النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثانى
١٦٢٠ - [٩] عَنْ مُعَاذِ بْن جَبَل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ: ((إِنْ شِئْتُمْ
أَنْبَأَتَّكُمْ مَا أَوَّلُ مَا يَقُولُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ لَهُ؟))
قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أَحْيَبْتُمْ لِقَائِي؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا، فَيَقُولُ: لِمَ؟ فَيَقُولُونَ: رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ،
فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ مَغْفِرَتِي)) .
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ] (ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٦٢٠ - قوله: (إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ) أي : أخبرتكم. (مَا) أي: بالذي هو. (أَوَّلُ
مَا يَقُولُ اللَّهُ) وقال القاري: ((ما)) الأولى استفهامية والثانية موصولة. (لِلْمُؤْمِنِينَ)
بلا واسطة أو بواسطة ملك. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ) أي: المؤمنون.
(لَهُ) أي: لله تعالى. (قُلْنَا: نَعَمْ) أخبرنا. (يَا رَسُولَ اللَّهِ) وهذا توطئة للتهيؤ
بالإِصغاء للكلام؛ ليحصل الإدراك على الوجه التام. (هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟) قد تقدم
أن المراد باللقاء المصير إلى دار الآخرة وطلب ما عند الله. (فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا)
استعطاف لمزيد عطائه ورضوانه. (فَيَقُولُ: لِمَ؟) أي: لأي شيء أحببتم لقائي.
(رَجَوْنَا عَقْوَلَ وَمَغْفِرَتَكَ) فيه: أن من حَسَّنَ الظنّ بالله أحَبَّ لقاءُ اللهِ، ولعل حكمة
الاستفهام مع علمه تعالى ببواطنهم إعلام السامعين بسبب محبتهم للقائه على حد
﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. (فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ مَغْفِرَتِي) أي: ثبتت لأن اللّه
تعالی عند ظن عبده به .
(رَوَاهُ) البغوي. (فِي شَرْح السُّنَّةِ وَأَبُو نُعَيْمٍ هو الحافظ الكبير محدِّث العصر
أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الصوفي الأحول، صاحب ((حلية
(١٦٢٠) الطَّبَرَانِيُّ (١٠٤/٢٠) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ.

٤٦١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
الأولياء))، كان من الأعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ الثقات أخذ عن الأفاضل
وأخذوا عنه وانتفعوا به. قال المؤلف: هو من مشائخ الحديث الثقات المعمول
بحديثهم المرجوع إلى قولهم كبير القدر، ولد سنة (٣٣٤) وقيل: (٣٣٦) ومات
في صفر، وقيل: في العشرين من المحرم سنة (٤٣٠) بأصبهان وله من العمر (٩٦)
سنة، وبسط الذهبي ترجمته في ((التذكرة)) (ج ٣ ص٢٩١ - ٢٩٦). (فِي الْحِلْيَةِ)
قال ابن خِلِّكان: هو من أحسن الكتب. وقال السلفي: لم يصنف مثل كتاب ((حلية
الأولياء)). وقال حمزة بن العباس العلوي: كان أصحاب الحديث يقولون: لما
صنف أبو نعيم كتاب ((الحلية)) حمل الكتاب في حياته إلى نيسابور فاشتروه بأربع
مائة دينار، وله تصانيف أخرى مشهورة ككتاب ((معرفة الصحابة))، و((المستخرج
على البخاري))، و((المستخرج على مسلم)) و((دلائل النبوة))، و((فضائل الصحابة)).
وحديث معاذ بن جبل هذا أخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٢٣٨) والطبراني في
((الكبير))، وفيه عبيد الله بن زحر. قال الهيثمي: وهو ضعيف. قلتُ: قال أبو زرعة
الرازي: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وحسَّن الترمذي غير ما حديث له.
١٦٢١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((أَكْثِرُوا
ذِكْرَ هَاذِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٦٢١ - قوله: (أَكْثِرُ وا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) بالذال المعجمة بمعنى قاطعها، أو
بالمهملة من هدم البناء، والمراد الموت وهو هاذم اللذات، إما لأن ذكره يزهد فيها
أو لأنه إذا جاء ما يبقي من لذائذ الدنيا شيئًا. قال مَيْرَك: وصحح الطيبي بالدال
المهملة حيث قال: شبه اللذات الفانية والشهوات العاجلة ثم زوالها ببناءٍ مُرتفع
ينهدم بصدمات هائلة، ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهادم؛ لئلا يستمر على الركون
إليها ويشتغل عما يجب عليه من التزود إلى دار القرار. انتهى كلامه.
(١٦٢١) التِّرْ مِذِي (٢٣٠٧)، وَالنَّسَائِي (٤/٤)، وَابن مَاجَهْ (٤٢٥٨)، كُلُّهُمْ فِي الجَنَائِزِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٤٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لكن قال الأسنوي في ((المهمات)): الهاذم بالذال المعجمة هو القاطع، كما قاله
الجوهري. وهو المراد هنا، وقد صرح السهيلي في ((الروض الأنف)): بأن الرواية
بالذال المعجمة، ذكر ذلك في غزوة أحد في الكلام على قتل وحشي لحمزة. وقال
الجزري: هادم يروى بالدال المهملة أي: دافعها أو مخربها، وبالمعجمة أي:
قاطعها، واختاره بعض من مشائخنا، وهو الذي لم يصحح الخطابي غيره، وجعل
الأول من غلط الرواة، كذا في ((المرقاة)).
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص ١٥٢): ذكر السهيلي في ((الروض)) أنَّ الرواية
فيه بالذال المعجمة، ومعناه القاطع، وأما بالمهملة فمعناه المزيل للشيء، وليس
ذلك مرادًا هنا، وفي هذا النفي نظر لا يخفى انتهى كلام الحافظ.
قال الأمير اليماني: يريدُ: أن المعنى على الدال المهملة صحيح؛ فإن الموت
يزيل اللذات كما يقطعها، ولكن العمدة الرواية، والحديث: دليل على أنه لا
ينبغي للإنسان أن يغفل عن ذكرٍ أعظم المواعظ وهو الموت. (الْمَوْتَ) بالجرِّ
عطف بيان، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف هو ((هو))، وبالنصب على تقدير أعني،
يعني: اذكروه ولا تنسوه؛ لأنه أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة، وهذا تفسير
من بعض الرواة، ففي الترمذي وابن ماجه: ((يعني: الموت)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الزهد وحسنه. (وَالنَّسَائِيُّ) في الجنائز. (وابْنُ مَاجَهْ) في
الزهد، وأخرجه أحمد، وصححه ابن حبان والحاكم (ج٤ ص٣٢١) وابن السكن
وابن طاهر كلهم من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وأعله
الدار قطني بالإرسالِ، كذا في ((التلخيص)) وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الأوسط))
بإسناد حسن والبيهقي في ((شعب الإيمان))، وفي الباب عن أنس وابن عمر وأبي
سعيد ذكرهم المنذري في ((الترغيب)) (ج ٤ ص ٧٠ - ٧١)، والمتقي في ((الكنز))
(ج٨ ص ٧٠ - ٧١).

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
EXX
٤٦٣
BIECE
١٦٢٢ - [١١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ بَ لَ قَالَ ذَاتَ يَوْم
لِأَصْحَابِهِ: ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ يَا نَبِيٍّ
اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ،
فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ
وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرََكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ
اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٦٢٢ - قوله: (ذَاتَ يَوْم) قيل: ذات مقحم. وقيل: صفة لمدة. وقيل: غير
ذلك. (لِأَصْحَابِهِ) ليس هذا الَّلفظ في ((مسند الإمام أحمد)) ولا في ((الترمذي)).
(اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) أي: حياء ثابتًا لازمًا صادقًا، قالِه المناوي. وقيل:
أي اتقوا الله حق تقاته. (قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ) وفي «المسندٍ)):
قال: ((قلنا: يا رسول الله إنا نستحيي))، وفي الترمذي: ((قلنا: يا نبي الله إنا
لنستحيي)). قال القاري: لم يقولوا: حق الحياء؛ اعترافًا بالعجز عنْهُ. (وَالْحَمْدُ
للَّهِ) على توفيقنا به.
(قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ) أي: ليس حق الحياءِ من اللَّه تعالى ما تحسبونه. (فَلْيَحْفَظِ
الرَّأْسَ) أي: عن استعماله في غير طاعة اللَّه؛ بأن لا تسجد لغيره ولا تصلي للرياء
ولا تخضع به لغير اللَّه ولا ترفعه تكبرًا على عباد الله. (وَمَا وَعَى) من الوعي وهو
الحفظ أي: ما جمعه الرأس من اللسان والعين والأذن عما لا يحل. (وَلْيَحْفَظِ
الْبَطْنَ) أي: عن أكل الحرام. (وَمَا حَوَى) أي: ما اتصل اجتماعه به من الفرج
والرجلين واليدين والقلب، فإن هذه الأعضاء متصلة بالجوف، وحفظها بأن لا
تستعملها في المعاصي بل في مرضاةِ اللَّه تعالى.
قال الطيبي: أي: ليس حق الحياء من الله ما تحسبونه، بل أن يحفظ نفسه
بجميع جوارحِهِ، وقوله: عمّا لا يرضاه، فليحفظ رأسه وما وعاه من الحواس
(١٦٢٢) التِّرْ مِذِي (٢٤٥٨) عَنْهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.

٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الظاهرة والباطنة من السمع والبصر واللسانِ حتى لا يستعملها إلا في ما يحلّ،
والبطن وما حوى، أي: لا يجمع فيها إلا الحلال ولا يأكل إلا الطيب، وقوله:
(لَيْسَ ذَلِكَ)) رَدٌّ لحملهم الحياء على ما تعورف مطلقًا لما ضم إليه من التقييد بقوله:
((حَقَّ الْحَيَاءِ)) ولذلك أعادها في الجواب يعني: ((حَقَّ الحَيَاءِ))، أن لا يترك شيئًا منها
وما يتصل بها وما يتفرغ عليها، إلا أن يتحرَّى ويقام به كما قال الله تعالى: ﴿أَتَّقُواْ
اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
قال صاحبُ ((الكشاف)): أي: واجب تقواه وما يحق منها، وهو القيام بالواجب
واجتناب المحارم ونحوه ﴿فَنَقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] يريد: بالغوا بالتقوى حتى
لا تتركوا في المستطاع منها شيئًا، انتهى.
(وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى) بكسر الباء من بَلِيُّ الشيءُ إذا صار خَلِقًّا متفتًا، يعني:
وليذكر صيرورته في القبر عظامًا بالية؛ لأنَّ مَن ذكر هذا هان عليه ما فاته من اللذات
العاجلة، وَأَهَمَّهُ ما يجب عليه من طلب الآجلة. (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا)
فإنهما لا يجتمعان على وجه الكمال حتى للأقوياء، قاله القاري. وقال المناوي:
لأنهما ضَرَّتَان، فمتى أرضيتَ أحديهما أغضبت الأخرى، واللفظ المذكور
لأحمد، ولفظ الترمذي: ((وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ: أَنْ يَحْفَظَ الرَّأْسَ
وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَيَذْكُرِ المَوْتَ والِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنيا
وَأَثَرَ الْآخِرَةَ عَلَى الأُولَى)). (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي: جميع ما ذكر. (فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ
اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ) قال الطيبي: المشار إليه جميع ما سبق، فمن أهمل من ذلك شيئًا
لم يخرج من عهدة الاستحياء، فظهر من هذا أن جبلة الإنسان وخلقته من رأسه إلى
قدمه ظاهره وباطنه معدن العيب ومكان المخازي، وأن اللَّه وجان هو العالم والواقف
على ما ينشأ منها من القبائح، فحق الحياء أن يستحيي منه ويصونها عمَّا يعاب فيها .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١ ص ٣٨٧). (والتِّرْ مِذِيُّ) في الزهد. (وَقَالَ) أي: الترمذي.
(هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) إنما نعرفه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد،
انتھی .
قلتُ: أبان بن إسحاق الأسدي ثقة تكلم فيه الأزدي بلا حجة. وثقه العقيلي،
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) .. وقال ابن معين: ليس به بأس. والصباح بن محمد

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
٤٦٥
البجلي الأحمسي ضعيف، أفرط فيه ابن حبان. وقال العقيلي: في حديثه وهم،
ويرفع الموقوف. وقال الذهبي في ((الميزانٍ)): رفع حديثين هما من قول عبد الله،
يعني: هذا والذي رواه أحمد في «مسنده)) (ج ١ ص ٣٨٧) بلفظِ: ((إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَينَكُمْ
أَخْلاَقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَينَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ ... )) الحديث. وحديث الباب رواه الحاكم في
((المستدرك)) (ج٤ ص٣٢٣) ولكنْ سَمَّى راوية: الصباح بن محارب. قال الشيخ
أحمد شاكر: وهو خطأ عجيب؛ فليس للصباح بن محارب رواية في هذا الحديث
ولا هو من هذه الطبقة، بلٍ هو متأخر عن الصباح بن محمد، ثم الحديثُ حديثُ
الصباح بن محمد دون شك، وأعجب منه أن يوافقه الذهبي على ذكر الصباح بن
محمد وعلى تصحيح الحديث، انتهى.
والحاصل: أن سنده ضعيف، ويؤيده ما روي عن عائشة مرفوعًا بنحوه عند
الطبراني في ((الأوسط))، ذكره المنذري في ((الترغيب)) (ج ٤ ص٧١).
١٦٢٣ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّةٍ :
(«تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ]
G O
الشَّرْجُ
١٦٢٣ - قوله: (وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) بالواوِ. (تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ) لما
كانت الدنيا دَارَ هَمٍّ وبالموت يستريح الشخص من مشقة مجاهدة النفس وغيرها،
وبه يصلُّ المحبوب إلى مُحِبِّهِ، والحياة سجن كان الموت تحفة، وهي اسم لما
يكرم به العبد من النفائس. وقيل: التحفة البر واللطف والطرفة، فالمراد أن
الموت لطف من الله تعالى للمؤمن وبر منه ونعمة هنيئة له يوصله إلى جنته وقربه،
ويذهب عنه مشقة الدنيا وشدتها. وقال الطيبي: اعلم: أنَّ الموت ذريعة إلى
وصول السعادة الكبرى، ووسيلة إلى نَيل الدرجات العلى، وهو أحد الأسباب
الموصلة إلى النعيم المقيم، وهو انتقال من دار إلى دار، فهو وإن كان في الظاهر
(١٦٢٣) البَيْهَقِي (٩٨٨٤) فِي ((الشُّعَبِ))، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.

٤٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فناء واضمحلالًا، ولكنَّه في الحقيقةِ ولادة ثانية، وهو باب من أبواب الجنة منه
يتوصل إليها، ولو لم يكن الموت لم يكن الجنة. وفي ((النهاية)): التحفة طرفة
الفاكهة وقد تُفتح الحاء ثم تستعمل في غير الفاكهة من الألطاف. قال الأزهري:
أصلها وحفة فأبدلت الواو تاء يريد به مَا لَهُ عند اللَّه من الخير الذي لا يصل إليه إلا
بالموت، انتھی.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ... ) إلخ وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الكبير))، وأبو نعيم في
((الحلية))، والحاكم في ((المستدرك)) كما في ((الجامع الصغير))، ونسبه المنذري في
((الترغيب)) والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) إلى الطبراني. قال المنذري: إسناده
جيد. وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وفي الباب عن جابر عند الدار قطني كما في
((الکنز)) (ج٨ص٧٧).
١٦٢٤ - [١٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: «الْمُؤْمِنُ
يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الْشَرْجُ
١٦٢٤ - قوله: (الْمُؤْمِنَ يَمُوتُ بِعَرَقٍ) بفتح العين المهملة والراء. (الْجَبِينِ)
أي: متلبسًا بعرق الجبين، والحديث قد اختلف في معناه:
فقيل: إن عرق الجبين يكون لما يعالج من شدة الموت، فقد تبقى عليه بقية من
الذنوب فيشدد عليه وقت الموت ليخلص منها، أو یکون ذلك لما يشدد علیه عند
الموت لتزيد درجته، والمعنى: أن حالة الموت ونزوع الروح شدید علیه، فهو
صفة لكيفية الموت وشدته على المؤمن.
وقيل: هو من الحياءِ، فإنه إذا جاءته البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب
حصل له بذلك خجل وحياء من الله تعالى فيعرق لذلك جبينه.
(١٦٢٤) التِّرْمِذِي (٩٨٢)، وَالنَّسَائِي (٦٥/٤)، وَابن مَاجَهْ (١٤٥٢) فِي الجَنَائِزِ عَنْ بُرَيْدَةَ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
٤٦٧
وقيل: يحتملُ أن عرق الجبين علامة جعلت لموت المؤمن، وإن لم يعقل
معناه .
وقيل: كناية عن كدِّه في طلب الحلال وتضييقه على النفس بالصوم والصلاة إلى
وقتٍ الموت.
والمعنى: أنه يدركه الموت في حال كونه على هذه الحالة الشديدة التي يعرق
منها الجبين، فهو صفة للحال التي يفاجئه الموت عليها.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) في الجنائزِ، وأخرجه أيضًا أحمدُ
(ج٥ ص٣٥٠، ٣٥٧، ٣٦٠) والحاكم في ((المستدرك)) (ج١ ص٣٦١) وقال: على
شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان. وقال الترمذي: هذا حديث
حسن. وقال بعض أهل الحديث: لا نعرف لقتادة سماعًا من عبد الله بن بريدة،
انتھی .
قلتُ: قتادة بن دعامة السَّدُوسِي حافظ ثقة ثبت، لكنه مدلِّس ولم يصرح هنا
بالتحديث. وقال البخاري: لا نعرف له سماعًا من ابنٍ بريدة، وذكرَهُ الحافظُ في
(تهذيب التهذيب)) (ج ٨ص٣٥٥) وعبد الله بن بريدة من ثقات التابعين، إلا أنه
تُكلِّم في روايته عن أبيه بريدة.
قال البغوي: عن محمد بن علي الجوزجاني عن أحمد، أنه ضعفه فيما يروي عن
أبيه. وقال إبراهيم الحربي: عبد الله أشهر من أخيه سليمان ولم يسمعا من أبيهما،
وفيما روى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة وسليمان أصح حديثًا، انتهى. وله في
البخاري من روايته عن أبيه فرد حدیث ووافقه مسلم على إخراجه.
وفي الباب عن ابن مسعود أخرجه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ورجاله
ثقات ورجال الصحيح، قاله الهيثمي (ج٢ ص ٣٢٠).

٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحَ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٢٥ - [١٤] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ :
((مَوْتُ الْفُجَاءَةِ أَخْذَةُ الْأَسْفِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ البَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ: ((أَخْذَةُ الْأَسْفِ لِلْكَافِرِ، وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنٍ))] {صحيح }
الْشَّرْجُ
١٦٢٥ - قوله: (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ) كذا في جميع النسخ، وهو غلط،
والصواب عبيد بن خالد وهو عبيد بن خالد السلمي البهزي، صحابي مهاجري،
يكنى أبا عبد الله، سكن الكوفة. وروى عنه جماعة من الكوفيين، منهم سعد بن
عبيدة، وتميم بن سلمة، شهد صفين مع علي، وبقي إلى إمرة الحجاج.
(مَوْتُ الْفُجَاءَةِ) بضم الفاء والمد، أو بفتح الفاء وسكون الجيم بلا مد أي:
الموت بغتة. قال الجزري في ((النهاية)): يقال: فَجِئَه الأمرُ، وَفَجَأَهُ فُجَاءَةً بالضمّ
والمدِّ، وَفَاجَأَهُ مُفَاجَأَةً: إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، وقيده بعضهم بفتح الفاء
وسكون الجیم من غیر مد، انتهى.
(أخْذَةُ الْأَسْفِ) هكذا في جميع النسخ. وفي أبي داود: ((أَخَذَةُ أَسَفٍ)) بدون
اللام، وكذا في ((مسند الإمام أحمد)) والبيهقي، وكذا نقله الجزري في ((جامع
الأصول)) (ج ١١ ص٣٩٨) والسيوطي في ((الجامع الصغير))، وعلي المتقي في
((الكنز)). والأسف: روي بفتح المهملة بمعنى السخط والغضب، وبكسرها ككتف
بمعنى الساخط والغضبان. قيل: وهذه الإضافة فيه بمعنى ((مِنْ)) نحو خاتم فضة.
قال الزين: لأن اسم الغضب يقع على الأخذة وقوع اسم الفضة على الخاتم،
يعني: أن موت الفجاءة من آثار غضب الله وسخطه؛ حيث لم يتركه لِأَنْ يستعدَّ
للآخرة بالتوبة والعمل، ولم يمرضه ليكون كفارة لذنوبه، وهذا للكافر ولمن ليس
على طريقة محمودة - أي: الفاسق الغير المتأهب للموت - بدليل الرواية
الأخرى .
(١٦٢٥) أَبُو دَاوُد (٣١١٠) فِي الجَنَائِزِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ... قَوْلَهُ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
*=
3ex
٤٦٩
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
قال التوربشتي: والمعنى أن موت الفجاءة من آثار غضب الرب؛ لأنه أخذ بغتة
فلم يتفرغ لِأَنْ يستعدَّ لِمَعَادِهِ على سنة من درج من عصاة الأولين. قال اللهُ تعالى:
﴿أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] قال: والحديث مخصوص بالكفار للحديث الآخر،
والظاهر: أن موت الفجاءة مما لا يحمد ويستعاذ منه بالله، انتهى.
قلتُ: روى الطبراني في ((الأوسطِ)) عن أبي أمامة قال: كان النبيُّ وَلا يتعوذ من
موت الفجاءة وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت. قال الهيثمي: وفيه عثمان بن
عبد الرحمن القرشي، وهو متروك، وروى أحمد والبزَّار والطبراني في ((الكبير))
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه ◌َ له استعاذ من سبع موتات: ((مَوْتٍ
الفُجَاءَةِ، وَمِنْ لَدْغِ الحَيَّةِ ... )) الحديث. قال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجنائزِ وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣ص٤٢٤) والبيهقي
(ج ٣ ص٣٧٨) واختلف فيه على شعبة عن منصور، فرواه يحيى بن سعيد عن شعبة
مرة مرفوعًا ومرة أخرى موقوفًا من قول عبيد بن خالد، ورواه عنه روح بن عبادة
فرفعه، كما في البيهقي، ورواه محمد بن جعفر عنه فوقفه، كما في ((مسند الإمام
أحمد))، والبيهقي. قال المنذري في ((مختصر السنن)): قد روي هذا الحديث من
حديث عبد الله بن مسعود عِنْدَ البيهقي - واختلف في رفعه ووقفه - وأنس بن مالك
وأبي هريرة وعائشة، حديث عائشة أخرجه أحمد والبيهقي والطبراني في
((الأوسط))، وذكر البيهقي الاختلاف في رفعه ووقفه، وفيه أيضًا عبيد الله بن الوليد
الوصافي. قال الهيثمي: متروك. وفي كل منها مقال.
وقال الأزدي: ولهذا الحديث طرق عن رسول اللَّه ◌َلّ. قال المنذري: وحديث
عبيد هذا رجال إسناده ثقات، والوقف فيه لا يؤثر؛ فإن مثله لا يؤخذ بالرأي،
و کیف وقد أسنده مرة الراوي، انتهى.
(وَزَادَ البَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ أْلِإِيمَانٍ))، وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ) ((التجريد))، وقول
المصنف: زاد ... إلخ. يدل بظاهره على أن الزيادة: ((لِلْكَافِرِ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنٍ))
وقعَ عند البيهقي ورزين في حديث عبيد بن خالد، وفيه نظر ؛ فإنّ الرواية مع الزيادة
المذكورة حديث آخر مستقل مروي عن عائشة. أخرجه أحمد والطبراني في
((الأوسط)) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج ٣ص٣٧٩) وقد تقدم الكلام فيه آنفًا.

٤٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أخْذَةُ الْأَسْفِ) وفي بعضِ النسخ: ((أَخْذَةُ أَسَفٍ))، كما في البيهقي وغيره، وكذا
نقله الجزري في ((جامع الأصول)). (لِلْكَافِرِ) وعند البيهقي وأحمد والطبراني
((الفاجر))، وهو يعم الكافر والفاسق الغير متأهبٍ للموت. (وَرَحْمَةٌ) بالرفع.
(لِلْمُؤْمِنٍ) أي: المتأهب المراقب لَه.
١٦٢٦ - [١٥] وَعَنْ أَنَس قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ونَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي
الْمَوْتِ فَقَالَ: ((كَيْفَ تَجِدَُكَ؟)) قَالَ: أَرْجُو اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنِّي أَخَافٌ
ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ له: ((لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبٍ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا
الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {حسن}
الْشِّرْحُ
١٦٢٦ - قوله: (وَهُوَ فِي الْمَوْتِ) أي: في سكراته. (كَيْفَ تَجِدَُ) قال ابنُ
الملك: أي: كيف تجد قلبك أو نفسك في الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، أراجيًا
رحمة الله أو خائفًا من غضب الله؟ (أَرْجُو اللَّهَ) أي: أجدني أرجو رحمته. (وَإِنِّي)
أي: مع هذا. (أَخَافُ ذُنُوبِي) قال الطيبي: علق الرجاء باللَّه والخوف بالذنب،
وأشار بالفعلية إلى أن الرجاء حدث عند السياق - النَّزْع - وبالاسمية والتأكيد بـ((أن))
إلى أن خوفه كان مستمرًّا محققًا. (لَا يَجْتَمِعَانٍ) أي: الرجاء والخوف. (فِي مِثْلِ
هَذَا الْمَوْطِنِ) أي: في هذا الوقت، وهو زمان سكرات الموت، ومثله كل زمان
يشرف على الموت حقيقة أو حكمًا؛ كوقت المبارزة وزمان القصاص ونحوهما.
فلا يحتاج إلى القول بزيادة المثل.
وقال الطيبي: ((مثل)) زائدة، و((الموطن)) إما مكان أو زمان كمقتل الحسين رضي
الله تعالى عنه. (مَا يَرْجُو) أي: من الرحمة. (وَ آمَنَّهُ مِمَّا يَخَافُ) أي: من العقوبة
(١٦٢٦) التِّرْ مِذِي (٩٨٣)، وَابن مَاجَهْ (٤٢٦١) فِي الزُّهْدِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٩٠١) فِي الْيَوْمِ
وَاللَّيْلَةِ مِنْ رِوَايَةٍ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ التِّرْمِذِي: غَرِيبٌ، وَقَدْ رُوِيَ مُرْسَلًا
عَنْ ثَابِتٍ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنيَّ الْمَوْتِ وَذِكُرهِ
٤٧١
بالعفو والمغفرة .
قال السندي: والحديث يدل على أنه ينبغي وجود الأمرين الرجاء والخوف على
الدوام حتى في ذلك الوقت، أي: وقت الإشراف على الموت، وأنه لا ينبغي أن
يغلب في ذلك الوقت بحيث لا يبقى من الخوف شيء، انتهى.
فالحديث مؤيد لمن قال: لا يهمل عند الإشراف على الموت جانب الخوف
أصلًا بحيث يجزم أنه آمن، وفيه رد على من استحب الاقتصار على الرجاء في ذلك
الوقت. والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الجنائز. (وابْنُ مَاجَهْ) في الزهدِ، وأخرجه أيضًا ابنُ السني
في ((اليوم والليلة)) (ص١٧٢) وابن أبي الدنيا، كلهم من رواية جعفر بن سليمان
الضبعي عن ثابت عن أنس. قال الترمذي: حديث غريب.
وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي ◌َّ مرسلًا، انتهى. وقال
المنذري في ((الترغیب)): إسناده حسن، فإنّ جعفرًا صدوق صالح، احتج به مسلم،
وتكلم فيه الدار قطني وغيره، انتهى.

٤٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الفصل الثالث
١٦٢٧ - [١٦] عَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ: ((لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ
فَإِنَّ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ شَدِيدٌ، وَإِنَّ مِنَّ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمُرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقُهُ اللَّهُ وَشَى
الَّإِنَابَةَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٦٢٧ - قوله: (لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ) بحذف إحدى التاءين.
(فَإِنَّ هَوْلَ الْمُطَّلِعِ) بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام موضع الاطّلاع من
إشراف إلى انحدار، والمراد ما يطلع عليه العبد من أهوال الآخرة في مواقف
القيامة، أو أمور يطلع عليها عقب الموت من أحوال البرزخ. (شَدِيدٌ) أي: لا فائدة
في تمني الموت إلا تمني الشدائد والآلام، وليس هذا من شأن العاقل. (وَإِنَّ مِنَ
السَّعَادَةِ) أي: العظمى. (أَنْ يَطُولَ عُمُرُ الْعَبْدِ) بضم الميم ويسكن. (وَيَرْزُقُهُ اللَّهُ
رَى الإِنَابَةَ) أي: الرجوع والإقبال إليه.
قال في ((النهاية)): المطلع مكان الاطّلاع من موضع عال، يقال: مطلع هذا
الجبل من موضع كذا، أي: مأتاه ومصعده، يريد به ما يشرف عليه من سكرات
الموت وشدائده، فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال.
قال الطيبي: علل النهي عن تمني الموت أولًا بشدة المطلع؛ لأنه إنما يتمناه من
قلة صبر وضجر، فإذا جاءه متمناه يزداد ضجرًا على ضجر فيستحق مزيد سخط،
وثانيًا بحصول السعادة في طول العمر؛ لأن الإنسان إنما خلق لاكتساب السعادة
السرمدية ورأس ماله العمر، وهل رأيت تاجرًا يضيع رأس ماله؟! فإذا بم يربح إذا
ضیعه؟! انتهى .
(١٦٢٧) أَحْمَد (٣/ ٣٣٢) عنه.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
٤٧٣
وقال مَيْرَك: يجوز أن يكون المراد من المطلع زمان اطلاع ملك الموت أو
المنكر والنكير، أو زمان اطلاع الله تعالى بصفة الغضب في القيامة أو زمان
الاطلاع على أمور تترتب على الموت.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٣ص٣٣٢) بإسناد حسن، وأخرجه أيضًا البيهقي وابن منيع
وعبد بن حميد، وعزاه الهيثمي (ج ١٠ ص٢٠٣) لأحمد والبزار، وقال: إسناده
حسن .
١٦٢٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِ فَذَكَّرَنَا
وَرَقَّقَنَا، فَبَكَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ، فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي مُتُّ. فَقَالَ
الَّبِيُّ ◌َهُ: ((يَا سَعْدُ، أَعِنْدِي تَتَمَّنَّى الْمَوْتَ؟)) فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ
قَالَ: ((يَا سَعْدُ، إِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ عُمُرَُ وَحَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ فَهُوَ
خَيْرٌ لَك)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
W O
الْشَّرْجُ
١٦٢٨ - قوله: (جَلَسْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وََّ) أي: متوجهين إليه. (فَذَكَّرَنَا)
بالتشديد من التذكير أي: العواقب أو وعظنا. (وَرَقَّقَنَا) من الترقيق أي: رقق أفئدتنا
بالتذكير، قاله الطيبي .
وقيل: أي: زهدنا في الدنيا ورغبنا في الأخرى.
(يَا لَيْتَنِي مُتُّ) بضمِّ الميم وكسرها أي: في الصغر أو قبل ذلك مطلقًا حتى
أستريح مما اقترفت. (أَعِنْدِي) بهمزةِ الاستفهام للإنكار.
(تَتَمَّنَّى الْمَوْتَ) يعني: لتمنيه بعدي وجه في الجملة، وأما مع وجودي فكيف
يطلب العدم؟ قاله القاري. وقيل: تتمنى الموت وقد نهيت عن تمنيه؛ لما فيه من
النقص من الأجر والدرجات التي تحصل بسبب كثرة العمل وحسنه في طول
العمر.
(١٦٢٨) أَحْمَد (٢٦٧/٥) عنه.

٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
وقيل: المراد: بحضرتي وحياتي تتمنى الموت، وحضورك عندي ومشاهدتك
لجمالي وكمالي خير لك من الموت، وإن حصل لك بعد الموت درجات فكل
ذلك لا يوازي النظر إلى وجهي .
(فَرَدَّدَ) أي: النبي ◌َِّ. (ذَلِكَ) أي: ((يا سعد ... )) إلخ. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) لتأكيد
الإنكار. (إِنْ كُنْتَ) أي: لا وجه لتمني الموت فإنك إن كنت.
(خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ عُمُرُلَكَ) قال الطيبي: ((ما)) مصدرية والوقت مقدر،
ويجوز أن تكون موصولة والمضاف محذوف أي: الزمان الذي طال فيه عمرك.
(وَحَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ) قال الطيبي: ((مِنْ)) زائدة على مذهب الأخفش أو تبعيضية أي:
حسن بعض عملك. (فَهُوَ) أي: ما ذكر من طول العمر وحسن العمل، قال
الطيبي: الفاء داخلة على الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. (خَيْرٌ لَكَ) زاد
الطبراني فيه: ((وَإِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ لِلنَّارِ فَبِئْسَ الشَّيْءُ تَتَعَجَّلُ إِلَيْهِ)).
قال الطيبي: فإن قيل: هو من العشرة المبشرة، فكيف قال: ((وَإِنْ كُنْتَ))؟
أجيب: بأن المقصود التعليل لا الشك، أي: كيف تتمنى الموت عندي وأنا
بشرتك بالجنة، أي: لا تتمن؛ لأنك من أهل الجنة وكلما طال عمرك زادت
درجتك. ونظيره في التعليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن
﴾ [آل عمران: ١٣٩] فقيل له: الشهادة خير لك مما طلبت، وهي إنما
١٣٩
كُتُم مُّؤْمِنِينَ
تحصل بالجهاد، ويعضده ما ورد في المتفق عليه عن سعد أنه قال: أخلف بعد
أصحابي، قال وَّهِ: ((إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ
دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ))، انتهى.
وقيل: يحتمل أن هذا الحديث وقع قبل البشارة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٥ ص٢٦٧) وأخرجه أيضًا الطبراني وابن عساكر، وفيه علي بن
يزيد الألهاني، وهو ضعيف، لكن الحديث يؤيده ما جاء من الأحاديث في طول
عمر المؤمن والنهي عن تمنيه الموت.

٤٧٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
١٦٢٩ - [١٨] عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّاب وقَدٍ
اكْتَوَى سَبْعًا، فَقَالَ: لَوْلَا أَنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَ يَقُولُ: ((لَا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ
الْمَوْتَ)) لَتَمَنَّيْتُهُ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مَا أَمْلِكَ دِرْهَمًّا، وَإِنَّ فِي
جَانِبٍ بَيْتِي الْآَنَ لَأَرْبَعِينَ أَلَّفَ دِرْهَمٍ، قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِكَفَتِهِ فَلَمَّا رَآهُ بَكَى
وَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، إِذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ
قَلَصَتْ عَنْ قَدَمَيْهِ، وإِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ، حَتَّى مُدَّتْ عَلَى
رَأْسِهِ وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتَّْمِذِيُّ إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ أُنَِ بِكَفَنِهِ ... إِلَى أَخِرِهِ] (صحيح}
الْشَّرْجُ
١٦٢٩ - قوله: (وَعَنْ حَارِثَةَ) بالحاء المهملة والثاء المثلثة. (بْنِ مُضَرِّبٍ)
بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة، العبدي الكوفي، ثقة
من كبار التابعين، غلط من نقل عن ابن المديني أنه تركه. (دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ)
بالموحدتين الأولى مثقّلة، ابن الأرت بهمزة وراء مفتوحتين وشدة مثناة فوق،
تميمي سبي في الجاهلية وبيع بمكة، ثُم حالف بني زهرة وأسلم قبل أن يدخل
رسول اللَّه ◌َ لل دار الأرقم. قيل: إنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه،
فعذب عذابًا شديدًا لذلك، ذكر أن عمر بن الخطاب سأله عما لقي في ذات الله،
فكشف عن ظَهرهِ، فقال عمرُ: ما رأيتُ كاليوم، قال خبّاب: لقد أوقدت لي نار
وسحبت عليها فما أطفأها إلا وَدَكُ ظهري. شهد بدرًا والمشاهد كلها وكان قينًا في
الجاهلية يعمل السيوف، ونزل الكوفة، ومات بها سنة (٣٧) منصرف عليٍّ رَوُلَهُ
من صفين، وصلى عليه عليٍّ رَوَّهُ، وقيل: لما رجع عليٍّ من صفين مرَّ على قبرِ
خباب فقال: رَحِم اللَّه خبابًا، أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتلي
في جسمه أحوالًا ولن يضيع الله أجره.
(١٦٢٩) أَحْمَد (١١١/٥) واللفظ له، والتِّرْ مِذِي (٩٧٠) باختصار عن حارثة بن مضرب، عن خباب.

٤٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَقَدِ اكْتَوَى) من الكي، وهو إحراق الجلد بحديدة ونحوها. (سَبْعًا) أي: في
سبع مواضع من بدنه. وفي رواية الترمذي: ((وقد اكتوى في بطنه)). قال الطيبي:
الكي علاج معروف في كثير من الأمراض، وقد ورد النهي عن الكي، فقيل: النهي
لأجلٍ أنهم كانوا يرون أن الشفاء منه، وأما إذا اعتقدَ أنه سبب وإنَّ الشافي هو الله
فلا بأس به، ويجوز أن يكون النهي من قبل التوكل، وهو درجة أخرى غير الجواز،
انتهى. ويؤيده حديث: ((لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)).
(لَا يَتَمَنَّ) بصيغة النهي، وفي رواية أخرى لأحمد: (لَا يَتَمَنَّى)). (أَحَدَكُمُ
الْمَوْتَ) أي: لضر نزل به. (لَتَمَنَّيْتُهُ) أي: لأستريح من شدة المرضِ الذي من شأن
الجبلة البشرية أن تَنْفِرَ منه ولا تصبر عليه. (لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلِ مَا أَمْلِك
دِرْهَمًا) كأكثر الصحابة لأن الفتوحات العظيمة لم تقع إلا بعد؛ ألا ترى أن عبد الله
ابن أبي السرح لما افتتح أفرقية في زمنٍ عُثمان بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف
دينار. (قَالَ) أي: حارثة. (ثُمَّ أَتِيَ) على بناء المفعول. (بِكَفَتِهِ) وكان نفيسًا من
الأقمشة. (فَلَمَّا رَآهُ) أي: ما هو عليه من الحسن والبهاء. (بَكَى) قال الطيبي: كأنه
اضطر إلى تمنى الموت إما من ضر أصابه فاكتوى بسببه أو غنى خاف منه، والظاهر
الثاني؛ ولذا عقبه بالجملة القسمية، وبين فيها تغير حالتيه حالة صحبته مع
رسول اللَّه وَليه وحالته يومئذ، ثم قاس حاله في جودة الكفن على حال عم
رسول اللّهِ وَله من تكفينه. (لَكِنَّ حَمْزَةَ) عم رسول اللَّه ◌َله. (لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا
بُرْدَةٌ) بالرفع على البدلية. (مَلْحَاءُ) بفتح الميم وسكون اللام أي: فيها خطوط بيض
وسود. (إِذَا جُعِلَتْ) أي: البردة. (عَلَى رَأْسِهِ قَلَصَتْ) بفتحتين أي: قصرت
وانكشفت واجتمعت وانضمت. (حَتَّى مُدَّتْ) بضم الميم أي: وضعت ممدودة.
(وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ) حشيشة معروفة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق
الخشب وتجعل في القبور. قال الطيبي: ((لكن)) تستدعى المخالفة بالنفي والإثبات
بين الكلامين لفظًا أو معنى، فأين المخالفة بينهما؟
قلتُ: المعنى: إني تركتُ متابعة أولئك السعادة الكرام وما اقتفيت أثرهم؛
حيث هيأت لكفني مثل هذا الثوب النفيس، لكن حمزة سار بسيرهم فما وجد ما
يواريه حيث جعل على قدميه الإذخر، انتهى.

٤٧٧
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ص١١١ وج ٦ ص ٣٩٥ - ٣٩٦). (والتِّرْمِذِيُّ) في الجنائز.
(إِلَّا أَنَّهُ) أي: الترمذي. (إلَّا أَنَّهُ لَّمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ أَنِيَ بِكَفَنِهِ إِلَى أَخِرِهِ)؛ لحديث حارثة
ابن مضرب ثلاث طرق: الأولى: طريق شريك عن أبي إسحاق عن حارثة عند
أحمد (ج٥ص١٠٩) اقتصر فيها على ذكر النهي عن تمني الموت.
والثانية: طريق شعبة عن أبي إسحاق، وهي عند الترمذي، وكذا عند أحمد
(ج٥ص١١٠).
والثالثة: طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، وهي عند أحمد (ج٦ ص ٣٩٥ - ٣٩٦)
وهي التي ذكر لفظها في ((المشكاة)).

٤٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣ - بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
(بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ) أي: علامته.
الفصل الأول
١٦٣٠، ١٦٣١ - [١ - ٢] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشِّرْجُ
١٦٣٠، ١٦٣١ - قوله: (لَقّنُوا) أي: ذكروا. (مَوْتَاكُمْ) أي: الذين هم
في سياق الموت، سماهم الموتى؛ لأن الموت قد حضر لهم. قال الطيبي: أي:
من قرب منكم الموت، سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا، وعليه يحمل قوله عليه
الصلاة والسلام: ((اقرَؤُوا عَلَى مَوْتاكُمْ یَس))، انتهى. ويدلَّ علیه أن ابن حبان روی
هذا الحديث عن أبي هريرة باللفظ المذكور وزاد: ((فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَوْمًّا مِنَ الدَّهْرِ وَإِنْ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَبْلَ ذَلِكَ))، ذكرَه الحافظ في
(التلخيص)). وقال فيه: وروي من حديث عطاء بن السائب عن أبيه عن جدِّهِ بلفظٍ :
((مَنْ لُقِّنَ عِنْدَ الْمَوْتِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ))، انتهى.
والتلقين أن يذكره عنده ويقوله بحضرته ويتلفظ به عنده حتى يسمع ليتفطن
فيقوله، لا أن يأمره به ويقول: قل: لا إله إلا الله، إلا أن يكون كافرًا فيقول له: قل
كما قال، رسول اللّه ◌َ ل لعمه أبي طالب وللغلام اليهودي.
(١٦٣٠)، (١٦٣١) مُسْلِم (١ / ٩١٦)، وَأَبُو دَاوُد (٣١١٧)، والترمذي (٩٧٦)، وابن مَاجَهْ (١٤٤٥)،
والنَّسَائِي (٥/٤) فِي الجَنَائِزِ عنه .

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
CAEXT
٤٧٩
والمقصود من هذا التلقين: أن يكون آخر كلامه لا إله إلا اللَّه كما في الحديث
الآتي في الفصل الثاني: ((مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، ولذلك
قالوا: إذا قال مرة لا تعاد عليه إلا أن يتكلم بكلام آخر. وفي الترمذيُّ : روي عن
ابن المبارك أنه لما حضرته الوفاة جعل رجل يلقنه لا إله إلا اللّه ويُكثر عليه، فقال له
عبد الله: إذا قلت ذلك مرة فإنا على ذلك ما لم أتكلم بكلام. قال النووي: والأمرُ
بهذا التلقين أمر ندب، وأجمع العلماء على هذا التلقين وكرهوا الإكثار عليه
والموالاة؛ لئلا يضجر بضيق حاله وشدة کربه فیکره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق،
انتهى. وقال القاري: الجمهور على أنه يندب هذا التلقين، وظاهر الحديث يقتضي
وجوبه، وذهب إليه جمع بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه، انتهى. (لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ) قيل: أي: ومحمد رسول الله، فالمراد كلمتا الشهادة. قال الزين بن المنير:
قول: لا إله إلا اللَّه لقب جري على النطق بالشهادتين شرعًا، انتهى.
وقال الدميري: نقل في ((الروضة)) عن الجمهور الاقتصار على لا إله إلا الله،
ونقل جماعة من الأصحاب أنه يضيف إليها: محمد رسول الله؛ لأن المراد ذكر
التوحيد، والمراد موته مسلمًا ولا يسمى مسلمًا إلا بهما، والأول أصح. أما إذا
كان المحتضر كافرًا فينبغي الجزم بتلقين الشهادتين؛ لأنه لا يصير مسلمًا إلا بهما،
كذا في ((السراج المنير)).
قلتُ: كلمة لا إله إلا الله كلمة إسلام وكلمة ذكر؛ فإذا قالها الكافر ليدخل في
الإسلام، فهي كلمة إسلام وكلمة الإسلام هي كلمتا الشهادة جميعًا، وإذا ذكر بها
المسلم فهي ذكر كسائر الأذكار، كما قال ◌َ له: ((أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»،
والظاهر: أن المراد في حديث الباب تلقينها من حيث أنها كلمة ذكر؛ فلا يشترط
قول محمد رسول الله عند المحتضر؛ فإنه ليس بذکر وإن کان رکن الإسلام،
والمراد بـ(موتاكم)) موتى المسلمين، وأما موتى غيرهم فيعرض عليهم الإسلام كما
عرضه التَّل على عمه عند السياق وعلى الغلام الذمي الذي كان يخدمه.
قال في ((المجموع)): يذكر عند المحتضر لا إله إلا الله بلا زيادة عليها، فلا تسن
زيادة محمد رسول اللَّه لظاهر الأخبار، وقيل: تسن زيادته؛ لأن المقصود بذلك
التوحيد، وَرُدَّ بأن هذا موحد، ويؤخذ من هذه العلة ما بحثه الأسنوي: أنه لو كان
كافرًا لقن الشهادتين وأمر بهما، قال القسطلاني.