النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(تَعْلُقُ) بالتأنيث وفي ((الموطأ)): ((يَعْلَقُ)) أي: بالتذكير، وكذا عند أحمد من
طريق مالك عن الزهري، أي: ترعى وتسرح. (حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ) أي: يرده. (فِي
جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ) أي: يوم القيامة.
(رَوَاهُ مَالِك) في الجنائز، عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك
الأنصاري أنه أخبره: أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول اللَّه وَئية.
قال :... إلخ. (وَالنَّسَائِيُّ) في الجنائز، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص ٤٥٥)
وابنُ ماجه في الزهد، كلهم من طريق مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن
كعب، أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك ... إلخ. قال ابنُ عبد البر: في رواية
مالك هذه بيان سماع الزهري لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك،
وكذلك رواه يونس عن الزهري قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك
یحدث عن أبيه .
وكذلك رواه الأوزاعي عن الزهري، حدثني عبد الرحمن بن كعب. وقد أعلَّ
محمد بن يحيى الذهلي هذا الحديث؛ بأن شعيب بن أبي حمزة ومحمد بن أخي
الزهري وصالح بن كيسان رووه عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن کعب
ابن مالك عن جده كعب، فيكون منقطعًا، وقال: صالح بن كيسان عن ابن شهاب
عن عبد الرحمن: أنه بلغه أن كعب بن مالك كان يحدث ... قال الذهلي: وهذا
المحفوظ عندنا. وخالفه في هذا غيره من الحفاظ فحكموا لمالك والأوزاعي. قال
ابنُ عبد البر: فاتفق مالك ويونس والأوزاعي والحارث بن فضيل على رواية هذا
الحديث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه .
قال ابن عبد البر: ولا وجه عندي لما قاله الذهلي من ذلك ولا دلیل علیه،
واتفاق مالك ويونس والأوزاعي ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب، والنفس إلى
قولهم وروايتهم أسكن، وهم من الحفظ والإتقان بحيث لا يقاس بهم من خالفهم
في هذا الحدیث، انتهى.
قلتُ: ورواية شعيب عند أحمد (ج٣: ص٤٥٦) وفيها تصريح بسماع الزهري
عن عبد الرحمن بن كعب، قال أحمد: حدثنا أبواليمان قال: أنبأنا شعيب عن
الزهري قال: أنا عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن كعب بن مالك الأنصاري كان
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٥٢١
يحدث أن النبي بَّر قال ... إلخ.
والظاهر عندي: أن الزهري سمع هذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن
مالك عن أبيه كعب، كما قال مالك ومن معه، وسمع أيضًا من ابن أخيه
عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جده كعب بن مالك، كما قال
صالح بن كيسان، ودعوى كون هذه الرواية منقطعة مخدوشةٌ. قال الحافظ: وقع
في جهاد ((صحيح البخاري)) تصريحه بالسماع من جده، انتهى.
وبرواية مالك ومن معه يرد ما قال أحمد بن صالح: إنه لم يسمع الزهري من
عبد الرحمن ابن كعب شيئًا، إنما روى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وأما
تأويل رواية مالك ومن وافقَهُ بأن عبد الرحمن المذكور فيها هو عبد الرحمن بن عبد
اللَّه بن كعب بن مالك ونسب في رواية مالك إلى جده فبعيد جدًّا.
١٦٤٨ - [١٩] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَمُوتُ، فَقُلْتُ: اقْرَأْ عَلَّى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ السَّلَامَ.
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]
الْشَّرْجُ
١٦٤٨ - قوله: (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) ثقة فاضل من أوساط التابعين. قال
المؤلِّفُ: من مشاهير التابعين جمع بين العلم والزهد والعبادة، مات سنة ثلاثين
ومائة أو بعدها. (دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن حرام الأنصاري صحابي ابنِ
صحابي غزا تسع عشرة غزوة. (وَهُوَ يَمُوتُ) أي: في سياق الموت ونزعه. (اقْرَأْ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ ليهِ السَّلَامَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز قال في ((الزوائد)): إسناده
صحيح ورجاله ثقات، إلا أنه موقوف، انتهى.
وروى البخاري في تاريخه من طريق أم سلمة بنت معقل عن جدتها خالدة بنت
عبد الله بن أنيس قال: جاءت أم البنين بنت أبي قتادة بعد موت أبيها بنصف شهر
(١٦٤٨) أخرجه ابن مَاجَهْ (١٤٥٠) في الجنائز من طريقه.
٥٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إلى عبد الله بن أنيس وهو مريض، فقالت: يا عم، أقرئ أبي مني السلام. ذكره
الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة عبد الله بن أنيس الجهني، وفي هذا وفي حديث
محمد بن المنكدر وحديث عبد الرحمن بن كعب دليل على جواز إرسال السلام
إلى الأموات، لكنها موقوفة ولم أجد حديثًا مرفوعًا صريحًا صحيحًا أو ضعيفًا يدل
على ذلك.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
٥٢٣
٤ - بَابُ غُسْلِ الْمَيَّتِ وَتَكْفِينِهِ
(بَابُ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ) أي: بيان أحكامهما وآدابهما. واعلم أنه اختلف في
حكم غسل الميت، فذهب الجمهور إلى أنَّه فرض كفاية على الأحياء، واختلفت
المالكية في ذلك، فقال بعضُهم بالوجوب كالجمهور، وذهب بعضهم إلى أنه سُنة
على الكفاية، حكى ذلك الخلاف ابن رشد في ((البداية))، والحافظ في ((الفتح))،
والدسوقي وغيرهم. قال الحافظ: قد نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت
فرض كفاية وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور عند الماليكة حتى أن القرطبي
رجع في ((شرح مسلم)) أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه، وقد رِدَّ ابن العربي
على من لم يقل بذلك، وقد توارد به القول والعمل، وَغُسِّلُ الطَّاهِرُ المُطَهَّرُ،
فكيف بمن سواه، انتهى. واستدلَّ للوجوب بقوله ◌َّله في المحرم: ((اغْسِلُوهُ))،
وبقوله في حديث أم عطية: ((اغْسِلْنَهَا)) كما سيأتي.
قلتُ: غسل الأموات ثابت في هذه الشريعة ثبوتًا قطعيًّا ولم يسمع في أيام النبوة
أنه مات ميت غير شهيد فترك غسله، بل هذه الشريعة في غسل الأموات ثابتة
من لدن أبينا آدم عليه الصلاة والسلام، فقد روى الحاكم في ((المستدرك))
(ج ٢ ص ٥٤٥) من طريق ثابت البناني عن الحسن عن عتي بن ضمرة السعدي، عن
أبي بن كعب، عن النبي ◌َّله قال: ((لَمَّا تُوِفِيَّ آدَمُ غَسَّلَتْهُ المَلائِكَةُ بِالْمَاءِ وِتْرًا
وَأَلْحَدُوا لَهُ، وَقَالُوا هَذِهِ سُنَّهُ آدَمَ فِي وَلَدِهِ)). قال الحاكمُ: هذا حديث صحيح الإسناد
ووافقه الذهبي، وأخرجه عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) (ج٥ ص١٣٦)
مطولًا من طريق حميد عن الحسن عن عتي، عن أبي بن كعب موقوفًا عليه، ورواه
البيهقي (ج ٣ص ٤٠٤) مرفوعًا من طريق خارجة بن مصعب وهو متروك، عن
يونس بن عبيد عن الحسن عن عتي عن أبي وموقوفًا من طريق هشيم عن يونس.
واختلف في أن غسل الميت تعبد أو للنظافة، فالمشهور عند الجمهور أنه غسل
تعبدي، فيشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندوبة. وقال ابن
شعبان وغيره من المالكية: إنه للتنظيف، فيجزئ بالماء المضاف كماء الورد
٥٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ونحوه. وقال محمد بن شجاع البلخي: سبب وجوب الغسل هو الحدث؛ لأن
الموت لا يخلو عن سابقة حدث؛ لوجود استرخاء المفاصل وزوال العقل وهو
القياس في الحي؛ لأن الإنسان لا ينجس لكرامته، وإنما اقتصر في الحي على
الأعضاء للحرج؛ لكثرة تكرر سبب الحدث، فلما لم يلزم سبب الحرج في الميت
عاد الأصل، قال: وليس غسله للتطهير أي: لإزالة نجاسة تحل بالموت، فإن
الآدمي لا ينجس بالموت بتشرب الدم المسفوح في أجزائه كرامة له؛ لأنه لو
تنجَّس لما حكم بطهارته بالغسل، كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت،
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: المسلم لا ينجس حيًّا ولا ميتًا. وقال عامة مشائح
الحنفية: إن غسله للتطهير من النجاسة، قالوا: إن بالموت يتنجس الميت لما فيه
من الدم المسفوح، كما يتنجس سائر الحيوانات التي لها دم مسفوح، إلا أنه إذا
غسل يحكم بطهارته؛ كرامة له، فكانت الكرامة عندهم في الحكم عندهم في
الحكم بالطهارة عند وجود السبب المطهر في الجملة.
والراجحِ عندنا: أن غسله إنما هو للتعبد، وأنه لا ينجس بالموت، كما قال ابن
عباس، والله اعلم.
كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
٥٢٥
الفصل الأول
١٦٤٩ - [١] عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ وَنَحْنُ
نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ
بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ
فَآَذِنَّنِي))، فَلَّمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ، وَقَالَ: ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ)).
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((اغْسِلْنَهَا وِتْرًا: ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا
وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا)). وَقَالَتْ: فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةً قُرُونٍ، فَأَلْقَيْنَاهَا
خَلْفَهَا(*).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الشَّرْحُ
١٦٤٩ - قوله: (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) اسمها نسيبة بنت كعب الأنصارية، وكانت
تغسل الميتات، وقد شهدت غسل ابنة رسول اللّه وَله، وحكت ذلك فأتقنت،
وحديثها أصل في غسل الميت، ومدار حديثها على محمد وحفصة ابني سيرين،
وحفظت منها حفصة ما لم يحفظ محمد بن سيرين. قال ابن المنذر: ليس في
أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أمِّ عطية وعليه عوَّل الأئمة.
(دَخَلَ عَلَيْنَا) أي: معشر النساء. (وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ) لم تقع في شيء من روايات
البخاري ابنته هذه مسماة. والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع والدة
أمامة التي تقدم ذكرها في باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه،
وزينب أكبر بنات النبي وَّر، وكانت وفاتها في أول سنة ثمان، وقد وردت مسماة
في هذا عند مسلم من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أم عطية قالت: لما ماتت
(١٦٤٩) البُخَارِي (١٢٥٤)، ومُسْلِم (٩٣٩/٣٦)، وأبو داود (٣١٤٢)، والترمذي (٩٩٠)، وابن ماجه
(١٤٥٨)، والنَّسَائِي (٢٨/٤) فِي كِتَابِ الجَنَائِزِ عَنْهَا .
(*) البُخَارِي (١٢٥٥)، ومُسْلِم (٩٣٩/٤٢) أَيْضًا فِيهِ عَنْهَا .
٥٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
زينب بنت رسول اللَّهُ وَّ قال رسول اللَّهُ وَلَّهِ: ((اغْسِلْنَهَا ... )) إلخ. وقيل: إنها أم
كلثوم زوج عثمان، كما في ابن ماجه من رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن
عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن محمد بن سيرين عن أمِّ عطية قالت: دخلَ
علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم.
قال الحافظ: هذا الإسناد على شرط الشيخين، وكما وقع في ((المبهمات)) لابن
بشكوال من طريق الأوزاعي عن محمد بن سيرين، عن أمّ عَطية قالت: كنتُ فيمن
غسل أم كلثوم ... الحديث، وكما وقع في ((الذرية الطاهرة)) للدولابي من طريق
أبي الرجال عن عمرة: أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم ابنة النبي وَله.
قال الحافظُ: فيمكنُ ترجيح ذلك لمجيئهِ من طُرق متعددة، وفيه أنه وقعَ في
رواية للبخاري قول ابن سيرين: ((ولا أدري أي بناته))، وهذا يدل على أن تسميتها
في رواية ابن ماجه وابن بشكوال ممن دون ابن سيرين، وأن أيوب لم يسمع
تسميتها من حَفصة بنت سيرين، ولا ينافي هذا تسمية الآخر لها بزينب؛ لأنه علم ما
لم يعلمه أيوب، وقد صرح عاصم في روايته عن حفصة عند مسلم أنها زينب. وأما
رواية الدولابي، فلا يلزم منها أن تكون البنت في حديث الباب أم كلثوم؛ لأن أم
عطية كانت غاسلة الميتات، كما جزم به ابن عبد البر، فيمكن أن تكون حضرت
لهما جمیعًا.
(اغْسِلْنَهَا) أمر لأم عطية ومن معها من النساء. قال ابنُ بزيزة: استدلَّ به على
وجوب غسل الميت. قال ابن دقيق العيد: لكن قوله: ((ثلاثًا)) ليس للوجوب على
المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين
المختلفين بلفظ واحد؛ لأن قوله: ثلاثًا غير مستقل بنفسه، فلابد أن يكون داخلاً
تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل والندب
بالنسبة إلى الإيتار، انتهى. فمن جوز ذلك كالشافعية جوز الاستدلال بهذا الأمر
على الوجوب، ومن لم يجوزه حمل الأمر على الندب لهذه القرينة. واستدل على
الوجوب بدليل آخر كما سبق. (ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا) وفي رواية للنسائي: ((اغْسِلْنَهَا وترًا
ثَلَاثًا أوْ خَمْسًا)) و((أَوْ)) هنا للترتيب لا للتخيير. قال النووي: المراد اغسلنها وترًا
وليكن ثلاثًا، فإن احتجن إلى زيادة فخمسًا.
٥٢٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
وحاصله: أن الايتار مطلوب، والثلاث مستحبة، فإن حصل الإنقاء بها لم يشرع
ما فوقها، إِلَّا زِيدَ وترًا حتى يحصل الإنقاء، والواجب من ذلك مرة واحدة عامة
للبدن، انتهى. وقال ابنُ العربي: في قوله: ((أَوْ خَمْسًا)) إشارة إلى أن المشروع هو
الإِيتار؛ لأنه نقلهن من الثلاث إلى الخمس وسكت عن الأربع. (أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)
أي: من الخمس بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمؤنث، ويدلّ الحديث على أنه لا
تحديد في غسل الميت، بل المطلوب التنظيف، لكن لابد من مراعاة الايتار، فقد
وقع في رواية للشيخين كما سيأتي: (ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا))، وفي رواية لهما
ولأبي داود والنسائي: ((أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)). وهذا ظاهر في شرعية الزيادة
على السبع إن احتيج إلى ذلك.
(إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك) بكسر: الكاف خطابًا لأم عطية، فإنها كانت رئيستهن فخصت
بالخطاب وعممن في قوله: ((رأيتن)). قال الطيبي: رأيت من الرأي أي: إن
احتجتن إلى أكثر من ثلاث أو خمس للإنقاء لا للتشهي فافعلنه. وفيه دليل على
التفويض إلى اجتهاد الغاسل، ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهي. قال ابن
المنذر: إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور وهو الإِيتار. (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) بكسر
السين شجر النبق، والنبق حمله وثمره. والمراد في الحديث ورق السدر، قيل:
الحكمة فيه: أنه يقلع الأوساخ وينقي البشرة وينعمها ويشد العصب.
قال ابن التين: قوله: ((بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)) هو السنة في ذلك، والخِطمي مثله، فإن
عدم فما يقوم مقامه كالأشنان والنطرون. قال الزين: قوله: بماء وسدر متعلق
بقوله: ((اغسلنها))، وظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل وهو
مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير؛ لأن الماء المضاف - أي: الماء
المقيد، وهو الذي خالطه طاهر كالأشنان والصابون والزعفران والباقلاء فغير
إحدى صفاته طعمه أو لونه أو ريحه وبقي رقيقًا كالماء المطلق - لا يتطهر به، أي:
عند الأئمة الثلاثة خلافًا للحنفية .
قال الحافظُ: وقد يمنع كون الماء يصير مضافًا بذلك لاحتمال أن لا يغير السدر
وصف الماء بأن يمعك - أي: يدلك - بالسدر، ثم يغسل بالماء في كل مرة، فإن
لفظ الخبر لا يأبى ذلك. وقال القرطبي: يجعل السدر في ماء ويخضخض إلى أن
٥٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
تخرج رغوته ويدلك به جسده، ثُم يصب عليه الماء القراح فهذه غسله. وقيل :
تطرح ورقات السدر في الماء أي: لئلا يمازج الماء، فيتغير وصفه المطلق. وحكي
عن أحمد أنه أنكر ذلك، وقال: يغسل في كل مرة بالماء والسدر.
قال ابنُ قدامة: هذا المنصوص عن أحمد. قال صالح: قال أبي: الميت يغسل
بماء وسدر ثلاث غسلات. قلتُ: فيبقى عليه، فقال: أي شيء يكون هو أنقى له.
وذكر عن عطاء أن ابن جريج قال له: إنه يبقى عليه السدر إذا غسل به كل مرة، فقال
عطاء: هو طهور. قال ابن قدامة: قول أحمد هذا دال على أن تغيير الماء بالسدر لا
يخرجه عن طهوريته. وقيل: الغسلة الأولى تكون بالماء وحده، وفي الثانية تكون
بماء وسدر؛ لأن الغسل أولًا هو الفرض، فوجب أن يكون بالماء وحده وما بعد
ذلك فإنما هو على وجه التنظيف والتطبيب فلا يضره ما خالطه مما يزيد في تنظيفه.
وقيل: يغسل أولًا بالماء والسدر، ثم بالماء وحده؛ لأن فرض الغسل إنما يجب أن
يكون بعد المبالغة في تنظيفه. وقيل غير ذلك.
ولا يخفى أن هذه التأويلات كلها مخالفة لظاهر قوله: ((اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ
سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)) في حديث أم عطية، وقوله: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ
وَسِدْرٍ)) في حديث ابن عباس الآتي في المحرم، وقوله: ((اغْسِلِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَ
مَرَّاتٍ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ )). في حديث أم سليم عند الطبراني، فالراجح عندنا: هو أنه
يغسل في كل مرة بماء وسدر، بأن یغلى الماء بالسدر ثم يغسل به، وقد روى أبو
داود بإسناد صحيح عن ابن سيرين، أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية يغسل بالسدر
مرتين والثالثة بالماء والكافور. وقال ابن الهمام: الأولى كون الأوليين بالسدر كما
هو ظاهر ((كتاب الهداية)) لما في أبي داود عن ابن سيرين، أنه كان يأخذ الغسل عن
أمِّ عطية يغسل بالسدر مرتين، والثالث بالماء والكافور، وسنده صحيح، انتهى.
(وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ) أي: المرة الآخرة. (كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) هو شك
من الراوي أيُّ اللفظتين قال، والأول محمول على الثاني؛ لأنه نكرة في سياق
الإثبات، فيصدق بكل شيء منه، وجزمَ في رواية للبخاري باللفظ الأول، وظاهره
أنه يجعل الكافور في الماء، ولا يضر الماء تغييره به.
٥٢٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
قيل: الحكمة في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل مَن يحضر من
الملائكة وغيرهم، أنه فيهِ تجفيفًا وتبريدًا وقوَّة نفوذ وخاصية في تصليب بدن
الميت وطرد الهوام عنه، وردع ما يتخلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه،
وهو أقوى الأرابيح الطيبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الغسلة الأخيرة؛ إذ
لو كان في الأولى مثلًا لأذهبه الماء، وإذا عدم الكافور قام غيره مقامه مما فيه هذه
الخواص أو بعضها .
(فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) من غسلها. (آذنني) بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وفتح النون
الأولى المشددة وكسر الثانية من الإيذان، وهو الإعلام، والنون الأول أصلية
ساكنة، والثانية ضمير فاعل، وهي مفتوحة والثالثة للوقاية. (فَلَمَّا فَرَغْنَا) من
غسلها. (آذَنَّهُ) بالمد، أي: أعلمناه بالفراغ. (فَأَلْقَى إِلَيْنَا) وفي رواية: «فَأَعْطَانَا)).
(حَقْوَهُ) بفتح الحاء المهملة، ويجوز كسرها بعدها قاف ساكنة أي: إزارة. والحقو
في الأصل معقد الإزار، فسمى به ما يشد على الحقو؛ توسعًا للمجاورة.
(أَشْعِرْنَهَا) بهمزة القطع أي: زينب ابنته. (إِيَّاهُ) أي: الحقو أي: اجعلنه شعارها.
والشعار والثوب الذي يلي الجسد؛ لأنه يلي شعره، يعني: اجعلنه تحت الأكفان
بحيث يلاقي بشرتها. والمراد: إيصال البركة إليها والحكمة في تأخير الإزار إلى
أن يفرغن من الغسل ولم يناولهن إياه أولًا؛ ليكون قريب العهد من جسده الكريم
حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، وهو أصل في التبرك بآثار
الصالحين واختلف في صفة إشعارها إياه، فقيل: يجعل لها مئزرًا. وقيل: تلف
فيه، وهو الصواب. وفي الحديث: جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. وقد نقل
ابنُ بطال الاتفاق على ذلك.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أي: للشيخين. (اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَانًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا) ظاهرُهُ: أنه لا
يزاد على السبع؛ لأنه نهاية ما ورد في عدد التطهير، لكن وردَ في رواية أخرى
للشيخين وغيرهما الإذن بالزيادة عند الحاجة كما تقدَّم. (ابْدَأَنَ) بجمع المؤنث من
بدأ يبدأ. (بِمَيَامِنِهَا) جمع ميمنة أي: بالأيمن من بدنها من اليد والجنب والرجل
يعني: ابدأن بغسلٍ أعضاء اليمين منها قبل المياسر في الغسل والوضوء. (وَمَوَاضِع
الْوُضُوءِ مِنْهَا) أي: وابدأن بغسلٍ مواضع الوضوء قبل باقي الأعضاء. قال الحافظ:
ليسَ بين الأمرين تنافٍ؛ لإ مكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معًا.
٥٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الزينُ بنُ المنيرِ: ((ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا)) أي: في الغسلاتِ التي لا وضوء فيها،
ومواضع الوضوء منها، أي: في الغسلة المتصلة بالوضوءِ. وفيه: دليلٌ على شرعية
الوضوء للميت. وأصرح منه ما وردَ في حديثٍ أمِّ سُليم عند الطبرانيِّ: (( ... فَإِذَا
فَرَغَتْ مِنْ غَسْلِ سَفِلَتِهَا غَسْلًا نَقِيًّا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فَلْتُوَضِّتْهَا وُضُوءَ الصَّلاةِ، ثُمَّ
اغْسِلِیھَا ... )).
قال العيني: وضوء الميت سنة كما في الاغتسال في حال الحياة غير أنه لا
يمضمض ولا يستنشق؛ لأنهما متعسران لتعذر إخراج الماء من الأنف والفم. قال
ابن قدامة في المغني: يوضئه وضوء الصلاة فيغسلُ كفيه ثم يأخذ خرقة خشنة،
فيبلها ويجعلها على إصبعه فيمسح أسنانه وأنفه حتى ينظفهما، ويكون ذلك في
رفق، ثم يغسل وجهه ويتم وضوءه، قال: ولا يدخل الماء فاه ولا منخريه في قول
أكثر أهل العلم، كذلك قال سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأبو حنيفة. وقال
الشافعي: يمضمض ويستنشق كما يفعل الحي.
(وَقَالَتْ) أم عطية في جملة حديثها. (فَضَفَرْنَا) بالضاد المعجمة وتخفيف الفاء
من الضفر. (شَعَرَهَا) أي: نسجنا شعر رأسها عريضًا. قال العيني: الضفر نسج
الشعر عريضًا، وكذلك التضفير. وقال الطيبي: من الضفيرة وهي النسج، ومنه
ضفر الشعر وإدخال بعضه في بعض. (ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أي: ضفائر، جمع القرن وهو
الخصلة من الشعر. (فَأَلْقَيْنَاهَا) أي: الضفائر. (خَلْفَهَا) أي: وراء ظهرها.
وفي روايةٍ: ((ضفرنا شعرها ناصيتها وقرنيها))، أي: جعلنا ناصيتها ضفيرة
وقرنيها - أي: جانبي رأسها - ضفيرتين. والمرادُ بالقرون في رواية الكتاب
الضفائر والذوائب. ووقع في رواية: ((مشطناها ثلاثة قرون، أي: سرحنا شعرها
بالمشط ثم جعلناه ثلاث ضفائر)). وفيه حجة للشافعي ومن وافقه على استحباب
تسريح شعر الميت، وجعله ثلاث ضفائر، وإلقائها خلف ظهره.
وقال ابن القاسم: لا أعرف الصفر. وقال العيني من الحنفية: يجعل ضفيرتين
على صدرها فوق الدرع. وقال بعضهم: يسدل شعرها بين ثديها من الجانبين جميعًا
تحت الخمار، ولا يسدل شعرها خلف ظهرها، قالوا: ليس في الحديث إشارة من
النبي وَّه إلى هذه الأمور، وإنما المذكور فيه الأخبار عن أم عطية عن فعلهن،
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيتِ وَتَكْفِينِهِ
٥٣١
وليس فيه أن النبي وَّ علم بذلك. وأجيب: بأن الأصل أن لا يفعل بالميت شيء
من القرب إلا بإذن من الشارع محقق. وقال النووي: الظاهر إطلاعه وَئيّ على ذلك
وتقريره له، انتهى. وهو عجيب، ففي (صحيح ابن حبان)): أن النبي وَلَّ أمر
بذلك. ولفظه: ((وَاجْعَلْنَ لَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ)) وترجم عليه ذكر البيان، بأن أم عطية إنما
مشطت قرونها بأمر النبي ◌َّ لا من تلقاء نفسها.
وفي ((السنن)) لسعيد بن منصور: ((اغْسِلْنَهَا وِتْرًا وَاجْعَلْنَ شَعَرَهَا ضَفَائِرَ))، وفي
حديث أم سليم عن النبي ◌َّه: ((وَاضْفِرْنَ شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ قصة وَقَرْنَيْنِ، وَلَا
تُشَبِّهْنَهَا بِالرِّجَالِ)). وقد ظهر بهذا بطلان قول من قال من الحنفية بأن ضفرها
ومشطها وإلقاءها خلف ظهرها من باب الزينة، وهذه ليست بحال الزينة. (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) إلا قولها: ((فألقيناها خلفها))، فإنه للبخاري فقط. والحديث أخرجه أيضًا
أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي
وغيرهم .
١٦٥٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ
أَثْوَابِ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
5 0
الْشَّرْحُ
١٦٥٠ - قوله: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ كُفِّنَ) بصيغة المجهول من التكفين. (فِي
ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ) في ((طبقات ابن سعد)) إزار ورداء ولفافة. وفيه رد على من قال: إن
المشروع في كفن الرجل إلى سبعة ثياب. واستدل لذلك بما روى أحمد
(ج ١ ص٩٤، ١٠٢) والبزار وابن سعد في ((طبقاته)) (ج ٢ ص ٦٧)، وابن عدي في
((الكامل))، وابن حبان في ((الضعفاء)) من حديث علي بن أبي طالب: أن النبي وَّل
كُفِّن في سبعة أثواب.
(١٦٥٠) البُخَارِي (١٢٦٤)، ومُسْلِم (٩٤١/٤٥)، وأبو داود (٣١٥١)، والترمذي (٩٩٦)، وابن ماجه
(١٤٦٩)، والنَّسَائِي (٣٥/٤) فِيهِ عَنْهَا .
٥٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأجيب عنه: بأن في سنده عندهم عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد وهم هو
فيه. قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٥٥): هو سيئ الحفظ لا يصلح حديثه
للاحتجاج إذا خالف الثقات كما هنا، وقد خالف هو رواية نفسه، فإنه روى عن
جابر أنه وَ لَ كفن في ثوب نمرة. قال الحافظ: وروى الحاكم من حديث أيوب عن
نافع عن ابن عمر ما يعضد رواية ابن عقيل عن ابن الحنفية، بمعنى: أنه وَ﴾- كفن
في سبعة .
قلتُ: ويعارضه ما روى ابن ماجه من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن
عمر أنه كفن رسول اللَّه وَّليل في ثلاث رياط بيض سحولية. قال في ((الزوائد)):
إسناده حسن. وقد قال الترمذي: تكفينه في ثلاثة أثواب أصح ما ورد في كفنه.
وقال الحاكم: إنها تواترت الأخبار عن علي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن
مغفل وعائشة في تكفين النبي ◌َّر في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميص ولا
عمامة، ذكره الشوكاني في ((النيل)).
وقال في ((السيل الجرار)): لم يرو في عدد الأكفان شيء يعتمد عليه إلا ما ثبت
في (الصحيحين)) وغيرهما من حديث عائشة، قال: ولم يثبت في تكفينه وَّ ما
يخالف هذا، وكل ما روي في ذلك فهو لا يصلح لمعارضة هذا مع كونه في نفسه
غير صحيح لا يحل العمل به، فضلاً عن أن يعارض ما في ((الصحيحين)) وغيرهما.
وفيه أيضًا: ردٌّ على المالكية حيث أن المرجح عندهم في كفن الرجل خمسة
ثياب: إزار ولفافتان وقميص وعمامة، وعلى الشافعي حيث قال بجواز الخمسة
من غير استحبابٍ، واستدلّ لذلك بما روى سعيد بن منصور أنه كفن ابنه واقدًا في
خمسة أثواب: قميص وعمامة وثلاث لفائف، ولا يخفى أنه فعل صحابي، وقد
خالف فيه ما روى هو وغيره من الصحابة في تكفين النبي وَلِل .
وفيه أيضًا: ردٌّ على من استحسن من المتأخرين من الحنفية زيادة العمامة
للعالم، وقال بأربعة أثواب في كفنه، واحتج بفعل ابن عمر المذكور. ولا يخفى ما
فيه، فالصواب هو عدم الزيادة على الثلاثة. قال ابنُ قدامة: وتكره الزيادة على
ثلاثة أثواب في الكفن لما فيه من إضاعة المال.
(يَمَانِيَةٍ) بالتخفيف، وأصله يمنية بالتشديد نسبة إلى اليمن، لكن قدمت إحدى
اليائين ثم قلبت الفًّا أو حذفت وعوض عنها بألف على خلاف القياس.
٥٣٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غَسْلِ الْمَيتِ وَتَكْفِينِهِ
وقال الشوكاني: يمانية بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة. وحكى
سيبويه والجوهري وغيرهما لغة في تشديدها. ووجه الأول: أن الألف بدل من ياء
النسبة فلا يجتمعان، فيقال يمنية بالتخفيف، وكلاهما نسبة إلى اليمن. (بِيضٍ)
بكسر الباء جمع أبيض، فيستحب الثياب البيض للكفن؛ لأن الله تعالى لم يكِّن
ليختار لنبيه إلا الأفضل. وسيأتي حديث ابن عباس بلفظ: ((وَكَفَّنُوا فِيهَا أي: في
الثياب البيض - مَوْتَاكُمْ)). قال النووي: استحباب التكفين في البياض مجمع عليه.
(سُحُولِيَّةٍ) بضم السين والحاء المهملتين ولام، ويروي بفتح أوله نسبة إلى
سحول قرية باليمن. وقال الأزهري: بالفتحِ المدينة، وبالضم الثياب. وقيل:
النسبة إلى القرية بالضمِّ، وأما بالفتح فنسبة إلى القصار؛ لأنه يسحل الثياب أي:
ينقيها، كذا في ((الفتح)). وقال النووي: بضم السين وفتحها وهو أشهر، وهو رواية
الأكثرين. قال في ((النهاية)) تبعًا للهروي: فالفتح منسوب إلى السحول وهو
القصار؛ لأنه يسحلها أي: يغسلها أو إلى سحول وهي قرية باليمن. وأما الضم فهو
جمع سحل وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شذوذ؛ لأنه
نسب إلى الجمع. وقيل: إن اسم القرية بالضمِّ أيضًا، انتهى. وفي ((الصحاح)):
السحل الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب اليمن، والجمع: سحول وسُحل
مثل سقف، ثم ذكر هذا الحديث، ثم قال: ويقال: سحول موضع باليمن وهي
تنسب إليه.
(مِنْ كُرْسُفٍ) بضم الكاف والسين بينهما راء ساكنة أي: من قطن. ووقع في
رواية للبيهقي: سحولية جُدد. (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) أي: ليس موجودًا
أصلًا، بل هي الثلاثة فقط. فالمقصود: نفي وجودهما جملة. قال النووي: معناه
لم يكفن في قميص ولا عمامة، وإنما كفن في ثلاثة أثواب غيرهما ولم يكن مع
الثلاثة شيء آخر، هكذا فسره الشافعي وجمهور العلماء، وهو الصواب الذي
يقتضيه ظاهر الحديث. وقيل: معناه لم يكن القميص والعمامة من جملة الثلاثة،
بل كانا زائدين على الثلاثة فيكون ذلك خمسة، وهو تفسير مالك. قال العراقي:
وهو خلاف الظاهر. قال السندي: بل يرده حديث أبي بكر في كُمْ كُفِّن رسول الله
وَالسّة ؟ فقالت عائشة: في ثلاثة أثواب، فقال أبو بكر لثوب عليه: كفنوني فيه مع
٥٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثوبين آخرين، وهو حديث صحيح، أخرجه مالك والبخاري وغيرهما . قال بعضُ
الحنفية: سألها أبو بكر وإن تولى تكفينه علي والعباس وابنه الفضل؛ لأنها كانت
في البیت شاهدت ذلك، انتهى.
قلت: ويؤيد التفسير الأول ما رواه ابن سعد في ((طبقاته)) عن عائشة بلفظ: ((ليس
في كفنه قميص ولا عمامة))، والأفضل أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض ليس
فيها قميص ولا عمامة ولا يزيد عليها، وإليه ذهب الجمهور.
قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العمل من أصحاب النبي وَّ وغيرهم
وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، والمستحب عند الحنفية ثلاثة ثياب
كالجمهور، لكن الثلاثة عند الحنفية: إزار من القرن إلى القدم. وقيل: من الحقو
إلى القدم كإزار الحي، وقميص غير مخيط ولا مكفوف ولا مزرر بلا جيب
ودخاريص وكمين من الرقبة إلى القدمين. وقيل: إلى نصف الساق ولفافة، وكان
محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففًا مزررًا.
واستدل الحنفية: على استحباب القميص بما في قصة عبد الله بن أُبَيِّ أن
النبي ◌َّلو أعطى ابنه قميصه ليكفنه فيه. وفيه: أن غاية ما فيه أنه يدل على جواز
التكفين في القميص ولا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في الأفضلية، وفعل ذلك
النبيِ وَّه تكرمة لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي وإجابة لسؤاله حين سأله ذلك
ليتبرك به أبوه. وقيل: إنما فعل ذلك جزاء لعبد الله بن أبي عن كسوته العباس
قميصه يوم بدر، فيكون مختصًّا بهذه القضية، على أن قميصه وَ ليل هذا كان مخيطًا
مكفوف الأطراف ذا الكمين والجيب، والمستحب عند الحنفية هو غير هذا كما
تقدم .
واستدلوا أيضًا: بما روى النسائي والطحاوي والبيهقي (ج ٤ ص ١٥ - ١٦) في
قصة الأعرابي من حديث شداد بن الهاد: أن النبي كفنه في جبته وَّر. وفيه: ما تقدَّم
أنه إنما يدل على الجواز ولا اختلاف فيه، على أنه يخالف الحنفية من جهة أن
المستحب عندهم: إنما هو القميص الغير المخيط بلا كمين، والجبة المذكورة
كانت مخيطة مكفوفة الأطراف ذات كمين.
واستدلوا أيضًا: بما روى عن عبد الله بن مغفل أنه قال: ((إذا أنا متُّ فاجعلوا في
كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
٥٣٥
غسلي كافورًا، وكفنوني في بردين وقميص؛ فإن النبي (وَّ فعل ذلك))، أخرجه
الحاكم (ج٣ص٥٧٨) والطبراني في ((الكبير))، وابن سعد في ((طبقاته))
(ج٢ ص٦٨).
وبما روى البزار وابن عدي في ((الكامل)) عن جابر بن سمرة: ((أن النبي وَلّكفن
في ثلاثة أثواب بيض قميص وإزار ولفافة)).
وبما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي وابن أبي شيبة عن ابن عباس
قال: ((كفن رسول اللّه الله في ثلاثة أثواب نجرانية: الحلة ثوبان وقميصه الذي
توفي فیه)).
وبما روى محمد بن الحسن في كتاب ((الآثار))، وابن سعد في (طبقاته)) عن
إبراهيم ((أن النبي ◌ّ كفن في حلة يمانية وقميص))، وأخرجه ابنُ سعد أيضًا
وعبد الرزاق عن الحسن نحوه.
وبما روى الطبراني في ((الأوسط)) عن أنس: ((أن النبي وَّ كفن في ثلاثة أثواب
أحدها قميص)). قال الهيثمي: إسناده حسن. وبما روى ابن أبي شيبة عن عبد الله
ابن عمرو قال: ((یکفن الميت في ثلاثة أثواب قميص وإزار ولفافة)).
وأجيب: بأن هذه الأحاديث لا تنهض لمعارضة حديث عائشة الثابت في
((الصحيحين)) وغيرهما؛ لأنها كلها مدخولة:
أما حديث ابن مغفل: ففيه صدقة بن موسى. قال الحافظ : صدوق، له أوهام.
قلتُ: وضعَّفه ابن معين وأبو داود والنسائي والدولابي والساجي. وقال أبو أحمد
الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال الترمذي: ليس عندهم بذاك القوي. وقال
البزار: ليس بالحافظ عندهم، وقال في موضع آخر: ليس به بأس .
وأما حديث جابر بن سمرة: فقد تفرَّد به ناصح بن عبد الله المحلمي، وهو منكر
الحديث، قاله البخاري وغيره.
وأما حديث ابن عباس: ففيه يزيد بن أبي زياد وقد تغيَّر، وهذا من ضعيف
حديثه. قال النووي: هذا الحديث ضعيف لا يصحُّ الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن أبي
زياد مجمع على ضعفه، سيما وقد خالف روايته رواية الثقات. وقال السندي: ولا
٥٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يخفى أن التكفين في القميص الذي مات فيه وغسل فيه مستبعد عادة أيضًا لكونه
يبل الأكفان. وقال ابن الهمام: قد ذكروا أنه عليه الصلاة والسلام غسل في قميصه
الذي توفي فيه فكيف يلبسونه الأكفان فوقه وفيه بللها؟! انتهى. على أنه يخالف
الحنفية؛ لأن قميصه الذي توفي فيه كان مخيطًا مكفوف الأطراف ذا الجيب
والدخاريص والكمين؛ لأنه هو المعتاد في قميص الحي. وهذا خلاف الحنفية،
ولذا أوَّل بعضُهُم حديث عائشة بأن المراد فيه نفي القميص المعتاد ذي الكمين
والدخاريص لا نفي القميص مطلقًا، قالوا: لو كفن أحد في قميصه قطع جيبه ولبته
و كماه .
وأما حديث إبراهيم النخعي: فمرسل، وكذا حديث الحسن، المرسل ليس
بحجة على الصحيح خصوصًا في مقابلة الحديث الصحيح.
وأما حديث أنس: ففي كونه حسنًا قابلًا للاحتجاج نظر، فإن صحَّة الإسناد أو
حسنه لا يستلزم صحة الحديث أو حسنه كما تقرَّر في مقرِّه. وحديث أنس هذا وإن
حَسَّن الهيثميُّ إسنادَهُ فهو شاذ؛ لكونه مخالفًا لحديث عائشة الصحيح المخرج في
((الصحيحين)) وغيرهما. على أنه لا يطمئن القلب بتحسين الهيثمي، فإن له أوهامًا
في كتابه، وقد تتبع الحافظ أوهامه فيه فبلغه فعاتبه فترك التتبع.
وأما أثر عبد الله بن عمرو: فهو من قوله ورأيه، وقد خالف به ما اختاره الله
لنبيه وَله .
هذا، وقد تأول بعض الحنفية حديث عائشة بأن معناه ليس فيها قميص أي:
جديد. وقيل: ليس فيها القميص الذي غسل فيها. وقيل: معناه ليس فيها قميص
مخيط مكفوف الأطراف ذو الكمين والدخاريص، فإن قميص الكفن ليس له
دخاريص ولا كمان حتى لو كفن في قميصه قطع جيبه ولبته وكماه، قاله الكبيري
من الحنفية. وحاصل هذا: أن محمل رواية عائشة نفي القميص المخيط مع
الكمين، ومحمل الروايات المتقدمة المثبتة أن الثوب الواحد من الثلاثة كان على
هيئة القميص.
قلتُ: تفسير الشافعي ومن وافقه هو الظاهر، وما عداه تعسف لا يخفى عسفه
على المنصف، وإنما ارتكبه من ارتكبه تمشية للمذهب فلا يلتفت إليه. وأما
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
٥٣٧
الجمع فإنما يصار إليه عند المعارضة والمعادلة، ولا يعادل حديث الصحيحين
أحاديث غيرهما، فالعمل على حديث عائشة هو الأولى.
قال ابن قدامة: هو أصح حديث روي في كفن رسول اللّه وَ ل، وعائشة أقرب
إلى النبي ◌َّ- وأعرف بأحواله، ولهذا لما ذكر لها قول الناس: إن النبي ◌َّل كفن في
برد، قالت: قد أتي بالبرد، ولكنهم لم يكفنوه فيه، فحفظت ما أغفله غيرها،
وقالت أيضًا: أدرج النبي ◌َّ في حلة يمنيه كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه
فرفع عبدِ الله بن أبي بكر الحلة، وقال: أكفن فيها، ثم قال: لم يكفن فيها
رسول اللّه ◌َل وأكفن فيها! فتصدق بها، رواه مسلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد، ومالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي،
وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم.
١٦٥١ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٦٥١ - قوله: (إِذَا كَفَّنَ) بتشديدِ الفاء. (أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) وفي رواية النسائي:
(إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ)) بفتح الواو وكسر اللام المخففة من الولاية، أي: تولى أمر
تجهيزه وتكفينه. (فَلْيُحَسِّنْ) بضم الياء وفتح الحاء وتشديد السين المهملة
المكسورة. وقيل: بإسكان الحاء وتخفيف السين. قال النووي: كلاهما صحيح.
(كَفَنَهُ) قيل بسكون الفاء مصدر أي: تكفينه فيشمل الثوب وهيئته وعمله،
والمعروف الفتح. قال النووي في ((شرح المهذب)): هو الصحيح، والمراد:
بتحسين الكفن بياضه ونظافته ونقاؤه وسبوغه وكثافته، أي: كونه صفيقًا، وستره
وتوسطه، وكونه من جنس لباسه في الحياة لا أفخر منه ولا أحقر، وليس المراد
بإحسانه السرف فيه والمغالاة، أي: كونه غالي الثمن ونفاسته، لحديث علي
الآتي: ((لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب سلبًا سريعًا)).
(١٦٥١) مُسْلِم (٩٤٣/٤٩) فِيهِ عَنْهُ.
٥٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال التوربشتي: معنى الحديث أن يختارَ لأخيه المسلم من الثياب أتمها وأنظفها
وأنصعها لونًّا على ما ورد به السنة، ولم يرد بالتحسين ما يؤثره المبذرون أشرًا ورياء
وسمعة من الثياب الرفيعة، فإن ذلك منهي عنه بأصل الشرع، وهو النهي عن إضاعة
المال، ثم ذكر حديث علي. ثم قال: وفي حديث جابر هذا زيادة مبينة للمعنى
الذي ذكرناه ولم يذكره في ((المصابيح))، وقد ذكر مسلم الحديث بتمامه، وهو أن
النبي ◌َّ خطب يومًا فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل - أي:
غير جيد، يعني: حقير غير كامل - وقُبر ليلاً، فزجر النبي وقال له أن يقبر الرجل ليلاً
حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك. وقال النبي ◌َّ: ((إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ)). (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي
والبيهقي (ج ٣ ص ٤٠٣) والحاكم (ج١ ص٣٦٩) أخرجه الترمذي وابن ماجه من
حديث أبي قتادة.
١٦٥٢ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ نَّه
فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدٍْ
وَكَفَّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
مُلَبِّيًا)).
- وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ خَّبٍ: ((قُتِلَ مُصْعَب بْنِ عُمَيْرٍ فِي بَابِ ((جَامِعٍ
المَنَاقِبِ)) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىّ
الْشَّرْجُ
١٦٥٢ - قوله: (إِنَّ رَجُلًا) قال الحافظ: لم أقف على تسميته. (كَانَ مَعَ النَّبِيِّ
وَلة) أي: بعرفة عند الصخرات راكبًا على ناقته فوقع عنها. (فَوَقَصَتْهُ) بفتح الواو
بعدها قاف ثم صاد مهملة. (نَاقَتُهُ) أي: كسرت عنقه قال في ((النهاية)): الوقص
كسر العنق وقَصْتُ عُنُقَهُ أقِصُها وقْصًا ووقَصَت به راحلته كقولك: خذ الخِطامَ
(١٦٥٢) البُخَارِي (١٢٧٦)، ومُسْلِم (٩٤٠/٤٤)، وأبو داود (٣١٥٥)، والترمذي (٣٨٥٣)، والنَّسَائِي
(٣٨/٤) فِیهِ عَنْهُ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ غُسْلِ الْمَيثِ وَتَكْفِينِهِ
٥٣٩
وبالخطام، ولا يقال: وقصت العنق نفسها، ولكن يقال: وقص الرجل فهو
موقوص، انتهى. قال الكرماني: إن كان الكسر حصل بسبب الوقوع فإسناد
الوقص إلى الناقة مجاز، وإن حصل من الناقة بأن أصابته بعد أن وقع فحقيقة.
(اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فيه: دليلٌ على وجوبٍ غسل الميت. وفيه: إباحة غسل
المحرم الحي بالسدر خلافًا لمن كرهه له، قاله ابن المنذر. (وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ) أي :
إزاره وردائه اللذين لبسهما في الإحرام، وفيه: أن الوتر ليس بشرط في الصحة،
وأنَّ الثلاث في حديث عائشة المتقدم ليست واجبة، وإنما هي مستحبة، وهو قول
الجمهور، وأما الواحد الساتر لجميع البدن فلا بد منه بالاتفاق. وقيل: يحتملُ
اقتصاره له على التكفين في ثوبيه لكونه مات فيهما وهو متلبس بتلك العبادة
الفاضلة. ويحتمل أنه لم يجد غيرهما.
وفيه: أن الكفن من رأس المال؛ لأنه وَلخير أمر به ولم يستفصل هل عليه دين
مستغرق أم لا؟ وفيه: استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأنه لا يكفن في
المخيط .
وفيه: التكفين في الثياب الملبوسة وهو مجمع عليه.
(وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ) بضم المثناة الفوقية وكسر الميم من الإمساس. وقيل: بفتح
التاء والميم من المس. وفي رواية: ((لَا تُحَنِّطُوهُ)). (وَلَا تُخَمِّرُوا) بالتشديد أي: لا
تغطوا ولا تستروا. (رَأْسَهُ) في النهي عن تخمير الرأس دليل على بقاء حكم
الإحرام، وكذا في المنع عن التحنيط. وأصرح من ذلك التعليل بقوله: (فَإِنَّهُ
يُبْعَثُ) أي: يحشر. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) أي: بصفة الملبين بنسكه الذي مات فيه من
الحج قائلًا: لبيك اللهم لبيك. وفي رواية النسائي: ((فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مُحْرِمًا)).
والحديث: دليل لما ذهب إليه الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وعطاء: أن
المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام؛ فلا يغطى رأسه ولا يحنط ويكفن في
ثوبي الإحرام. وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة. قال ابن دقيق العيد: وهو
مقتضى القياس؛ لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف وهو الحياة، لكن اتبع
الشافعي الحديث، وهو مقدم على القياس.