: بقسطين ونصيبين عظيمين، والباء تتعلق
بـ(يرجع)). والقيراط: بكسر القاف، أصله قرَّاط بتشديد الراء بدليل جمعه على
قراريط، فأبدل من أحد الرائين ياء، كما في الدينار أصله دِنَّار بدليل جمعه على
دنانير. قال الجوهري: القيراطُ: نصف دانق، والدانق: سدس الدرهم، فعلى هذا
يكون القيراط جُزءًا من اثني عشر جزءًا من الدرهم. وقال صاحب ((النهاية)):
القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد. وأهل الشام
يجعلونه جزءًا من أربعة وعشرين، وقد يطلق ويراد به بعض الشيء، وذكر القيراط
تقريبًا للفهم لما كان الإنسان يعرف القيراط ويعمل العمل في مقابلته، فضرب له
المثل بما يعلم، ثم لما كان مقدار القيراط المتعارف حقيرًا؛ نبه على عظم القيراط
الحاصل لمن فعل ذلك فقال: (كُلُّ ◌ِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ) بضمتين، قال الحافظُ: ذهب
الأكثر إلى أن المراد بالقيراط هاهنا جزء من أجزاء معلومة عند الله - تعالى -، وقد
قَرَّبها النبي ◌َّ للفهم بتمثيله القيراط بأُحد.
قال الطيبي: قوله: ((مِثْلُ أُحُدٍ))، تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ القيراط.
والمراد منه على الحقيقة: أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأن لفظ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٧٣
935
القيراط مبهم من وجهين، فبين الموزون بقوله: ((مِنَ الأَجْرِ))، وبين المقدار منه
بقولهِ: ((مِثْلُ أُحُدٍ )).
والحاصل: أنه تمثيل واستعارة. والقيراط: عبارة عن ثواب معلوم عند الله
تعالى عبر عنه ببعض أسماء المقادير، وفسر بجبل عظيم تعظيمًا له وهو أحد.
وخص التمثيل بأحد؛ لأنه كان قريبًا من المخاطبين يشترك أكثرهم في معرفته، كما
ينبغي، ولأنه كان أكثر الجبال إلى النفوس المؤمنة حبًّ؛ لأنه الذي قالَ في حقّه:
(إِنَّهُ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)). ويجوز أن يكون على حقيقته بأن يجعل اللَّه ذلك العمل يوم
القيامة جسمًا قدر جبل أحد ويوزن. وفي حديث واثلة عند ابن عدي: ((كُتِبَ لَهُ
قِيرَاطَانٍ، أَخَفُّهُمَا فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْقَلُ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ))، فأفادتْ هذه الرواية
بيان وجه التمثيل بجبلٍ أحدٍ، وأن المراد به زنة الثواب المرتب على ذلك العمل.
ووقع في رواية للنسائي: ((كل واحد منهما أعظم من أحد)). وعند مسلم: ((أصغرهما
مثلٍ أحد)). ولا مخالفة فيها؛ لأنَّ ذلك يختلف باختلاف أحوال المتبعين. (وَمَنْ
صَلَى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ) أي: الجنازة. (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ) أي: من
الأجرِ. قال النووي: اعلم: أن الصلاة يحصلُ بها قيراط إذا انفردت، فإن انضم
إليها الاتباع حتى الفراغ من الدفن؛ حصل له قيراط ثان، فلمن صلى وحضر الدفن
القيراطان، ولمن اقتصر على الصلاة قيراط واحد. ولا يقال: يحصل بالصلاة مع
الدفن ثلاثة قراريط كما يتوهمه بعضهم من ظاهر بعض الأحاديث؛ لأن هذا النوع
صريحًا، والحديث المطلق والمحتمل محمول عليه. وأما رواية: ((من صلى على
جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان)). فمعناه: فله تمام قيراطين
بالمجموع، قال: وفي الحديث تنبيه على مسألة أخرى، وهي أن القيراط الثاني
مقيد بمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فلو صلى وذهب إلى القبرِ
وحده ومكث حتى جاءت الجنازة وحضر الدفن؛ لم يحصل له القيراط الثاني.
انتهى. وفي الحديث: الحثّ على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور دفنه.
وفيه: الحض على الاجتماع لذلك، والتنبيه على عظيم فضل الله، وتكريمه
للمسلم في تكثير الثواب لمن يتولى أمره بعد موته. وفيه: تقدير الأعمال بنسبة
الأوزان: إما تقريبًا للأفهام، وإما على حقيقته بأن يجعلها أعيانًا .
قال الحافظ: قد تمسك بقوله: من اتبع من زعم أن المشي خلف الجنازة أفضل
٥٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ولا حجة فيه؛ لأنه يقال: تبعه إذا مشى خلفه وإذا مر به فمشى معه، وكذلك اتبعه
بالتشديد وهو افتعل منه، فإذا هو مقول بالاشتراك وبين المراد الحديث الآخر
المصحح عند ابن حبان وغيره من حديث ابن عمر بالمشي أمامها. وأما أتبعه
بالإسكان، فهو بمعنى لحقه؛ إذا كان سبقه ولم تأت به الرواية هاهنا. انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظُ للبخاري في كتابِ الإِيمان، والحديث أخرجَهُ أحمد
والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي أيضًا. وفي الباب عن جماعةٍ
من الصحابة، ذكرهم الحافظ في الفتح.
٦ ١٦٦ - [٧] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي
مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشِّرْجُ
١٦٦٦ - قوله: (نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ) أي: أخبرهم بموته. في ((القاموس)»:
نعاه له نعوًّا ونعيًا أخبره بموته. والنجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف
شين معجمة ثم ياء ثقيلة كياء النسبٍ. وقيل: بالتخفيف ورجَّحه الصغاني. وهو
لقب لكلِّ من ملك الحبشة. وحكى المطرزي: تشديد الجيم عن بعضهم وخطأه،
كذا في ((الفتح)). وقال العيني: النَّجاشي: بفتح النون وكسرها، كلمة للحبش
تسمى بها ملوكها، والمتأخرون يلقبونه الأبجري. قال ابنُ قتيبة: هو بالنبطية.
ذكره ابن سيده، وكان اسمه أصحمة، كما في رواية للشيخين، وهو بفتح الهمزة
وسكون الصاد وبفتح الحاء المهملتين على وزن أربعة، ووقعَ في مصنف ابن أبي
شيبة صحمة بفتح الصاد وسكون الحاء، ووقعَ في بعض الروايات: أصخمة بخاء
معجمة وإثبات الألف. قال الإسماعيلي: وهو غلط. وحكى الكرماني: أن في
بعض النسخ صحبة بالموحدة بدل الميم. ومعنى أصحمة بالعربية: عطية. قالَهُ
(١٦٦٦) الْبُخَارِي (١٣١٨)، ومُسْلِم (٦٢/ ٩٥١)، وأَبُو دَاوُد (٣٢٠٤)، والترمذي (١٠٢٢)، والنَّسَائِي
(٦٩/٤)، وابنُ ماجه (١٥٣٤) فِیهِ عَنْهُ.
٥٧٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
ابن قتيبة وغيره.
والنجاشي هذا هو الذي هاجرَ المسلمون إليه، وكتب إليه النبي وَّل مع عمرو بن
أمية الضمرى سنة ست أو سبع من الهجرة في المحرم. فأخذَ كتاب النبي وَل
فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض تواضعًا، ثم أسلمَ على
يدي جعفر بن أبي طالب، وكَتب إلى النبي ◌َّ بذلك، وتوفي في رجب سنة تسع
من الهجرة منصرف النبي ◌ُّ من تبوك، ونعاه النبي وَّ يوم توفي، هكذا قال
جماعة من أهل السير والتاريخ، منهم الواقدي وابن سعد وابن جرير وآخرون. قال
في ((الخميسِ)) نقلا عن ((المواهب)): وأما النجاشي الذي وَلى بعده وكتب إليه
النبي ◌َّل يدعوه إلى الإسلام، فكان كافرًا لم يعرف إسلامه ولا اسمه، وقد خلطَ
بعضهم ولم يميز بينهما. انتهى.
وقال ابنُ القيم: ليسَ الأمر كما قال الواقدي وغيره، فإن أصحمة النجاشي
الذي صلى عليه رسول اللَّه وَليل ليس هو الذي كتب إليه مع عمرو بن أمية، وهو
الثاني، ولا يعرف إسلامه بخلاف الأول، فإنه مات مسلمًا، وقد روى مسلمٌ في
((صحيحهٍ)) من حديث قتادة عن أنسٍ قال: كتبَ رسولُ اللَّه وَلّل إلى كسرى وإلى
قيصر وإلى النجاشي، وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه رسول اللّهِ وَ له. قال ابنُ
حزم: إنَّ هذا النجاشي الذي بعثَ إليه رسولُ اللَّه ◌َ لهعمرو بن أمية الضمرى لم
يسلّم. قال ابنُ القيم: والظاهر قول ابن حزم. انتهى.
وأجاب أهل السير عن حديث أنس بأنه: وهم من بعض الرواة، أو أنه: عبر
ببعض ملوك الحبشة عن الملك الكبير، أو يحمل على أنه: لما توفي قام مقامه آخر
فكتب إليه أي: في سنة تسع، وهذا هو الراجح. وحاصله: أنه رَّ كَتب إلى
النجاشي الذي صلّى عليه وإلى النجاشي الذي تولّى بعده على يد عمرو بن أمية أو
غيره، فيكونُ هذه الكتابة متأخرة عن الكتابة لأصحمة الرجل الصالح الذي آمن
بِهِ وَّر، وأكرم أصحابه، وصلى هو عليه، فلا مخالفة بين رواية أهل السير ورواية
مسلم، فتأمل. وفي الحديث: دليلٌ على جوازِ النعي أي: الإعلام بالموت، وقد
بوَّب عليه البخاري: باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه. قال الحافظُ: فائدة
هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهي عما كان أهل
٥٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلونَ من يعلن بخبرٍ موت الميت على أبواب الدور
والأسواق، ثم ذكر عن ابن سيرين أنه قال: لا أعلمُ بأسًا أن يؤذن الرجل صديقه
وحمیمه، قال: وحاصلُهُ أن محض الإعلام بذلك لا یکره، فإن زاد على ذلك فلا،
وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك، حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول: لا
تؤذنوا به أحدًا، إني أخاف أن يكون نَعيًّا، إني سمعتُ رسول اللَّه وَله بأُذُني هاتين
ینھی عن النعي. أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن.
قال ابنُ العربي: يُؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: إعلامُ
الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سنة. الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة،
فهذه تكره. الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك. فهذا يُحرم.
(الْيَوْمِ) ظرف نعي أي: في اليوم. (الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وهو في رجب سنة تسع من
الهجرة مَنصرفه من تبوك كما تقدم، وذلك مُعجزة عظيمة منه وَلّ حيثُ أعلمهم
بموته في اليوم الذي توفي فيه مع بُعد عظيم ما بين المدينة والحبشة. (وَخَرَجَ بِهِمْ
إِلَى الْمُصَلَّى) وفي رواية ابن ماجه: فخرج وأصحابه إلى البقيع .
قال الحافظ: والمراد بالبقيع بقيع بطحان، أو يكون المراد بالمصلي موضعًا
معدًّا للجنائز ببقيع الغرقد غير مصلى العيدين، والأول أظهر، وقال في شرح
حديث ابن عمر في رجم اليهوديين بلفظ: فَأَمَر بِهِما فَرُجمًّا قَريبًا منْ مَوْضعِ الجنائزِ
عندَ المسْجِدِ . حكى ابنُ بطال عن ابنٍ حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقًّا
بمسجد النبي ◌ّ من ناحية جهة المشرق. انتهى. فإن ثبت ما قال، وإلا فيحتمل
أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلي المتخذ للعيدين والاستسقاء؛ لأنه لم يكن
عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم، وسيأتي في قصة ماعز: فرجمنَاهُ
بالمصلَّى. انتهى.
وقد تمسَّك بهذا الحديثِ مَنْ قالَ بكراهة صلاة الجنازة في المسجد، سواء كان
القومُ والميت في المسجد، أو كان الميت خارج المسجد، والقوم كلهم أو بعضهم
في المسجد؛ وهذا لأنه وَّه خرج بأصحابهِ إلى المصلي، فصفّ بهم وصلَّى عليه،
ولو ساغ أن يصلي عليه في المسجد لما خرج بهم، والقولُ بالكراهة للحنفية
والمالكية. واستدل لهم أيضًا ما رواه أبو داود وابنُ ماجه من حديث أبي هريرة
مرفوعًا: ((مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا شَيْءٌ لَهُ)) .
٥٧٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلاةِ عَلَيْهَا
وأجيب: عن حديث الباب بأنه ليس فيه نهي عن الصلاة في المسجد، ويحتمل
أن يكون خرج بهم إلى المصلي لغير المعنى الذي ذكروه، وقد ثبتَ أنه مَل صلى
على سُهيل بن بيضاء في المسجد، فكيفَ يترك هذا الصريح لأمر محتمل؟ بل
الظاهر: أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلي؛ لقصد تكثير الجمع الذين يصلون
عليه، ولتعظيم شأنه، ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم
يدر بكونه أسلم، كما روى ابن أبي حاتم في ((التفسير))، والدارقطني في
((الأفراد»، والبزار من حديث أنس.
وأما حديثُ أبي هريرة فأُجيبَ عنه بوجوه، منها: أنه ضعيف ضعَّفه أحمدُ بنُ
حنبل وابن حبان وابن عدي والبيهقي والخطابي وابن المنذر والنووي وغيرهم.
قلتُ: في سندِهِ صالح بن نبهان مولى التوأمة، وقد تفرَّد به وهو صدوق، اختلطَ
بأخرة، ورواه عنه ابن أبي ذئب، واختلفوا في أنه سمع هذا الحديث من صالح قبل
الاختلاط أو بعده. قال ابنُ مَعين: سمع منه ابن أبي ذئب قبل أن يخرف. وقال ابن
المديني: سماع ابن أبي ذئب منه قبل الخرف. وقال الجوزجاني: تغيَّر أخيرًا،
فحديث ابن أبي ذئب عنه مقبول لسنه وسماعه القديم. وقال ابن عدي: لا بأس به
إذا روى عنه القدماء مثل ابن أبي ذئب وابن جريج.
ويعارض هذا كله ما رواه الترمذيُّ عن البخاري عن أحمد بن حنبل قال: سمعَ
ابنُ أبي ذئب من صالح أخيرًا، وروى عنه منكرًا، حكاه ابن القطان عن الترمذي.
وما نقل الزيلعي عن ابن عدي أنه عدَّ هذا الحديث من منكرات صالح، والظاهر:
أن ابن أبي ذئب سمع منه قبل الاختلاط وبعده، ولم يدر أنه أخذ هذا الحديث منه
قبل الاختلاط أو بعده. قال ابن حبان: اختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم
يتميز فاستحق الترك. انتهى.
وعلى هذا لا يكون هذا الحديث صالحًا للاحتجاج، ومنها ما قال النووي: إن
الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من ((سنن أبي داود)): ((مَنْ صَلَّى عَلَى
جَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَلَا شَيْءٌ لَهُ)). فلا حُجَّة لهم حينئذٍ. ومنها ما قاله النووي
أيضًا: إنه لو ثبت الحديث بلفظ: ((فَلا شَيْءَ لَهُ)) لوجب تأويله بأن ((له)) بمعنى ((عليه))
ليجمع بين الروايتين، ولئلا يخالف قوله فعله في الصلاة على ابني بيضاء في
المسجد .
٥٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنها: أنَّ معنى قوله: ((فَلَا شَيْءٌ لَّهُ))، أي: فلا أجر له، كما في رواية،
والروايات يفسر بعضها بعضًا، والمراد فلا أجر له كاملاً. قال القاري: الأظهر أن
يحمل على نفي الكمال كما في نظائره، والدليلُ عليه ما في مسلم عن عائشة: واللهِ
لقدَ صلَّى النبيُّ وَّهِ على ابني بيضاء في المسجدِ، سُهيل وأخيه. وقال الخطابي:
ثَبت أن أبا بكر وعمر صُلِّيَ عليهما في المسجِدِ، ومعلوم أن عامة المهاجرين
والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإنكار دليل الجواز. انتهى.
قلتُ: وكذا يحمل على نفي الكمال رواية ابن ماجه: ((فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ)). قال
السندي: ظاهره أن المعنى فليس له أجر، كما في رواية، وسلب الأجر من الفعل
الموضوع للأجر يقتضي عدم الصحة، ولذا جاء في رواية ابن أبي شيبة في
((مصنَّفِه)): ((فَلَا صَلَاةَ لَهُ))، لكن يشكل بأن الصلاة صحيحة إجماعًا، فيحمل على
أنه ليس له أجر كامل، ويمكن أن يقال: معنى ((فلا شيء)»: فلا أجر له؛ لأجل كونه
صلَّى في المسجد. فالحديث لبيان أن صلاة الجنازة في المسجد ليس لها أجر
لأجل كونها في المسجد كما في المكتوبات، فأجر أصل الصلاة باق، وإنما
الحديثُ لإفادة سلب الأجر بواسطة ما يتوهم من أنها في المسجد، فيكون
الحديث مفيدًا لإباحة الصلاة في المسجد من غير أن يكون لها بذلك فضيلة زائدة
على كونها خارجها، وينبغي أن يتعين هذا الاحتمال؛ دفعًا للتعارض وتوفيقًا بين
الأدلة بحسب الإمكان، وعلى هذا فالقول بكراهة الصلاة في المسجد مشكل،
نعم ينبغي أن يكون الأفضل خارج المسجد بناء على الغالب أنه وُّ كان يصلي
خارج المسجد، وفعله في المسجد كان مرة أو مرتين. انتهى كلام السندي.
وأما ما قال بعض الحنفية: إن العمل استقر على ترك الصلاة عليها في المسجد؛
لأن الناس قد أنكروا وعابوا على عائشة وغيرها من أزواج النبي ◌ُّ صلاتهن على
جنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد النبوي، وكان هؤلاء المنكرون من
الصحابة، فمردود بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها، فدلَّ على أنها
حفظت ما نسوه، وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر
في المسجد، وأن صهيبًا صلى على عمر في المسجد، زاد في رواية: ووضعت
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
****** * sacroojec *
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٧٩
الجنازة في المسجد تجاه المنبر. قال الحافظ: وهذا يقتضي الإجماع على جواز
ذلك. انتهى. وقال ابنُ قُدامة: كان هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان
إجماعًا. انتهى.
وأما دعوى الطحاوي والعيني ومن تبعهما أن الجواز كان أولًا، ثم بحديث
أبي هريرة، أو أنه كان لعذر وضرورة مثل المطر أو الاعتكاف فمردودة، وكل ما
ذكروه لإثبات النسخ فمما لا طائل تحته. قال البيهقي: لو كان عند أبي هريرة نسخ
حديث عائشة لذكره يوم صلى على أبي بكر الصديق في المسجد، ويوم صلى على
عمر بن الخطاب في المسجد، ولذكره من أنكر على عائشة أمرها بإدخاله
المسجد، أو ذكره أبو هريرة حين روت فيه الخبر، وإنما أنكره من لم يكن له معرفة
بالجواز، فلما روت فيه الخبر سكتوا ولم ينكروه ولا عارضوه بغيره، انتهى.
والحقُّ: أنه يجوز الصلاة على الجنائز في المسجد من غير كراهة، والأفضل
الصلاة عليها خارج المسجد؛ لأن أكثر صلاته وَّل على الجنائز كان في المصلى.
ولبعض أفاضل بلدة بنارس من أهل الحديث رسالتان لطيفتان في هذه المسألة، قد
بسط في الثانية القول في الجواب عن حديث أبي هريرة بما لا مزيد عليه.
(فَصَفَّ بِهِمْ) لازم، و((الباء)) بمعنى ((مع))، أي: صفّ معهم، أو متعد والباء
زائدة للتوكيد أي: صفهم، قاله الزرقاني. وفيه: دليل على أن من سنة هذه الصلاة
الصف كسائر الصلوات، ويتقدمهم إمامهم، ففي رواية من حديث جابر: ((فصَقُّوا
خَلْفَهُ)). وفي أخرى: ((فصفنا وراءَهُ)). وفي أخرى: ((فَقُّمنا فصفنا صفين)). وفي
أخرى: قال جابر: ((كُنت في الصفِّ الثاني)). وفي كل هذا رد على مَنِ استحبَّ أن
يكون المصلون على الجنازة سطرًا واحدًا، نقله ابن العربي عن مالك.
(وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) فيه دليل على أن المشروع في تكبير الجنازة أربع، وسيأتي
الكلام في ذلك. وفي هذه القصة دليل على مشروعية الصلاة على الميت الغائب
في بلد آخر، وفيه أقوال:
الأول: تشرع مطلقًا، سواء كان الميت في جهة القبلة أو لم تكن، وسواء كان
بين البلدين مسافة القصر أو لم تكن، وسواء كان بأرضٍ لم يصل عليه فيها أو كان