النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٥١٥ - [٦] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ إِلَى
الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ
عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٥١٥ - قوله: (فَجَعَلَ عِطَافَهُ) بكسر العين المهملة، أي: طرف ردائه.
(الأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ) قال في
((المجمع)): العطاف والعطف: الرداء، سمي عطافًا؛ لوقوعه على عطفي الرجل،
وهما ناحيتا عنقه، إنما أضاف العطاف إلى الرداء؛ لأنه أراد أحد شقي العطاف،
فالهاء ضمير الرداء، ويجوز أن يكون للنبي وله ويريد بالعطاف جانب الرداء
وطرفه .
(ثُمَّ دَعَا اللَّهَ) أي: لرفع القحط ونزول الغيث، وفي الحديث: بيان المراد من
تحويل الرداء، وهو أن يجعل الأيمن منه أيسر والأيسر منه أيمن، وليس فيه ذكر
الصلاة، وهو محمول على نسيان الراوي، أو أنه اختصره.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسكت عنه، وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٣ ص ٣٥٠) من طريق
أبي داود.
(١٥١٥) أَبُو دَاوُد (١١٦٣)، والتِّرْمِذِي (٥٥٦)، وابن ماجه (١٢٦٧)، والنَّسَائِي (١٥٥/٣) فِيهِ عَنْهُ.

٢٨١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الاسْتِسْقَاءِ
١٥١٦ - [٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ
سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ أَسْفَلَهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقَيْهِ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيحٍ}
الْشَّرْحُ
١٥١٦ - قوله: (وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ) أي: كساء أسود مربع له علمان في طرفيه من
صوف وغيره، فإن لم يكن معلمًا فليس بخميصة. (لَهُ) أي: للنبي وَهـ (سَوْدَاءُ)
صفة لخميصة، وفيه تجريد، وقال الجزري في ((النهاية)): الخميصة ثوب خز أو
صوف معلم. وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس
الناس قديمًا، وجمعها الخمائص، انتهى. (فَلَمَّا ثَقُلَتْ) أي: الخميصة، يعني:
عسر عليه جعل أسفلها أعلاها (قَلَبَهَا) أي: الخميصة بتخفيف اللام. وقيل:
بتشديدها .
(عَلَى عَاتِقَيْهِ) بأن جعل جانبها الأيمن على عاتقه الأيسر، والجانب الأيسر على
عاتقه الأيمن. قال الطحاوي بعد رواية الأحاديث التي فيها ذكر صفة قلب الرداء ما
لفظه: ففي هذه الآثار قلبه لردائه وصفة قلب الرداء كيف كان، وإنه إنما جعل ما
على يمينه منه على يساره، وما على يساره على يمينه لما ثقل عليه أن يجعل أعلاه
أسفله وأسفله أعلاه، فكذلك نقول ما أمكن أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه،
فقلبه كذلك هو وما لا يمكن ذلك فيه حوله، فجعل الأيمن منه أيسر، والأيسر منه
أيمن، انتهى.
قلت: اختلفوا في حكم التنكيس، وهو أن يجعل أسفله أعلاه، فقال الجمهور:
مالك وأحمد: باستحباب التحويل فقط، وروي ذلك عن أبان بن عثمان وعمر بن
عبد العزيز وهشام بن إسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان يقول
به الشافعي ثم رجع فاستحب فعل ما هم به مَّه من تنكيس الرداء مع التحويل
(١٥١٦) أَبُو دَاوُد (١١٦٤)، وَالنَّسَائِي (١٥٦/٣) فِيهِ عَنْهُ.

٢٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الموصوف، وتقدم مذهب الحنفية في كلام الطحاوي، وزعم القرطبي كغيره: أن
الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في كتاب ((الأم))، أنه
اختار التنكيس مع التحويل.
قال الحافظ في ((الفتح)): ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط، انتهى.
وذلك لأنه اختار الجمع بين التحويل والتنكيس كما تقدم، وإذا كان مذهبه ما
ذكره عنه القرطبي، فليس بأحوط، واستدل الجمهور بحديث العطاف.
قال ابن قدامة: وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك والزيادة التي نقلوها - يعني:
في التنكيس - إن ثبتت فهي ظن الراوي لا يترك لها فعل النبي ◌َّة، وقد نقل تحويل
الرداء جماعة لم ينقل أحد منهم أنه جعل أعلاه أسفله، ويبعد أن يكون النبي
وَست
ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء، انتهى.
قلت: الزيادة المذكورة لا تنحط عن درجة الحسن، بل هي صحيحة، وهي
إخبار عن مشاهدة، وفيها الجمع بين الروايات، فالأحوط عندنا هو ما ذكره
الشافعي في ((الأم)) من استحباب التنكيس مع التحويل، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤ ص٤١ - ٤٢)، (وَأَبُو دَاوُد) وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١
ص٣٢٧) والبيهقي (ج٣ ص٣٥١) وأبوعوانة وابن حبان، وأخرجه النسائي
مختصرًا، أي: إلى قوله: ((وعليه خميصة سوداء)) والحدیث قد سكت عنه أبو داود
والمنذري، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال في
((الإلمام)): إسناده على شرط الشيخين.

٢٨٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الاسْتِسْقَاءِ
١٥١٧ - [٨] وَعَنْ عُمَيْرِ - مَوْلَى آبِي اللَّحْم - أَنَّهُ رَأَى الشَّيَّ ◌َل
يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا يَدَّعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا يَدَيْهِ
قِبَلَ وَجْهِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ.
[رَواهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ] {صحيحٍ}
G O
الْشَرْجُ
١٥١٧- قوله: (وَعَنْ عُمَيْرٍ) بالتصغير - مولى آبي اللحم - الغفاري،
صحابي شهد خيبر مع مولاه، وعاش إلى نحو السبعين. (مَوْلَى آبِي اللَّحْم) بألف
ممدودة اسم فاعل من أبَى بمعنى امتنع. قال الحافظ: آبى اللحم بالمد بلَفَظ اسم
الفاعل من الإباء، صحابي، مشهور، غفاري، يقال: إن اسمه خلف، وقيل غير
ذلك، شهد حنينًا، ومعه مولاه عمير، وإنما لقب بآبي اللحم؛ لأنه كان يأبى أن
يأكل اللحم مطلقًا، وقيل: لأنه كان لا يأكل ما ذبح للأصنام في الجاهلية. قال ابن
عبد البر: هو من قدماء الصحابة وكبارهم، ولا خلاف أنه شهد حنينًا وقتل بها،
قيل: هو الذي يروي هذا الحديث، ولا يعرف له حديث سواه. قال الحافظ في
((تهذيب التهذيب)) في ترجمة آبي اللحم: له عن النبي بَّل حديث واحد في
الاستسقاء، روى عنه عمير مولاه (أَنَّهُ) الضمير لعمير، (رَأَى النَّبِيَّ وَلِهِ يَسْتَسْقِي عِنْدَ
أَحْجَارِ الزَّيْتِ) قال ياقوت الحموي: موضع بالمدينة، قريب من الزوراء، وهو
موضع صلاة الاستسقاء، وقال العمراني: أحجار الزيت موضع بالمدينة داخلها،
وقال القاري: موضع بالمدينة من الحرة، سمي بذلك؛ لسواد أحجاره كأنها طليت
بالزيت، انتهى. (قَرِيبًا) أي: حال كونه قريبًا، أو في مكان قريب. (مِنَ الزَّوْرَاءِ)
بفتح الزاي المعجمة وسكون الواو موضع عند سوق المدينة مرتفع كالمنارة قرب
المسجد. (قَائِمًا) أي: يستسقي قائمًا.
(يَدْعُو يَسْتَسْقِي) حالان أي: داعيًا مستسقيًا. (رَافِعًا يَدَيْهِ) وفي رواية لأحمد :
رافعًا كفيه. (قِبَلَ وَجْهِهِ) بكسر القاف وفتح الموحدة أي: قبالته (لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا)
(١٥١٧) أَبُو دَاوُد (١١٦٨)، والترمذي (٥٥٧)، والنَّسَائِي (١٥٨/٣) فِيهِ عَنْهُ.

٢٨٤
ase
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
FE
أي: بيديه حين رفعهما. (رَأْسَهُ) قال القاري: لا ينافي ما مر عن أنس أنه كان يبالغ
في الرفع للاستسقاء؛ لاحتمال أن ذلك كان أكثر أحواله، وهذا في نادر منها أو
بالعكس، انتهى. وزاد أحمد في روايته: ((مقبل بباطن كفيه إلى وجهه))، وهذا لا
يخالف ما مر من حديثه أيضًا: أنه كان يشير بظهر كفيه إلى السماء في الاستسقاء،
أي: يجعل بطون يديه مما يلي الأرض؛ لأنه يحتمل أنه كان يفعل تارة كذا وتارة
كذا، والله تعالى أعلم. والحديث استدل به لأبي حنيفة: على عدم استنان الصلاة
في الاستسقاء؛ لأنه ليس فيه ذكر الصلاة، وقد تقدم الجواب عنه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٢٢٣) وسكت عنه أبو داود.
(وَرَوَى التَّرْ مِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) أي: معناه كلاهما عن قتيبة عن الليث عن خالد
ابن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله، عن عمير مولی آبي اللحم،
عن أبي اللحم: أنه رأى رسول اللّه ◌َ ل عند أحجار الزيت يستسقي، وهو مقنع
بكفيه يدعو، قال الترمذي: كذا قال قتيبة في هذا الحديث: عَنْ آبِي اللَّحْمِ، ولا
نعرف له عن النبي ◌َّ﴾ إلا هذا الحديث الواحد، وعمير مولى آبي اللحم قد روى
عن النبي ول﴾ أحاديث، وله صحبة، انتهى.
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: هكذا روى الترمذي والنسائي
عن قتيبة أنه زاد في الإسناد: عَنْ آبِي اللَّحْمِ، ولكن رواه أحمد عن قتيبة نفسه من
حديث عمير مولى آبي اللحم، ولم يذكر عن آبي اللحم، وذكر الحديث في مسند
عمير، فلعل قتيبة لم يحفظ هذا الحديث جَيِّدًا، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا،
وقد أخطأ في إسناده خطأ آخر؛ إذ جعل الرواية عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن
عمير مباشرة، والصواب: أن يزيد رواه عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عمير كما
في رواية أحمد وأبي داود من طريق حيوة وعمر بن مالك، عن ابن الهاد، انتهى.
قلت: ورواه الحاكم (ج١ ص٣٢٧) من طريق يحيى بن بكير عن الليث، فجعله
من حديث عمير مولى آبي اللحم، ولم يذكر عَنْ آبِي اللَّحْمِ، وقال: صحيح
الإسناد، وعمير مولى آبي اللحم له صحبة، انتهى.
وهذا يؤيد أن الحديث من مسند عمير لا من مسند مولاه آبي اللحم، وأن قتيبة
لم يحفظه جَيِّدًا، ووافق الذهبي الحاكم في تصحيح الحديث، لكن زاد في السند

٢٨٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإِسْتِسْقَاءِ
لفظ: ((عَنْ آبِي اللَّحْمِ))، وروى أحمد (ج٤ ص٣٦) وأبو داود من طريق شعبة عن
عبد ربه بن سعيد عن محمد بن إبراهيم قال: أخبرني: من رأى النبي وَّ يدعو عند
أحجار الزيت باسطًّا كفيه، اللفظ لأبي داود.
قال الحافظ في ((مبهمات التقريب))، و((تهذيب التهذيب)): محمد بن إبراهيم
التيمي أخبرني من رأى النبي والر عند أحجار الزيت، هو عمير مولى آبي اللحم،
انتهى. وهو أيضًا يرجح كون الحديث من مسند عمير لا من مسند مولاه آبي
اللحم .
١٥١٨ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ - يَعْنِي: فِي
الإِسْتِسْقَاءِ - مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَخَشَّعًا مُتَضَرِّعًا.
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الْشَّرْحُ
١٥١٨ - قوله: (يَعْنِي: فِي الاِسْتِسْقَاءِ) أي: يريد ابن عباس أنه عليه الصلاة
والسلام خرج إلى المصلى في الاستسقاء، وهو من كلام البغوي، وأول الحديث
قال إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة: أرسلني الوليد بن عتبة - وكان أمير
المدينة - إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول اللَّه ◌َ ل في الاستسقاء، فأتيته،
فقال: خرج رسول اللَّه ◌َله (مُتَبَذَّلًا) بمثناة فوقية ثم موحدة ثم ذال معجمة، أي:
لابسًا ثياب البذلة، تاركًا لثياب الزينة، تواضعًا لله تعالى وإظهارًا للحاجة.
قال في ((النهاية)): التبذل ترك التزين، والتهيء بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة
التواضع. (مُتَوَاضِعًا) في الظاهر. (مُتَخَشِّعًا) في الباطن، وقال الشوكاني: قوله:
((متخشعًا))، أي: مظهرًا للخشوع؛ ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله من، زاد
في رواية ابن ماجه والحاكم، وكذا في رواية لأحمد (ج١ ص ٢٣٠) والبيهقي (ج٣
ص٣٤٤): مترسلًا، أي: متأنيًا غير مستعجل في مشيه، يقال: ترسل الرجل في
كلامه ومشيه: إذا لم يعجل.
(١٥١٨) أَبُو دَاوُد (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٩)، وابنُ مَاجَه (١٢٦٦)، والنَّسَائِي (١٥٦/٣) عَنْهُ فِيهِ.

٢٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
(مُتَضَرِّعًا) أي: مظهرًا للضراعة، وهي التذلل عند طلب الحاجة، والمبالغة في
السؤال والرغبة، ووقع عند أبي داود فيما روي عن عثمان بن أبي شيبة: حتى أتى
المصلى، فرقى على المنبر، وكذا وقع ذكر الجلوس على المنبر عند النسائي من
رواية أبي جعفر محمد بن عبيد بن محمد النحاس الكوفي المحاربي، وعند
البيهقي من رواية أبي ثابت محمد بن عبيدالله بن محمد المدني، ووقع عند
الثلاثة، وكذا عند الترمذي وغيره: ((فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في
الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيدين))، ولفظ أبي
داود: ((ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد))، وقد تقدم الكلام على معناه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ... إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص ٢٣٠، ٢٦٩، ٣٥٥)،
وأبو عوانة وابن حبان والحاكم (ج١ ص٣٢٦)، والدارقطني والبيهقي (ج٣
ص٣٤٤)، وصححه الترمذي وأبوعوانة وابن حبان.
١٥١٩ - [١٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ
النَّبِيُّ نَّهِ إِذَا اسْتَسْقَى، قَالَ: ((اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَّكَ، وَبَهِيمَتَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ،
وَأَحْىٍ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرْحُ
١٥١٩ - قوله: (عَنْ أَبِيهِ) شعيب. (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص.
(كَاِنَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا اسْتَسْقَى) أي: طلب الغيث عند الحاجة. (قَالَ) أي: في دعائه.
(اللَّهُمَّ اسْقِ) بهمزة الوصل والقطع. (عِبَادَكَ) من الرجال والنساء، والعبيد
والإماء، والصغير والكبير، وفي الإضافة إليه تعالى مزيد الاستعطاف. (وَبَهِيمَتَكَ)
أي: بهائمك من جميع دواب الأرض وحشراتها، قال في ((القاموس)): البهيمة كل
ذات أربع قوائم، ولو في الماء، أو كل حَيٍّ لا يميز، انتهى. وهذا لفظ مالك في
((الموطأ))، وعند أبي داود: ((وَبَهَائِمَكَ))، بلفظ الجمع. (وَانْشُرْ) بضم الشين، أي:
ابسط وعمم.
(١٥١٩) أَبُو دَاوُد (١١٧٦) عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الاسْتِسْمَاءِ
٢٨٧
(رَحْمَتَكَ) أي: المطر ومنافعه وبركاته، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِلُ الْغَيْثَ مِنْ
ج
بَعْدِ مَا فَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]، (وَأَحْي) أمر من الإحياء. (بَلَدََ الْمَيِّتَ)
بتشديد الياء أي: بإنبات الأرض بعد موتها أي: جدبها ويبسها كأنه تلميح إلى قوله
تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى ءَاثَكِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٢٥٠ وإلى قوله:
﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِرُ سَحَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَلَدٍ ◌َّيِّتٍ فَأَحْبَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩]،
وإلى قوله: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَلَدَةً مَّيْتًا﴾ [ق: ١١] قال الطيبي: يريد به بعض البلاد المبعدين
عن مظان الماء الذي لا ينبت فيها عشب للجدب، فسماه ميتًا على الاستعارة، ثم
فرع عليه الإحياء، والحديث: دليل على استحباب الدعاء بما اشتمل عليه عند
الاستسقاء .
(رَوَاهُ مَالِكَ وَأَبُو دَاوُد) ظاهر هذا أنهما روياه موصولًا، وليس كذلك، فإن
حديث مالك مرسل.
قال الزرقاني: رواه مالك وجماعة عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن
أبيه أن رسول اللَّه وَّه ... مرسلًا، ورواه آخرون عن يحيى عن عمرو عن أبيه عن
جده مسندًا، منهم الثوري عند أبي داود، انتهى. قلت: وأخرجه البيهقي (ج٣
ص٣٥٦) من طريق عبد الرحيم بن سليمان الأشل، عن الثوري موصولًا، قال
الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٥١): ورجح أبوحاتم إرساله، انتهى.
١٥٢٠ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يُوَاكِئُ فَقَالَ:
((اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْئًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيَّعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارِّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ)). قَالَ:
فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
G O
الْشَّرْجُ
١٥٢٠ - قوله: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يُوَاكِىُّ) بضم الياء المثناة تحت وآخره
همزة بصيغة المضارع من المواكأة، هكذا وقع في جميع النسخ من ((المصابيح))
(١٥٢٠) أَبُو دَاوُد (١١٦٩) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ .

٢٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
و((المشكاة))، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ٧ ص١٤٠)، وهكذا
ذكره الخطابي في ((معالم السنن)) (ج١ ص٢٥٤)، ثم فسره فقال: معناه يتحامل
على يديه، إذا رفعهما ومدهما في الدعاء، ومن هذا التوكؤ على العصا وهو
التحامل عليها، انتهى. قال القاري: المواكأة والتوكؤ والاتكاء: الاعتماد،
والتحامل على الشيء في ((النهاية))، أي: يتحامل على يديه أي: يرفعهما ويمدهما
في الدعاء، ومنه التوكؤ على العصا، وهو التحامل عليها، هكذا قال الخطابي في
((معالم السنن))، والذي جاء في ((سنن أبي داود)): ((بواكئ)) بالباء الموحدة، هكذا
جاء في الكتاب فيما قرأناه، وبحثت عنه في نسخ أخرى فوجدته كذلك، انتهى.
قلت: وهكذا وقع بالباء الموحدة المفتوحة عند الحاكم في ((المستدرك))، أي :
جاءت عند النبي ◌َّل نفوس باكية، أو نساء باكيات لانقطاع المطر عنهم، ملتجئة
إليه، قال في ((فتح الودود)): هذه هي الرواية المعتمدة في ((سنن أبي داود))، وقد
صحف كثير منهم نسخ السنن بوجوه متعددة لا يظهر لبعضها معنى صحيح،
انتهى. وقال المنذري: هكذا وقع في روايتنا وفي غيرها مما شاهدناه: ((بواكئ))
بالباء الموحدة المفتوحة، وذكر الخطابي قال: رأيت النبي وَّ يُواكئ - بضم الياء
باثنتين من تحتها، انتهى. قال الحافظ في ((التلخيص)): وقد تعقبه النووي في
((الخلاصة)) وقال: وهذا الذي ادعاه الخطابي لم تأت به الرواية ولا انحصر
الصواب فيه، بل ليس هو واضح المعنى، وصحح بعضهم ما قال الخطابي.
قال الحافظ: وقد رواه البزار بلفظ يزيل الإشكال، وهو عن جابر أن ((بواكي))
أتوا النبي وَّر، وقد أعله الدار قطني في ((العلل)) بالإرسال، وقال: رواية من قال
عن زيد الفقير من غير ذكر جابر أشبه بالصواب، وكذا قال أحمد بن حنبل، كما في
البيهقي (ج٣ ص ٣٥٥)، وجرى النووي في ((الأذكار)) على ظاهره فقال: صحيح
على مسلم، انتهى. قلت: وفي رواية للبيهقي: أتت النبي وَلخير ((هوازن)) بدل
(بواكي)). (اللَّهُمَّ اسْقِنَا) بالوصل والقطع. (غَيْئًا) أي: مطرًا يغينا من الجدب،
فقوله: (مُغِيثًا) بضم الميم تأكيدًا وتجريدًا، وأريد به المنقذ من الشدة على ما في
((النهاية)). قال الطيبي: عقب الغيث وهو المطر الذي يغيث الخلق من القحط
بالمغيث على الإسناد المجازي وإلا فالمغيث في الحقيقة هو الله سبحانه، انتهى.

٢٨٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإِسْتِسْفَاءِ
BASE
وقال القاري: مغيثًا بضم أوله أي: معينًا من الإغاثة بمعنى الإعانة، وقيل: أي:
مشبعًا (مَرِيئًا) بفتح الميم وبالمد وبالهمزة أي: هنيئًا محمود العاقبة لا ضرر فيه من
الغرق والهدم، في ((النهاية)): مرأني الطعام وامرأني: إذا لم يثقل على المعدة
وانحدر عنها طيبًا، وقيل: بفتح الميم وتشديد الياء بغير همز، أبدلت الهمزة ياء ثم
أدغمت، وقيل: هو ناقص، ومعناه: كثيرًا غزيرًا، المري والمرية: الناقة العزيرة
الدر، من المري وهو الحلب، قال التوربشتي: في ((شرح المصابيح)): (مَرِيْئًا)
أي: صالحًا كالطعام الذي يمرأ، ومعناه: الخلو عن كل ما ينقصه كالهدم والغرق،
ويحتمل أن يكون بغير همزة، ومعناه مدرارًا، من قولهم: ناقة مري، أي: كثير
اللبن ولا أحققه رواية، انتهى.
(مَرِيعًا) بفتح الميم وسكون التحتية - أي: ذا مراعة، وهي الخصب، فعيل من
مرع الأرض بالضم مراعة، أي: صارت كثيرة الماء والنبات، وقيل: بضم الميم
وسكون التحتية أي: أسقنا غيثًا كثير النماء ذا ريع، من أراعت الإبل إذا كثرت
أولادها، ويقال: راع الطعام وأراع، إذا صارت له زيادة في العجين والخبز، وروي
((مربعًا)) - بضم الميم وكسر الباء الموحدة - أي: منبتًا للربيع، وهو النبات الذي
يرعاه الشاء في الربيع من أرْبَع الغيث، إذا أنبت الربيع، وقيل: معناه مقيمًا للناس
مغنيًا لهم عن الارتياد والنجعة أي: طلب الكلأ، فالناس يربعون حيث شاؤوا أي:
يقيمون، ولا يحتاجون إلى الانتقال في طلب الكلأ لعمومه جميع البلاد، من أربع
بالمكان إذا أقام به، وروي ((مَرتعًا)) بفتح الميم وبالباء المثناة من فوق، أي: منبتًا ما
ترتع فيه المواشي وترعاه، من الرتع وهو الاتساع في الخصب، فكل خصب
مرتع، ومنه: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢]. (نَافِعًا) إجمال بعد تفصيل. (غَيْرَ ضَارِّ)
تأكيد (عَاجِلاً) في الحال. (غَيْرَ آجِلٍ) مبالغة. (قَالَ) أي: جابر (فَأَطْبَقَتْ) على بناء
الفاعل، وقيل بالمفعول.
(عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ)، يقال: أطبق إذا جعل الطبق على رأس شيء وغطاه به، أي:
جعلت عليهم السحاب كطبق، قيل: أي: ظهر السحاب في ذلك الوقت، وغطاهم
كطبق فوق رؤوسهم، بحيث لا يرون السماء من تراكم السحاب وعمومه

٢٩٠
e
جور
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
se
الجوانب، وقيل: أطبقت بالمطر الدائم، يقال: أطبقت عليه الحمى أي: دامت،
وفي ((شرح السنة)): أي: ملأت، والغيث المطبق: هو العام الواسع.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وأخرجه الحاكم (ج١ ص٣٢٧) والبيهقي (ج٣ ص ٣٥٥)
وسكت عنه أبو داود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين،
ووافقه الذهبي، وقال النووي: صحيح على شرط مسلم، وتقدم أن الدار قطني أعله
في ((العلل)) بإرسال، وقد رويت بعض هذه الألفاظ وبعض معانيها عن جماعة من
الصحابة مرفوعة، ذكرها الشوكاني في ((النيل)).

كِتّابُ الصَّلاةِ
بَابُ الإسْتِسْقَاءِ
٢٩١
الفصل الثالث
١٥٢١ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ
قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ
فِيهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَّ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ
عَلَى الْمِنْبَرِ فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّه ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ
وَاسْتِيخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ
أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ)). ثُمَّ قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِك
يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ
ونَحْنُ الْفُقَرَاءُ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ))
ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَتْرُكِ الرَّفْعَ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهِّرَهُ
وَقَلَّبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ وهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَّى النَّاسِ وَنَزْلَ فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمْ يَأْتِ
مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنُّ ضَحِكَ لِ حَتَّى
بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: ((أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ
وَرَسُولُهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
G O
الْشَّرْجُ
١٥٢١ - قوله: (قُحُوطَ الْمَطَرِ) بضم القاف أي: حبس المطر وفقده، قال
الطيبي: القحوط مصدر كالقحط أو هو جمعه، وأضافه إلى المطر ليشير إلى
عمومه في بلدان شتى، وقال المجد في ((القاموس)): القحط: احتباس المطر،
قحط العام كمَنَعَ وَفَرِحَ وعُنِي قِحطًا، وقَحِط الناسُ كسَمِعَ، وقُحِطوا وأُقْحِطوا
بضمهما لغتان. (فَأَمَرَ) رسول اللَّه ◌َّه. (بِمِنْبَرِ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى) فيه: أنه ◌ِّله
أمر بإخراج المنبر في الاستسقاء إلى المصلى، وخالفه الحنفية فقالوا: لا يخرج.
(١٥٢١) أَبُو دَاوُد (١١٧٣) فيه عنها .

٢٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا) أي: عينه لهم. (يَخْرُجُونَ فِيهِ) أي: في ذلك اليوم، وفيه ما
يدل على أنه يحسن تقديم تبيين اليوم للناس؛ ليتأهبوا ويتخلصوا من المظالم
ونحوها، ويقدموا التوبة، وهذه الأمور واجبة مطلقًا، إلا أنه مع حصول الشدة
وطلب تفريجها من الله تعالى يتضيق ذلك، وقد ورد في الإسرائيليات: إن الله حرم
قومًا من بني إسرائيل السقيا؛ لأنه كان فيهم عاصٍ واحد، وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ
أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ الشَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم
[الأعراف: ٩٦] ولفظ الناس يعم المسلمين وغيرهم، قيل:
٩٦
بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
فيشرع إخراج أهل الذمة، ويعتزلون المصلى. وقال ابن قدامة: لا يستحب إخراج
أهل الذمة، وإن خرجوا لم يمنعوا، ويؤمروا بالانفراد عن المسلمين. (حِينَ بَدَا)
بالألف لا بالهمز أي: ظهر.
(حَاجِبُ الشَّمْسِ) أي: أولها أو ناحيتها. قال مَيْرَك: الظاهر أن المراد بالحاجب
ما طلع أولًا من جرم الشمس مستدقًّا مشبهًا بالحاجب. وقال في ((المغرب)):
حاجب الشمس: أول ما يبدو من الشمس، مستعار من حاجب الوجه. وقال في
((القاموس)): حاجب الشمس ضوءها أو ناحيتها، انتهى. وإنما سمي الضوء
حاجبًا؛ لأنه يحجب جرمها عن الإدراك، وفيه: استحباب الخروج لصلاة
الاستسقاء عند طلوع الشمس. قال القسطلاني بعد ذكر حديث عائشة هذا ما لفظه :
وبهذا أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة فقالوا: إن وقتها وقت صلاة العيد،
والراجح عند الشافعية: أنه لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، بل
جميع الليل والنهار وقت لها؛ لأنها ذات سبب فدارت مع سببها كصلاة الكسوف،
لكن وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح الماوردي وابن الصلاح لهذا
الحدیث، انتھی.
قلت: ظاهر كلام العيني في ((شرح الهداية)) أن مذهب الحنفية التعميم، فإنه
قال: ثم الاستسقاء لا يختص بوقت صلاة العيد ولا بغيره ولا بيوم، وقيل: يختص
بوقت صلاة العيد، والصحيح أنه لا يختص، وفي ((المدونة)): يصلي ركعتين
ضحوة فقط .
وقال ابن قدامة: ليس لصلاة الاستسقاء وقت معين إلا أنها لا تفعل في وقت

٢٩٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإِسْتِسْفَاءِ
EXXSE
النهي بغير خلاف، قال: والأولى فعلها في وقت العيد؛ لحديث عائشة عند أبي
داود؛ ولأنها تشبهها في الموضع والصفة فكذلك في الوقت؛ لأن وقتها لا يفوت
بزوال الشمس؛ لأنها ليس لها يوم معين فلا يكون لها وقت معين، انتهى. وهذا
الاختلاف إنما هو في الاستسقاء الذي يكون معهودًا بالصلاة، وأما بمجرد الدعاء،
فلا وقت له بلا خلاف.
(فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ) فيه استحباب الصعود على المنبر لخطبة الاستسقاء، وإليه
ذهب أحمد. قال ابن قدامة: قال أبو بكر: اتفقوا عن أبي عبد الله أن في صلاة
الاستسقاء خطبة وصعودًا على المنبر، انتهى. ومنعه الحنفية، قال في ((البدائع)): لا
يخرج المنبر في الاستسقاء ولا يصعده لو كان في موضع الدعاء منبر؛ لأنه خلاف
السنة، انتهى. وحديث عائشة هذا نص في إخراج المنبر والصعود عليه، وهو
حديث متصل جيد الإسناد كما قال أبو داود، وقد أقره المنذري، وصححه
الحاكم، ووافقه الذهبي وابن السكن، ويؤيده لفظ: فرقى المنبر في حديث ابن
عباس عند أبي داود وغيره، فالظاهر ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه من استحباب
إخراج المنبر، والصعود عليه لخطبة الاستسقاء، وهذا بخلاف العيد، فإن إخراج
المنبر فيه أمر منكر، فقد عابه الناس على مروان عند إخراجه المنبر في العيدين
ونسبوه إلى خلاف السنة كما تقدم، ولا يخالفه ما روى البخاري وغيره أن عبد الله
ابن يزيد خرج ومعه البراء بن عازب وزيد بن أرقم فاستسقى، فقام لهم على رجليه
على غير منبر، فاستسقى ثم صلى ركعتين ... الحديث. لأن إخراج المنبر
والصعود عليه لخطبة الاستسقاء ليس واجبًا، ولا سنة مؤكدة، فلا يكون في تركه
الأمر بإخراج المنبر وفي تركهم الإنكار عليه دليل على كونه خلاف السنة.
(إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ) إلى الله ورسوله. (جَدْبَ دِيَارِكُمْ) بفتح الجيم وسكون المهملة
أي: قحطها. (وَاسْتِيخَارَ الْمَطَرِ) أي: تأخره. قال الطيبي: والسين للمبالغة يقال:
استأخر الشيء إذا تأخر تأخرًا بعيدًا. (عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ) بكسر الهمزة بعدها باء
موحدة مشددة أي: عن أول زمان المطر، والإبان: أول الشيء. قال في ((النهاية)):
قيل: نونه أصلية فيكون فعالًا، وقيل: زائدة فيكون فعلان من آب الشيء يؤب، إذا
تهيأ للذهاب، وفي ((القاموس)): إبان الشيء بالكسر حينه أو أوله. (عَنْكُمْ) متعلق
بـ((استیخار)) .

٢٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) في كتابِهِ. (أَنْ تَدْعُوهُ) أي: دائمًا، خصوصًا عند الشدائد. قال
تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. (وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ) كما في الآية
الأولى، وفي قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]. (مَالِكِ يَوْم الدِّينِ) قال القاري: بالألف في جميع النسخ، انتهى.
وكذا وقع في ((جامع الأصول)) (ج ٧: ص١٣٧) وفي ((سنن أبي داود)): ((مَلِكِ يَوْمِ
الدِّينِ)) بقصر الميم أي: بلا ألف بعد الميم، وكذا عند البيهقي، قال أبو داود بعدَ
رواية الحديث: أهل المدينة يقرؤون: ((ملك يوم الدين)) بِغِيْر ألِفٍ، وأن هذا
الحدیث حجة لهم، انتهى.
(وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ) أي: إلى إيجادك وإمدادك. (الْغَيْثَ) أي: المطر الذي يغيثنا
من الضرر. (مَا أَنْزَلْتَ) أي: من الخير المنزل. (قُوَّةً) أي: سببًا لقوتنا على
الطاعة. (وَبَلَاغًا) أي: زادًا يبلغنا. (إِلَى حِينٍ) أي: إلى زمان طويل، يعني: مُدَّهُ لنا
مدَّا طويلًا، ليكمل ويتم انتفاعنا به. قال الطَّيبي: البلاغ ما يتبلغ به إلى المطلوب.
والمعنى: اجعل الخير الذي أنزل علينا سببًا لقوتنا، ومددًا لنا مددًا طوالًا، وفي
بعض نسخ أبي داود: ((إِلَى خَيْرٍ)) بدل: ((إِلَى حِينٍ)».
(ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ) أي: للدعاء. (فَلَمْ يَتْرُكِ الرَّفْعَ) بل بالغ فيه، كذا في جميع النسخ
((فلم يترك))، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ٧: ص ١٣٧) وكذا وقع
عند البيهقي. وفي أبي داود: ((فلم يزل في الرفع))، وكذا وقع في ((المستدرك))،
وكذا نقله المجد في ((المنتقى)) والزيلعي في ((نصب الراية)): والحافظ في ((بلوغ
المرام)). (حَتَّى بَدَا) أي: ظهر. (بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) فيه: استحباب المبالغة في رفع
اليدين في دعاء الاستسقاء، وقد تقدم بيانه. (ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ) فاستقبل
القبلة، إشارة إلى الرجوع إلى الله، والانقطاع عما سواه. (وَقَلَّبَ) بالتشديد
والتخفيف. (أَوْ حَوَّلَ) شك من الراوي.
(رِدَاءَهُ) فيه: استحباب تحويل الرداء عند استقبال الخطيب القبلة. (وَهُوَ رَافِعٌ
يَدَيْهِ) حال من قوله: ((حول إلى الناس ظهره))، يعني هذه الحالة كانت موجودة في
حال تحويل ظهره أيضًا. (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) أي: توجه إليهم بعد تحويل ظهره
عنهم. (وَنَزَلَ) من المنبر. (فَأَنْشَأَ اللَّهُ) أي: أوجد وأحدث. (فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ)
بفتح الراء أي: ظهر فيها الرعد والبرق فالنسبة مجازية.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإسْتِسْقَاءِ
٢٩٥
(ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ) بالألف من الإمطار، وفيه: دليل للمذهب المختار الذي
عليه الأكثرون والمحققون من أهل اللغة، أن: أمطرت ومطرت لغتان في المطر،
خلافًا لما قال بعض أهل اللغة أنه لا يقال: أمطرت إلا في العذاب. (فَلَمْ يَأْتِ)
رسول اللَّه وَ لَه من المحل الذي استسقى فيه من الصحراء. (مَسْجِدَهُ) النبوي.
(حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ) من جميع الجوانب. (فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ) أي: سرعة مشيهم
والتجائهم. (إِلَى الْكِنِّ) بكسر الكاف وتشديد النون، وهو ما يرد به الحر والبرد من
المساكن. وقال في ((القاموس)): الكن وقاء كل شيء وستره، كالكنة والكنان
بكسرهما والبيت والجمع أكنان وأكنة، انتهى. (ضَحِكَ بَِّ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ)
النواجذ على ما ذكره صاحب ((القاموس)): أقصى الأضراس، وهي أربعة، أو هي
الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها جمع ناجذ، والنجذ شدة
العض بها، انتهى. قال الطيبي: كان ضحكه تعجبًا من طلبهم المطر اضطرارًا ثم
طلبهم الكن عنه فرارًا، ومن عظيم قدرة الله، وإظهار قربة رسوله وصدقه بإجابة
دعائه سريعًا، ولصدقه أتى بالشهادتين.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد، وأخرجه أيضًا أبو عوانة
وابن حبان والحاكم (ج١ : ص٣٢٨) والبيهقي (ج٣ : ص٣٤٩) وصححه الحاكم،
ووافقه الذهبي وصححه أيضًا أبوعلي بن السكن، كما في ((التلخيص)).
١٥٢٢- [١٣] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا قُحِطُوا
اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا
فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، فَيُسْقَوْنَ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
G O
الْشَّرْجُ
١٥٢٢ - قوله: (كَانَ إِذَا قُحِطُوا) بضم القاف وكسر الحاء المهملة أي:
أصابهم القحط. (اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ) أي: توسل عمر بدعائه وشفاعته في
(١٥٢٢) البُخَارِي (١٠١٠) فیه عنه.

٢٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الاستسقاء. وقال القاري: أي: تشفع به في الاستسقاء بعد استغفاره ودعائه. (بْن
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) للرحم التي بينه وبين النبي وََّ، فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه إلى
من أمر بصلة الأرحام؛ ليكون ذلك وسيلة إلى رحمة الله.
قال الحافظ: وقد بين الزبير بن بكار في ((الأنساب)) صفة ما دعا به العباس في
هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك؛ فأخرج بإسناده: أن العباس لما استسقى
به عمر قال: اللهم إنه لم ینزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي
القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة،
فاسقنا الغيث. فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس.
وأخرج أيضًا من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب
عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب ... فذكر الحديث وفيه: فخطب الناس عمر
فقال: إن رسول اللَّه ◌َ له كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس
برسول اللّه وَ ل﴾ في عمه العباس، واتخذوه وسيلة إلى الله، وفيه: ((فما برحوا حتى
سقاهم الله))، وذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة ثمان عشرة، وكان
ابتداؤه مصدر الحاج منها ودام تسعة أشهر، والرمادة: بفتح الراء وتخفيف الميم،
سمي العام بها؛ لما حصل من شدة الجدب فأغبرت الأرض جدًّا من عدم المطر،
انتھی .
وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان: فلما صعد عمر
ومعه العباس المنبر قال عمر: اللهم توجهنا إليك بعم نبيك وصنو أبيه، فاسقنا
الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، ثم قال: قل يا أبا الفضل، فقال العباس: اللهم لم
ينزل بلاء إلا بذنب ... إلخ.
(اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا) أي: بدعائه وشفاعته في حال حياته لا بذاته.
(فَتَسْقِيْنَا) بفتح حرف المضارعة وضمها. (وَإِنَّا) أي: بعده. (نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ
نَبِيِّنَا) العباس أي: بدعائه وشفاعته. (فَاسْقِنَا) بالوجهين. (فَيُسْقَوْنَ) في هذه القصة
الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيها فضل العباس وفضل
عمر؛ لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه، قاله الحافظ. وقد استدل القبوريون بهذا
الحديث على التوسل المعهود فيما بينهم. وهو مردود، فإن التوسل المذكور في

٢٩٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإِسْتِسْمَاءِ
الحديث ليس هو التوسل بذات الحي أو الميت، أو التوسل بذكر اسمه، بل إنما
هو التوسل بدعاء الحي وشفاعته، والذي فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من
معه من الصحابة والتابعين؛ فتوسلوا بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي، كما توسل
عمر بالعباس، وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم أنه
يتوسل في الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح، قالوا: وإن كان من أقارب
رسول اللَّه ◌َاله، فهو أفضل اقتداء بعمر، ولم يقل أحد من أهل العلم: يسأل الله
تعالى في ذلك بمخلوق لا بنبي ولا بغير نبي.
قال ابن قدامة (ج٢: ص٤٣٩): ويستحب أن يُستسقى بمن ظهر صلاحه؛ لأنه
أقرب إلى إجابة الدعاء. ثم ذكر قصة استسقاء عمر بدعاء العباس، وقصة استسقاء
معاوية والضحاك بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي.
وقال صاحب ((فيض الباري)): ليس في الحديث التوسل المعهود الذي يكون
بالغائب حتى قد لا يكون به شعور أصلاً، بل فيه توسل السلف، وهو أن يُقَدِّمَ رجلًا
ذا وجاهة عند الله تعالى ويأمره أن يدعو لهم، ثم يحيل عليه في دعائه، كما فعل
بعباس رََّهُ عم النبي وَّ، ولو كان فيه توسل المتأخرين - أي: من الحنفية ومنهم
القبوريون - لما احتاجوا إلى إذهاب العباس معهم، ولكفى لهم التوسل بنبيهم بعد
وفاته أيضًا أو بالعباس مع عدم شهوده معهم، انتهى.
هذا، وقد بسط الكلام في الرد على استدلال القبوريين بهذا الحديث الإمامُ تقي
الدين ابن تيمية في رسالته ((التوسل)) (ص ٥٠، ٥١، ٨٦، ٨٧، ١١٠) والعلامة
السهسواني في ((صيانة الإنسان)) (ص ١٣١ - ٢١٠) فعليك أن ترجع إليهما.
(رَوَاهُ البُخَارِيّ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٣: ص٣٥٢) وقد وقع في رواية
الإسماعيلي رفع هذا الحديث، ولفظه: قال - أي: أنس: كانوا إذا قحطوا على
عهد النبي وَلَّه استسقوا به، فيستسقي لهم فيسقون، فلما كان في إمارة عمر ...
الحديث. وكذا أخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، كما في ((الفتح)).

٢٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٥٢٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ:
((خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمَهَا
إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَّكُمْ مِنْ أجْلِ هَذِهِ النَّمْلَةِ)).
[رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ] {صحيح}
الْشِّرْجُ
١٥٢٣ - قوله: (خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) هو سليمان ◌َُّ. (بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي)
فيه دلالة على أن الاستسقاء شرع قديم والخروج له كذلك. (فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعةٍ
بَعْضَ قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ارْجِعُوا ... ) إلخ. وفي لفظ لأحمد: ((خَرَجَ سُلَيْمَانُ
يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا
خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ لَيْسَ بِنَا غِنَى عَنْ سُقْيَاك، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيْتُمْ بِدَعْوةٍ غَيْرِكُمْ)).
(مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الثَّمْلَةِ) فِي ((السنن)) للدار قطني: ((من أجل شأن هذه النملة)) وفي
الحديث: إظهار عظمة الله تعالى وقدرته وغناه عما سواه، وفيه بيان رأفته ورحمته
على كافة المخلوقات، وإحاطة علمه بأحوال سائر الموجودات، وأنه مسبب
الأسباب، وقاضي الحاجات، وأن للبهائم إدراكًا يتعلق بمعرفة الله، ومعرفة
بذكره، فتطلب الحاجات منه.
(رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي) وأخرجه أيضًا أحمد والحاكم (ج١ : ص٣٢٥) وقال: صحيح
الإسناد، ووافقه الذهبي، وأخرجه الطحاوي من طرق، منها: من حديث أبي
الصديق الناجي قال: خرج سليمان فعاليَّ ... فذكره، وفي آخره: ((ارْجِعُوا فَقَدْ
كُفِيْتُم بِغَيْرِكُمْ))، وفي ابن ماجه من حديث ابن عمر في أثناء حديث: ((ولولا البهائم
لم يمطروا))، وفي إسناده خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، وهو
ضعيف، وفي حديث أبي هريرة عند أبي يعلى والبزار والبيهقي، ((مهلًا عن اللَّه
مهلًا فإنه لولا شباب خُشَّع وبهائم رُتَّع، وأطفال رُضَّع لصُبَّ عليكم العذاب صبًّا»،
(١٥٢٣) الدَّارَ قُطْني (٦٦/٢) فيه عن أبي هريرة ◌َوْ فَهُ.

٢٩٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإِسْتِسْقَاءِ
وفي إسناده إبراهيم بن خثيم بن عراك، وقد ضعفوه، وأخرجه أبو نعيم والبيهقي
وابن عدي من طريق مالك بن عبيدة بن مسافع عن أبيه عن جده ومالك بن عبيده
قال: أبوحاتم وابن معين: مجهول، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن عدي: ليس له غير هذا الحديث، وله شاهد مرسل أخرجه أبو نعيم
أيضًا.
فائدة: إذا تأخر المطلوب - أي: لم يسقوا بعد الخروج إلى الصحراء وصلاة
الاستسقاء - كرروا الخروج في اليوم الثاني والثالث لا أكثر، وهذا عند الحنفية
والحنابلة، وأما عند الشافعية والمالكية: فيكرروا الخروج ثانيًا وثالثًا وأكثر حتى
يسقوا، وإذا سقوا قبل الخروج وقد كانوا تأهبوا للخروج خرجوا وصلوا شكرًا لله
تعالى وحمدوه ودعوه، وسألوه المزيد من فضله، وكذلك إذا خرجوا وسقوا قبل
أن يصلوا .
فائدة أخرى: إذا كثر المطر بحيث يضرهم، أو مياه الأنهار والعيون؛ دعوا الله
تعالى أن يخففه ويصرف عنهم مضرته، ويجعله في أماكن تنفع ولا تضر، كدعاء
النبيِوَلَ: بـ«اللَّهُمَّ حَوَالَينَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظَّرَابِ، وَالْآَكَامِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ،
وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ))، ولأن الضرر بزيادة المطر أحد الضررين، فيستحب الدعاء لإزالته
كانقطاعه، وأما النداء بكلمات الأذان المشروعة للإعلام بأوقات الصلوات
الخمس، لرفع المطر أو تخفيفه عند الضرر بكثرته - كما يفعله القبوریون - فليس
في شيء من السنة، ولم يعرف في عهد السلف الصالح من الصحابة والتابعين،
ولم يؤثر من أتباعهم.