النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
FE
١٥٥٦ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((مَثَلُ
الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الْرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالَ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ
وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزَةِ لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تُسْتَحْصَدَ).
[متفق عليه]
G O
الْشَرْجُ
١٥٥٦ - قوله: (كَمَثَلِ الزَّرْع) وفي مسلم: ((مَثَلِ الزَّرْعِ)). وفي البخاري:
(كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ)) وفي رواية له: (كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعَ))، وفي الترمذي:
((كَمَثَلِ الزَّرْعِ))، (لَا تَزَالُ الْرِّحُ) اللام للجنس. وفي الترمذي: ((الرِّيَاحُ))، (تُمِيلُهُ)
بتشديد الياء وبتخفيفها .
(لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيْبُهُ الْبَلَاءُ) قال الطيبي: التشبيه إما تمثيلي، وإما مفرق،
فيقدر للمشبه معان بإزاء ما للمشبه به، وفيه: إشارة إلى أن المؤمن ينبغي له أن يرى
نفسه عارية معزولة عن استعمال اللذات، معروضة للحوادث، والمصيبات
مخلوقة للآخرة؛ لأنها دار خلود. (لَا تَهْتَزُّ) أي: لا تتحرك. (حَتَّى تُسْتَحْصَدَ) على
بناء المفعول، وقال ابن الملك: بصيغة الفاعل أي: يدخل وقت حصادها فتقطع،
انتھی .
وقال النووي: بفتح أوله وكسر الصاد كذا ضبطنا، وكذا نقله القاضي عن رواية
الأكثرين، وبعضهم بضم أوله وفتح الصاد على ما لم يسم فاعله، والأول أجود
أي: لا تتغير حتى تنقلع مرة واحدة كالزرع الذي انتهى يُبْسُه. قال: معنى
الحديث: أن المؤمن كثير الآلام في بدنه أو أهله أو ماله، وذلك مكفر لسيئاته
ورافع لدرجاته. وأما المنافق والكافر فقليلها، وإن وقع به شيء لم يكفر شيئًا من
سيئاته بل يأتي بها يوم القيامة كاملة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في المرضى وفي التوحيد، ومسلم في التوبة
واللفظ له، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢ ص٢٣٤، ٢٨٤، ٢٨٥) والترمذي في الأمثال
(١٥٥٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٥٦٤٤) فِي الطِّبِّ، مُسْلِم (٢٨٠٩/٥٨) فِي التَّوْبَةِ،
(٢٨٦٦) .
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابٍ الْمَرِض
٣٦١
ولفظ البخاري في التوحيد: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنُ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ يَفِيُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ
أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفُِّهَا، فَإِذَا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ
كَمَثَلِ الأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءً)).
١٥٥٧ - [٢٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ
فَقَالَ: ((مَالَكِ تُزَفْزِفِينَ؟)). قَالَتْ: الْحُمَّى - لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا - فَقَالَ: ((لَّ
تَسُبِِّ الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
G O
الْشَّرْجُ
١٥٥٧ - قوله: (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ) وفي مسلم بعد ذلك:
أَوْ (أُمِّ الْمُسَيَّبِ)). وفي البيهقي: ((دخل على أم السائب أو أم المسيب))، وهي
ترفرف. قال ابن عبد البر: أم السائب الأنصارية، روى عنها أبو قلابة عن النبي وَِّله
في الحمى. وقال بعضهم: فيها أم المسيب، انتهى. قلت: أخرجه أبونعيم بلفظ:
((أتى رسول اللَّه وَ لّل على امرأة من الأنصار يقال لها: أم المسيب))، فذكر نحو
حديث الباب، وأخرجه ابن مندة فقال: أم السائب جزمًا، وأسنده من طريق الثقفي
عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: ثبت أن النبي ◌َّ مَرَّ على أم السائب، فذكر
الحديث نحوه. قال الحافظ: ولم أر في شيء من طرقه أنها أنصارية بل ذكرها ابن
كعب في قبائل العرب بين المهاجرين والأنصار.
(فَقَالَ: مَالَكِ تُزَفْزِفِينَ) وفي مسلم والبيهقي وابن سعد وأبي يعلى: مالك يا أم
السائب، أو يا أم المسيب، إلخ. و((تزفزفين)) بالزايين بصيغة المعلوم والمجهول،
فإنه لازم ومتعد. قال القاري: في نسخة صحيحة بالراءين المهملتين على بناء
الفاعل .
قال الطيبي: رفرف الطائر بجناحيه إذا بسطهما عند السقوط على شيء،
(١٥٥٧) مُسْلِم (٢٥٧٥) في الأدب عنه.
٣٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
seese
والمعنى: مالك ترتعدين، ويروي بالزاء من الزفزفة وهي الارتعاد من البرد
والمعنى: ما سبب هذا الارتعاد الشديد؟ وقال النووي: تزفزفين بزائين معجمتين
وفائين والتاء مضمومة هذا هو الصحيح المشهور في ضبط هذه اللفظة، وادعى
القاضي أنها رواية جميع رواة مسلم. ووقع في بعض نسخ بلادنا بالراء والفاء
ومعناه تتحركين حركة شديدة أي: ترعدین، انتهى.
وقال المنذري: روى برائين وبزائين ومعناهما متقارب، وهو الزعدة التي
تحصل للمحموم، ونقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ١٠ ص٣٥٥) تزفزفين
بالزايين، وقال أصل الزفيف: الحركة السريعة، ومنه زفّ الظليم، إذا أسرع حتى
يسمع لجناحه حركة، فكأنه سمع ما عرض لها من رعدة الحمى، هذا على من رواه
بالزاي المعجمة ومن رواه بالراء المهملة، فعنى به زفزفة جناح الطائر وهو تحريكه
عند الطيران، فشبه حركة رعدتها به والزاي أكثر رواية.
(الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا) مبتدأ وخبره الجملة تتضمن الجواب، أو تقديره:
تأخذني الحمى، أو الحمى معي، والجملة بعده دعائية، قاله القاري. ولفظ أبي
يعلى: قالت: ((من الحمى لا بارك اللَّه فيها)) (فَإِنَّهَا تُذْهِبُ) من الإذهاب أي :
تمحوا وتكفر وتزيل. (خَطَايَا بَنِي آدَمَ) أي: مما يقبل التكفير. (كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ)
بكسر الكاف بعدها تحتية ثم راء مهملة. (خَبَثَ الْحَدِيدِ) بفتحتين أي: وسخه.
قال الطيبي: كير الحداد وهو المبني من الطين. وقيل: الزق الذي ینفخ به النار
والمبنى الكور.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الأدب، وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٣ ص ٣٧٧) وابن سعد
وأبويعلى وأبونعيم وابن مندة وفضل الحمى والمرض روايات عن جماعة من
الصحابة ذكرها المنذري في ((الترغيب)) في كتاب الجنائز.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
se
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٣٦٣
١٥٥٨ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهُ: ((إِذَا
مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ بِمِثْلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا))
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَرْجُ
١٥٥٨ - قوله: (إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ) المؤمن، وكان يعمل عملًا قبل مرضه،
ومنعه منه المرض، ونيته: لولا المانع مداومته عليه. (أَوْ سَافَرَ) سفر طاعة ومنعه
السفر مما كان يعمل من الطاعات، ونيته المداومة، ففي رواية أبي داود: ((إِذَا كَانَ
الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ)). (كُتِبَ لَهُ) أي: للعبد من الأجر
كما في رواية أحمد.
(بِمِثْلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ) حال كونه. (مُقِيمًا) وحال كونه. (صَحِيحًا) فهما حالان
مترادفان أو متداخلان، وفيه اللف والنشر الغير المرتب؛ لأن مقيمًا يقابل إذا سافر
وصحيحًا يقابل إذا مرض. قال القاري: والباء زائدة كهى في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ
ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] انتهى.
قلت: وفي البخاري: ((كُتِبَ لَه مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ)» أي: بغير الباء، وفي رواية
أبي داود: ((كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ))، ووقع في حديث عبد الله بن
عمرو ابن العاص مرفوعًا عند عبد الرزاق وأحمد والحاكم وصححه، والبيهقي :
((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ ثُمَّ مَرِضَ قِيْلَ لِلْمَلَكِ الْمُوكَّلِ بِهِ:
اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيْقًا حَتَّى أُطْلِقَهُ أَوْ أَكْفِتَهُ إِليَّ))، ولأحمد من حديث أنس
رِفِعه: ((إِذَا ابْتَلَى اللهُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ، قَالَ اللهُ: اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ
الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، فَإِنْ شَفَاهُ غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَإِنْ قَبَضَهُ غَفَرَ لَّهُ وَرَحِمَهُ))، وعند الطبراني
من حديث أبي موسى: ((إِنَّ اللهَ يَكْتُبُ لِلْمَرِيضِ أَفْضَلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِخَّتِهِ مَا دَامَ
فِي وَثَاقِهِ ... )) الحديث. وفي حديث عائشة عند النسائي: ((مَا مِنْ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ
(١٥٥٨) الْبُخَارِي (٢٩٩٦) فِي الجِهَادِ، وَأَبُو دَاوُد (٣٠٩١) عَنْ أَبِي مُوسَى.
٣٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
مِنَ اللَّيْلِ يَغْلِبُهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ إِلَّا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ، وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً))، وحمل
ابن بطال الحكم المذكور على النوافل لا للفرائض فلا تسقط بالسفر والمرض،
وتعقبه ابن المنير: بأنه حَجَّرَ واسعًا، بل تدخل فيه الفرائض التي شأنه أن يعمل بها
وهو صحيح، إذا عجز عن جملتها أو بعضها بالمرض كتب له أجر ما عجز عنه
فعلًا؛ لأنه قام به عزمًا إن لو كان صحيحًا حتى صلاة الجالس في الفرض لمرضه
یکتب له عنها أجر صلاة القائم، انتهى.
قال الحافظ: وليس اعتراض ابن المنير بجيد، لأنهما لم يتواردا على محل
واحد، وفي الأحاديث المذكورة تعقب على من زعم من الشافعية أن الأعذار
المرخصة لترك الجماعة تسقط الكراهة والإثم خاصة من غير أن تكون محصلة
للفضيلة والثواب.
وبذلك جزم النووي في ((شرح المهذب)): ومما يدل على بطلان قوله حديث
أبي هريرة رفعه: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَضُوْءَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ
صَلَّوا أَعْطَاهُ اللهُ مِثْلَ أَجْرٍ مَنْ صَلَّى وَحَضَرَ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا))، أخرجه أبو
داود والنسائي والحاكم، وإسناده قوي.
(رَوَاهُ البُخَارِيّ) في كتاب الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص٤١٠، ٤١٨)
وأبو داود في الجنائز وابن أبي شيبة (ج ٤ ص ٧٠) والبيهقي (ج٣ ص ٣٧٤).
١٥٥٩ - [٢٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ
كُلِّ مُسْلِم)).
[متفق عليه]
G O
الْشَّرْحُ
١٥٥٩ - قوله: (الطَّاعُونُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِم) أي: حكمًا، كذا بالإضافة في
نسخ ((المشكاة)). وفي ((الصحيحين)): ((شَهَادَةٌ لِّكُلِّ مُسْلِم))، وكذا نقله الجزري في
جامع الأصول (ج٨ص٣٦٤) أي: سبب لكونه شهيدًا،ً يعني شهادة أخروية لكل
(١٥٥٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَنَسٍ؛ البُخَارِي (٥٧٣٢) فِي الطِّبِّ، وَمُسْلِم (١٩١٦/١٦٦) فِي الچِهَادِ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٣٦٥
مسلم مات به لمشاركته للشهيد فيما يكابده من الشدة، وهكذا جاء مطلقًا في هذا
الحديث، وسيأتي مقيدًا بثلاثة قيود في حديث عائشة الذي يلي حديث أبي هريرة.
قال المناوي: ظاهر حديث أنس يشمل الفاسق، وقال الحافظ بعد ذكر أحاديث تدل
على أن سبب الطاعون ظهور الفاحشة، وفشو الزنا ما لفظه: ففي هذه الأحاديث أن
الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية، فكيف يكون شهادة؟ ويحتمل أن يقال: بل
تحصل له درجة الشهادة؛ لعموم الأخبار الواردة، ولاسيما حديث أنس ((الطاعون
شهادة لكل مسلم))، ولا يلزم من حصول درجة الشهادة لمن اجترح السيئات
مساواة المؤمن الكامل في المنزلة؛ لأن درجات الشهداء متفاوتة كنظيره من
العصاة، إذا قتل مجاهدًا في سبيل اللَّه لتكون كلمة الله هي العليا مقبلا غير مدبر،
انتهى. والطاعون بوزن فاعول من الطعن، عدلوا به عن أصله ووضعوه دالا على
الموت العام كالوباء. قال النووي في ((تهذيبه)): هو بثر وورم مؤلم جدًّا يخرج مع
لهب، ويسود ما حواليه، أو يخضر، أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كَدِرَة،
ويحصل معه خفقان وقيء، ويخرج غالبًا في المراق والآباط، وقد يخرج في
الأيدي والأصابع وسائر الجسد.
وقال جماعة من الأطباء منهم ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورمًا قتالًا
يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط أو
خلف الأذن أو عند الأرنبة، قال: وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد،
ويستحيل إلى جوهر سُمِّي يفسد العضو، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فتحدث
القيء، والغثيان، والغشى، والخفقان؛ ولرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان
أضعف بالطبع، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبيئة، ومن ثم أطلق على
الطاعون: وباء وبالعكس، والوباء: فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح
ومدده، انتھی.
وحاصل هذا: أن حقيقة الطاعون ورم ينشأ عن هيجان الدم، أو انصباب الدم إلى
عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى
طاعونًا بطريق المجاز؛ لإشتراكهما في عموم المرض به، أو كثرة الموت.
وما قال الأطباء: أن الطاعون ينشأ عن هيجان الدم، أو انصبابه لا يعارض
٣٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حديث: ((الطاعون وخز أعدائكم من الجن))، أخرجه أحمد وغيره من حديث أبي
موسى الأشعري مرفوعًا؛ إذ يجوز أن ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة، فتحدث
منها المادة السمية ويهيج الدم بسببها أو ينصب، وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من
طعن الجن؛ لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما يعرف من جهة الشارع، فتكلموا في
ذلك على ما اقتضته قواعدهم، لكن في وقوع الطاعون في أعدل الفصول، وأصح
البلاد هواء، وأطيبها ماء؛ دلالة على أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن، ولأنه
لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض، لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى،
والطاعون يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياس ولا تجربة، وربما جاء سنة
على سنة، وربما أبطأ سنين، وأيضًا لو كان من فساد الهواء لعم الناس والحيوان،
وربما يصيب الكثير من الناس، ولا يصيب من هو بجانبهم ممن هو في مثل
مزاجهم، وربما يصيب بعض أهل البيت الواحد، ويسلم منه الآخرون منهم
وقوله: ((وخز)) بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها زاي، هو الطعن إذا كان غير
نافذ، ووصف طعن الجن بأنه وخز؛ لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر، فيؤثر بالباطن
أولًا، ثم يؤثر في الظاهر وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الإنس، فإنه يقع من
الظاهر إلى الباطن، فيؤثر في الظاهر أولًا، ثم يؤثر في الباطن وقد لا ينفذ. وأما ما
يقع في الألسنة بلفظ: ((وخز إخوانكم من الجن)). فقال الحافظ: إنه لم يجده في
شيء طرق الحديث المسندة لا في الكتب المشهورة ولا الأجزاء المنثورة بعد التتبع
الطويل البالغ، وعزاه في ((آكام المرجان)) لمسند أحمد والطبراني وكتاب
((الطواعين)) لابن أبي الدنيا، ولا وجود له في واحد منها.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجهاد وفي الطب، ومسلم في الجهاد،
وأخرجه أيضًا أحمد.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَاب الْمَرض
٣٦٧
١٥٦٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الشُّهَدَاءُ
خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ».
[متفق عليه]
الْشَّرْجُ
١٥٦٠ - قوله: (الشُّهَدَاءُ) جمع شهید، سمي به؛ لأن الملائكة یشهدون موته
فكان مشهودًا، وقيل: مشهود له بالجنة، فعلى هذا: الشهيد فعيل بمعنى مفعول.
وقيل: سمي به؛ لأنه حي عند الله تعالى حاضر ويشهد حضرة القدس. وقيل: لأنه
شهد ما أعد الله له من الكرامات، وقيل: لأنه يستشهد مع النبي ◌ّ يوم القيامة
على سائر الأمم المكذبين، فعلى على هذه المعاني يكون الشهيد بمعنى الشاهد،
قاله العيني. وقال القاري: بمعنى فاعل؛ لأنه يشهد مقامه قبل موته أو بمعنى
مفعول؛ لأن الملائكة تشهده أي: تحضره مبشرة له. وذكر الحافظ في سبب
تسميته بذلك أقوالًا أخرى.
(خَمْسَةٌ) وفي حديث جابر بن عتيك الآتي: ((الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلٍ
اللهِ))، وفي حديث عمر عند أحمد والترمذي: ((الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ)) فاختلفتَ
الأحاديث في عدد أسباب الشهادة. قال الحافظ: الذي يظهر أنه وَّ أَعْلِمَ بالأقل،
ثم أَعْلِمَ زيادة على ذلك فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من
ذلك، انتهى .
(الْمَطْعُونُ) أي: الذي يموت بالطاعون. (وَالْمَبْطُونُ) أي: الذي يموت بمرض
البطن مطلقًا، أو الاستسقاء أو الإسهال أو القولنج. قال القرطبي: اختلف، هل
المراد بالبطن الاستسقاء أو الإسهال؟ على قولين للعلماء. (وَالْغَرِيقُ) بالياء بعد
الراء. وفي رواية: ((الغرق)) بغير ياء، وهو بفتح الغين المعجمة وكسر الراء بعدها
قاف أي: الذي يموت من الغرق في الماء. قال القاري: الظاهر أنه مقيد بمن ركب
(١٥٦٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٢٨٢٩)، ومُسْلِم (١٦٤ /١٩١٤) فِي الجِهَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، والتِّرْمِذي
(١٠٦٣)، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٧٥٢٨).
٣٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البحر ركوبًا غير محرم.
(وَصَاحِبُ الْهَدْم) أي: الذي يموت تحت الهدم، وهو بفتح الهاء والدال ما يهدم
به من البناء. قالَ في ((النهاية)): الهدم بالتحريك البناء المهدوم، فعل بمعنى
المفعول، وبالسكون الفعل نفسه. وقال الحفنى: قوله: الهدم هو مجاز؛ لأنه
يموت تحت المهدوم الذي سببه الهدم أي: الفعل، فإن قرئ بفتح الدال فهو
ظاهر؛ لأنه اسم للمهدوم، انتهى.
وحاصل جميع ذلك: أن صاحب الهدم هو الذي يقع عليه بناء أو حائط فيموت
تحته. قال القرطبي: هذا والغريق إذا لم يغررا بأنفسهما ولم يهملا التحرز، فإن
فرطا في التحرز حتى أصابهما ذلك، فهما عاصيان.
(وَالشَّهِيدُ) أي: الذي يقتل. (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعني: الذي حكمه أن لا يغسل ولا
يصلى عليه بخلاف الأربعة السابقة، فالحقيقية: الأخير والذي قبله مجاز، فهم
شهداء في الثواب كثواب الشهيد واستشكل التعبير بالشهيد في سبيل اللّه مع قوله :
((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ))، فإنه يلزم منه حمل الشيء على نفسه؛ لأن قوله: ((خَمْسَةٌ)) خبر
للمبتدأ، والمعدود بعده بيان له، فكأنه قال: الشهيد هو الشهيد.
وأجيب: بأنه عبر عن المقتول بالشهيد؛ لأنه هو الشهيد الكامل، فهو من باب
أنا أبوالنجم، وشعري شعري، أو معنى الشهيد: القتيل، فكأنه قال: والمقتول،
فعبر عنه بالشهيد، أو يقال: إن الشهيد مكرر في كل واحد منها، فيكون من
التفصيل بعد الإجمال، والتقدير: الشهداء خمسة، الشهيد كذا، والشهيد كذا،
والشهيد القتيل في سبيل الله. قال ابن الملك: وإنما أخره؛ لأنه من باب الترقي
من الشهيد الحكمي إلى الحقيقي. واعلم: أن الشهداء الحكمية كثيرة وردت في
أحاديث شهيرة، جمعها السيوطي في كراسته سماها ((أبواب السعادة في أبواب
الشهادة)). وقد سرد العيني والحافظ هذه الروايات، ولخصها القسطلاني
والزرقاني، إن شئت الإطلاع عليها فارجع إلى (العمدة)) و((الفتح)).
قال العيني: فإن قلت: كيف التوفيق بين الأحاديث التي فيها العدد المختلف
صريحًا والأحاديث الأخر أيضًا؟ قلت: أما ذكر العدد المختلف فليس على معنى
التحديد، بل كل واحد من ذلك بحسب الحال وبحسب السؤال، وبحسب ما
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٣٦٩
تجدد العلم في ذلك للنبي وَله، على أن التنصيص على العدد المعين لا ينافي
الزيادة، انتهى.
قال العلماء: الشهداء على ثلاثة أنواع: شهيد الدنيا والآخرة وهو المقتول في
سبيل الله، وشهيد الآخرة دون الدنيا، وهم الأربعة المذكورون في حديث أبي
هريرة، وشهيد الدنيا دون الآخرة وهو من قتل مدبرًا، أو غل في الغنيمة، أو قاتل
لغرض دنياوي .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الأذان وفي الصلاة وفي الجهاد، ومسلم في
الجهاد، وأخرجه أيضًا مالك في الصلاة والترمذي في الجنائز.
١٥٦١ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَ عَنِ
الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَنِي: ((أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً
لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ
أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ».
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٥٦١ - قوله: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد. (أَنَّهُ عَذَابٌ) من قبل الجن كما تقدم.
وفي رواية: ((أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا)). (يَبْعَتُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) أي: من كافرٍ أو عاصٍ كما
في قصة آل فرعون، وفي قصة أصحاب موسى مع بلعام. (وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ) بفتح
الهمزة على العطف وبكسرها على الاستئناف. وفي رواية: ((فَجَعَلَهُ اللهُ)). (رَحْمَةً
لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: من هذه الأمة.
وفي حديث أبي عسيب عند أحمد: ((فَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لَهُمْ
وَرِجْسٌ عَلَى الْكَافِرِ))، وهو صريح في أن كون الطاعون رحمة، إنما هو خاص
بالمسلمين، وإذا وقع بالكفار فإنما هو عذاب عليهم يعجل لهم في الدنيا قبل
(١٥٦١) البُخَارِي (٥٧٣٤) فِي الطِّبِّ عَنْ عَائِشَةً.
٣٧٠
CH
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الآخرة. وأما العاصي من هذه الأمة، فهل يكون الطاعون له شهادة، أو يختص
بالمؤمن الكامل؟ والمراد بالعاصي: مرتكب الكبيرة الذي يهجم عليه الطاعون
وهو مصر، فإنه يحتمل أن لا يكرم بدرجة الشهادة؛ لشؤم ما كان متلبسًا به؛ لقوله
تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أُجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَّْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾
[ الجاثية: ٢١] وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه والبيهقي ما يدل على أن الطاعون ينشأ
عن ظهور الفاحشة. ولفظه: ((لَمْ تَظْهَرِ الِفَاحِشَةُ فِي قَوْم قَطَّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إلَّا فَشَا
فِيْهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ، الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَاَّفِهِمْ))، وفي إسناده خالد بن
يزيد بن أبي مالك، وقد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما، ووثقه أحمد بن صالح
المصري وأبو زرعة الدمشقي.
وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا لكن له شاهد عن ابن عباس في ((الموطأ))
بلفظ: ((وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْم ◌ِلَّا كَثُرَ فِيْهِمُ الْمَوْتُ ... ))، الحديث. قال في ((الفتح)) :
فيه انقطاع فدل هذا وغيره مما روي في معناه: أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب
المعصية، فكيف يكون شهادة؟ نعم يحتمل أنه يحصل له درجة الشهادة؛ لعموم
الأحاديث في ذلك، ولا يلزم المساواة بين الناقص والكامل في المنزلة؛ لأن
درجات الشهادة متفاوتة، انتهى ملخصًا من ((الفتح)). (لَيْسَ) هذه الجملة بيان
لقوله: (جَعَلَهُ رَحْمَةً)). (مِنْ أَحَدٍ) ((مِنْ)) زائدة أي: ليس أحد، يعني: من
المسلمين. وفي رواية: ((لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ)) أي: مسلم، (يَقَعُ الطَّاعُونُ) صفة أحد،
والراجع محذوف، أي: يقع في مكان هو فيه أو يقع في بلده. (فَيَمْكُثُ) عطف
على ((يقع)). (فِي بَلَدِهِ) وفي رواية أحمد: ((فِي بَيْتِهِ))، وفي رواية البخاري في القدر
بلفظ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ - أي: الطاعون - فِيْهِ،وَيَمْكُثُ فِيْهِ وَلَا يَخْرُجَ
مِنَ الْبَلَدِ - أي: التي وقع فيها الطاعون)). (صَابِرًا) أي: غير منزعج ولا قلق
(مُحْتَسِبًا) أي: طالبا للثواب على صبره، وهما حالان من فاعل ((يمكث)) أي: يصبر
وهو قادر على الخروج متوكلا على الله، طالبًا لثوابه لا غير كحفظ ماله أو غرض
آخر. وهذا قيد في حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون، وهو أن يمكث
بالمكان الذي يقع به، فلا يخرج منه فرارًا، كما ورد النهى عنه صريحًا في الحديث
الذي يليه.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٣٧١
(يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ) أي: من الحياة والممات، وهذا قيد آخر
وهي جملة حالية تتعلق بالإقامة، فلو مكث وهو قلق أو متندم على عدم الخروج
ظانًا أنه لو خرج لما وقع به أصلًا وراسًا، وأنه بإقامته یقع به، فهذا لا يحصل له أجر
الشهيد ولو مات بالطاعون، هذا الذي يقتضيه مفهوم هذا الحديث كما اقتضى
منطوقه أن من اتصف بالصفات المذكورة يحصل له أجر الشهيد، وإن لم يمت
بالطاعون، ويدخل تحته ثلاث صور: من اتصف بذلك فوقع به الطاعون فمات به
أو وقع به ولم يمت به، أو لم يقع به أصلا ومات بغيره عاجلاً أو آجلاً، قاله
الحافظ .
(إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ) خبر ليس، والاستثناء مفرغ. ولعل السر في التعبير
مع ثبوت التصريح، بأن من مات بالطاعون كان شهيدًا، أن من لم يمت من هؤلاء
بالطاعون كان له مثل أجر الشهيد، وإن لم يحصل له درجة الشهادة بعينها، وذلك
أن من اتصف بكونه شهيدًا أعلى درجة ممنٍ وعد بأنه يعطى مثل أجر الشهيد،
ويكون كمن خرج على نية الجهاد في سبيل اللَّه؛ لتكون كلمة الله هي العليا فمات
بسبب آخر غير القتل، وفضل الله واسع، ونية المؤمن أبلغ من عمله.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في ذكر بني إسرائيل، وفي التفسير وفي الطب وفي القدر،
وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي (ج٣: ص٣٧٦).
١٥٦٢ - [٢٧] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ:
((الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ،
فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا
فِرَارًا مِنْهُ)).
[متفق عليه]
الْشَّرْجُ
مـ
١٥٦٢ - قوله: (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن حارثة. (الطَّاعُونُ رِجْزٌ) بكسر
(١٥٦٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٩٧٤)، ومُسْلِم (٢٢١٨/٩٢) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، والتِّرْمِذي
(١٠٦٥)، والنَّسائي في ((الكبرى)) (٧٥٢٥).
٣٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الراء أي: عذاب. (أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) قال الطيبي: هم الذين
أمرهم الله تعالى أن يدخلوا الباب سجدا فخالفوا. قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ١٦٢] قال ابن الملك: فأرسل عليهم الطاعون فمات
منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفًا من شيوخهم وكبرائهم.
(أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) قال الحافظ: كذا وقع بالشك، ووقع في رواية عند ابن
خزيمة بالجزم بلفظ: ((فَإِنَّهُ رِجْزٌ سُلِّطَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ))، ووقع في رواية
أخرى عنده بالجزم أيضًا، لكن قال: ((رِجْزٌ أَصِيْبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ))، قال:
والتنصيص على بني إسرائيل أخص، فإن كان ذلك المراد، فكأنه أشار بذلك إلى
ما جاء في قصة بلعام، فأخرج الطبري من طريق سليمان التيمي، عن سيار، أن
رجلًا كان يقال له: بلعام كان مجاب الدعوة، وأن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد
الأرض التي فيها بلعام، فأتاه قومه، فقالوا: ادع الله عليهم، قال: حتى أوامر ربي
فمنع، فأتوه بهدية فقبلها، وسألوه ثانيًا، فقال: حتى أؤامر ربي فلم يرجع إليه
بشيء، فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم، فصار يجري على لسانه ما يدعو به على
بني إسرائيل فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك، فقال: سأدلكم على ما فيه
هلاكهم ... إلخ. وفيه: فوقع في بني إسرائيل الطاعون - أي: بسبب تمكين بنت
الملك رأس بعض الأسباط من نفسها - فمات منهم سبعون ألفًا في يوم، قال:
وهذا مرسل جید، وسيار شامي موثق.
وذكر ابن إسحاق في ((المبتدأ)): أن بني إسرائيل كثر عصيانهم فخيرهم بين
ثلاث: إما أن أبتليهم بالقحط، أو العدو شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام.
فأخبرهم، فقالوا: اختر لنا، فاختار الطاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشمس
سبعون ألفًا. وقيل: مائة ألف، فتضرع داود إلى اللَّه فرفعه. قال: وورد وقوع
الطاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله: ((مِنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ))، فمن ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير،
قال: أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشًا، ثم ليخضب كفه في
دمه، ثم ليضرب به على بابه ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك، فقالوا: إن الله
سيبعث عليكم عذابًا، وإنما ينجو منه بهذا العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم
فرعون سبعون ألفًا، فقال فرعون عند ذلك لموسى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ
٣٧٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
لَبِن كَشَفْتَ عَنَا الرِّجْزَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٤]، فدعا فكشفه عنهم، وهذا مرسل جيد
الإسناد، وأخرج عبد الرزاق في ((تفسيره)) والطبري من طريق الحسن في قوله
تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوُفُّ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة:٢٤٣) قال:
فروا من الطاعون، فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم، قال:
فأقدم من وقفنا عليه في المنقول ممن وقع الطاعون به من بني إسرائيل في قصة
بلعام ومن غيرهم في قصة فرعون وتكرر بعد ذلك لغيرهم، انتهى مختصرًا.
(فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ) أي: بالطاعون. (بِأَرْضٍ) قال الطيبي: الباء الأولى متعلقة
بسمعتم على تضمين أخبرتم. و((بأرض)) حال أي: واقعًا في أرض، انتهى.
ويروى: ((فإذا سمعتم أنه بأرض)). قال ابن حجر الهيثمي في ((فتاواه)): المراد
بالأرض: محل الإقامة وقع به الطاعون، سواء كان بلدًا أم قرية أم محلة أم غيرها لا
جميع الإقليم. وقال المناوي: قوله: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ)) أي: إذا بلغكم
وقوعه في بلدة أو محلة. (فَلَا تَقْدَمُوا) بسكون القاف وفتح الدالَّ. (عَلَيْهِ) أي: لا
تدخلوا عليه ليكون أسكن لأنفسكم، وأقطع لوساوس الشيطان. (وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ
وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا) أي: لأجل الفرار. (مِنْهُ) أي: من الطاعون، فإنه فرارَ
من القدر ومعارضة له. والحديث: يدل على حرمة الخروج من أرض وقع بها
الطاعون فرارًا منه، وكذا الدخول في أرض وقع بها الطاعون، لأن الأصل في
النهى التحريم. ويدل عليه أيضًا: قوله ◌ََّ في حديث عائشة عند أحمد: ((الْفَارُّمِنْهَا
كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ))، وفي الباب أحاديث أخرى ذكر بعضها الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (ج٢: ص٣١٤ - ٣١٥)، والحافظ في ((الفتح)): وأشار إلى بعضها
الترمذي بقوله: وفي الباب. وقد اختلف العلماء في ذلك. فذهب بعضهم إلى
الجواز.
قال الحافظ: نقل عياض وغيره جواز الخروج من الأرض التي يقع بها الطاعون
- أي: لمن قوى توكله وصح يقينه - عن جماعة من الصحابة منهم أبو موسى
الأشعري والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين منهم الأسود بن هلال ومسروق.
ومنهم من قال: النهى فيه للتنزيه، فيكره ولا يحرم، وخالفهم جماعة، فقالوا:
يحرم الخروج منها لظاهر النهي الثابت في الأحاديث الماضية. وهذا هو الراجح
عند الشافعية وغيرهم، ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك، فأخرج أحمد وابن خزيمة
٣٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من حديث عائشة مرفوعًا بسند حسن. قلت: يارسول اللَّه فما الطاعون؟ قال: ((غُدَّةٌ
كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، الْمُقِيْمُ فِيْهَا كَالشَّهِيدِ وَالْفَارُّ مِنْهَا كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ»، وله شاهد من
حديث جابر مرفوعًا عند أحمد أيضًا وابن خزيمة وسنده صالح للمتابعات، انتهى.
وفصل بعضهم في هذه المسألة تفصيلًا جيدًا فقال: من خرج لقصد الفرار محضًا،
فهذا يتناوله النهي لا محالة، ومن خرج لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلًا،
ويتصور ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلًا. ولم يكن
الطاعون وقع فاتفق وقوعه في أثناء تجهيزه، فهذا لم يقصد الفرار أصلًا فلا يدخل
في النهي. والثالث: من عرضت له حاجة فأراد الخروج وانضم لذلك أنه قصد
الراحة من الإقامة بالبلد الذي به الطاعون فهذا محل النزاع.
وقال النووي في ((شرح مسلم)): وفي هذه الأحاديث منع القدوم على بلدة
الطاعون، ومنع الخروج فرارًا من ذلك. أما الخروج لعارض، فلا بأس. وهذا
الذي ذكرنا هو مذهبنا ومذهب الجمهور. قال القاضي: هو قول الأكثريين حتى
قالت عائشة: الفرار منه كالفرار من الزحف، قال: ومنهم من جوز القدوم عليه .
والخروج منه فرارًا، ثم قال: والصحيح ما قدمناه من النهى عن القدوم عليه
والفرار منه لظاهر الأحاديث الصحيحة، انتهى.
وقال الزرقاني المالكي في ((شرح الموطأ)): والجمهور على أنه للتحريم، حتى
قال ابن خزيمة: إنه من الكبائر التي يعاقب اللَّه عليها إن لم يعف، انتهى. وقال في
شرح ((المواهب اللدنية)): وخالفهم الأكثر وقالوا: إنه للتحريم، حتى قال ابن
خزيمة: إنه من الكبائر التي يعاقب عليها إن لم يعف، وهو ظاهر قوله باَله:
((الطَّاعُونُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيْرِ، الْمُقِيمُ بِهَا كَالشَّهِيدِ، وَالْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارٍّ مِنَ الزَّحْفِ)»،
رواه أحمد برجال ثقات. وروى الطبراني وأبونعيم بإسناد حسن مرفوعًا:
((الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي، وَوَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْإِبْلِ تَخْرُجُ فِي الآبَاطِ
وَالْمِراقٍ، مَنْ مَاتَ مِنْهُ مَاتَ شَهِيْدًا، وَمَنْ أَقَامَ بِهِ كَانَ كَالُمِرَابِطِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ فَرَّ
مِنْهُ كَانَ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ»، انتھی.
وقال الشيخ إسماعيل المهاجر الحنفي في تفسيره (روح البيان)): والفرار من
الطاعون حرام ... إلى أن قال: وفي الحديث: ((الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ
الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيْهِ كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْفِ))، فهذا الخبر يدل على أن النهى عن
٣٧٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
الخروج للتحريم، وأنه من الكبائر، انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي
الحنفي في ((أشعة اللمعات)) (ج٢ : ص ٦٨٢) ضابطه: درو همين أست كه در آنجا
که هست نباید رفت، واز آنجا که باشد نباید کریخت، واکر جه کریختن در بعض
مواضع مثل: خانه که دوری زلزله شده یا آتش کر فته یا نشستن در زیر دیواریکه خم
شده نزد غلبه ظن بهلاك آمده است أما در باب طاعون جز صبر نيامده وکریختن
تجویز نیافته، وقياس این برآن مواد فاسد است كه آنها از قبيل أسباب عادية أند،
واین از أسباب وهمى، وبرهر تقدیر کریختن أز آنجا جائز نيست؛ وهيج جاوارد
نشده وهركه بكريزد عاصي ومرتكب كبيره ومردود است، نسأل الله العافية،
انتھی .
قلت: وهذا هو الحق عندنا؛ فالخروج من أرض وقع فيها الطاعون فرارًا منه
حرام، وكذا الدخول فيها لظاهر الأحاديث الصحيحة، وهو الذي حققه وصوبه
شيخنا في ((شرح الترمذي)). وقد ألف أيضًا في هذه المسألة رسالة مستقلة في
جزئيين متوسطين باللغة الأوردية سماها: ((خير الماعون في منع الفرار من
الطاعون)). ذكر في الجزء الأول الأحاديث والآثار التي تدل على عدم جواز الفرار
من الموضع الذي وقع فيه وباء الطاعون، وأفرز الجزء الثاني بذكر الأجوبة عن
دلائل القائلين بالفرار، ودفع شبهاتهم وأعذارهم، وهي عديم النظير في بابها،
فعليك أن تطالعها. هذا وقد ذكر العلماء في النهى عن الخروج حكمًا بسطها
الحافظ في ((الفتح)) (ج ٢٣: ص٤١٥) والغزالي في الإحياء، وغيرهما في غيرهما،
لا يخلو واحد منها عن نظر. والظاهر: أن النهى للتعبد، والله تعالى أعلم.
قال العلامة الآلوسي في ((روح المعاني)) (ج٢٨: ص٩٨): واختلفوا في علة
النهي فقيل: هي أن الطاعون إذا وقع في بلد مثلًا عم جميع من فيه بمداخلة سببه،
فلا يفيد الفرار منه، بل إن كان أجله قد حضر فهو ميت وإن رحل، وإلا فلا، وإن
أقام فتعينت الإقامة لما في الخروج من العبث الذي لا يليق بالعقلاء. واعترض
بمنع عمومه إذا وقع في بلد جميع من فيه بمداخلة سببه، ولو سلم فالوباء مثله في
أن الشخص الذي في بلده إن كان أجله قد حضر فهو ميت وإن رحل، وإلا فلا وإن
أقام مع أنهم جوزوا الفرار منه. وقيل: هي أن الناس لو تواردوا على الخروج
لضاعت المرضى العاجزون عن الخروج لفقد من يتعهدهم والموتى لفقد من
٣٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*e ees* web
يجهزهم، وأيضًا في خروج الأقوياء كسر قلوب الضعفاء عن الخروج، وأيضًا إن
الخارج يقول: لو لم أخرج لمت، والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقعان في
اللو المنهي عنه. واعترض كل ذلك: بأنه موجود في الفرار عن الوباء أيضًا، وكذا
الداء الحادث ظهوره المعروف بين الناس بأبي زوعة الذي أعيا الأطباء علاجه، ولم
ينفع فيه التحفظ والعزلة على الوجه المعروف في الطاعون. وقيل: هي أن للميت
به وكذا للصابر المحتسب المقيم في محله - وإن لم يمت به - أجر شهيد، وفي
الفرار إعراض عن الشهادة، وهو محل التشبيه في حديث عائشة عند بعض.
واعترض: بأنه قد صح أنه رَليل مر بحائط مائل فأسرع ولم يمنع أحد من ذلك،
وكذا في الفرار من الحريق مع أن الميت بذلك شهيد أيضًا. وذهب بعض العلماء
إلى أن النهي تعبدي، وكأنه لما رأى أنه لا تسلم علة له من الطعن قال ذلك، ولهم
في ذلك رسائل عديدة فمن أراد استيفاء الكلام فيها فليرجع إليها، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل، وفي الطب وفي ترك الحيل،
ومسلم في الطب، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص ٢٠١ - ٢٠٢ - ٢٠٦ - ٢٠٧ -
٢٠٨ - ٢٠٩ - ٢١٠) والترمذي في الجنائز، والبيهقي (ج٣: ص٣٧٦).
١٥٦٣ - [٢٨] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ و ◌َ يَقُولُ:
(( قَالَ اللَّهُ وَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِيَّ بِحَبِيبَتَيْهِ، ثُمَّ صَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ))
يُرِيدُ عَيْنَيْهِ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشِّرْجُ
١٥٦٣ - قوله: (إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي) المؤمن. (بِحَبِيبَتَيْهِ) بالتثنية، أي:
محبوبيه يعني: يفقد بصر عينيه، وقيل: أي: أنزلت البلاء بعينيه حتى يصير أنه لا
يرى بهما. قال الحافظ: المراد بالحبيبتين: المحبوبتان؛ لأنهما أحب أعضاء
الإنسان إليه لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات روية ما يريد رؤيته من
خیر، فیسر به أو شر فيجتنبه.
(١٥٦٣) الْبُخَارِي (٥٦٥٣) فِي المَرْخَى عَنْ أَنَسٍ رَضْتَهُ.
٣٧٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
(ثُمَّ صَبَرَ) قال الطيبي: ((ثم)) هاهنا لتراخي الرتبة. وفي البخاري: ((فَصَبَرَ)) أي:
بالفاء بدل ثم، وزاد الترمذي وابن حبان في روايتهما عن أبي هريرة: ((وَاحْتَسَبَ))،
وكذا لابن حبان من حديث ابن عباس أيضًا. قال الحافظ: والمراد: أنه يصبر
مستحضرًا ما وعد الله به الصابر من الثواب لا أن يصبر مجردًا عن ذلك؛ لأن
الأعمال بالنيات، وابتلاء اللَّه عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه، بل إما لدفع
مكروه، أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة، فإذا تلقى ذلك بالرضاء تم له المراد، وإلا
يصبر كما جاء في حديث سلمان: أن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتبًا،
وأن مرض الفاجر كالبعير عَقَلَهُ أهلُهُ ثم أرسلوه، فلا يدري لِمَ عُقِل ولم أرسل؟
أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وابن أبي شيبة موقوفًا .
(عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا) أي: بدلهما أو من أجل فقدهما. (الْجَنَّةَ) أي: دخولها مع
السابقين أو بغير عذاب، أو منازل مخصوصة فيها، وقال الحافظ: هذا أعظم
العوض؛ لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها، وهو
شامل لكل من وقع له ذلك بالشرط المذكور، ووقع في حديث أبي أمامة فيه قيد
آخر أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)» بلفظ: ((إِذَا أَخَذْتُ كَرِيْمَتَيْكَ فَصَبَرْتَ عِنْدَ
الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْتَ))، فأشار إلى أن الصبر النافع هو ما يكون في وقوع البلاء
فيفوض ويسلم، وإلا فمتى تضجر وتقلق في أول وهلة، ثم يئس فيصبر لا يكون
حَصَّل المقصود. وورد في حديث أنس الآتي في باب البكاء على الميت: ((إِنَّمَا
الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى))، وقد وقع في حديث العرباض بن سارية فيما صححه
ابن حبان فيه بشرط آخر ولفظه: ((إِذَا سَلَبْتُ مِنْ عَبْدِي كَرِيْمَتَيْهِ وَهُوَ بِهِمَا ضَنِينٌ لَمْ
أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ، إِذَا هُوَ حَمَدَنِي عَلَيْهِمَا)) ولم أر هذه الزيادة في غير هذه
الطريق، وإذا كان ثواب من وقع له ذلك الجنة، فالذي له أعمال صالحة أخرى يراد
في رفع الدرجات، انتهى. (يُرِيدُ) أي: النبيِ نَّ بحبيبتيه. (عَيْنَيْهِ) قال القاري:
والظاهر: أن هذا التفسير من أنس. وقال الحافظ: قد فسرهما آخر الحديث بقوله :
(يُرِيْدُ عَيْنَيْهِ))، ولم يصرح بالذي فسرهما.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في المرضى، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في الزهد،
والبيهقي (ج ٣: ص ٣٧٥) وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم
المنذري في ((الترغيب))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)).
٣٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الفصل الثاني
١٥٦٤ - [٢٩] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ يَقُولُ: «مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ
عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّصَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَّهُ خَرِيفٌ فِي
الْجَنَّةِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وأبو داودَ] {صحيحٍ}
الْشَرْجُ
١٥٦٤ - قوله: (غُدْوَةً) بضم الغين ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، كذا
قاله ابن الملك. والظاهر: أن المراد به: أول النهار ما قبل الزوال. (إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ)
أي: دعا له بالمغفرة. (حَتَّى يُمْسِىَ) بضم التحتية من الإمساء، أي: يدخل في
المساء .
وقال القاري: أي: يغرب بقرينة مقابلته. (وَإِنْ عَادَهُ) ((إن)) نافية بدلالة ((إلا))
ولمقابلتها ((ما)). (عَشِيَّةً) أي: ما بعد الزوال أو أول الليل. (وَكَانَ لَهُ) أي: للعائد.
(خَرِيقٌ) أي: بستان. وهو في الأصل الثمر المجتنى أو مخروف من ثمر الجنة،
فعيل بمعنى مفعول، قاله القاري، وقال الجزري: الخريف الثمر الذي يخترف
أي: يجنى ويقطف، فعيل بمعنى مفعول. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) في الجنائز،
واللفظ للترمذي. قال الترمذي: هذا حديث غريب حسن. وقد روي عن علي هذا
الحديث من غير وجه، ومنهم من وقفه ولم یرفعه، انتهى.
قال المنذري في ((الترغيب)) بعد إيراد الحديث ونقل كلام الترمذي، ما لفظه:
ورواه أبو داود موقوفًا على علي، ثم قال: وأسند هذا عن علي من غير وجه صحيح
عن النبي وَ لِلّه، ثم رواه مسندًا بمعناه، ولفظ الموقوف: ((مَا مِنْ رَجُلِ يَعُودُ مَرِيْضًا
(١٥٦٤) أَبُو دَاوُد (٣٠٩٨)، (٣٠٩٩)، (٣١٠٠)، فِي الجَنَائِزِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٧٤٩٤)، وَابن
مَاجَهْ (١٤٤٢) عَنْهُ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٣٧٩
مُمْسِيًّا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونُ أَلْفَ مَلَكِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي
الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَكَانَ
لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ))، ورواه بنحو هذا أحمد وابن ماجه مرفوعًا، وزادا في أوله :
((إِذَا عَادَ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ مَشَى فِي خِرَافَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ
الرَّحْمَةُ ... )) الحديث. وليس عندهما: ((خريف في الجنة))، ورواه ابن حبان في
((صحيحه)) مرفوعًا أيضًا. ولفظه: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا إِلَّا يَبْعَثُ إِلَيْهِ سَبْعِينَ
أَلْفَ مَلَكِ يُصَلَّونَ عَلَيْهِ فِي أَِّ سَاعَاتِ النَّهَارِ حَتَّىَّ يُمْسِيَ ، وَفِي أَيِّ سَاعَاتِ اللَّيْلِ حَتَّى
يُصْبِحَ))، ورواه الحاكم مرفوعًا بنحو الترمذي وقال: صحيح على شرطهما،
انتھی .
قلت: في سند الترمذي ثوير بن أبي فاختة وهو ضعيف، روى البخاري في
((الكبير)) و((الصغير)) عن الثوري قال: كان ثوير من أركان الكذب. ولعل الترمذي
حسنه لتعدد طرقه، فقد رواه أحمد بطرق أخرى (ج١: ص ٨١ - ٩٧ - ١١٨ -
١٢١) مرفوعًا وموقوفًا، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (ج٤: ص ٧٣)، والبيهقي
مرفوعًا وموقوفًا (ج ٣: ص ٣٨٠ - ٣٨١).
١٥٦٥ - [٣٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ◌َّهِ مِنْ وَجَعْ كَانَ
بِعَيْنَيَّ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوَدَ]
N O
الْشَرْخُ
١٥٦٥ - قوله: (عَادَنِي النَّبِيُّ وَّهِ مِنْ وَجَع) أي: من رمد، كما في رواية
أحمد، وفي حديث أنس عند الحاكم. (كَانَ بِعَيْنَّي) بفتح النون وتشديد الياء. قال
ابن الملك: هذا يدل على أن من به وجع يجلس لأجله في بيته ولم يقدر أن يخرج
منه فعيادته سنة، وقال في ((الأزهار)): فيه بيان استحباب العيادة، وإن لم يكن
المرض مخوفًا كالصداع ووجع الضرس، وأن ذلك عيادة حتى يحوز بذلك أجر
(١٥٦٥) أَبُو دَاوُد (٣٠٩٧) عَنْهُ.