النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦١٠ - [٧٥] عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِّ قَالَ:
((يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا فِي الَّذِينَ يُتَوَّفَّوْنَ مِنَ
الطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا. وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى
فُرُشِهِمْ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُثْنَا. فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا إِلَى
جِرَاحَتِهِمْ فَإِنْ أَشْبَهَتْ جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ؛ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ، فَإِذَا
جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٦١٠ - قوله: (وَعَنِ الْعِرْبَاضِ) بكسر أوله وسكون الراء بعدها موحدة
وآخِره معجمة. (بْنِ سَارِيَةَ) بسين مهملة وكسر راء وبمثناة تحت. (يَخْتَصِمُ
الشَّهَدَاءُ) أي: الذينَ قتلوا في سبيل الله. (وَالْمُتَوَفَّوْنَ) بتشديد الفاء المفتوحة.
(إِلَى رَبِّنَا) أي: رافعين اختصامهم إلى الله، فهو حال من المعطوف والمعطوف
عليه. (فِي الّذِينَ) متعلقٍ ب(يختصم)). (يُتَوَقَّوْنَ) على بناء المفعول. (مِنَ الطَّاعُونِ)
أي: بسببه. (فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ) بيان الاختصام. (إِخْوَانُنَا) خبر لمبتدأ هو هم أي:
المطعونون إخواننا. (قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا) بيان المشابهة، ولا شك أن مقصود الشهداء
بذلك إلحاق المطعون معهم ورفع درجته إلى درجاتهم. وأما الأموات على الفرش
فلعله ليس مقصودهم أصالة أن لا ترفع درجة المطعونِ إلى درجات الشهداء، فإنّ
ذلك حسد مذموم، وهو منزوع عن القلوب في ذلك الدار، وإنما مرادهم أن ينالوا
درجات الشهداء، كما نال المطعون مع موته على الفراش.
فمعنى قولهم: (إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُثْنَا) أي: فإن نالوا مع ذلك
درجات الشهداء ينبغي أن ننالها أيضًا. وعلى هذا، فينبغي أن يعتبر هذا الخصام
خارج الجنة وإلا فقد جاء فيها: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١]، فينبغي
أن ينال درجة الشهداء من يشتهيها في الجنة، والظاهر أن الله تعالى ينزع من قلب
كل أحد في الجنة اشتهاه درجة من فوقه ويرضيه بدرجته، والله تعالى أعلم، قاله
السندي .
(١٦١٠) أَحْمَد (١٢٩١٢٨/٤)، والنَّسَائِي (٣٧/٦) في الطب عنه.
٤٤١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
(وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ) أي: على فرشهم. (إِخْوَانُنَا) أي: هم أمثالنا. (كَمَا مُتْنَا)
بكسر الميم وضمها. (انْظُرُوا) أي: تأملوا ليتبين لكم الحكم وأبصروا. (إِلَى
جِرَاحَتِهِمْ) بكسر الجيم ويفتح والخطاب للملائكة أو للفريقين المختصمين. وفي
النسائي: ((إِلَى جِرَاحِهِمْ))، وكذا نقله الجزري (ج٣: ص ٣٤١) عن النسائي،
وهكذا وقع في رواية لأحمد، وفي أخرى له: ((إِلَى جِرَاحَاتِ الْمُطْعِنِينَ)).
(فَإِنْ أَشْبَهَتْ جِرَاحُهُمْ) جمع جراحة بالكسرِ. (فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ) أي: مُلحق بهم في
ثوابهم. (وَمَعَهُمْ) أي: في حشرهم ومقامهم. (فَإِذَا) أي: فنظروا فإذا (جِرَاحُهُمْ)
أي: جراح المطعونين. (قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ) أي: جراح المقتولين. زاد في رواية
لأحمد: (فَيَلْحَقُونَ مَعَهُمْ)). واستدلَّ بالحديث على استواء شهيد الطاعون وشهيد
المعركة. ويدلَّ عليه أيضًا ما روى الطبراني في ((الكبير)). وقال الحافظ: أخرجه
أحمد بسند حسن، عن عقبة بن عبد السلمي رفعه: ((يَأْتَي الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ
بِالطَّاعُونِ، فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونَ: نَحْنُ شُهَدَاءُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا، فَإِنْ كَانَ
جِرَاحُهُمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ تَسِيلُ دَمًّا وَرِيحُهَا كَرِيحِ الْمِسْكِ فَهُمْ شُهَدَاءُ، فَيَجِدُونَهُمْ
كَذَلِكَ)).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص١٢٨ - ١٢٩).
(وَالنَّسَائِيُّ) في الجنائز. قال الحافظُ: بسندٍ حسن.
١٦١١ - [٧٦] وَعَنْ جَابِر: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لِهِ قَالَ: ((الْفَارُّ مِنَ
الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
G O
الْشَّرْجُ
١٦١١ - قوله: (الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ) أي: جهاد الكفار،
فكما يحرم الفرار من الزحف يحرم الخروج من بلد وقع فيها الطاعون بقصد
(١٦١١) أَحْمَد (٣/ ٣٥٢) عنه.
٤٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفرار، والزحف في الأصل مصدر أطلق على الجيش العظيم؛ لأنه يُرى لكثرته
كأنه يزحف باسته - أي: دبره - على الأرض.
قال الطيبي: شبه به في ارتكاب الكبيرة والزحف الجيش الدهم الذي لكثرته
كأنه يزحف أي: يدب دبيبًا من زحف الصبي إذا دب على استه قليلاً قليلاً، سمي
بالمصدر. (وَالصَّابِرُ فِيهِ) أي: في الطاعون. (لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ) سواء مات به أو لا،
لما في الثبات من الرضا والوقوف مع المقدور.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) بسند حسن، قاله المنذري.
وقال الهيثمي: رجالُهُ ثقات. وأخرجه أيضًا البزَّار والطبراني في ((الأوسط)) وابن
خزيمة .
قال الحافظ: وسنده صالح للمتابعات، وله شاهد جيد من حديث عائشة مرفوعًا
في أثناءِ حديث ... قلتُ: يا رسول اللَّه، فما الطاعون؟ قال: ((غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْإِبِلِ،
الْمُقِيمُ فِهَا كَالشَّهِيدِ، وَالفَّارُّ مِنْهَا كَالفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ» أخرجه أحمد وابنُ خزيمة.
قال الحافظ: بسند حسن، وأبو يعلى والطبراني في ((الأوسط)). قال الهيثمي:
رجال أحمد ثقات.
كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
٤٤٣
BICE
٢ - بَابُ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
(بَابُ تَمَنِّ الْمَوْتِ) أي: حكم تمنيه. (وَذَكَرُهُ) أي: فضل ذكر الموت.
الفصل الأول
١٦١٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((لَا يَتَمَّنَّى
أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ
يَسْتَغْتِبَ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
W O
الْشَّرْجُ
١٦١٢ - قوله: (لَا يَتَمَنَّى) قال الحافظ: كذا للأكثر بإثبات التحتية وهو لفظ
نفي بمعنى النهى، ووقع في رواية الكشمهيني: ((لَا يَتَمَنَّ)) على لفظِ النهى، أي:
بدون الياء، ووقع في رواية معمر في كتاب التمنى، بلفظ: ((لَا يَتَمَنَّى)) للأكثر،
وبلفظ : (لَا يَتَمَنََّنَّ)) للكشمهيني بزيادة نون التأكيد بعد التحتية، انتهى.
وقال الطيبي: الياء في قوله: (لَا يَتَمَنَّى)) مثبتة في رسمِ الخطِّ في كتب الحديث،
فلعلَّهُ نهي ورد على صيغة الخبر، أو المراد منه: ((لَا يَتَمَنَّ)) فأجري مجرى
الصحيح. وقيل: هو لفظ النهي وأشبعت الفتحة. قيل: والنفي بمعنى النهى أبلغ
وآكد لإفادته أن من شأن المؤمن انتفاء ذلك عنه وعدم وقوعه عنه بالكلية، أو لأنه
قدر أنَّ المنهي حین ورد النهي عليه انتهى عن المنهي عنه، وهو يخبر عن انتهائه ولو
ترك على النهي المحض ما كان أبلغ.
(١٦١٢) البُخَارِي (٥٦٧٣) فِي الطِّبِّ عَنْهُ.
٤٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَحَدُكُمْ) الخطابُ للصحابةِ والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عمومًا.
(الْمَوْتَ) قال التوربشتي: النهي عن تمنى الموت وإن أطلق في هذا الحديث،
فالمراد منه المقيد، كما في حديث أنس الآتي، فعلى هذه يكره تمني الموت من
ضر أصابه في نفسه أو ماله؛ لأنه في معنى التبرم عن قضاء الله في أمر يضره في
دنياه وينفعه في آخرته، ولا يكره للخوف في دينه من فساد. (إِمَّا مُحْسِنًا) قال ابنُ
الملك: بكسر الهمزة أصله ((إنَّ مَا)) فأدغمت، و((مَا)) زائدة عوضًا عن الفعل
المحذوف أي: إن كان محسنًا. وقال المالكي: تقديره إما أن يكون محسنًا، وإما
أن يكون مسيئًا، فحذف يكون مع اسمها مرتين وأبقى الخبر وأكثر ذلك إنما يكون
بعد إن، ولو قال زين العرب كقوله: الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن
شرًّا فشر.
وقال السندي: إما بكسر الهمزة بتقدير يكون أي: لا يخلو التمنى إما يكون
محسنًا فليس له أن يتمنى؛ فإنه لعلّه يزداد خيرًا بالحياة، وإما مسيئًا فكذلك ليس له
أن يتمنى؛ فإنه لعله أن يستعتب، أي: يرجع عن الإساءة ويطلب رضاء الله تعالى
بالتوبة. وجملة: ((إِمَّا مُحْسِنًا .. )) إلخ، بمنزلة التعليل للنهي، ويمكن أن يكون إما
بفتح الهمزة، والتقدير: إما إن كان محسنًا فليس له التمني؛ لأنه لعله يزداد بالحياة
خيرًا، فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٢٨٨ والله تعالى أعلم،
انتھی .
(فَلَعَلَّهُ) جواب إن الشرطية. (أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا) أي: من فعل الخير. (وَإِمَّا مُسِيئًا
فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) أي: يرجع عن موجب العتب عليه. وقيل: أي: يطلب العتبى
وهو الرضا أي: يطلب رضا الله تعالى بالتوبة ورد المظالم وتدارك الفائت. وقال
الحافظ: يستعتب أي: يسترضي الله بالإقلاع والاستغفار، والاستعتاب: طلب
الإعتاب. والهمزة للإزالة أي: يطلب إزالة العتاب عاتبه لامه وأعتبه أزال عتابه.
قال الكرماني: وهو مما جاء على غير القياس؛ إذ الاستفعال إنما ينبني من الثلاثي
لا من المزيد. قال ابن الملك: لعل هنا بمعنى عسى.
وقال القسطلاني: لعل في الموضعين للرجاء المجرد من التعليل، وأكثر مجيئها
في الرجاء إذا كان معه تعليل نحو: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]
انتهى. قال الحافظُ: وفيه إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء
٤٤٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
B
به: هو انقطاع العمل بالموت؛ فإن الحياة يتسبب منها العمل وبالعمل يحصل
زيادة الثواب، ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد فهو أفضل الأعمال، ولا يرد على
هذا أنه يجوز أن يقع الارتداد عن الإيمان؛ لأن ذلك نادر والإيمان بعد أن تخالط
بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وعلى تقدير وقوع ذلك وقد وقع لكن نادرًا، فمن
سبق له في علم الله خاتمة السوء فلا بد من وقوعها، طال عمره أو قصر، فتعجيله
لطلبٍ الموت لا خیر له فیهِ، انتھی.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في المرضى وفي التمني. وأخرجه أيضًا أحمد في مواضع.
والنسائي في الجنائز. والدارمي والبيهقي (ج ٣: ص ٣٧٧).
١٦١٣ - [٢] عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّةِ: ((لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ
الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ أَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ
الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ إِلَّا خَيْرًا).
[رَوَاهُ مُشْلِمْ] {صحيح}
W O
الشَّرْحُ
١٦١٣ - قوله: (لَا يَتَمَنَّى) وفي مسلم: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ)) بزيادة نون التأكيد،
وهكذا في ((جامع الأصول)) (ج٣: ص١٠٨). (أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ) أي: بقلبه. (وَلَا
يَدْعُ) أي: بلسانه. (بِهِ) أي: بالموت. وقال الحافظ: الدعاء بالموت أخص من
تمني الموت، وكل دعاء تمني من غير عكس. قال ابنُ الملك: قوله: ((لا يدع»
بحذف الواو على أنه نهي. قال الزين: وجه صحة عطفه على النفي من حيث إنه
بمعنى النهي. وقال ابن حجر: فيه إيماء إلى أن الأول نهي على بابه، ويكون قد
جمع بين لغتي حذف حرف العلة وإثباته.
(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ) قال الحافظ: وهو قيد في الصورتين، ومفهومه أنه إذا حل به
لا يمنع من تمنيه رضًا بلقاء الله ولا من طلبه من اللَّه لذلك، وهو كذلك ولهذه
النكتة عقب البخاري حديث أبي هريرة بحديث عائشة: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي
(١٦١٣) مُسْلِم (١٣ / ٢٦٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الدُّعَاءِ.
٤٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى)) إشارة إلى أن النهي مختص بالحالة التي قبل نزول
الموت، فلله دره ما كان استحضاره وإيثاره الأخفى على الأجلى تشحيذًا للأذهان.
(إِنَّهُ) بكسر الهمزة والضمير للشأن، وهو استئناف فيه معنى التعليل. (إِذَا مَاتَ)
أي: أحدكم. (انْقَطَعَ أمَلُهُ) أي: رجاؤه من زيادة الخير.
قال الطيبي: بالهمزة في الحميدي و((جامع الأصول))، وفي ((شرح السنة))
بالعین، انتهى.
قلت: وكذا وقع في النسخ الموجودة عندنا لـ(صحيح مسلم)) ((عمله)) أي:
بالعين المهملة، وكذا ذكره المنذري في ((الترغيب))، وكذا وقع في ((جامع
الأصول)) (ج ٣: ص١٠٨) وقال النووي: هكذا هو في بعض النسخ ((عمله))، وفي
كثير منها ((أمله))، وكلاهما صحيح لكن الأول أجود وهو المكرر في الأحاديث.
(وَإِنَّهُ) أي: الشأن. (لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ) بضم الميم ويسكن أي: طول
عمره. (إِلَّا خَيْرًا) لصبره على البلاء وشكره على النعماء، ورضاه بالقضاء، وامتثاله
أمر المولى. قال الحافظ: واستشكل بأنه قد يعمل السيئات فيزيد عمره شرًّا
وأجيب بأجوبة:
أحدها: حمل المؤمن على الكامل، وفيه بعد.
والثاني: أن المؤمن بصدد أن يعملَ ما يكفر ذنوبه، إما من اجتناب الكبائر،
وإما مَن فعل حسنات أخر قد تقاوم بتضعيفها سيئاته، ومادام الإيمان باق
فالحسنات بصدد التضعيف والسيئات بصدد التكفير.
والثالث: يقيد ما أطلق في هذه الرواية بما وقع في الرواية المتقدمة من
الترجي، حيث جاء بقوله: ((لعله))، والترجي مشعر بالوقوع غالبًا لا جزمًا، فخرج
الخبر مخرج تحسين الظن بالله، وأن المحسن يرجو من اللَّه الزيادة بأن يوفقه
للزيادة من عمله الصالح، وأن المسيء لا ينبغي له القنوط من رحمة الله، ولا قطع
رجائه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في ((الدعوات))، وأخرجه أيضًا أحمد.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
٤٤٧
BXXDE
١٦١٤ - [٣] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((لَا يَتَمَثَّيَنَّ
أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَقَنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي)).
الْشَرْحُ
١٦١٤ - قوله: (لَا يَتَمَنََّنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ) بضم الضاد وتفتح أي:
من أجل ضرر مالي أو بدني. (أَصَابَهُ) فإنه يدل على الجزع في البلاء وعدم الرضا
بالقضاء. قال الحافظ: قوله: ((مِنْ ضُرِّ أَصَابَهُ)) حمله جماعة من السلف على الضر
الدنيوي، فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي،
ويمكن أن يؤخذ من رواية ابن حبان: ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ فِي
الدُّنْيَا)) على ((أنَّ) في هذا الحديث سببية، أي: بسبب أمر من الدنيا، وقد فعل ذلك
عمر بن الخطاب كما في ((الموطأ)): اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت
رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. وعند أبي داود من حديث معاذ
مرفوعًا: ((فَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْم ◌ِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ)) .
(فَإِنْ كَانَ) أي: أحدكم. (لَا بُدَّ فَاعِلًا) ما ذكر من تمني الموت، ففي رواية
للبخاري، فإن كان لا بد متمنيًا للموت. (فَلْيَقُلْ ... ) إلخ أي: فلا يَتَمَنَّ صريحًا بل
يعدل عنه إلى التعليق بوجود الخير فيه. قال الحافظ: هذا يدل على أن النهي عن
تمني الموت مقيد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة؛ لأنَّ في التمني المطلق نوع
اعتراض ومراغمة للقدر المختوم، وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض
وتسليم للقضاء، وقوله: ((فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ ... )) إلخ. فيه: ما يصرف عن حقيقته من
الوجوب والاستحباب، ويدل على أنه لمطلق الإذن؛ لأن الأمر بعد الحظر لا يبقى
على حقيقته .
(اللَّهُمَّ أَحْيِنِي) أي: أبقني على الحياة. (مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ) أي: مدة بقائها.
(خَيْرًا لِي) أي: من الموت، وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية والأزمنة
(١٦١٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٦٧١)، ومُسْلِم (١٠ / ٢٦٨٠) عَنْهُ فِي الدُّعَاءِ.
٤٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
خالية عن الفتنة والمحنة. (وَتَوَقَّنِي) أي: أمتني. (إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) من
الحياة بأن يكون لأمر عكس ما تقدَّم.
قال العراقي في ((شرح الترمذي)): لما كانت الحياة حاصلة وهو متصف بها
حَسُنَ الاتيان بـ((ما))، أي: ما دامت الحياة متصفة بهذا الوصف، ولما كانت الوفاة
معدومة في حال التمني لم يحسن أن يقول: ما كانت بل أتى بإذا الشرطية، فقال:
((إِذَا كَانَتِ)) أي: إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة بهذا الوصف.
(مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في المرضى والدعوات، ومسلم في الدعوات،
وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي في الجنائز وابن ماجه في الزهد
والبيهقي (ج ٣ : ص ٣٧٧).
١٦١٥ - [٤] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ
أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)) فَقَالَتْ
عَائِشَةَ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكِ، وَلَكِنَّ
الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ
مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ
بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ
اللَّهُ لِقَاءَهُ» .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الشَّرْجُ
١٦١٥ - قوله: (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ) أي: المصير إلى الدار الآخرة، بمعنى أن
المؤمن عند الغرغرة يبشر برضوان الله، فيكون موته أحبَّ إليه من حياته، قيل:
الحب هنا هو الذي يقتضيه الإيمان بالله والثقة بوعده دون ما يقتضيه حكم الجبلة .
وقال الخطابيُّ: معنى محبة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا، فلا يحب
استمرار الإقامة فيها، بل يستعد للارتحال عنها والكراهة بضد ذلك، واللقاء على
(١٦١٥) الْبُخَارِي (٦٥٠٧) فِي الرِّفَاقِ عَنْ أَنَسٍ، وَمُسْلِم (١٦.١٥ / ٢٦٨٤) فِي الدُّعَاءِ عَنْ عَائِشَةَ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
se
Ex
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
٤٤٩
RECE
وجوه منها: الرؤية، ومنها: البعث؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ
اللّهِ﴾ [الأنعام: ٣١] أي: بالبعث، ومنها الموت كقوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ
لَتِ﴾ [العنكبوت: ٥].
وقال الجزري في ((النهاية)): المراد بلقاء الله هنا المصير إلى الدار الآخرة،
وطلب ما عند الله وعدم الركون إلى الدنيا والرضا بحياتها والاطمئنان بها، وليس
الغرض به الموت؛ لأن كلَّ يكرهه، فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله، ومن
آثرها وركن إليها كره لقاء الله؛ لأنه إنما يصل إليه بالموت، وقوله: ((والموت دون
لقاء اللَّه)) يبين أن الموت غير اللقاء، لكنه معترض دون الغرض المطلوب، فيجب
أن يصبر عليه، ويحتمل مشاقه حتى يصل بعده إلى الفوز باللقاء. قال الطيبي: يريد
أن قول عائشة ((إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ)) يوهم أن المراد بلقاء الله في الحديث الموت،
وليس كذلك، لأن لقاء اللَّه غير الموت. بدليل قوله في الرواية الأخرى: ((والموت
دون لقاء اللَّه)) لكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله عبر عنه بلقاء الله. قال
الحافظُ: وقد سبق ابنَ الأثير إلى تفسير لقاء الله بغير الموت الإمامُ أبو عبيد القاسم
ابن سلام، فقال: ليس وجهه عندي كراهة الموت وشدته؛ لأن هذا لا یکاد یخلو
عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها وكراهية أن يصير إلى
الله والدار الآخرة، قال: ومما يبين ذلك أن الله تعالى عاب قومًا بحب الحياة
فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ بِهَا﴾ [يونس: ٧].
قلتُ: الصواب في معنى الحديث ما فسره به قائله وعليه وهو أن هذه المحبة
محمولة على حالة النزع والاحتضار والمعاينة. قال النووي: هذا الحديث يفسر
آخره أوله وبين المراد بباقي الأحاديث المطلقة من أحب لقاء الله وكره لقاء الله،
ومعنى الحديث: أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل
توبته ولا غيرها، فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه، وما أعد له، ويكشف له
عن ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء اللَّه؛ لينتقلوا إلى ما أعدَّ لهم ويحب
الله لقاءهم، أي: فيجزل لهم العطاء، وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه؛ لما علموا من
سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم، أي: يبعدهم عن رحمته وكرامته، ولا
یرید ذلك بهم، انتهى.
٤٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ) حين يرى ماله من العذاب عند الغرغرة.
(كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) أي: أبعده عن رحمته وأدناه من نقمته، فإن قيل: الشرط ليس سببًا
للجزاء بل الأمر بالعكس. أجيب: بأن المعنى فليفرح أو فَأَخْبِرْهُ بأن الله يحب
لقاءه. قال الكرماني: مثله مؤول بالإخبار، أي: من أحب لقاء الله أخبره اللَّه بأن
الله أحب لقاءه، وكذلك الكراهة. قال الحافظ: في قوله: ((أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ))
العدول عن الضمير إلى الظاهر؛ تفخيمًا وتعظيمًا؛ ودفعًا لتوهم عود الضمير على
الموصول لئلا يتحد في الصورة المبتدأ والخبر، ففيه إصلاح اللفظ لتصحيح
المعنى، وأيضًا فعود الضمير على المضاف إليه قليل.
وقال ابنُ الصائغ في ((شرح المشارق)): يحتملُ أن يكون ((لقاء الله)) مضافًا
للمفعول فأقامه مقام الفاعل و((لقاءه)) إما مضاف للمفعول أو للفاعل الضمير أو
للموصول؛ لأنَّ الجواب إذا كان شرطًا فالأولى أن يكون فيه ضمير، نعم هو
موجود هنا، ولکن تقدیرًا.
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ) كذا في هذه الرواية بالشك، وجزم سعد بن
هشام في روايته ((عن عائشة)) عند مسلم بأنها هي التي قالت ذلك ولم يتردد. قال
الحافظ: وهذه الزيادة في هذا الحديث لا تظهر صريحًا هل هي من كلام عبادة،
والمعنى أنه سمع الحديث من النبي ◌ُّ وسمع مراجعة عائشة أو من كلام أنس -
راوي الحديث عن عبادة - بأن یکون حضر ذلك، فقد وقع في رواية حميد عن أنس
عند أحمد وغيره بلفظ: ((فقلنا: يا رسول الله))، فيكون أسند القول إلى جماعة،
وإن كان المباشر له واحدًا وهي عائشة، ويحتمل أيضًا أن يكون من كلام قتادة -
الراوي عن أنس عن عبادة - أرسله في رواية همام الراوي، عن قتادة، ووصله في
رواية سعيد بن أبي عروبة عنه، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة عند
مسلم، فيكون في رواية همام إدراج، وهذا أرجح في نظري، فقد أخرجه مسلم
عن هداب بن خالد عن همام مقتصرًا على أصل الحديث دون قوله: ((فقالت
عائشة ... )) إلخ. ثم أخرجه من رواية سعد بن عروبة موصولًا تامًا، وكذا أخرجه
هو وأحمد من رواية شعبة والنسائي من رواية سليمان التيمي، كلاهما عن قتادة،
وكذا جاء عن أبي هريرة، وغير واحد من الصحابة بدون المراجعة. وقد أخرجه
٤٥١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
أبو يعلى عن هدية بن خالد عن همام تامًّا، كما أخرجه البخاري عن حجاج عن
همام، وهدبة هو هداب شيخ مسلم، فكأنَّ مسلمًا حذف الزيادة عمدًا؛ لكونها
مرسلة من هذا الوجه واكتفى بإيرادها موصولة من طريق سعيد بن أبي عروبة، وقد
رمز البخاري إلى ذلك حيث علق رواية شعبة بقوله: اختصره أبو داود وعمر وعن
شعبة، وكذا أشار إلى رواية سعيد تعليقًا، وهذا من العلل الخفية جدًّا. انتهى كلام
الحافظ .
(إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ) وفي رواية سعد بن هشام: ((فقلت: يا نبي الله، أكراهية
الموت فكلنا يكره الموت)) أي: بحسب الطبع وخوفًا مما بعده. (لَيْسَ ذَلِك) بكسر
الكاف أي: ليس الأمر كما ظننت يا عائشة؛ إذ ليس كراهة المؤمن الموت لخوف
شدته كراهة لقاء الله، بل تلك الكراهة هي كراهة الموت لإيثار الدنيا على
الآخرة، والركون إلى الحظوظ العاجلة إذا بشر بعذاب الله وعقوبته عند حضور
الموت. (وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ) بتشديد نون (لكن))، ولأبي ذر: ((وَلَكِنِ الْمُؤْمِنُ))
بالتخفيف ورفع المؤمن. (بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ) بضم الموحدة وكسر الشين المعجمة
المشددة. (مِمَّا أَمَامَهُ) بفتح الهمزة أي: مما يستقبله بعد الموت. (فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ
وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ) وفي حديث حميد عن أنس عند أحمد: ((وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَ
جَاءَهُ البَشِيرُ مِنَ اللهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدَ لَقَى اللَّهَ فَأَحَبَّ اللهُ
لِقَاءَهُ» .
(وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ) على بناء المفعول أي: حضره الموت. (بُشِّرَ) فيه تهكم
نحو ﴿فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، أو مشاكلة للمقابلة، أو أريد المعنى
اللغوي أي: أخبر. (بِعَذَابِ اللهِ لَهُ) في القبر. (وَعُقُوبَتِهِ) وهي أشد العذاب في
النار. (فَلَيْسَ شَيْءٌ) يومئذ. (أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ) أي: قدامه. (فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ
اللَّهُ لِقَاءَهُ) وفي حديث عائشة عند عبد بن حميد مرفوعًا: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا
قَيَّصَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ مَلِكًّا يُسَدِّدُهُ وَيُوَفِّقُهُ حَتَّى يُقَالَ: مَاتَ بِخَيْرِ مَا كَانَ، فَإِذَا حَضَرَ
وَرَأَى ثَوَابَهُ اشْتَاقَتْ نَفْسُهُ، فَذَلِكَ حِينَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ
بِعَبْدٍ شِرًّا قَيَّضَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ شَيْطَانًا فَأَضَلَّهَ وَفَتَنَهُ، حَتَّى يُقَالَ: مَاتَ بِشَرِّ مَا كَانَ
عَلَيْهِ، فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَى مَا أَعَدَّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ جَزَعَتْ نَفْسُهُ، فَذَلِكَ حِينَ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ
وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ)) .
٤٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي الحديث فوائد: منها: أن المحتضر إذا ظهر عليه علامات السرور كان ذلك
دليلاً على أنه بشر بالخير، وكذا بالعكس. ومنها: أن محبة لقاء الله لا تدخل في
النهي عن تمني الموت، لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت، كأن تكون المحبة
حاصلة لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخره، وأن النهي عن تمني الموت
محمول على حالة الحياة المستمرة، وأما عند الاحتضار والمعاينة فلا تدخل تحت
النهي، بل هي مستحبة. ومنها: أن في كراهة الموت في حال الصحة تفصيلًا،
فمن كرهه؛ إيثارًا للحياة على ما بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذمومًا، ومن
كرهه خشية أن يفضي إلى المؤاخذة؛ كأن يكون مقصرًا في العمل لم يستعد له
بالأهبة، بأن يتخلص من التبعات ويقوم بأمر الله كما يجب، فهو معذور، لكن
ينبغي لمن وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة حتى إذا حضره الموت لا يكرهه، بل
يحبه لما يرجو بعده من لقاء الله.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) فيه نظر، فإن الحديث من رواية عبادة مع الزيادة المذكورة -
أعني: قوله: ((فقالت عائشة أو بعض أزواجه)) إلى آخره - من أفراد البخاري،
أخرجه في أواخر الرقاق، ورواه مسلم بدون هذه الزيادة؛ فإنه أخرجه أولًا عن
هداب بن خالد عن همام عن قتادة عن أنس بن مالك عن عبادة، مقتصرًا على أصل
الحديث دون قوله: ((فقالت عائشة ... )) إلخ. وكذا أخرجه أحمد والترمذي في
الجنائز والزهد، والنسائي في الجنائز من طرق أخرى عن قتادة بدون المراجعة،
وكذا جاء عن أبي هريرة، ثم أخرجه مسلم من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة
عن زرارة عنٍ سعد بن هشام عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه وَ له: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ
اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)) فقلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَكَرَاهِيَةُ
الْمَوْتِ فَكُلُّنَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قال: ((لَيْسَ كَذَلِكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ .. )). فذكره.
والحاصل: أن المراجعة المذكورة ليست عند مسلم في حديث عبادة، بل هي
في حديث عائشة كما رأيت، فالصواب أن يعزو المصنف الحديث للبخاري فقط،
أو يذكر لفظ: ((مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)) بعد قوله: ((كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)) ثم يقول: وزاد البخاري في
رواية من طريق همام عن قتادة: فقالتْ عائشةُ أو بعضُ أزواجِهِ: ((إِنَّا لَنَكْرَهُ
الْمَوْتَ))، قَالَ: (لَيْسَ ذَلِك ... )) إلخ، وحديث عائشة مع المراجعة المذكورة
أخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي كلاهما في الجنائز، وابن ماجه في الزهدِ .
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
٤٥٣
١٦١٦ - [٥] وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ: ((وَالْمَوْتُ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G C
الشَّرْحُ
١٦١٦ - قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ عَائِشَةَ ... ) إلخ. هذه الرواية عند مسلم وحده،
أخرجها من رواية الشعبي عن شريح بن هانئ عن عائشة قالت: قال رسولُ اللَّه
وَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَالْمَوْتُ
قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ))، وعزاها الحافظُ في ((الفتح)) لمسلم والنسائي، وذكرها بلفظ:
((والموت دون لقاء الله))، قال: وهذه الزيادة من كلام عائشة فيما يظهر لي؛ ذكرتها
استنباطًا مما تقدم، انتهى.
(وَالْمَوْتُ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ) يعني: لا تمكن رؤية اللَّه قبل الموت بل بعدَهُ، أو
المراد: أن من أحب لقاء الله أحب الموت؛ لأنه يتوصل به إلى لقائه ولا يتصور
وجوده قبله، وفيه: دلالة على أن اللقاء غير الموت.
وقال الحافظُ: وفي الحديث أن اللَّه تعالى لا يراه في الدنيا أحد من الأحياء،
وإنما يقع ذلك للمؤمنين بعد الموت أخذًا من قوله: ((والموت دون لقاء الله)) وقد
تقدم أن اللقاء أعم من الموت، فإذا انتفى اللقاء انتفت الرؤية، وقد ورد بأصرح من
هذا في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي أمامة مرفوعًا في حديث طويل وفيه:
((وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْهُ حَتَّى تَمُوتُوا)).
(١٦١٦) قلت: يعني: عند مسلم (٦٥/٨)، وعلقه البخاري (٢٣٢/٤)، ولكنه لم يسق لفظه.
٤٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦١٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِه ◌ِ مُرَّ
عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: (مُسْتَرِيحٌ، أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا
الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: ((الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا
وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ
وَالدَّوَابُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٦١٧ - قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لّه هُرَّ) بضم الميم وتشديد الراء على البناء
المجهول من المرور. (عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ) قال الحافظُ: لم أقف على اسم المار ولا
الممرور بجنازته. (فَقَالَ) وَهُ. (مُسْتَرِيحُ) أي: هو مستريح. قال في ((النهاية)):
يقالُ: أراح الرجل واستراح، إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء. (أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ)
((أو)) للتنويع، أو للترديد أي: لا يخلو الميت عن أن يكون من أحد هذين القسمين،
فعلى الأول يراد بالميت الجنس استطرادًا، وعلى الثاني الشخص الحاضر.
وفي ((الصحيحين)) و((الموطأ)) و((النسائي)): ((مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ)) أي: بالواو
بدل: ((أو)). قال السندي: الواو بمعنى ((أو))، والتقدير: هذا الميت أو كل ميت إما
مستريح أو مستراح منه، أو بمعناها على أن هذا الكلام بيان لمقدر يقتضيه الكلام،
كأنه قال: هذا الميت أو كل ميت أحد رجلين، فقال: ((مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ)).
وقال الحافظ: الواو فيه بمعنى أو، وهي للتقسيم على ما صرح بمقتضاه في جواب
سؤالهم. (فَقَالُوا) أي: الصحابة. قال الحافظ: ولم أقف على اسم السائل منهم
بعينه، إلا أن في رواية إبراهيم الحربي عند أبي نعيم، قلنا: فيدخل فيهم أبو قتادة،
فيحتمل أن يكون هو السائل، انتهى. وهذا لفظ النسائي. وفي ((الموطأ))
و((الصحيحين)): ((قالوا)) بدون الفاء. (مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟) أي: ما
معناهما. وفي رواية الدار قطني: ((مَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟)) بإعادة ما.
(١٦١٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٥١٢) فِي الرِّفَاقِ، مُسْلِم (٦١/ ٩٥٠) فِي الجَنَائِزِ، والنَّسَائِي (٤/
٤٨) .
٤٥٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
(فَقَالَ) كذا في جميع النسخ، وهكذا في ((جامع الأصول)) (ج١١ ص ٤٤٦) وفي
(الأصول)) قال: بدون الفاء. (الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ) يحتمل أن يراد به: التقي خاصة أي:
المؤمن الكامل، ويحتمل كل مؤمن. (يَسْتَرِيحُ) أي: يجد الراحة بالموت. (مِنْ
نَصَبِ الدُّنْيَا) بفتحتين أي: من تعبها ومشقتها. (وَأَذَاهَا) من عطف العام على
الخاص، كذا ذكره الحافظ، قال السندي بعد نقله عن السيوطي: قلتُ: وما أشبهه
بعطف المتساويين. (إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ) أي: ذاهبًا وواصلًا إليها، ومن ثم قال
مسروق: ما غبطت شيئًا لشيء كمؤمن في لحده أَمِنَ من عذاب الله واستراح من
الدنيا .
(وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ) أي: الكافر أو ما يعمه والعاصي. قيل: الظاهر حمله على
الكافر لمقابلته بالمؤمن، وعليه حمله النسائي حيث ترجم على الحديث
بالاستراحة من الكفار. قلت: آخر الحديث - أي: الجملة الآتية - يدل على أن
المراد بالفاجر ما هو أعم من الكافر، فإن الظلم والفساد والفجور يحصل من
المسلم أيضًا كما يحصل من الكافر، فيستريح العباد والبلاد من الفاجر المسلم كما
تستريح من الفاجر الكافر، فالأولى حمل الفاجر هنا على العموم، كما قال
القاري: هو أعم من الكافر. (يَسْتَرِيحُ مِنْهُ) أي: من شره. (الْعِبَادُ) من جهة ظلمه
عليهم ومن جهة أنه حين فعل منكرًا أن منعوه آذاهم وعاداهم وإن سكتوا عنه أضر
بدينهم ودنياهم. (وَالْبِلَادُ) لما يأتي به من المعاصي، فإنه يحصل به الجدب،
فيقتضي هلاك الحرث والنسل، أو لما يقع له من غصبها ومنعها من حقها وصرفه
في غير وجهه. (وَالشَّجَرُ) لقلعه إياها غصبًا أو غصب ثمرها، أو بما يحصل من
الجدب لشؤم معاصيه. (وَالدَّوَابِّ) لاستعماله لها فوق طاقتها، وتقصيره في علفها
وسقيها أو للجدب بمعاصيه. قال النووي: معنى استراحة العباد من الفاجر اندفاع
أذاه عنهم، وأذاه يكون من وجوه منها ظلمه لهم، ومنها ارتكابه للمنكرات، فإن
أنكروها قاسوا مشقة من ذلك وربما نالهم ضرره، وإن سكتوا عنه أثموا، وتعقب
هذا: بأن من ناله الأذى من أهل المنكر لا يأثم بترك الإنكار عليهم، ويكفيه أن
ينكره بقلبه أو بوجه لا يناله به أذاه. قال النووي: واستراحة الدواب منه؛ لأنه كان
يؤذيها ويضربها ويحملها ما لا يطيقه، ويجيعها في بعض الأوقات وغير ذلك،
واستراحة البلاد والشجر؛ لأنها تمنع القطر بمعصيته؛ ولأنها يغصبها ويمنعها حقها
٤٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من الشرب. وقال الطيبي: أما استراحة البلاد والأشجار، فإن الله تعالى بفقده
يرسل السماء عليكم مدرارًا ويُحيي به الأرض والشجر والدواب بعد ما حبس بشؤم
ذنوبه الأمطار.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في آخر الرقاق، ومسلم في الجنائز، وأخرجه
أيضًا أحمد (ج٥ ص٢٩٦، ٣٠٢، ٣٠٤) ومالك، والنسائي في الجنائز والبيهقي
(ج ٣ ص٣٧٩).
١٦١٨ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهَ بِمَنْكِي
فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيل)). وكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذًا
أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ
لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (صحيح)
الْشَّرْجُ
١٦١٨ - قوله: (أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الِ بِمَنْكِي) بكسر الكاف الموحدة وتخفيف
التحتية مجمع العضد والكتف. قال الحافظ: وضبط في بعض الأصول ((بمنكبيَّ))
بلفظ التثنية. (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) قال الطيبي: ((أو)) يجوز أن
تكون للتخيير والإباحة. والأحسن: أن تكون بمعنى بل كما في قول الشاعر:
وَصُورَتِهَا أَوْ أَنْتَ في الْعَيْنِ أَمْلَحُ
بَدَتْ مِثْلَ قَزْنِ الشَّمْسِ فِي رَوْتَقِ الضُّحَى
قال الجوهري: يريدُ بل أنت في العين أملح، شبه النبي وَّ الناسك السالك أولًا
بالغريب الذي ليس له مسكن يأويه ولا سكن يسليه، ثم ترقى وأضرب عنه بقوله :
((أو عابر سبيل))؛ لأنَّ الغريب قد يسكن في بلد الغربة ويقيم فيها بخلاف عابر
السبيل القاصد للبلد الشاسع، وبينه وبينها أودية مردية ومفاوز مهلكة، وهو
بمرصد من قطاع طريق، فهل له أن يقيم لحظة أو يسكن لمحة؟ كلًّا، ومن ثم عقبه
بقوله عند أحمد والترمذي وابن ماجه: ((وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ)).
(١٦١٨) البُخَارِي (٦٤١٦) فِي الرِّقَاقِ عَنْهُ.
٤٥٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
(وكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ
الْمَسَاءَ) أي: سر دائمًا ولا تفتر من السير ساعة؛ فإنك إن قصرت في السير
انقطعت عن المقصودِ، وهلكت في تلك الأودية، وهذا معنى المشبه به، وأما
المشبه فهو قوله: (وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ) يعني عمرك لا يخلو من الصحة
والمرض فإذا كنت صحيحًا سر سيرك القصد، بل لا تقنع به وزد عليه ما عسى أن
يحصل لك الفتور بسبب المرض. وفي قوله: ((ومِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِك)) إشارة إلى أخذ
نصيب الموت وما يحصل فيه من الفتور من السقم، يعني: لا تقعد بسبب المرض
من السير كل القعود، بل ما أمكنك منه فاجتهد فيه حتى تنتهي إلى لقاء الله وما
عنده من الفلاح والنجاح، وإلا خبت وخسرت، انتهى. وقال النووي: معنى
الحديث لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا
تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه. وقيل: المراد أن ينزل المؤمن
نفسه في الدنيا منزلة الغريب، فلا يعلق قلبه بشيء من بلد الغربة بل قلبه متعلق
بوطنه الذي يرجع إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى
وطنه، وهذا شأن الغريب، أو يكون كالمسافر لا يستقر في مكانه بعينه، بل هو دائم
السير إلى بلد الإقامة، ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهمته تحصیل الزاد للسفر،
فليس له همة للاستكثار من طلبٍ متاع الدنيا .
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ) وفي رواية ليث عن مجاهد عند الترمذي: فقال لي ابنُ
عمر: إذا أصبحت ... إلخ، وهو مقولة مجاهد أي: قال ابنُ عمر مخاطبًا لي:
((إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ))، وصية ابن عمر هذه
مأخوذة من الحديث الذي رواه، وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل وأن الإنسان إذا
أمسى لم ينتظر الصباح وإذا أصبح لم ينتظر المساء، بل يظن أن أجله يدرك قبل
ذلك. قال القاري: أي: ليكن الموت في إمسائك وإصباحك نصب عينك مقصرًا
للأمل مبادرًا للعمل، غير مؤخر عمل الليل إلى النهار وعمل النهار إلى الليل.
(وَخُذْ مِنْ صِخَّتِكَ) أي: زمن صحتك. (لِمَرَضِكَ) وفي رواية الترمذي: ((قَبْلَ
سَقَمِكَ))، أي: خذ زادًا من وقت صحتك لوقت مرضك، أي: اغتنم صحتك
واغتنم العمل فيها، والمعنى: اشتغل في الصحة بالطاعة بحيث لو حصل تقصير
في المرض لا تجبر بذلك. (وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ) أي: اغتنم الأعمال الصالحة في
الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت. وزاد في رواية الترمذي: فإنك لا تدري
٤٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يا عبد الله ما اسمك غدًا. يعني: لعلك غدًا من الأموات دون الأحياء، أي: لا
يدرى هل يقال لك حي أو ميت؟ وهذا القدر الموقوف من الحديث قد جاء معناه
من حديث ابن عباس مرفوعًا أخرجه الحاكم: أن النبي ◌َّ قال لرجل وهو يعظه:
((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسِ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِخَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكِ، وَغِنَاكَ قَبْلَ
فَقْرَِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ))، وفي الحديث: مس المعلم
أعضاء المتعلم والموعوظ عند الموعظة، وذلك للتأنيس والتنبيه ولا يفعل ذلك
غالبًا إلا بمن يميل إليه، وفيه حرص النبي ◌َّ على إيصال الخير لأمته، والحض
على ترك الدنيا والاقتصار على ما لابد منه. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الرقاق، وأخرجه
أيضًا الترمذي في الزهد، والبيهقي (ج٣ ص٣٦٩) وأخرجه أحمد (ج٢
ص٢٤، ٤١، ١٣٢) وابن ماجه في الزهد مقتصرًا على الحديث المرفوع، وزاد
أحمد، والترمذي، وابن ماجه: ((وعد نفسك في أهل القبور)).
١٦١٩ - [٨] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ لِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ
أَيَّامِ يَقُولُ: (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٦١٩ - قوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّام) يفيد كمال ضبط
الراوي وأحكام المروي. (يَقُولُ: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ) قال
القاري: أي: لا يموتن أحدكم في حال من الأحوال إلا في هذه الحالة، وهي
حسن الظن بالله بأن يغفر له، فالنهي وإن كان في الظاهر عن الموت وليس إليه ذلك
حتى ينتهي، لكن في الحقيقة عن حالة ينقطع عندها الرجاء لسوء العمل كيلا
يصادفه الموت عليها، وفي الحديث حث على الأعمال الصالحة المقتضية لحسن
الظن، انتهى.
(١٦١٩) مُسْلِم (٨١/ ٢٨٧٧)، وَابن مَاجَهْ (٤١٦٧) فِي الزُّهْدِ، وَأَبُو دَاوُد (٣١١٣) فِي الجَنَائِزِ، كُلُّهُمْ
عَنْهُ.
٤٥٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ تَمَنِيِّ الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ
وقال السندي: أي: دوموا على حسن الظن واثبتوا عليه حتى يجيء الموت
وأنتم عليه، قيل: الأمر بحسن الظن يستلزم الأمر بحسن العمل؛ إذ لا يحسن الظن
إلا عند حسن العمل. قال الخطابي: إنما يحسن الظن بالله من حَسُنَ عمله، فكأنه
قال: أحسنوا أعمالكمٍ بحسن ظنكم بالله تعالى إذ من ساء عمله ساء ظنه. وقد يكون
أيضًا حسن الظن بالله من جهة الرجاء وتأميل عفوه رم. وقال الطيبي: أي:
أحسنوا أعمالكم الآن حتى يحسن ظنكم باللّه عند الموت، فإن من ساء عمله قبل
الموت يسوء ظنه عند الموت.
وقال النووي في ((شرح المهذب)): معنى تحسين الظن بالله أن يظن أن الله
تعالى يرحمه، ويرجو ذلك بتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كَرَم الله تعالى
وعفوه ورحمته، وما وعد به أهل التوحيد وما يسره لهم من رحمته يوم القيامة، كما
قال الله تعالى في الحديث الصحيح: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي)). هذا هو الصواب في
معنى الحديث، وهو الذي قاله جمهور العلماء، وشذّ الخطابيُّ فذكر تأويلًا آخر:
أن معناه أحسنوا أعمالكم حتی یحسن ظنكم بربکم، فمن حسن عمله حسن ظنه،
و من ساء عمله ساء ظنه، وهذا تأويل باطل نبهت عليه لئلا يغتر به .
وقال في ((شرح مسلم)): هذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة،
ومعنى إحسان الظن بالله: أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حالة الصحة
يكون خائفًا راجيًّا ويكونان سواء، وقيل: يكون الخوف أرجح فإذا دنت إمارات
الموت غلب الرجاء أو محضه؛ لأنَّ مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي
والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو
معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن الافتقار إلى الله تعالى
والإِذعان له، ويؤيده حديث: ((يُبعَثُ كُلَّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ)).
قال العلماء: معناه يبعث على الحال التي مات عليها، ومثله حديث: ((ثُمَّ بُعِثُوا
عَلَى نِيَّاتِهِمْ))، انتهى. وسيأتي شيء من الكلام على هذا في شرح حديث أنس آخر
أحاديث الفصل الثاني من هذا الباب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في صفة النار، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود في الجنائز، وابن
ماجه في الزهد، والبيهقي (ج ٣ ص٣٧٨).