النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العيادة. وروي عن بعض الحنفية أن العيادة في الرمد ووجع الضرس خلاف
السنة. والحديث يرده، ولا أعلم من أين تيسر لهم الجزم بأنه خلاف السنة مع أن
السنة خلافه نعوذ بالله من شرور أنفسنا - وقد ترجم عليه أبو داود في ((سننه))،
فقال: باب العيادة من الرمد، ثم أسند الحديث، والله الهادي، ذكره ميرك. وأما
ما أخرجه البيهقي والطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُعَادُونَ:
صَاحِبُ الرَّمَدِ، وَصَاحِبُ الضَّرْسِ، وَصَاحِبُ الدُّمَّلَةِ))، ففيه مسلمة بن على الخشني
البلاطي وهو ضعيف متروك. وقال الحافظ في ((الفتح)): صحح البيهقي أنه موقوف
على يحيى بن أبي كثير، وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة مسلمة المذكور.
أخرج له العقيلي من رواية سعيد بن أبي مريم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي جعفر
عن أبي هريرة رفعه: (ثَّلَاثَةٌ لَا يُعَادُونَ: صَاحِبُ الرَّمَدِ، وَالضِّرْسِ وَالدُّمَّلِ))، قال:
ورواه بقية عن الأوزاعي عن ابن أبي كثير من قوله، وقال: هذا أولى. قال
أبوحاتم: هذا باطل منكر، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤ ص ٣٧٥) (وَأَبُو دَاوُدَ) في الجنائز وسكت عليه هو والمنذري،
وأخرجه أيضًا البخاري في ((الأدب المفرد))، والبيهقي (ج ٣ ص٣٨١) والحاكم
(ج١ ص٣٤٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين، قال: وله شاهد صحيح من
حديث أنس بن مالك، فرواه بإسناده عن أنس قال: عاد رسول اللَّه وَ لي زيد بن أرقم
من رمد كان به، وقد وافق الذهبي الحاكم على تصحيح الحديثين.
١٥٦٦ - [٣١] وَعَنْ أَنَس: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ
فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا؛ بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سِقِينَ
خَرِيفًا».
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٥٦٦ - قوله: (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي: أتى به كاملًا. (وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ)
قال الطيبي: فيه: أن الوضوء سنة في العيادة؛ لأنه إذا دعا على الطهارة، كان أقرب
(١٥٦٦) أَبُو دَاوُد (٣٠٩٧) عَنْهُ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٣٨١
Beses
EXISE
إلى الإجابة. وقال زين العرب: ولعل الحكمة في الوضوء هنا أن العيادة عبادة،
وأداء العبادة على وجه الأكمل أفضل. (مُحْتَسِبًا) أي: طالبًا للأجر والثواب.
(بُوعِدَ) ماض مجهول من المباعدة والمفاعلة للمبالغة. (خَرِيفًا) أي: عامًا، سمي
بذلك؛ لاشتماله عليه إطلاقًا للبعض على الكل. والخريف في الأصل فصل بين
الصيف والشتاء.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجنائز من طريق الفضل بن دلهم الواسطي البصري، وقد
تفرد هو بزيادة الوضوء للعيادة. قال أبو داود فيما رواه أبو الحسن بن العبد عنه:
حديثه منكر، وليس هو برضي. كذا في ((تهذيب التهذيب)). وقال المنذري: في
إسناده الفضل بن دلهم.
قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، وقال مرة: حديثه صالح. وقال أحمد:
لا يحفظ، وذكر أشياء مما أخطأ فيها، وقال مرة: ليس به بأس. وقال ابن حبان: كان
ممن يخطئ فلم يفحش خطؤه حتى يبطل الاحتجاج به ولا اقتضى أثر العدول
فيسلك به سننهم، فهو غير محتج به إذا انفرد، انتهى.
١٥٦٧ - [٣٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا فَيَقُولُ سَبْعَ مَزَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلا شُفِيَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَضَرَ أَجَلُهُ)).
[رَواهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الْشَرْحُ
١٥٦٧ - قوله: (مَا مِنْ مُسْلِم) ((ما)) للنفي و((مِنْ)) زائدة. (يَعُودُ مُسْلِمًا) أي:
يزوره في مرضه. ولفظ الترمذي: ((مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ))،
ولفظ أبي داود: ((مَنْ عَادَ مَرِيْضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ)). (فَيَقُولُ) أي: العائد في دعائه
له. (سَبْعَ مَرَّاتٍ) هذا العدد من أسرار النبوة، فليس لأحد أن يطلب العلة لذلك أو
(١٥٦٧) أَبُو دَاوُد (٣١٠٦)، والتِّرْ مِذِي (٢٠٨٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٨٨٧) عَنْهُ.
٣٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يبحث عن السبب، وهكذا كل عدد يرد عن الشارع وَله. (أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ) أي:
في ذاته وصفاته. (أَنْ يَشْفِيَك) بفتح أوله مفعول ثان. (إِلَّا شُفِيَ) على بناء المجهول
أي: ذلك المسلم المريض. والحصر غالبي أو مبني على شروط لابد من تحققها.
ولفظ الترمذي: ((إِلَّا عُوْفِيَ))، ولفظ أبي داود: ((إِلَّا عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ».
(إِلا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَضَرَ أَجَلُهُ) أي: فلا ينفعه شيء، كما قال الشاعر:
أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ
وَإِذَا الْمَنِئَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا
ويمكن أن يهون اللَّه عليه الموت ببركة هذا الدعاء.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجنائز. (وَالتِّرْمِذِيُّ) في الطب، واللفظ الذي ذكره
المصنف ليس للترمذي ولا لأبي داود. وقد ذكره الجزري في ((جامع الأصول))
(ج٨: ص ٣٥٥) بلفظ أبي داود، وعزاه للترمذي وأبي داود، والحديث أخرجه
أيضًا ابن السني في ((اليوم والليلة)) (ص١٧٤)، والحاكم (ج١: ص٣٤٢)
و(ج ٤: ص ٢١٣) كلهم من طريق يزيد بن عبد الرحمن عن المنهال بن عمرو، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والحديث قد حسنه الترمذي، وسكت عنه أبو
داود، وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
وقال المنذري: في إسناده يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني، وقد وثقه
أبو حاتم الرازي وتكلم فيه غیر واحد، انتهى.
قلت: وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))، والحاكم أيضًا عن طريق عبد ربه
ابن سعید، عن المنهال به.
قال الحاكم: هذا شاهد صحيح غريب، ووافقه الذهبي. والحديث أخرجه ابن
حبان أيضًا كما في الترغيب.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثْوَابٍ الْمَرِض
٣٨٣
RECE
١٥٦٨ - [٣٢] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى، وَمِنَ
الْأَوْجَاعِ كُلِّهَا، أَنْ يَقُولُوا: ((بِسْمِ اللَّهِ الْكَبِيرِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، مِنْ شَرِّ كُلِّ
عِرْقٍ نَغَّارٍ ، وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا يُغْرَفُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ
يُضَغَّفُ فِي الْحَدِيثِ] {ضعيف}
الْشَرْجُ
١٥٦٨ - قوله: (كَانَ يُعَلِّمُهُمْ) أي: أصحابه. (مِنَ الْحُمَّى) أي: من أجلها.
(أَنْ يَقُولُوا) أي: المرضى أو عُوَّادُهُمْ، وهذا لفظ ابن ماجه، وعند الترمذي وابن
السني في ((عمل اليوم والليلة))، والحاكم (ج٤: ص٤١٤): ((أن يقول)) أي:
المريض أو عائده. (أَعُوذُ بِاللَّهِ) كذا في الترمذي وابن ماجه وابن أبي شيبة، ولفظ
ابن السني والحاكم ((نعوذ بالله)). (مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ) بكسر فسكون مُنَوَّنًا. (نَغَّارِ)
بفتح النون وتشديد العين المهملة وبالراء المهملة أي: الممتلئ من الدم أو فوار
الدم، يقال: نعر العرق ينعر بالفتح فيهما، إذا فار منه الدم، استعاذ لأنه إذا غلب لم
یمھل .
وقال الطيبي: نعر العرق بالدم، إذا ارتفع وعلا وجرح نعار ونعور، إذا صوت
دمه عند خروجه. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في ((شرح الترمذي)): النعار:
هو الذي يرتفع دمه ويزيد فيحدث فيه الحر. وفي رواية لابن ماجه: ((من شر عرق
يعار)) بفتح المثناة التحتية وتشديد العين المهملة أي: صوات بخروج الدم. وأصل
اليعار: صوت الغنم، يقال: يعرت العنز تَيعِر - بالكسر - يُعارًا - بالضم - أي:
صاحت .
(وَمِنَ شَرِّ حَرِّ النَّارِ) فمن قال ذلك ولازمه بنية صادقة نفعه من جميع الآلام
والأسقام. وفي الحديث: إشارة إلى أن الحمى تكون من فوران الدم في البدن،
(١٥٦٨) التِّرْ مِذِي (٢٠٧٥)، وَابن مَاجَهْ (٣٥٢٦) عَنْهُ، قَالَ التِّرْ مِذِي: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ
إِبْرِاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبي حبيبةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
٣٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأنها نوع من حر النار، وقد وردت أحاديث في أن الحمى من فيح النار، وأنها تبرد
بالماء. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الطب، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ : ص٢٩٩)، وابن
السني في ((عمل اليوم والليلة)) (ص١٨١)، وابن ماجه في الطب، والحاكم
(ج٤: ص ٤١٤)، وابن أبي شيبة والبيهقي في ((الدعوات الكبير))، وابن أبي الدنيا.
(وَقَالَ) أي: الترمذي، (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا يُعْرَفُ) وفي الترمذي لا نعرفه. (إِلا
مِنْ حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ) أي: ابن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي. (وهُو
يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ) ضعفه ابن معين والنسائي، وقال البخاري في ((التاريخ الكبير))
و((الضعفاء))، وأبوحاتم: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك الحديث،
ووثقه أحمد والعجلي. وقال الحربي: شيخ مدني صالح له فضل ولا أحسبه
حافظًا. وقال ابن سعد: كان مصليًا عابدًا، صام ستين سنة، وكان قليل الحديث.
وقال العقيلي: له غير حديث لا يتابع على شيء منها، ثم ضرب المثل بهذا
الحديث. قال الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على مسند الإمام أحمد))
(ج٤: ص٢٥٧) بعد ذكر أقوال الجارحين: والظاهر عندي: أن من تكلم فيه
إنما تكلم في حفظه وفي خطئه في بعض ما يروي، ثم ذكر كلام الحربي وابن سعد
والعقيلي المذكور، ثم قال: ومثل هذا لا يَقِلَّ حديثه عن درجة الحسن، انتهى.
قلت: وقال الحاكم بعد روايته: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال
الذهبي في ((تلخيصه)): إبراهيم قد وثقه أحمد.
٣٨٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
١٥٦٩ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ:
((مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا أَوِ اشْتَكَاهُ أَخْ لَهُ فَلْيَقُلْ: رَبَُّا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ
تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرَُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ فَاجْعَلْ
رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَِِّّينَ، أَنْزِلْ
رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ. فَيَبْرَأَ)).
[ رَواهُ أَبُو دَاوُدَ]
الْشَّرْجُ
١٥٦٩ - قوله: (مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا) أي: من الوجع في جسده. (أَوِ
اشْتَكَاهُ) قال القاري: الضمير عائد إلى ((شيئًا)). وقيل: التقدير أي: اشتكى إليه.
(رَبُّنَا اللَّهُ) بالرفع فيهما على الابتداء والخبر. (الَّذِي فِي السَّمَاءِ) صفة وهو، كقوله
تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِىِ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِىِ
ج
اُلْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].
(تَقَدَّسَ اسْمُكَ) خبر بعد خبر أو استئناف. وفيه: التفات من الغيبة إلى الخطاب
أي: تطهرت وتنزهت عما لا يليق بك. قال الطيبي: ((ربنا)) مبتدأ، ((الله)) خبره،
((الذي)) صفة مادحة عبارة عن مجرد العلو والرفعة؛ لأنه منزه عن المكان، ومن
ثمة نزه اسمه عما لا يليق، فيلزم منه تقديس المسمى بطريق الأولى. (أَمْرُلَكَ فِي
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) أي: نافذ وماض وجار.
(كَمَا رَحْمَتُكَ) بالرفع على أن «ما» كافة مهيئة لدخول الكاف على الجملة. (فِي
السَّمَاءِ) أي: لجميع من في السماء من الملائكة وأرواح الأنبياء والصلحاء. قال في
((الفائق)): الأمر مشترك بين السماء والأرض؛ لكن الرحمة شأنها أن تخص بالسماء
دون الأرض؛ لأنها مكان الطيبين المعصومين. قال ابن الملك: ولذلك أتى بالفاء
الجزائية، فالتقدير: إذا كان كذلك.
(١٥٦٩) أَبُو دَاوُد (٣٨٩٢) فِي الطِّبِّ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٨٧٧) فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْهُ.
٣٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الأَرْضِ) أي: لكل مؤمن من أهل الأرض، فالمراد:
الرحمة الخاصة المختصة بالمؤمنين، وإلا فالرحمة العامة شاملة للجميع، قال
تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] (اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا) بضم الحاء
المهملة وفتحها، أي: ذنبنا وإثمنا. وقال الجزري: حوبنا بضم الحاء الإثم وبالفتح
مثله. وقيل: إن الضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم، انتهى. والمراد:
الذنب الكبير. وفي رواية الحاكم: ((ذُنُوبنَا)) بدل: ((حُوبَنَا)).
(وَخَطَايَانَا) أي: صغائرنا، أو المراد بالحوب العمد، وبالخطأ ضده. (أَنْتَ رَبُّ
الطَّيِّبِينَ) أي: الطاهرين من المعاصي. والإضافة تشريفية. خصوا بالذكر لشرفهم
وفضلهم، وإلا فهو رب كل شيء من الخبيث والطيب، ولا ينسب إلى اللَّه إلا
الطيب. قيل: هذا بمنزلة العلة لطلب المغفرة، أي: أغفر لنا آثامنا؛ لنكون
طاهرين من الذنوب مستحقين لتربيتك ورحمتك الخاصة. (أَنْزِلْ) بفتح الهمزة.
وفي رواية الحاكم: ((فأنزل))، وكذا نقله الجزري (ج ٧: ص ٣٥١) عن أبي داود.
(رَحْمَةً) خاصة عظيمة. (مِنْ رَحْمَتِكَ) الواسعة التي وسعت كل شيء.
قال الطيبي: هذا إلى آخره تقرير للمعنى السابق. (عَلَى هَذَا الْوَجَعِ) بفتح الجيم
أي: المرض أو بكسر الجيم أي: المريض. (فَيَبْرَأ) بفتح الراء وضَم الهمزة من
البرء أي: فهو يتعافى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الطب، وأخرجه أيضًا الحاكم
(ج ١: ص٣٤٤) والنسائي في ((الكبرى))، كما في ((تلخيص المنذري)) و((تهذيب
التهذيب)) (ج ٣: ص٣٩٢) وأول حديث الحاكم عن فضالة بن عبيد: أن رجلين
أقبلا يلتمسان الشفاء من البول، فانطلق بهما إلى أبي الدرداء، فذكرا وجع اثنييهما
له، فقال: سمعت رسول اللّه وَل يقول: ((من اشتكى ... )) إلخ.
وذكره الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٨: ص٣٥١) بلفظ: ((أَتَاهُ)) أي: أبا
الدرداء رجل يذكر أن أباه اصابه الأسر، وهو احتباس البول، فعلمه رقية سمعها من
رسول اللّه وَ له يقول: ((مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا أَوِ اشْتَكَى أَخْ لَهُ فَلْيَقُلْ)) ... إلخ. قال
الجزري: ولم يذكر مجيء الرجل إليه وما قال له، انتهى. والحديث قد سكت عنه
أبو داود، وفي سنده زيادة بن محمد الأنصاري. قال البخاري والنسائي وابن حبان
وأبوحاتم: منكر الحديث. وقال الحاكم في ((المستدرك)): هو شيخ من أهل مصر،
قليل الحديث. قال الذهبي في ((التلخيص)): قال البخاري وغيره: منكر الحديث.
٣٨٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
١٥٧٠ - [٣٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِ:
((إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَشْفِ عَبْدََ؛ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا أَوْ
يَمْشِي لَكَ إِلَى جَنَازَةٍ».
[رواهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
G O
الشَّرْحُ
١٥٧٠ - قوله: (يَنْكَأُ) بفتح الياء في أوله وبالهمزة في آخره مجزومًا على
جواب الأمر. وروي بالرفع أي: فهو ينكأ. (لَكَ) أي: لمرضاتك. (عَدُوًّا) أي:
يجرحهم ويقتلهم. والمعنى: يغزو في سبيلك، يقال: نكأ القرحة ينكأ من باب
فتح نكأ قشرها قبل أن تبرأ فنديت، ونكأ العدو في العدو قتل فيهم وجرح وأثخن.
وقال في ((النهاية)): أو يَنْكي لك عَدُوًّا من نكيت في العدو وأنكى، إذا أكثرت فيهم
الجراح والقتل فوهنوا لذلك. وقد يهمز لغة، يقال: نكأت القرحة أنكأها إذا
قشرتها .
وقال في ((جامع الأصول)) (ج ٧: ص ٥٧٤): (يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا)) نكأت العدو في
الغزو، إذا أثرت فيه أثرًا بَيِّنًا من قتل أو نهب أو غير ذلك، انتهى. ولا يخفى أن قول
الجزري في ((النهاية)) يدل على أن ينكأ من المعتل، وقد يهمز فيفيد الضبط بالهمز
والياء، والهمز ضعيف بالنسبة إلى الناقص، لكن نسخ ((المشكاة)) وأبي داود
و((المستدرك)) على كتابته بالألف وضبطه بالهمز على خلاف في رفعه وجزمه، فلو
كان من الناقص اليائي كما ذكره صاحب ((النهاية)) لكان يكتب بالياء. ثم رأيت
((القاموس)) ذكر في الناقص اليائي: نكى العدو، وفيه نكاية قتل وجرح والقرحة
نكأها، وقال في المهموز: نكأ القرحة كمنع قشرها قبل أن تبرأ فنديت والعدو
نكأهم. وحاصل هذا: أنهما لغتان، وأن الحديث من المهموز ورفعه أقوى؛
لقوله: ((أو يمشي لك إلى جنازة)). وقال الطيبي: (ينكأ)) مجزوم على جواب الأمر،
ويجوز الرفع أي: فإنه ينكأ. (أَوْ يَمْشِي) بالرفع أي: أو هو يمشي. قال ميرك: كذا
ورد بالياء وهو على تقدير ينكأ بالرفع ظاهر، وعلى تقدير الجزم فهو وارد على قراءة
(١٥٧٠) أَبُو دَاوُد (٣١٠٧) فِي الجَنَائِزِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو ◌ِ ◌ّ.
٣٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((من يتق ويصبر)). (لَك) أي: لأمرك وابتغاء وجهك، أو لأجلك طلبًا لرضاك،
وامتثالاً لأمرك. (إِلَى جَنَازَةٍ) أي: إلى اتباعها للصلاة؛ لما جاء في رواية ابن السني
والحاكم: ((إِلَى صَلَاةٍ))، وهذا توسع شائع. قال الطيبي: ولعله جمع بين النكاية
وتشييع الجنازة؛ لأن الأول كدح في إنزال العقاب على عدو الله، والثاني سعى في
إيصال الرحمة إلى ولي الله، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجنائز، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا ابن
السني في ((اليوم والليلة)) (ص١٧٥)، وابن حبان والحاكم (ج١: ص٣٤٤)
وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.
١٥٧١ - [٣٦] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمَيَّةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ
قَوْلِ اللَّهِ وَى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾ وَعَنْ
قَوْلِهِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ
رَسُولَ اللّهِ وَ لَه فَقَالَ: ((هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى وَالنَّكْبَةِ
حَتَّى الْبِضَاعَةِ يَضَعُهَا فِي يَدِ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ
مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ النِّبْرُ الأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ)».
[رَوَاهُ الثِّْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٥٧١ - قوله: (وَعَنْ عَلِّي بْنِ زَيْدٍ) هو علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن
عبد الله بن جدعان التيمي البصري، أصله من مكة، وهو المعروف بعلي بن زيد
ابن جدعان، بضم الجيم وإسكان الدال وفتح العين المهملتين، ینسب أبوه إلى جد
جده. قال العجلي: لا بأس به. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، صالح الحديث وإلى
اللين ما هو. وقال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره.
وقال الساجي: كان من أهل الصدق ويحتمل لرواية الجلة عنه، وليس يجرى
مجرى من أجمع على ثبته، وضعفه آخرون، روى له مسلم مقرونًا بغيره. وقال ابن
(١٥٧١) التِّرْ مِذِي (٢٩٩١) فِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْهَا.
٣٨٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه. (عَنْ أُمَيَّةَ) بالتصغير بنت عبد الله، ويقال: أمينة
وهي أم محمد امرأة والد علي بن زيد بن جدعان وليست بأمه، ذكرها الذهبي في
((الميزان)) في فصل المجهولات. وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): أمية بنت
عبد الله عن عائشة، وعنها ربيبها علي بن زيد بن جدعان وقيل: عن علي عن أم
محمد وهي إمرأة أبيه واسمها أمينة. ووقع في بعض النسخ من الترمذي عن علي
ابن زيد بن جدعان عن أمه، وهو غلط؛ فقد روى علي بن زيد عن امرأة أبيه أم
محمد عدة أحاديث، انتھی.
(إِنْ تُبْدُوا) أي: إن تظهروا. (مَا فِي أَنْفُسِكُمْ) أي: ما في قلوبكم من السوء
بالقول أو الفعل. (أَوْ تُخْفُوهُ) أي: تضمروه مع الإصرار عليه، إذ لا عبرة بخطور
الخواطر. وقال الآلوسي في ((تفسيره)) (ج٣: ص ٦٤): ((إِنْ تُبْدُوا)) أي: تظهروا
للناس. (مَا فِي أَنْفُسِكُمْ) أي: ما حصل فيها حصولًا أصليًّا، بحيث يوجب اتصافها
به كالملكات الرديئة والأخلاق الذميمة؛ كالحسد والكبر والعجب والكفران
وكتمان الشهادة. (أَوْ تُخْفُوهُ) بأن لا تظهروه، (يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) أي: يجازيكم به
يوم القيامة .
وأما تصور المعاصي والأخلاق الذميمة، فهو لعدم إيجابه اتصاف النفس به لا
يعاقب عليه ما لم يوجد في الأعيان، وإلى هذا الإشارة بقوله ◌َّه: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ
عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ)) أي: إن اللّه تعالى لا يعاقب أمتي
على تصور المعصية، وإنما يعاقب على عملها، فلا منافاة بين الحديث والآية، ولا
يشكل على هذا أنهم قالوا: إذا وصل التصور إلى حد التصميم والعزم يؤاخذ به؛
لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] لأنا نقول: المؤاخذة
بالحقيقة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان، وهو أيضًا من
الكيفيات النفسية التي تلحق بالملكات، ولا كذلك سائر ما يحدث في النفس،
انتهى. (يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) أي: يجازيكم بسركم وعلنكم، أو يخبركم بما أسررتم
وما أعلنتم. (وَعَنْ قَوْلِهِ) تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ) ظاهرًا وباطنًا. (سُوْءًا) أي: صغيرًا أو
كبيرًا. (يُجْزَ بِهِ) أي: في الدنيا أو العقبى إلا ما شاء ممن شاء. (فَقَالَتْ) عائشة. (مَا
سَأَلَنِي عَنْهَا) أي: عن هذه المسألة.
٣٩٠
se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ﴾ أي: عنها. (فَقَالَ: هَذِهِ) إشارة إلى مفهوم الآيتين
المسئول عنهما أي: محاسبة العباد، أو مجازاتهم بما يبدون وما يخفون من
الأعمال. (مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ) أي: مؤاخذته العبد بما اقترف من الذنب. (بِمَا
يُصِيبُهُ) أي: في الدنيا، وهو صلة معاتبة، ويصح كون الباء سببية. (مِنَ الْحُمَّى)
وغيرها مؤاخذة المعاتب، وإنما خصت الحمى بالذكر؛ لأنها من أشد الأمراض
وأخطرها. قال في (المفاتيح)): العتاب أن يظهر أحد الخليلين من نفسه الغضب
على خليله، لسوء أدب ظهر منه مع أن في قلبه محبته، يعني: ليس معنى الآية أن
يعذب اللَّه المؤمنين بجميع ذنوبهم يوم القيامة، بل معناها: أنه يلحقهم بالجوع
والعطش، والمرض والحزن، وغير ذلك من المكاره حتى إذا خرجوا من الدنيا
صاروا مطهرين من الذنوب. قال الطيبي: كأنها فهمت أن هذه مؤاخذة عقاب
أخروي، فأجابها بأنها مؤاخذة عتاب في الدنيا صادرة عن مبدأ عناية ورحمة على
ما هو معهود من ذي عاطفة وإشفاق على معطوف عليه يراقب أوقاته وأخواله،
وينبهه لطريق السعادة، كلما ازورَّ عن سواء الطريق يرده إليه لطفًا وقهرًا، فكأنه عليه
الصلاة والسلام يقول لها: لا تظني أن هذه المحاسبة مؤاخذة سخط وغضب،
وأنها مخصوصة بالآخرة، إنما هي مؤاخذة عتاب يجرى بين المتعاتبتين، ولهذا
جاء بصلة المعاتبة؛ توضيحًا لها وتحقيقًا لمعناها في قوله: ((فِيمَا يُصِيْبُهُ مِنَ
الْحُمَّى))، انتهى. (وَالنَّكْبَةِ) بفتح النون أي: المحنة وما يصيب الإنسان من
حوادث الدهر .
(حَتَّى الْبِضَاعَةِ) بالجر عطفًا على ما قبلها وبالرفع على الابتداء، وهي بالكسر
قطعة من المال تعين للتجارة، والأصل فيها البضع وهو جملة من اللحم تبضع أي:
تقطع. (يَضَعُهَا فِي بَدِ قَمِیصِهِ) أي: کمه سمى باسم ما يحمل فيه، ووقع في بعض
النسخ من الترمذي: ((فِي كُمِّ قَمِيصِهِ)). (فَيَفْقِدُهَا) أي: يتفقدها ويطلبها، فلم
يجدها لسقوطها، أو أخذ سارق لها منه يقال: فقدت الشيء أفقده فقدًا أي: طلبته
بعد ما غاب قال، الله تعالى: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ [يوسف: ٧١] (فَيَفْزَعُ لَهَا) أي: يحزن
لضياع البضاعة، فيكون كفارة، كذا قاله ابن الملك. وقال الطيبي: يعني: إذا
وضع بضاعة في كمه، ووهم أنها غابت فطلبها وفزع لذلك؛ كفرت عنه ذنوبه،
وفيه من المبالغة ما لا يخفى، يقال: فزع له: أي: تغير وتحول من حال إلى حال.
كِتَابُ الْجَنَائِز
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابٍ الْمَرِض
٣٩١
قال في ((النهاية)): يقال: فزعت لمجيئ فلان إذا تأهبت له متحولا من حال إلى
حال. (حَتَّى) أي: لا يزال يكرر عليه تلك الأحوال حتى (إِنَّ الْعَبْدَ) بكسر الهمزة.
وفي بعض النسخ بالفتح: وأظهر العبد موضع ضميره؛ إظهارًا لكمال العبودية
المقتضي للصبر والرضا بأحكام الربوبية. وقال الطيبي: كأنه قيل: يخرج عبدي
ومن هو تحت عنايتي ولطفي. (لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ) بسبب الابتلاء بالبلاء. (كَمَا
يَخْرُجُ التِّبْرُ) بالكسر أي: الذهب والفضة قبل أن يضربا دراهم ودنانير، فإذا ضربا
كانا عينًا. وفي رواية ابن أبي الدنيا: ((الذَّهَبُ)) بدل: ((التَّبْرُ)). (مِنَ الْكِير) بكسر
الكاف متعلق بـ(يخرج)). (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في تفسير البقرة، وأخرجه أيضًا ابن جرير
وابن أبي حاتم. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة لا نعرفه
إلا من حديث حماد بن سلمة، انتهى. قال ابن كثير وشيخه: علي بن زيد بن
جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه أم محمد
أمية بنت عبد الله عن عائشة، وليس عنها في الكتب سواه، انتهى.
١٥٧٢ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ قَالَ: ((لَا يُصِيبُ
عَبْدًا نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلَّا بِذَتْبِ وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ))، وَقَرَأَ: ﴿وَمَآ
[الشورى: ٣٠].
أَصَبَكُم مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الْشَّرْخُ
١٥٧٢ - قوله: (لَا يُصِيبُ عَبْدًا) التنوين للتنكير (نَكْبَةٌ) أي: محنة وأذى
والتنوين للتقليل لا للجنس؛ ليصح ترتب ما بعدها عليها بالفاء وهو (فَمَا فَوْقَهَا)
أي: في العظم. (أَوْ دُونَهَا) أي: في المقدار. وقال ابن حجر: فما فوقها في العظم
أو دونها في الحقارة ويصح عكسه. (إِلَّا بِذَنْبٍ) أي: يصدر من العبد.
(وَمَا يَعْفُو اللَّهُ) ((ما)) موصولة أي: الذي يغفره ويمحوه. (أَكْثَرُ) ما يجازيه .
(١٥٧٢) التِّرْ مِذِي (٣٢٥٢) فِي تَفْسِيرِ الشُورَى عَنْهُ، وَقَالَ: غَرِيبٌ. وفيه مَجْهُولٌ.
٣٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَقَرَأَ) أي: النبي ◌َّ. (﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ﴾) خطاب للمؤمنين، و((مَا)) شرطية أو
موصولة متضمنة لمعنى الشرط. (﴿مِّن قُصِيبَةٍ﴾) أي: بليةٍ وشدة. (﴿فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾) أي: كسبتم من الذنوب وعبر بالأيدي؛ لأن أكثر الأفعال تزاول
بها. (﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾) أي: من الذنوب فلا يعاقب عليها بمصيبة عاجلًا،
قيل: وآجلا.
قال ابن كثير: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) أي: من السيئات، فلا يجازيكم عليها بل يعفو
عنها. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَّا كَسَبُوْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [ فاطر: ٥٠]،
انتهى. وهذا في المذنبين، وأما غيرهم فما يصيبهم في الدنيا يكون لرفع درجاتهم
في الآخرة، أو لحِكَمٍ أخرى خفيت علينا، وأما الأطفال والمجانين فغير داخلين في
الخطاب؛ لأنه للمكلفين، وبفرض دخولهم أخرجهم للتخصيص بأصحاب
الذنوب، فما يصيبهم من المصائب فهو لحكم خفية. وقيل: في مصائب الطفل
رفع درجته ودرجة أبويه، أو من يشفق عليه بحسن الصبر، ثم إن المصائب قد
تكون عقوبة على الذنب وجزاء عليه، بحيث لا يعاقب عليه يوم القيامة.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد (ج١: ص ٨٥) وغيره من حديث عليٍّ قال: ألا
أخبركم بأفضل آية في كتاب اللَّه حدثنا بها رسول اللّه وَّ: ((﴿وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن
﴾ (الشورى: ٣٠]، وسأفسرها لك يا علي:
تُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرِ (®
ما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله تعالى أكرم
من أن يثنى عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله تعالى فمنه في الدنيا، فالله سبحانه
أكرم من أن يعود بعد عفوه))، ولا استحالة في كون الدنيا دار تكليف، ويقع فيها
لبعض الأشخاص ما يكون جزاء له على ذنبه أي: مكفرًا له. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في
تفسير سورة الشورى من طريق عبيد الله بن الوازع الكلابي، عن شيخ من بني مرة
عن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى به، وعبيد الله وشيخه مجهولان وبلال
ابن أبي بردة قاضي البصرة كان ظلومًا، وذكره أبو العرب الصقلي في ((الضعفاء))،
وابن حبان في ((الثقات))، فالحديث ضعيف، وله شاهد من حديث علي عند أحمد
وغيره، وتقدم لفظه وفيه: أزهر بن راشد الكاهلي وهو ضعيف، ويؤيده حديث
معاوية عند أحمد (ج ٤: ص٩٨) وابن أبي شيبة (ج٤: ص ٧١) وحديث أبي سعيد،
وحديث ابن مسعود المتقدمان في الفصل الأول.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٣٩٣
ERSE
١٥٧٣ - [٣٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِهِ:
((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ ثُمَّ مَرِضَ قِيلَ لِلْمَلَكِ
الْمُؤَكَّلِ بِهِ: اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيقًا حَتَّى أُطْلِقَهُ أَوْ أَكْفِتَهُ إِلَيَّ)).
{صحیح}
الْشَّرْحُ
١٥٧٣ - قوله: (وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) بالواو. (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ
حَسَنَةٍ) أي: على جهة المتابعة الشرعية. (مِنَ الْعِبَادَةِ) أي: نوع من أنواعها من
النوافل بعد قيامه بالفرائض. (ثُمَّ مَرِضَ) ولم يقدر على تلك العبادة. (قِيلَ) أي:
قال الله تعالى، كما في رواية، ودل عليه قوله هنا: ((حَتَّى أَطْلِقَهُ)). (إِذَا كَانَ طَلِيقًا)
أي: مطلقًا من المرض الذي عرض له غير مقيد به من أطلقه، إذا رفع عنه القيد
أي: إذا كان صحيحًا لم يقيده المرض عن العمل، كذا ذكره ميرك.
(حَتَّى أُطْلِقَهُ) بضم الهمزة، أي: أكتب إلى حين أرفع عنه قيد المرض. (أَوْ أَكْفِتَهُ
إِلَيَّ) بفتح الهمزة وكسر الفاء بعدها تاء مثناة فوق أي: أضمه إليَّ وأقبضه. قال في
((النهاية)): أي: أضمه إلى القبر، وكل ضممته إلى شيء فقد كفته، ومنه قيل
للأرض: كفأت. وقال المظهر: أي: أميته. قيل: الكفت: الضم والجمع، وهنا
مجاز عن الموت.
(١٥٧٣) أَحْمَد (٢/ ٢٠٣) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.
٣٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٥٧٤ - [٣٩] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((إِذَا ابْتُلِيَ
الْمُسْلِمُ بِبَلاءٍ فِي جَسَدِهِ، قِيلَ لِلَّمَلَكِ: اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ
يَعْمَلُ، فَإِنْ شَفَاهُ غَسَّلَهُ وَطَهَّرَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ)).
[رَوَاهُمَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ] {حسن}
الْشَّرْجُ
١٥٧٤ - قوله: (إِذَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُ بِبَلاءٍ فِي جَسَدِهِ قِيلَ لِلْمَلَكِ) وذكره الحافظ
في ((الفتح))، والمنذري في ((الترغيب))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) نقلاً عن
أحمد بلفظ: ((إِذَا ابْتَلَى اللَّهُ رَى الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ قَالَ اللهُ عَتَ لِلْمَلَكِ))
أيٍ: صاحب يمينه، وهو كاتب الحسنات. (اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ) أي: مثله.
(الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ) قال القاري: الظاهر من الحديث أنه يكتب له نفس العمل،
وقيل: ثوابه، والأول أبلغ، فانه يشمل التضاعف. (فَإِنْ شَفَاهُ) اللَّه رَت. (غَسَّلَهُ)
بالتشديد ويخفف أي: نظفه. (وَطَهَّرَهُ) من الذنوب؛ لأن المرض كفرها، والواو
تفسيرية أو تأكيدية. (وَإِنْ قَبَضَهُ) أي: أمر بقبضه وأماته. (غَفَرَ لَهُ) من السيئات.
(وَرَحِمَهُ) بقبول الحسنات، أو تفضل عليه بزيادة المثوبات. (رَوَاهُمَا) أي: روى
صاحب ((المصابيح)) الحديثين السابقين .
(فِي شَرْح السُّنَّةِ) الحديث الأول أخرجه أيضًا عبد الرزاق وأحمد (ج٢ :
ص٢٠٣ - ٢٠٥) والبيهقي (ج٣: ص٣٧٤) قال المنذري: إسناده حسن. وقال
الهيثمي (ج٢: ص٣٠٣): إسناده صحيح، وأخرج أيضًا نحوه أحمد (ج٢ :
ص١٥٩ - ١٩٤ - ١٩٨) والدارمي وابن أبي شيبة والبزار والطبراني والحاكم
(ج ١: ص٣٤٨) وصححه. والحديث الثاني أخرجه أيضًا أبويعلى وأحمد وابن أبي
شيبة (ج٤: ص ٧٢) قال المنذري. والهيثمي: رجاله ثقات، وذكره الحافظ في
الفتح، وسكت عنه.
(١٥٧٤) أَحْمَد (١٤٨/٣) عَنْهُ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
Ressca
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٣٩٥
١٥٧٥ - [٤٠] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَةٍ :
((الشَّهَادَةُ سَبْعُ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ،
وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَاَلَّمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ
وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعِ شَهِيدٌ)).
[ْرَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ] {صحيح}
G O
الْشَّرْحُ
١٥٧٥ - قوله: (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيك) بفتح العين المهملة وكسر التاء المثناة
الفوقية. قال الحافظ في ((التقريب)): جابر بن عتيك بن قيس الأنصاري صحابي
جليل، اختلف في شهوده بدرًا، مات سنة (٦١) وهو ابن (٩١) سنة. (الشَّهَادَةُ)
أي: الحكمية. (سَبْعُ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: غير الشهادة الحقيقية، وقد
تقدم أن العدد ليس للحصر. (الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ) قال الطيبي: هو إلى آخره بيان
للسبع بحسب المعنى، (وَالْغَرِيقُ) بالياء، وفي رواية: ((الْغَرِقُ)) بفتح فكسر بلا ياء.
(وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ) قال في ((النهاية)): ذات الجنب الدبيلة والدمل الكبيرة
التي تظهر في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل، وقلما يسلم صاحبها وذو الجنب
الذي يشتكي جنبه بسبب الدبيلة، إلا أن ((ذو)) للمذكر و((ذات)) للمؤنث وصارت
ذات الجنب علمًا لها، وإن كانت في الأصل صفة مضافة، انتهى.
وقال في ((جامع الأصول)) (ج٣: ص٣٧٦): ذات الجنب : دمل أو قرحة تعرض
في جوف الإنسان تنفجر إلى داخل فيموت صاحبها، وقد تنفجر إلى خارج. وقال
القاري: هي قرحة أو قروح تصيب الإنسان داخل جنبه ثم تفتح ويسكن الوجع
وذلك وقت الهلاك، ومن علاماتها الوجع تحت الأضلاع وضيق النفس مع ملازمة
الحمى والسعال وهي في النساء أكثر.
(١٥٧٥) أَبُو دَاوُد (٣١١١)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٧٥٢٩) فِي الطُّبِّ، وَابن مَاجَهْ (٢٨٠٣) فِي
الجِهَادِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِیك.
٣٩٦
eers
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
وقال الحافظ ابن القيم: ذات الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي وغير حقيقي،
فالحقيقي: ورم حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع،
وغير الحقيقي: ألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن
بين الصفاقات، فتحدث وجعًا قريبًا من وجع ذات الجنب الحقيقي، إلا أن الوجع
في هذا القسم ممدود، وفي الحقيقي ناخس، قال: ويلزم ذات الجنب الحقيقي
خمسة أعراض: وهي الحمى، والسعال، والوجع الناخس، وضيق النفس،
والنبض المنشاري، انتهى.
(وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ) أي: المحرق، وهو الذي يموت بالحرق، وهذا لفظ أبي
داود، وعند النسائي: و((صاحب الحرق)). قال السندي: بفتحتين: النار وصاحب
النار من قتله النار، وفي الموطأ: ((والحَرِقُ شهيد))، وهو بفتح فكسر بمعنى من
يموت حريقًا في النار. (وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْم) بفتح الدال أي: البناء المهدوم
يعني: الذي وقع عليه بناء أو حائط فمات تحته.
(وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْع) قال الجزري: قيل: هي التي تموت وفي بطنها ولد،
وقيل: التي تموت بكرًّا، والجمع بالضم بمعنى المجموع كالذخر بمعنى
المذخور، وكسر الكسائي الجيم، والمعنى: أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير
منفصل عنها من حمل أو بكارة، انتهى.
(رَوَاهُ مَالِكْ وَأَبُو دَاوُدَ) في الجنائز واللفظ له. (وَالنَّسَائِيُ) في الجنائز وفي
الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ص٤٤٦) وابن ماجه في الجهاد، وابن حبان
والحاكم (ج ١ ص٣٥٢) وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقال
النووي في ((شرح مسلم)): هذا الحديث صحيح بلا خلاف، وإن لم يخرجه
الشيخان .
٣٩٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَتَوَابِ الْمَرِضِ
١٥٧٦ - [٤١] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهِ: أُّ: النَّاسِ أَشَدُّ
بَلَاءَ؟ قَالَ: ((الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبٍ دِينِهِ، فَإِنْ
كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ هُوِّنَ عَلَيْهِ، فَمَا زَالَ
كَذَلِكَ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ مَا لَهُ ذَنْبٌ)).
[رَوَاهُ التِِّمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] {حسن}
الْشَّرُْ
١٥٧٦ - قوله: (وَعَنْ سَعْدٍ) ابن أبي وقاص. (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّ) وفي
رواية لأحمد، والبيهقي، والحاكم قال: سألتُ رسول اللَّه ◌َله. وفي رواية ابن
ماجه: قال: قلت: يا رسول الله. (أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ) أي: أكثر أو أصعب. (بَلَاءَ)
أي: محنة ومصيبة بدليل السياق، وإن كان البلاء يطلق على المحنة للاختبار
أيضًا، فيعطي بعض الناس الصحة والعلم والسعة ليختبر هل يقوم بشكر تلك
النعمة؟ (قَالَ: الأَنْبِيَاءُ) أي: هم أشد في الابتلاء؛ لأنهم يتلذذون بالبلاء كما يتلذذ
غيرهم بالنعماء؛ ولأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية، وليتوهن على الأمة
الصبر على البلية؛ ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تَضرُّعًا والتجاء إلى الله تعالى.
(ُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ) أي: الأفضل فالأفضل على ترتيبهم في الفضل، فكل من
كان أفضل فبلاؤه أشد. قال الحافظ: الأمثل أفعل من المثالة، والجمع أماثل وهم
الفضلاء. وقال الخطابي: الأمثل يعبر به عن الأشبه بالفضل والأقرب إلى الخير،
وأماثل القوم كناية عن خيارهم. وقال ابن الملك: أي: الأشرف فالأشرف
والأعلى فالأعلى، رتبة ومنزلة، يعني: من هو أقرب إلى الله بلاؤه أشد ليكون
ثوابه أکثر .
قال الطيبي: ثم فيه للتراخي في الرتبة، والفاء للتعاقب على سبيل التوالي تنزلًا
من الأعلى إلى الأسفل، واللام في ((الأنبياء)) للجنس. قال القاري: ويصح كونها
(١٥٧٦) التِّرْ مِذِي (٢٣٩٨)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٧٤٨١)، وَابن مَاجَهْ (٤٠٢٣) فِي الفِتَنِ، كُلُّهُمْ عَنْهُ.
٣٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
للاستغراق؛ إذ لا يخلو واحد منهم من عظيم محنة وجسيم بلية بالنسبة لأهل زمنه،
ويدل عليه قوله: (يُبْتَلَى) بالبناء للمفعول. (الرَّجُلُ) وفي رواية ابن ماجه: ((الْعَبْدُ)).
(عَلَى حَسَبٍ) بالتحريك. (دِينِهِ) أي: مقداره ضعفًا وقوة ونقصًا وكمالًا، يعني:
بقدر قوة إيمانه وضعفه. قال الطيبي: الجملة بيان للجملة الأولى، واللام في
الرجل للاستغراق في الأجناس المتوالية. (فَإِنْ كَانَ) تفصيل للابتلاء وقدره.
(فِي دِينِهِ صُلْبًا) بضم فسكون أي: قويًّا شديدًا، وهو خبر كان، واسمه ضمير
راجع إلى الرجل، والجارِ متعلق بالخبر. (اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ) أي: كمية وكيفية. (وَإِنْ
كَانَ) أي: هو. (فِي دِينِهِ رِقَّةٌ) أي: ضعف ولين، والجملة خبر كان، ويحتمل أن
يكون ((رقة)) اسم كان. قال الطيبي: جعل الصلابة صفة له والرقة صفة لـ((دينه))
مبالغة وعلى الأصل. وقال القاري: وكان الأصل في الصلب أن يستعمل في
الجثث، وفي الرقة أن تستعمل في المعاني، ويمكن أن يحمل على التفنن في
العبارة، انتھی.
(هُوِّنَ) على بناء المفعول أي: سهل. (عَلَيْهِ) أي: البلاء، وفي رواية لأحمد:
((فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيْدَ فِي بَلَائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفَّفَ عَنْهُ))، انتهى.
والسر في ذلك أن البلاء في مقابلة النعمة، فمن كانت النعمة عليه أكثر فبلاؤه
أغزر. (فَمَا زَالَ) أي: الرجل المبتلى. قال الطيبي: الضمير راجع إلى اسم كان
الأول. (كَذَلِكَ) أي: أبدًا يصيب الصالح البلاء، ويغفر ذنبه بإصابته إياه.
(حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ مَا لَهُ) أي: عليه. (ذَنْبٌ) كناية عن خلاصه من
الذنوب، فكأنه كان محبوسًا ثم أطلق وخلى سبيله يمشي ما عليه بأس، ولفظ
الحديث من قوله: ((هُوِّنَ عَلَيْهِ)) إلى آخره ليس لواحد ممن نسب إليه الحديث.
والظاهر: أن البغوي ذكر معنى آخر الحديث اختصارًا، ولفظ الترمذي: ((ابْتُلِيَ
عَلَى قَدْرِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيْئَةٌ))،
وعند ابن ماجه: ((ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبٍ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي
عَلَى الْأَرْضِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ))، ونحوه في رواية لأحمد والحاكم والبيهقي،
ولفظ الدارمي: ((فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ صَلَابَةً، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفَّفَ
عَنْهُ، وَلَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ مَا لَهُ خَطِيئَةٌ))، وفي رواية ابن
حبان: (فَمَنْ ثَخُنَ دِينُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَمَنْ ضَعُفَ دِينُهُ ضَعُفَ بَلَاؤُهُ)) ... إلخ.
BASE
٣٩٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَاب الْمَرِض
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الزهد. (وابْنُ مَاجَهْ) في الفتن. (وَالدَّارِمِيُّ) في الرقاق،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١ ص ١٧٢، ١٧٤، ١٨٠، ١٨٥) والنسائي في ((الكبرى))،
وابن حبان والحاكم (ج١ ص٤١) وابن أبي شيبة (ج٤ ص٧٢) وابن أبي الدنيا،
والبيهقي (ج١ ص٣٧٢).
(وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٍ) وصححه أيضًا الحاكم، والبغوي
في ((المصابیح))، وله شاهد من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه، وابن أبي الدنيا،
والحاكم (ج١ ص ٤٠) والبيهقي (ج ٣ ص ٣٧٢) بلفظ: قَالَ: ((الْأَنْبِيَاءُ))، قَالَ: ثُمَّ
مَنْ؟ قَالَ: ((الْعُلَمَاءُ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((الصَّالِحُونَ ... )) الحديث. وليس فيه ما
في آخر حديث سعد، وفي الباب أيضًا عن فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة عند
أحمد (ج٦ ص٣٦٩) والنسائي في ((الكبرى)) وقد صححه الحاكم (ج ٤ ص ٤٠٤)
وحسنه الهيثمي .
١٥٧٧ - [٤٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿يَّا قَالَتْ: مَا أَغْبِطُ أَحَدًّا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ
الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ تََّ. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ] {ضعيف}
SC
الشّرُ
١٥٧٧ - قوله: (مَا أَغْبِطُ) بكسر الباء يقال غبطت الرجل أغبطه إذا اشتهيت أن
يكون لك مثل ما له، وأن يدوم عليه ما هو فيه، أي: ما أحسد. (أَحَدًا) ولا أتمنى
ولا أفرح لأحد. (بِهَوْنِ مَوْتٍ) الهون بالفتح الرفق واللين أي: بسهولة موت،
والإضافة فيه إضافة الصفة إلى الموصوف، وفي ((جامع الأصول)) (ج١١ ص ٣٨٥)
«یهون علیه الموت)).
(بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللهِ وَ﴾﴾ أي: لما رأيت شدة وفاته علمت
أن ذلك ليس من المنذرات الدالة على سوء عاقبة المتوفى، وأن هون الموت
وسهولته ليس من المكرمات، وإلا لكان ◌َلل أولى الناس به، فلا أكره شدة الموت
لأحدٍ ولا أغبط أحدًا يموت من غير شدة.
(١٥٧٧) التِّرْ مِذِي (٩٧٩) فِي الجَنَائِزِ عَنْ عَائِشَةَ