النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلتُ: استدل الحنفية والمالكية بما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا:
((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ)). وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه وتبقيته على
هيئة إحرامه من عمل الحي بعده كغسله والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكروه.
وأجاب الحنفية والمالكية عن حديث ابن عباس بأن النبي ◌ّ لعله عرف بالوحي
بقاء إحرامه بعد موته فهو خاص بذلك الرجل، وبأنه واقعة حال لا عموم لها، وبأنه
علَّل بقوله: ((فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا))، وهذا الأمر لا يتحقق في غيره وجوده، فيكون خاصًّا
به .
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((التعليق الممجد)) بعد ذكر هذه الأجوبة ما
لفظه: ولا يخفى على المنصف أن هذا كله تعسف، فإن البعث ملبيًا ليس بخاص به
بل هو عام في كل محرم حيث ورد: ((يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ)) أخرجه
مسلم. وورد: ((مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ بُعِثَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) أخرجه
الحاكم. وورد: إِنَّ الْمُؤَذِّنُ يُبْعَثُ وَهُوَ يُؤَذِّنُ، وَالْمُلَبِ يُبْعَثُ وَهُوَ يُلَبِّي. أخرجه
الأصبهاني في الترغيب والترهيب. وورد غير ذلك مما يدل عليه أيضًا كما بسطه
السيوطي في ((البدور السافرة))، فهذا التعليل لا دلالة له على الاختصاص، وإنما
علل به لأنه لما حكم بعدم التخمير المخالف لسنن الموتى، نبه على حکمه فيه وهو
أنه يبعث ملبيًّا، فينبغي إبقاؤه على صورة الملبين، واحتمال الاختصاص بالوحي
مجرد احتمال لا يسمع، وكونه واقعة حال لا عموم لها إنما يصح إذا لم يكن فيه
تعلیل .
وأما إذا وجد وهو عام فيكون الحكم عامًّا. والجواب عن أثر ابن عمر - يعني :
الذي رواه محمد عن مالك عن نافع: أن ابن عمر كفن ابنه واقد بن عبد اللّه وقد
مات محرمًا بالجحفة وخمر رأسه - أنه يحتمل أنه لم يبلغه الحديث، ويحتمل أن
يكون بلغه وحمله على الأولوية، وجوز التخمير. ولعل هذا هو الذي لا يتجاوز
الحق عنه - انتهى كلام الشيخ اللكنوي.
وقال الحافظ في ((الفتح)): قال أبو الحسن بن القصار: لو أريد تعميم هذا الحكم
في كل محرم لقال: فإن المحرم ... كما جاء أن الشهيد يبعث وجرحه يثعب دمًا .

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
se
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
er
٥٤١
وأجيب: بأن الحديث ظاهر في أن العلة في الأمر المذكور كونه كان في النسك،
وهي عامة في كل محرم. والأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي وَّ ثبت
لغيره حتى يتضح التخصيص.
قال الحافظ: وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقيًا لوجب أن يكمل به المناسك
ولا قائل به. وأجيب: بأن ذلك ورد على خلاف الأصل فيقتصر به على مورد
النص، ولا سيما وقد وضح أن الحِكمة في ذلكِ استبقاء شعار الإحرام كاستبقاء دم
الشهيد، انتهى. وفي الحديث: أنَّ الإحرام يتعلَّق بِالرأس، وأن مَن شرع في عمل
طاعة ثم حالَ بينه وبيت إتمامه الموت رجي له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك
العمل .
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاري في الجنائز والحج، ومسلم في الحج، وأخرجه
أيضًا أحمد والترمذي في الحج، وأبو داود والنسائي في الجنائز، وابن ماجه في
الحج والبيهقي (ج ٣ص ٣٩٠) قال ابن الهمام عند قول صاحب ((الهداية)): والإزار
من القرن إلى القدم واللفافة كذلك: لا إشكال أن اللفافة من القرن إلى القدم، وأما
كون الإزار كذلك فلا أعلم وجه مخالفة إزار الميت إزار الحي من السنة، وقد قال
عليه الصلاة والسلام في ذلك المحرم: ((كَفَّنُوهُ فِ ثَوْبَيْهِ)) وهما إزاره ورداؤه،
ومعلوم أن إزاره من الحقوٍ، وكذا حديث ليلى بنت قانف قالت: ((كنت فيمن
يغسل أم كلثوم بنت رسول الله وَّل، فكان أول ما أعطانا الحقاء ثم الدرع ثم الخمار
ثم الملحفة ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر)). رواه أبو داود، وروى (حقوه) في
حديث غسل زينب، وهذا ظاهر في أن إزارَ الميت كإزارٍ الحي من الحقو، فيجب
كونه في المذكر كذلك لعدم الفرق في هذا، انتهى.
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ خَبَّابٍ) بالتشديد. (قُتِلَ) قال الطيبي: مجهول حكاية ما في
الحديث بدل من قوله: (أَحَدِيثَ خَبَّابٍ، أي: سنذكر هذا اللفظ وهو (قُتِلَ مُصْعَبُ
ابْنُ عُمَيْرٍ) أي: إلى آخره. (فِي بَابٍ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ).
قال القاري: هذا اعتذار قولي واعتراض فعلي على صاحب ((المصابيح)) زعمًا
من المؤلف أن حديث خباب أليق بذلك الباب مع أنه ليس كذلك. وها أنا أذكر
الحديث على ما في الكتاب.

٥٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قَالَ خَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا نُكَفِّئُهُ فِيهِ إِلَّا
نَمِرَةً - وهي بفتح النون وكسر الميم شملة مخططة بخطوط بيض في سود - كُنَّا إِذَا
غَطَّيْنَا - أي: سترنا بها رأسه - خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غَطَّنَا بِهَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ.
فقال عليه الصلاة والسلام: ((ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي - أي: يقرب رأسه - وَاجْعَلُوا عَلَى
ڕِجْلَيْهِ الإِذْخِر))، انتهى.
وهذا كحديثه عن حمزة في ما تقدم وهما دليلان على أن كفن الضرورة ثوب
واحد، وعلى أن ستر جميع الميت واجب، انتهى.
قلتُ: حديث خبّاب هذا قد أورده مخرجوه في الجنائز إلا الترمذي، فإنه أوردَهُ
في المناقب، وقد تبعَهُ المؤلف. ولا شك أنه أليق بالجنائز. وأورده البخاري في
الهجرةِ والمغازي والرقاق أيضًا، وقد استدلَّ به على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر
جميع البدن ولم يوجد غيره، جعل مما يلي الرأس وجعل النقص مما يلي
الرجلين.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيتِ وَتَكْفِينِهِ
٥٤٣
الفصل الثاني
١٦٥٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْبَسُوا مِنْ
ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَّابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَمِنْ خَيْرِ
أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ؛ فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الشَّعَرَ وَيَجْلُوا الْبَصَرَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وَرَوَى ابْنُ مَاجَاه إِلَى: ((مَوْتَاكُمْ))] (صحيح}
الْشَّرْحُ
١٦٥٣- قوله: (الْبَسُوا) بفتح الباء. (مِنْ ثِيَابِكُمْ) من تبعيضية أو بيانية
مقدمة. (الْبَيَاضَ) أي: ذات البياض. وفي رواية لأحمد: ((البِيضَ)) بكسر الباء
جمع الأبيض، فلا تجوز، وكذا وقع عند أبي داود والبيهقي. (فَإِنَّهَا) أي: الثياب
البيض. (مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ) لدلالتها غالبًا على التواضع وعدم الكبر والعجب
والخيلاء ولكونها أطهر وأطيب.
(وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ) عطف على ((الْبَسُوا)) أي: البسوها في حياتكم وكفنوا فيها
موتاكم. والحديث: يدلّ على استحباب لبس البيض من الثياب وتكفين الموتى
فيها. قال الشوكاني: الأمر في الحديث ليس للوجوب بل للندب، أما في اللباس
فلما ثبت عنه وَّر من لبس غيره، وإلباس جماعة من الصحابة ثيابًا غير بيض،
وتقريره لجماعة منهم على غير لبس البياض. وأما في الكفن فلما ثبت عند أبي
داود، قال الحافظُ بإسناد حسن من حديث جابر مرفوعًا: ((إِذَا تُوُنَّ أَحَدُكُمْ فَوَجَدَ
شَيْئًا، فَلْيُكَفَّنْ فِى ثَوْبٍ حِبَرَةٍ ».
(وَمِنْ خَيْرِ أَكْحَالِكُمُ) بفتحِ الهمزة جمع الكحل. (الِثْمِدُ) بكسرِ الهمزة والميم
بينهما مثلثة وساكنة، وحكي فيه ضم الهمزة، حجر معروف أسود يضرب إلى
(١٦٥٣) أَبُو دَاوُد (٤٠٦١) فِي اللَِّاسِ، وَالتِّرْ مِذِي (٩٩٤)، وَابن مَاجَهْ (١٤٧٢) فِي الجَنَائِ بِاخْتِصَارٍ،
◌ُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

٥٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحمرة يكون في بلاد الحجاز وأجوده يؤتي به من أصبهان. واختلف هل هو اسم
الحجر الذي يتخذ منه الكحل أو هو نفس الكحل؟ ذكره ابنُ سيده، وأشار إليه
الجوهري، كذا في ((الفتح)).
وقال التوربشتي: هو الحجر المعدني. وقيل: هو الكحل الأصفهاني ينشف
الدمعة والقروح ويحفظ صحة العين، ويقوي غصنها لا سيما للشيوخ والصبيان.
(فَإِنَّه يُنْبِتُ) بضم الياء وكسر الباء. (الشَّعَرَ) بفتح العين، ويجوز إسكانها أي: شعر
الهدب، وهو بالفارسية مزه، وهو الذي ينبت على أشفار العين. (وَيَجْلُو الْبَصَرَ)
من الجلاء أي: يحسن النظر ويزيد نور العين، وينظف الباصرة بدفعه المواد
الرديئة النازلة إليها من الرأس. قال القاري: والأفضل عند النوم اتباعًا له وَّل،
ولأنه أشد تأثيرًا وأقوى سريانًا حينئذٍ، انتهى. قلت: لفظ أحمد في رواية: ((خَيْرُ
أَكْحَالِكُمُ الإِثْمَدُ عِنْدَ النَّوْمِ؛ يُنْبِتُ الشَّعَرَ وَيَجْلُو البَصَرَ)).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في اللباس أي: بتمامه، وسكت عنه. (والتِّرْمِذِيُّ) في الجنائز
إلى قوله: ((مَوْتَاكُمْ))، وصححه، ونقل المنذري تصحيحه وأقره. (وَرَوَى
ابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز واللباس إلى: ((مَوْتَاكُمْ)). فيه: أن الترمذي أيضًا رواه إلى
قوله: ((مَوْتَاكُمْ))، فلا وجه لتخصيص المصنف ابن ماجه بكونه رواه مختصرًا، نعم
روى الترمذي في اللباس من طريق آخر عن ابن عباس مرفوعًا: ((اكْتَحِلُوا بِالْإِثْمِدِ
فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ)). قال الترمذي: حديث حسن، وحديث الباب
أخرجه أحمد مطولًا (ج١ ص٢٤٧، ٢٧٤، ٣٢٨، ٣٥٥، ٣٦٣) ومقتصرًا على ذكر
الإثمد (ج١ ص٢٣١) وأخرجه أيضًا البيهقي مطولًا (ج ٣ص ٢٤٥) والحاكم نحو
رواية ابن ماجه (ص٣٥٤) وصحَّحه وأقرَّه الذهبي، ونسبه الحافظ في ((التلخيص))
(ص١٣٨) للشافعي وابن حبان أيضًا، والسيوطي في ((الجامع الصغير)) للطبراني.
وقال الحافظ: صححه ابن القطان، وفي الباب عن سمرة عند الترمذي والنسائي
وابن ماجه والحاكم، وسيأتي في اللباس، وعن عمران بن حصين عند الطبراني،
وعن أنس عند أبي حاتم في ((العلل))، والبزار في ((مسنده))، وعن ابن عمر عند ابن
عدي في ((الكامل))، وعن أبي الدرداء عند ابن ماجه يرفعه: ((أَحْسَنُ مَا زُرْتُمُ اللَّهَ بِهِ
فِي قُبُورِكُمْ وَمَساجِدِكُمُ البَیَاضُ)).

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيتِ وَتَكْفِينِهِ
٥٤٥
BEE
١٦٥٤ - [٦] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَ: ((لَا تَغَالَوْا فِي
[رَواهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الْكَفَنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا».
الْشَرْحُ
١٦٥٤ - قوله: (لَا تَغَالَوا) بفتح التاء واللام أي: لا تتغالوا، فحذفت إحدى
التائين تخفيفًا، وقد يروى بضم التاء واللام من المغالاة، وهو إكثار الثمن أي: لا
تبالغوا ولا تجاوزوا الحد. (فِي الْكَفَنِ) أي: في كثرة قيمته قال ابنُ الأثير
الجزري: أصل الغلاء الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء يقال: غاليت الشيء
وبالشيء وغلوت فيه أغلو: إذا جاوزت فيه الحد، انتهى. ويقال: غالى في الأمر
أي: بالغ فيه، وغالى بالشيء أي: اشتراه بثمن غالٍ .
وفي الحديث: أن الحد الوسط في الكفن هو المستحب المستحسن. (فَإِنَّه)
أي: الكفن. (يُسْلَبُ) على بناء المفعول أي: يبلى. (سَلْبًا سَرِيعًا) أي: بليًّا سَريعًا،
ففي مغالاة الكفن إضاعة المال. قال الطيبي: استعير السلب لبلي الثوب مبالغة في
السرعة، انتهى. وقال المناوي: كأنه قال: لا تشتروا الكفن بثمن غال فإنه يبلى
بسرعة، ووقع في بعض النسخ من أبي داود: ((فإنه يُسْلَبَهُ)) بذكر ضمير المفعول،
وهكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج١١ ص٤١٥) وهو بصيغة المجهول،
قيل: نائب الفاعل ضمير الميت، والضمير المنصوب للكفن، وقيل: الأول للكفن
والثاني للميت أي: أن الكفن يسلب عن الميت.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) من روايه الشعبي عن علي، وأخرجه أيضًا البيهقي (ص٤٠٣)
من طريق أبي داود، وقد سكت عنه أبو داود، ونقل القاري عن مَيْرَك أنه قال: حسنه
النووي والمنذري، قاله ابن الملقن. وقال الحافظ في ((التلخيص)): في إسناده
عمرو بن هاشم أبو مالك الجنبي مختلف فيه، وفيه انقطاع بين الشعبي وعلي؛ لأنه
قال الدار قطني: أنه لم يسمع منه سوى حديث واحد، انتهى. وقال المنذري: في
(١٦٥٤) أَبُو دَاوُد (٣١٥٤) فِيهِ عَنْهُ.

٥٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إسناده عمرو بن هاشم، وفيه مقال. وذكر ابن أبي حاتم، وأبو أحمد الكرابيسي: أن
الشعبي رأى علي بن أبي طالب، وذكر أبوعلي الخطيب أنه سمع منه، وروى عنه
عدة أحاديث، انتهى.
١٦٥٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا
بِشِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي
ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا».
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٦٥٥ - قوله: (جُدُدٍ) بضمتين جمع جديد. (فَلَبِسَهَا) بكسر الباء. (ثُمَّ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ ﴿ يَقُولُ: الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا) قال في
((اللمعات)): ظاهره أن أبا سعيد إنما لبس ثيابًا جددًا امتثالاً لظاهر هذا الحديث بأن
المراد ظاهره، وهو أن البعث يكون في الثياب، واستشكل ذلك بأنه قد ورد في
الحديث الصحيح: ((يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً)). فأجاب بعضهم: بأن البعث غير
الحشر، وكأنه أراد أن البعث هو: إخراج الموتى من القبر، والحشر: نشرهم في
عرصات القيامة، فيحتمل أن يكون البعث في الثياب والحشر عراة، يعني:
يخرجون من القبور بثيابهم ثم تتناثر وتتساقط في المحشر، وهذا الكلام بعيد في
غاية البعد .
وقال المحققون من أهل الحديث: إن الثياب في قوله وَلّ ((الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ
الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا))، كناية عن الأعمال التي يموت عليها، وقد ورد: يُبْعَثُ الْعَبْدُ عَلَى
مَا مَاتَ عَلَيهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحِ أَوْ سَيٍِّ، والعرب تكني بالثياب عن الأعمال لملابسة
• [المدثر: ٤] أي :
٤
الرجل بها ملابسة الثياب، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَثَبَكَ فَطَهِّرْ
أعمالك فأصلح، انتهى. وقال الهروي: ليس قول من ذهب به إلى الأكفان بشيء؛
لأن الإنسان إنما يكفن بعد موته. وقال الحافظ في ((التلخيص)): والقصةُ التي في
(١٦٥٥) أَبُو دَاوُد (٣١١٤) فِيهِ عَنْهُ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيتِ وَتَكْفِينِهِ
٥٤٧
حديث أبي سعيد ترد ذلك أي: تأويل الثياب بالأعمال - وهو أعلم بالمراد ممن
بعده، وحكى الخطابي في الجمع بينهما أي: بين ظاهر حديث أبي سعيد،
وحديث: يحشر الناس حفاة عراة - أنه يبعثُ في ثيابه ثم يحشر عريانًا، والله
أعلم، انتهى.
وقال ابن الديبع الشيباني: هذا - أي: حديث أبي سعيد - مختص بالشهيد،
كما قاله القرطبي، وبه يجمع بينه وبين حديث: ((تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ... ))
الحدیث .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا الحاكم
(ج ١ ص ٣٤٠) والبيهقي (ج٣ ص٣٨٤) وصحَّحه الحاكمُ، ووافقَهُ الذهبي،
وأخرجه ابن حبان بدون القصة .
١٦٥٦ - [٨] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ رَسَولِ اللهِ وَلَ قَالَ: ((خَيْرُ
الْكَفَنِ الْحُلَّةُ، وَخَيْرُ الأُضْحِيَةِ الْكَبْشُ الأَقْرَنُ».
[رواهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِ أُمَامَةَ] {ضعيف}
G O
الْشَّرْحُ
١٦٥٦ - قوله: (خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ) إزار ورداء بضم الحاء المهملة وتشديد
اللام واحدة الحلل، برود اليمن، ولا يطلق إلا على ثوبين من جنسٍ واحد،
والمقصود - والله أعلم - أنه لا ينبغي الاقتصار على الثوب الواحد، والثوبان خير
منه، وإن أريد السنة والكمال فثلاث على ما عليه الجمهور. قال السندي: لعلَّ
المراد أنها من خير الكفن، والمطلوب بيان وفائها في التكفين، انتهى.
والحاصل: أن الحلة وهي ثوبان خير من ثوب واحد، والثلاثة أفضل وأكمل.
وقيل: يحتمل أن يكون المراد أنه ينبغي أن يكون الكفن من برود اليمن، وفيها
خطوط خضر أو حمر. قال المظهرُ: اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن من برود
(١٦٥٦) أَبُو دَاوُد (٣١٥٦)، وَابن مَاجَهْ (٤٧٣/١) فِيهِ عَنْهُ.

٥٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اليمن لهذا الحديث، والأصح: أن البيض أفضل لحديث عائشة، وحديث
ابن عباس المتقدمين. وقال ابنُ الملك: الأكثرون على اختيار البيض، وإنما قال
ذلك في الحلة؛ لأنها كانت يومئذٍ أيسر عليهم، انتهى.
(وَخَيْرُ الأُضْحِيَةِ الْكَبْشُ الأَقْرَنُ) ما له قرنان حسنان معتدلان، والمراد تفضيل
الذكر على الأنثى، أو المراد أن التضحية بالكبش الأقرن أفضل من الاشتراك في
بدنة أو بقرة، لا أنه أفضل من البدنة أو من البقرة كما أخذ به مالك. قال الطيبي:
ولعل فضيلة الكبش الأقرن على غيره لعظم جثته وسمنه في الغالب، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجنائزِ، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج ٤ ص٢٢٨) والبيهقي
(ج ٣ص ٤٠٣) وأخرجه ابن ماجه مقتصرًا منه على ذكر الكفن، والحديث سكت
عنه أبو داود والمنذري، والحافظ في ((التلخيص))، وصححه الحاكم، ووافقه
الذهبي، وفي سنده عندهم حاتم بن أبي نصر القنسريني، ذكره ابن حبان في
الثقات. وقال ابنُ القطان الفاسي: لم يرو عنه غير هشام بن سعد، فهو مجهول،
كذا في ((تهذيب التهذيب)). وقال في ((التقريب)): إنه مجهول، وفي سنده أيضًا
نسي الكندي، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال في ((التقريب)) و((الخلاصة)):
مجهول. (ورَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) في الأضحية. (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) قال الحافظُ :
في إسناده عُفيَر بن معدان، وهو ضعيف، وقال الترمذي: هذا حديث غريب وعُفَير
ابن معدان يضعف في الحديث.
١٦٥٧ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِه بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ
يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يَّدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِم.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
G O
الشَّرْحُ
١٦٥٧ - قوله: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِ بِقَتْلَى أُحُدٍ) بضمتين، وقتلى جمع قتيل،
والباء بمعنى في، أي: أمر أصحابه في حقهم. (أَنْ يُنْزَعَ) بصيغة المجهول. (عَنْهُمُ
(١٦٥٧) أَبُو دَاوُد (٣١٣٤) فِيهِ عَنْهُ، وَأَصْلُهُ لِلْبُخَارِيِّ (١٣٤٣) عَنْ جَابِرٍ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
٥٤٩
الْحَدِيدُ) أي: السلاح والدروع. (وَالْجُلُودُ) مثل الفرو والكساء الغير المطلخ
بالدم. (وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِم) أي: المتلطخة بالدم، قاله القاري. وهذا
ظاهر في أنهم لم يغسلوا، وفي ترك غسل الشهيد أحاديث ذكرها ابن تيمية في
((المنتقى))، والشوكاني في ((النيل)).
والحديث: يدلُّ على مشروعية دفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب، ونزع
الحديد والجلود عنه وكل ما هو آلة للحرب، ويدل عليه أيضًا ما روى أحمد عن
عبد الله بن ثعلبة: أن رسول اللّه ◌َ ل﴿ه قال يوم أحد: ((زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ))، وما روى
أبو داود من حديث جابر رَضَِّهُ قال: رُمِي رجلٌٍ بسهْمٍ في صدْرِهِ أو في حلقِهِ فماتَ،
فأدرج في ثيابه كما هو، ونحنُ مع رسول اللّه ◌َلَّ. وإسناده على شرط مسلم.
قال الشوكاني: قد روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن عليٍّ أنه قال: ينزع من
الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمِنْطَقَةَ والسراويل، إلا أن يكون
أصاب السراويل دم. وفي إسناده أبو خالد الواسطي، والكلام فيه معروف، وقد
روى ذلك أحمد بن عيسى في ((أماليه)) من طريق الحسين بن علوان عن أبي خالد
المذكور عن زيد بن علي، والحسين بن علوان متكلم فيه أيضًا. والظاهر: أن الأمر
بدفن الشهيد بما قُتل فيه من الثياب للوجوب، انتهى.
قلتُ: أبو خالد الواسطي اسمه عمرو بن خالد القرشي مولى بني هاشم متروك
الحديث، كذبه أحمد وابن معين، وأبو داود ووكيع وغيرهم. قال أحمدُ: كذاب
يروي عن زيد بن علي عن آبائه أحاديث موضوعة يكذب. وقال الحاكم: يروي عن
زيد بن علي الموضوعات، ونسبه إلى الوضع إسحاق بن راهويه وأبو زرعة أيضًا،
والحسين بن علوان الكلبي ضَعِيف جِدًّا. قال أبو حاتم والنسائي والدار قطني:
متروك الحديث. وكذبه يحيى والنسائي. وقال صالح جزرة وابنُ حبان: كان يضعُ
الحديث، وقد ظهر بهذا أنَّ أثر علي هذا لا يصلح لاستدلال من استدل به من
الحنفية، كصاحب ((البدائع)) وغيره على نزع الخف والمنطقة والقلنسوة عن
الشهید .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١ ص ٢٤٧) كلهم
من رواية علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال
الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٥٩): في إسنادهِ ضعف؛ لأنه من رواية عطاء بن

٥٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السائب عن سعيد بن جبير، وهو مما حدث به عطاء بعد الاختلاط، انتهى.
قلتُ: قال أحمد: من سمع من عطاء بن السائب قدیمًا فسماعه صحیح، ومن
سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا سفيان وشعبة، وسمع منه حديثًا
جرير وخالد وإسماعيل وعلي بن عاصم، كذا في ((تهذيب التهذيب))
(ج ٧ ص ٢٠٤). وفي الباب أحاديث وقد تقدَّم بعضها، فينجبرُ بها ضعف هذا
الحديث .

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
DESE"
٥٥١
NICE
الفصل الثالث
١٦٥٨ - [١١] عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
عَوْفٍ رَوفْتَهُ أُتِي بِطَعَام وَكَانَ صَائِمًا. فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ
مِنِّي، كُفِّنَ فِى بُرْدَةٍ إِنَّ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاةً بَدَا رَأْسُهُ،
وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَوْ
قَالَ: أُعْطِيْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِيْنَا - وَلَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا،
ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرََكَ الطَّعَامَ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٦٥٨- قوله: (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف
الزهري القرشي، ولي قضاء المدينة، وكان ثقة فاضلاً عابدًا من صغار التابعين.
رأى ابنُ عمر وسمع أباه وغيره، مات سنة (١٢٥)، وقيل بعدها: وهو ابن (٧٢)
سنة .
(عَنْ أَبِيهِ) أي: إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. قال المصنف: أدخل
على عمر رَوَّهُ وهو صغير، سمع أباه وسعد بن أبي وقاص، روى عنه ابنه
والزهري. وقال الحافظ في ((التقريب)): قيل: له رؤية وسماعه من عمر أثبته يعقوب
ابن شيبة، مات سنة (٩٥) وقيل: (٩٦). قال في ((التهذيب)): قال العجلي: تابعي
ثقة، وقال يعقوبُ بن شيبة: كان ثقة، يعد في الطبقة الأولى من التابعين، ولا نعلم
أحدًا من ولد عبد الرحمن روى عن عمر سماعًا غيره، وذكره ابن حبان في ثقات
التابعين .
(أَنَّ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ) الزهري القرشي أحد العشرة المبشرة أسلم قديمًا
ومناقبه شهيرة .
(١٦٥٨) البُخَارِي (١٢٧٥) في الجنائز عنه.

٥٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَتِيَ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي: جيء. (بِطَعَام) أي: للإفطار وكان خبزًا
ولحمًا كما في ((الشمائل)) للترمذي. (وَكَانَ) أي: عبد الَّرحمن يومئذٍ (صَائِمًا) ذكر
ابن عبد البر أن ذلك كان في مرض موته. (قُتِلَ) بضم القاف مبنيًّا للمفعول.
(مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين نائب عن
الفاعل، وعُمير بضم العين مصغرًا القرشي العبدري. قال ابنُ عبد البر: كان
مصعب بن عمير من أجلة الصحابة وفضلائهم، أسلم قديمًا والنبي في دار الأرقم،
وكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، فعلمه عثمان بن طلحة فأعلم أهله، فأوثقوه فلم
يزل محبوسًا إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة فهاجر إلى
المدينة، وشهد بدرًا، ثم شهد أحدًا، ومعه اللواء، فاستشهد، قتله عمرو بن قمئة
الليثي، وهو ابن أربعين سنة وأزيد شيئًا، وكان رسول اللَّه وَ له قد بعث مصعبًا إلى
المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان
يدعى القاري والمقري، وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، وكان في
الجاهلية من أنعم الناس عيشًا وألينهم لباسًا وأحسنهم جمالاً ، وكان أبواه يحبانه،
وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان أعطر أهل مكة يلبس
الحضرمي من النعال، فلما أسلم زهد في الدنيا وتقشف فتخشف جلده
تخشف الحية. ويقال: إن فيه نزلت وفي أصحابه: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ﴾
الآية [الأحزاب: ٢٣] .
(وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه، وإلا فقد صرح العلماء بأن العشرة
المبشرة أفضل من غيرهم. قال الحافظ: ويحتملُ أن يكون ما استقرَّ عليه الأمر من
تفضيل العشرة على غيرهم، بالنظر إلى مَن لم يقتل في زمن النبي ◌ََّ. (كُفِّنَ فِي
بُرْدَةٍ) وفي رواية للبخاري: ((فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بُرْدَهُ))، بالضمير العائد
على مصعب. وفي رواية: ((إلا بردة)). بلفظ واحدة البرود، وفي حديث خباب عند
البخاري: ((قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا نَمِرَةً)) (إِنْ غُطَّيَ) بضم الغِين أي:
ستر. (رَأْسُّهُ) بالرفع أي: بالبردة. (بَدَتْ) أي: ظهرت (رِجْلَاهُ). (وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ
بَدَا رَأْسُهُ) أي: ظهر، وسيأتي في جامع المناقب أنه غطي بها رأسه وجعل على
رجليه الإذخر. (وَأَرَاهُ) بضم الهمزة أي: أظنه. (قَالَ) أي: عبد الرحمن.

٥٥٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيتِ وَتَكْفِينِهِ
(وَقُتِلَ حَمْزَةُ) هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي
أبو عمارة، عم النبي ◌َّله وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب،
ولد قبل النبي وَثّل بسنتين، وقيل بأربع، أسلم قديمًا في السنة الثانية من البعثة،
ولازم نصر رسول اللّه وَ ل وهاجر معه، وقد ذكر ابن إسحاق قصة إسلامه مطولة،
وقيل: كان إسلامه بعد دخول رسول اللّه وَ الإ دار الأرقم في السنة السادسة، فاعتز
الإسلام بإسلامه، وشهد بدرًا وأبلى فيها بلاء حسنًا مشهورًا، واستشهد يوم أحد،
قتلَهُ وحشي بن حرب الحبشي، وقد مُثِّل به وبأصحابه يومئذٍ، وكان ذلك في
النصف من شوال سنة (٣) من الهجرة، فعاش دون الستين، ولقبه النبي
أسد الله، وسماه: سيد الشهداء، روى عنه علي والعباس وزيد بن حارثة.
(وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي) وروى الحاكم في ((مستدركه)) من حديث أنس: أن حمزة كفن
أيضًا كذلك. (ثُمَّ بُسِطَ) بضم الباء أي: وسع وكثر. (لَنَا) أراد نفسه وبقية مياسير
الصحابة. (مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ) أشار إلى ما فتح لهم من الفتوح والغنائم وحصل من
الأموال، وكان لعبد الرحمن بن عوف من ذلك الحظ الوافر. (وَلقَدْ خَشِينَا أَنْ
تَكُونَ حَسَنَاتُنَا) وفي رواية: ((طيباتنا)). (عُجِّلَتْ لَنَا) أي: أعطيت عاجلًا لنا أي: في
حياتنا الدنيا. (ثُمَّ جَعَلَ) عبد الرحمن. (يَبْكِي) قال العيني: كان خوفه وبكاؤه وإن
كان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة مما كان عليه الصحابة من الإشفاق والخوف
من التأخر عن اللحاق بالدرجات العلى. (حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ) أي: في وقت
الإفطار، وفي الحديث دليل على أن الكفن من جميع المال أي: من رأسه لا من
الثلث، وهو قول جمهور العلماء؛ لأنه وَ ل كفن مصعبًا في نمرته، وكذا حمزة في
بردته، ولم يلتفت إلى غريم ولا إلى وصية ولا إلى وارث، وبدأ بالتكفين على ذلك
كله، فعلم أن التكفين مقدم وأنه من رأس المال؛ لأن جميع مالهما كان لكل منهما
بردة، وفيه فضل الزهد، وأن الفاضل في الدين ينبغي له أن يمتنع من التوسع في
الدنيا لئلا تنقص حسناته، وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله: خشينا أن تكون
حسناتنا عجلت .
وفيه: أنه ينبغي ذكر سير الصالحين وتقللهم في الدنيا لتقل رغبته فيها، والبكاء
خوفًا من تأخر اللحاق بالأخيار والإشفاق من ذلك، وفيه إيثار الفقر على الغنى،

٥٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وإيثار التخلي للعبادة على تعاطي الاكتساب، فلذلك امتنع عبد الرحمن من تناول
ذلك الطعام مع أنه كان صائمًا .
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الجنائز والمغازي، وأخرجه البيهقي (ج ٣ص٤٠١) أيضًا
ويظهر من كلام الحافظ في ((الفتح)) أن الحديث عند أحمد أيضًا حيث قال في رواية
أحمد عن غندر عن شعبة: ((وأحسبه لم يأكله))، انتهى. ولم أجده في مسند
عبد الرحمن بن عوف.
١٦٥٩ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللّهِ وَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبِىِّ
بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ،
وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
W O
الْشَّرْجُ
١٦٥٩- قوله: (عَبْدَ اللَّهِ) بالنصب مفعول أتى، أي: جاء قبره. (بْنَ أُبَيِّ)
بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف، ابن سلول هي علم
لأم عبد الله فيكتب الابن بالألف؛ لأنه صفة لعبد الله لا صفة أُبَيِّ، وعبد الله بن
أبيٍّ هذا كان رأس المنافقين، وكان سيد الخزرج في الجاهلية، وهو الذي تولى كبر
الإفك في قصة الصديقة، وهو الذي قال: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، وقال:
﴿لَا تُنْفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾ [المنافقون: ٧]. ورجع يوم أحد بثلث
العسكر إلى المدينة بعد أن خرجوا مع رسول اللّه ◌َالر. قال الواقدي: مرض
عبد الله بن أبيٍّ في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة سنة تسع منصرف
رسول اللَّه وَ له من تبوك، وكان مرضه عشرين ليلة وكان رسول اللّه وَال يعوده
فيها ... إلى آخر ما قال، وجاءه رسولُ اللَّه وَ ل بناء على وصيته أو باستدعاء ولده
المؤمن عبد الله بن عبد الله بن أبيٍّ، وكان اسم ابنه الحباب، فسماه رسول اللَّه ◌َله
بعبد اللَّه كاسم أبيه، وهو من فضلاء الصحابة وخيارهم، شهد المشاهد واستشهد
(١٦٥٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٧٩٥)، ومُسْلِم (٢٧٧٣) عنه .

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
٥٥٥
يوم اليمامة في خلافة أبي بكرٍ، وكان أشد الناس على أبيهِ، ولو أَذِن له رسولُ اللَّه
حَر فِيه لضَرَب عنقَهُ.
(بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ) بضمِّ الحاء المهملة أي: قبره. وفي رواية النسائي: أتى
النبيِ وَلّقبر عبد الله بن أبي وقد وضع في حفرته فوقف عليه. (فَأَخْرِجَ) أي: من
قبره. (فَتَفَثَ فِيهِ) أي: في جلده كما في ((تفسير الثعلبي)). (وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ) إنجازًا
لوعده في تكفينه في قميصه، والحديث صريح في أن إعطاء القميص وإلباسه إياه
كان بعد ما أُدخل ووضع في القبر، وهذا معارض لما في ((الصحيحين)) وغيرهما
من حديث ابن عمر: لما مات عبد الله بن أبي جاء ابنه فقال: يا رسول الله، أعطني
قميصك أُكفنه فيه، فأعطاه قميصه وقال: ((آذِنِّي أُصلِّي عَلَيْهِ)) فآذنه، فلما أراد أن
يصلي عليه جَذَبه عمر ... الحديث.
وقد جُمِعَ بينهما بأن المراد من قوله في حديث ابن عمر ((فَأَعْطَاهُ)) أي: أنعم له
بذلك، فأطلق على الوعد اسم العطية مجازًا لتحقق وقوعها، وكان أهل عبد الله بن
أبيٍّ خشوا على النبي ◌َّر المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول
النبي ◌َّ، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته، فأمر بإخراجه إنجازًا لوعده في
تكفينه في القميص والصلاة عليه.
وقيل: المراد من حديث جابر أن الواقع بعد إخراجه من حفرته، هو النفث،
وأما القميص فقد كان ألبس، والجمع بينهما في الذكر لا يدل على وقوعهما معًا؛
لأن الواو لا تقتضي الترتيب ولا المعية، فلعله أراد أن يذكر ما وقع في الجملة من
إكرامه وَّلوله من غير إرادة الترتيب. وقيل: أعطاه النبي وَله أحد قميصيه أولًا،
ولما دُفن أعطاه الثاني بسؤال ولده عبد الله. وفي ((الإكليل)) للحاكم ما يؤيد ذلك،
كذا في ((الفتح)) وغيره، ولا يخفى أن هذه التوجيهات لا يندفع بها الإيراد بالكلية،
فإن حديث ابن عمر صريح في أنه حضر الصلاة عليه وأعطاه القميص، ورواية ابن
عباس عن عمر عند الترمذي في تفسير سورة التوبة، وقد صرحا أشد صراحة في
ذلك، ففيها دُعِيَ رسول اللّه وَّه للصلاة عليه فقام إليه ... إلى أن قال: ثم صلى
عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه. فإنه صريح في أنه مَّ كان مع الجنازة
إلى أن أتى به القبر.

٥٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وحديث جابر يفيد أنه جاء بعد ذلك وألبسه القميص بعد، نبَّه على ذلك السندي
في ((حاشية النسائي)).
وقال الولي العراقي في ((شرح التقريب)): ويحتملُ الجمع بين الحديثين بصرف
حديث ابن عمر عن ظاهرٍه، إما بأن يكون ولده إنما طلب القميص بعد تكفينه
وإدخاله حفرته، أو طلبه من أول موته لكن تأخر إعطاؤه له حتى أدخل قبره، والفاء
التي في قوله: فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ. لا تنافي هذا؛ لأن زمن تجهيزه زمن يسير لا ينافي
التعقيب .
وفي الحديث: جواز إخراج الميت من قبره لحاجة أو لمصلحة، وأن التكفين
في القميص ليس ممتنعًا سواء كان مكفوف أو غير مكفوف، خلافًا لمن قال: إن
القميص لا يسوغ إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة الأطراف أو كان غير مزرر ليشبه
الرداء، وفي ((الخلافيات)) للبيهقي من طريق ابن عون قال: كان محمد ابن سيرين
يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففًا مزررًا.
(قَالَ) أي: جابر. (وَكَانَ) أي: عبد الله بن أبيٍّ. (كَسَا عَبَّاسًا) عمه،وَلَهِ حين أُسِرَ
ببدر .
(قَمِيصًا) وفي الجهاد عند البخاري عن جابر أيضًا قال: لما كان يوم بدرٍ أُتِيَ
بأسارى، وَأَتِيَ بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي وَّ له قميصًا، فوجدوا
قميص عبد الله بن أبيٍّ يقدر عليه إنما كان كذلك لأنَّ العباس كان بين الطوال
وكذلك كان عبد الله بن أبيٍّ، فكساه النبي نَّ إياه، فلذلك نزع النبي ◌َِّ قميصَهُ
الذي ألبسه.
قال ابن عيينة: كانت له عند النبي ◌َله يد فأحبَّ أن يُكافئه كي لا يكون المنافقٍ
عليه يدٌ لم يكافئه عليها، وقيل: أعطاه قميصه إكرامًا لولده، وكان مسلمًا بريئًا من
النفاقٍ. وقيل: تأليفًا لغيره من قومه رجاء أن يسلموا لما يرونه يتبرك بقميصه وَله.
وقيل: لأنه سألَهُ ذلك وكان لا يرد سائلًا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجنائز والجهاد واللباس، ومسلم في التوبة،
وأخرجه أيضًا النسائي والبيهقي.

٥٥٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
Desc *
٢ فائدة:
المشروعُ في كفنِ المرأة أن يكون خمسة أثواب: إزارًا، ودرعًا، وخمارًا،
ولفافتين؛ لما روى أحمد وأبو داود من حديث ليلى بنت قانف الثقفية قالت: كنت
فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول اللَّه ◌َل عند وفاتها، وكان أول ما أعطانا رسول الله
وَ ثير الحقا، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب
الآخر، قالت: ورسول اللَّه ◌َ ل عند الباب معه كفنها يناولنا ثوبًا ثوبًا.
وروى الخوارزمي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام بن حسان
عن حفصة عن أمِّ عطية أنها قالتْ: وكفَّناها في خمسةِ أثواب، وخمرناها كما نخمر
الحي. قال الحافظُ: وهذه الزيادة صحيحة الإسناد. قال ابنُ المنذرِ: أكثر مَن
نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب كالشعبي والنخعي
والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. قال الشافعي: تكفن في خمسة:
ثلاث لفائف، وإزار وخمار، وفي القديم: قميص ولفافتان. وهو الأصح واختاره
المزني. وقال أحمد: تكفن في قميص، وميزر، ولفافة، ومقنعة. خِمَارٌ وخرقة
خامسة تشد بها فخذاها تحت الإزار. قال ابنُ قدامة: والذي عليه أكثر أصحابنا
وغيرهم أن الأثواب الخمسة: إزار، ودرع، وخمار، ولفافتان، وهو الصحيح
الحديث ليلى بنت قانف، ولما روت أم عطية أن النبي وَجَهَ ناولها إزارًا، ودرعًا،
وخمارًا، وثوبين، انتهى. والمندوب لها عند المالكية سبع: إزار، وقميص،
وخمار، وأربع، لفائف.

٥٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥ - بَابُ الْمَشْي بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
(بَابُ الْمَشْي) أي: آدابه. (بِالْجِنَازَةِ) أي: بالسريرِ الذي عليه الميت.
(وَالصَّلَاةِ) عطفَ على المشي. (عَلَيْهَا) أي: على الجنازة، أي: الميت.
الفصل الأول
١٦٦٠ - [١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَسْرِعُوا
بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَلُكَ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَلُكَ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ
تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَائِكُمْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٦٦٠- قوله: (أَسْرِعُوا) أمر من الإسراع، نقل ابنُ قدامة: أن الأمر
بالإسراع للندب بلا خلاف بين العلماء، وشذَّ ابن حزم فقال بوجوبه، والمراد
بالإسراع: الإسراعُ المتوسط بين الخبب، أي: شدة السعي وبين المشي المعتاد،
بدليل قوله في حديث أبي بكرة عند أحمد والنسائي: وَإِنَّا لَنَكَادُ نَرْمُلُ بِالْجَنَازَةِ
رَمْلًا، ومقاربة الرمل ليس بالسعي الشديد، قاله العراقي.
وأما ما وقع في أبي داود بلفظ: وَنَحْنُ نَرْمُلُ رَمْلًا، فقال العيني: مُراده الإِسِراع
المتوسط، ويدلّ عليه ما روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) من حديث عبد الله بن
عمرو: إن أباه أوصاه قال: إذا أنت حملتني على السرير فامش مشيًّا بين المشيين
... الحديث. قال البيهقي في ((المعرفة)): قال الشافعي: الإسراع بالجنازة هو
فوق سجية المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد. قال الحافظُ: وهو قولُ
(١٦٦٠) البُخَارِي (١٣١٥)، ومُسْلِم (٩٤٤/٥٠) كِتَابِ الجَنَائِزِ عَنْهُ.

كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٥٩
الجمهورِ، والحاصلُ : أنه يستحب الإسراع بها لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف
معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع.
وأما ما روى أحمد (ج ٤ ص٤٠٦) من حديث أبي موسى أنه قال: مرت
برسول اللَّهِ وَ له جنازة تمخض مخض الزق فقال: ((عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ))، فالظاهر: أنه
كان يفرطُ في الإسراع بها، ولعلَّه خشي انفجارها أو خروج شيء منها. (بِالْجِنَازَةِ)
أي: بحملها إلى قبرها. قال السندي: ظاهره الأمر للحملة بالإسراع في المشي،
ويحتمل الأمر بالإسراع في التجهيز وتعجيل الدفن بعد تيقن موته.
وقال النووي: والأولُ هو المتعين لقوله: ((فَشَرِّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ))، ولا يخفى
أنه يمكن تصحيحه على المعنى الثاني بأن يجعل الوضع عن الرقاب كناية عن
التبعيد عنه وترك التلبس به، انتهى. قيل: ويؤيده أن الكل لا يحملونه. قلت:
ويؤيده أيضًا ما روى الطبراني. قال الحافظ: بإسناد حسن من حديث ابن عمر
مرفوعًا: ((إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ))، وما تقدم من حديث
حصين بن وحوح مرفوعًا: ((لَا يَنْبَغِي لِحِيفَةٍ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ)).
(فَإِنْ تَك) أصله فإن تكن حذفت النون للتخفيف، والضمير فيه للجنازة التي هي
عبارة عن الميت (صَالِحَةً) نصب على الخبرية. (فَخَيْرٌ) خبر مبتدأ محذوف أي :
فهي خير أي: الجنازة بمعنى الميت لمقابلته بقوله: فشر، فحينئذٍ لا بد من اعتبار
الاستخدام في ضمير إليه الراجع إلى الخير أو هو مبتدأ خبره محذوف، والتقدير
فلها خير، أو فهناك خير لكن لا تساعده المقابلة، قاله السندي. وقال القاري:
فخير أي: فحالها خير أو فعلها خير. (تُقَدِّمُونَهَا) بالتشديدِ. (إِلَيْهِ) قال القاري:
أي: فإن كان حال ذلك الميت حسنًا طيبًا فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة
الطيبة عن قريب. (وَإِنْ تَلُك) أي: الجنازة. (سِوَى ذَلِكَ) أي: غير صالحة. (فَشَرِّ)
أي: فهو شر. (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) فلا مصلحة لكم في مصاحبتها؛ لأنها بعيدة
من الرحمة، ويؤخذ منه ترك صحبة أهل البطالة وغير الصالحين. وفي الحديث
دليل على ندب المبادرة بتجهيز الميت ودفنه لكن بعد تحقق موته، فإن من
المرضى من يخفى موته ولا يظهر إلا بعد مضي زمان كالمسبوت ونحوه.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي،
وابن ماجه.