النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Bese
أُصَلِّي))، وفي رواية: ((لَقَدْ مُثِّلَتْ))، ولمسلم: ((لَقَدْ صُوِّرَتْ))، ولا يقال: إن
الانطباع، إنما هو في الأجسام الصقيلة؛ لأن ذلك شرط عادي، فيجوز أن تنخرق
العادة خصوصًا للنبي وَّ، لكن هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر، ولا مانع
أن يرى الجنة والنار مرتين، بل مرارًا على صور مختلفة، وأبعد من قال: إن المراد
بالرؤية: رؤية العلم.
قال القرطبي: لا إحالة في بقاء هذه الأمور على ظواهرها، ولاسيما على مذهب
أهل السنة أن الجنة والنار قد خلقتا، وهما موجودتان الآن، فيرجع إلى أن الله
تعالى خلق لنبيه إدراكًا خاصًّا به أدرك الجنة والنار على حقيقتهما. (فَتَنَاوَلْتُ) بين
سعيد بن منصور في ((سننه)) من وجه آخر، أن التناول كان حين قيامه الثاني من
الركعة الثانية، ذكره الحافظ. (مِنْهَا) أي: من الجنة. (عُنْقُودًا) بضم العين، وهو
من العنب ونحوه، ما تراكم من حبه، وقيل: المراد: قطعة من العنب.
(وَلَوْ أَخَذْتُهُ) وفي رواية أخرى للبخاري: ((وَلَوْ أَصَبْتُهُ))، واستشكل هذا مع
قوله: ((فَتَنَاوَلْتُ))، وأجيب: بأنه يحمل التناول على تكلف الأخذ لا حقيقة الأخذ.
وقيل: المراد تناولت لنفسي، ولو أخذته لكم وأعطيتكم، حكاه الكرماني وليس
بجيد. وقيل: المراد بقوله: ((تناولت))، وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا على
تحويله، لكن لم يقدر لي قطفه ولو أخذته أي: لو تمكنت من قطفه، ويدل عليه
قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: ((أهوى بيده ليتناول شيئًا))، وفي
حديث أسماء المذكور: ((حتى لو اجترأت عليها))، وكأنه لم يؤذن له في ذلك فلم
يجترئ علیه.
وقيل: الإرادة مقدرة، أي: أردت أن أتناول ثم لم أفعل، ويؤيده حديث جابر
عند مسلم: ((وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتْنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي
أَنْ لَا أَفْعَلَ))، ومثله للبخاري من حديث عائشة في آخر الصلاة بلفظ: ((حَتَّى لَقَدْ
رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًّا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ))، ولعبد الرزاق من
طريق مرسلة: ((أَرَدْتُ أَنْ آخُذَ مِنْهَا قِطْفًّا لَأَرَيْكُمُوهُ فَلَمْ يُقَدَّرْ))، ولأحمد من حديث
جابر: ((فَحِيلَ بَيْتِي وَبَيْتَهُ))، كذا في ((الفتح)). (لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ) أي: من العنقود.
(مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا) وجه ذلك أنه يخلق الله تعالى مكان كل حبة تقتطف حبة أخرى

٢٢١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْخُسْوِفِ
كما هو المروي في خواص ثمر الجنة، والخطاب عام في كل جماعة يتأتى منهم
السماع والأكل إلى يوم القيامة، لقوله: ((مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا))، وسبب تركه وَّةِ تناول
العنقود، قال ابن بطال: لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفنى والدنيا فانية لا يجوز أن
يؤكل فيها ما لا يفنى. وقيل: لأنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا
بالغيب، فيخشى أن يقع رفع التوبة والتكليف، فلا ينفع نفسًا إيمانها. وقيل: لأن
الجنة جزاء الأعمال والجزاء بها لا يقع إلا في الآخرة.
(وَرَأَيْتُ النَّارَ) كانت رؤيته وَلَهَ النار قبل رؤيته للجنة لما وقع في رواية عبد
الرزاق المذكورة: عرضت على النبي ◌َّ﴿ النار، فتأخر عن مصلاه حتى أن الناس
ليركب بعضهم بعضًا، وإذا رجع عرضت عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في
مصلاه، ولمسلم من حديث جابر: ((لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ حِينَ رَأَيْتُمُونِ تَأَخَّرْتُ؛ مَخَافَةً
أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْجِهَا))، وفيه: ((ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ وَذَلِكِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى
قُمْتُ فِي مَقَامِي))، وزاد فيه: ((مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاِ هَذِهِ))،
واللام في النار للعهد أي: رأيت نار جهنم.
(فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ) أي: مثل الچٍوم، والمراد من اليوم: الوقت الذي هو فيه.
(مَنْظَرًا) منصوبَ ب((لم أر)). (قَطّ) بتشديد الطاء ظرف للماضي أي: أبدًا، قال
القاري: أي: لم أر منظرًا مثل منظر اليوم، فقوله كاليوم صفة منظرًا، فلما قدم
نصب على الحال (أَفْظَعَ) أي: أقبح وأبشع وأشنع وأسوأ، كذا وقع في جميع
النسخ الموجودة ((للمشكاة))، وكذا في النسخ الموجودة ((للموطأ)) من طبعات
الهند، ولفظ ((المصابيح)) فلم أر كاليوم منظرًا أفظع قط منها، ولفظ البخاري في
النكاح من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك عن زيد بن أسلم والنسائي، من
طريق ابن القاسم عن مالك ومسلم من طريق حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم
بلفظ: (فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطَ)) أي: بدون لفظ ((أفظع))، وكذا وقع في نسخ
((الموطأ)) من طبعات مصر، ورواه البيهقي من طريق القعنبي بلفظ: ((فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ
مَنْظَرًا أَفْظَعَ مِنْهَا))، قال البيهقي: ورواه الشافعي أي: عن مالك ولم يذكر قوله:
((أَفْظَعَ مِنْهَا)) والباقي سواء، انتهى.
ورواه البخاري في صلاة الكسوف من طريق القعنبي بلفظ: ((فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا

٢٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
كَالْيَوْمِ قَطَّ أَفْطَعَ))، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ٧ ص١١٦) قال
الحافظَ: أي: لم أر منظرًا مثل منظر رأيته اليوم، فحذف المرئي وأدخل التشبيه
على اليوم؛ لبشاعة ما رأى فيه وبعده عن النظر المألوف، وقيل: الكاف اسم،
والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا، وقال القسطلاني: منظرًا نصب
بـ((أَرَ)) وأفظع صفة للمنصوب و((كاليوم قط)) اعتراض بين الصفة والموصوف،
وأدخل كاف التشبيه عليه؛ لبشاعة ما رأى فيه، وجوز الخطابي في ((أفظع)) وجهين :
أن يكون بمعنى فظيع كأكبر بمعنى كبير، وأن يكون أفعل تفضيل على بابه على
تقدير منه فصفة فعل التفضيل محذوفة.
قال ابن السيد: العرب تقول: ما رأيت كاليوم رجلًا، وما رأيت كاليوم منظرًا،
والرجل والمنظر لا يصح أن يشبها باليوم، والنحاة تقول معناه: ما رأيت كرجل
أراه اليوم رجلًا، وما رأيت كمنظر رأيته اليوم منظرًا.
وتلخيصه: ما رأيت كرجل اليوم رجلًا وكمنظر اليوم منظرًا، فحذف المضاف
وأقيم المضاف إليه مقامه، وجازت إضافة الرجل، والمنظر إلى اليوم لتعلقهما به
وملابستهما له باعتبار رؤيتهما فيه، وقال غيره: الكاف هنا اسم، وتقديره: ما رأيت
مثل منظر هذا اليوم منظرًا، و((منظرًا)) تمييز، ومراده باليوم الوقت الذي هو فيه،
ذكره الدماميني والبرماوي، لكن تعقب الدماميني الأخير وهو قوله: وقال
غيره ... إلخ. بأن اعتباره في الحديث يلزم منه تقديم التمييز على عامله،
والصحيح منعه. فالظاهر في إعرابه أن ((منظرًا)) مفعول ((أرَ)) وكـ((اليوم)) ظرف مستقر
صفة له، وهو بتقدير مضاف محذوف، كما تقدم أي: كمنظر اليوم، و((قط)) ظرف
((أَرَ)) و((أفظع)) حال من اليوم على ذلك التقدير، والمفضل عليه، وجارٌ ومجرور
محذوفان، أي: كمنظر اليوم حال كونه أفظع من غيره، انتهى.
(وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) استشكل مع حديث أبي هريرة أن أدنى أهل الجنة
منزلة من له زوجتان من الدنيا، ومقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة، وأجيب: بحمل
حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهن من النار، وما قيل: إنه خرج مخرج
التغليظ والتخويف فهو لغو؛ لأنه إخبار عن الرؤية الحاصلة، وفي حديث جابر:
(وَأَكْثَرُ مَنْ رَأَيْتُ فِيهَا النِّسَاءُ اللَِّي إِنِ اقْتُمِنَّ أَفْشَيْنَ، وَإِنْ سُئِلْنَ بَخِلْنَ، وَإِنْ سَأَلْنَ

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْخُسُوفِ
٢٢٣
أَلْحِفْنَ، وَإِنْ أُعْطِينَ لَمْ يَشْكُرْنَ)) فدل على أن المرئي في النار منهن من اتصف
بصفات ذميمة .
قال الحافظ: حديث ابن عباس يفسر وقت الرؤية في قوله وَل لهن في خطبة
العيد: ((تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ))، قال النووي: فيه دليل على أن بعض
الناس اليوم معذب في جهنم.
(قَالُوا) أي : الصحابة. (بِمَ؟) كذا في البخاي في صلاة الكسوف بالباء أصله بما
بالألف وحذفت تخفيفًا، أي: بسبب أي: شيء من الأعمال، وللبخاري في النكاح
لِمَ باللام، وكذا في مسلم والنسائي: قِيْلَ: يَكْفُرْنَ. بحذف همزة الاستفهام،
والقائل: أسماء بنت يزيد بن السكن التي تعرف بخطيبة النساء كما يدل عليه رواية
البيهقي والطبراني من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد (قَالَ: يَكْفُرْنَ
الْعَشِيرَ) قال الحافظ: كذا للجمهور عن مالك بلا واو، وكذا عند مسلم من رواية
حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، ووقع في ((موطأ)) يحيى بن يحيى قال: ((ويكفرن
العشير)) بزيادة واو، وقال ابن عبد البر: هكذا لیحیی وحده بالواو، ولم يزدها
غيره، والمحفوظ عن مالك من رواية سائر الرواة بلا واو. قال الحافظ: ورواية
يحيى وإن كانت شاذة، لكن معناها صحيح؛ لأن الجواب طابق السؤال وزاد،
وذلك أنه أطلق لفظ النساء فعم منهن المؤمنة والكافرة، فلما قيل: أيكفرن بالله؟
فأجاب: ويكفرن العشير ... إلخ، وكأنه قال: نعم، يقع منهن الكفر بالله وغيره؛
لأن منهن من يكفر بالله، ومنهن من يكفر الإحسان.
وقال ابن عبد البر: وجه رواية يحيى أن يكون الجواب لم يقع على وفق سؤال
السائل لإحاطة العلم، بأن من النساء من يكفر بالله فلم يحتج إلى جوابه؛ لأن
المقصود في الحديث خلافه، انتهى. والعشير: الزوج وحمله بعضهم على
العموم، وقال: أراد به كل من يعاشرها من زوج أو غيره، والألف واللام على
الأول للعهد، وعلى الثاني للجنس، قيل: لم يُعَدِّ كفر العشير بالباء كما عَدَّى الكفر
بالله؛ لأن كفر العشير لا يتضمن معنى الاعتراف بخلاف الكفر، مبينة للجملة
الأولى على طريق أعجبني زيد وكرمه، وكفر الإحسان تغطيته، وعدم الاعتراف
به، أو جحده وإنكاره، كما يدل عليه قوله: (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ)

٢٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالنصب على الظرفية، زاد في رواية البخاري في صلاة الكسوف ((كُلَّهُ))، أي: تمام
عمر الرجل، أو الزمان جميعه لقصد المبالغة، والخطاب في ((أحسنت)) لكل من
يصلح لذلك من الرجال، فهو خطاب خاصٌّ لفظًا، عَامٌّ معنَّى. (شَيْئًا) أي: ولو
حقيرًا لا يوافق هواها من أي نوع كان. وقيل: التنوين فيه للتقليل أي: شيئًا قليلًا لا
يوافق غرضها (خَيْرًا) قليلاً. (قَطَّ) أي: في جميع ما مضى من العمر، وفي
الحديث: المبادرة إلى الطاعة عند رؤية ما يحذر منه، واستدفاع البلاء بذكر الله،
وأنواع طاعته، وتحريم كفران الحقوق، ووجوب شكر المنعم وغير ذلك من
الفوائد الكثيرة التي ذكرت في شرحي البخاري للحافظ والعيني وشرح مسلم
للنووي .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٢٩٨، ٣٥٨) ومالك وأبو داود
والنسائي والبيهقي (ج ٣ ص٣٢١).
١٤٩٧ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَتْ: ثُمَّ سَجَدَ
فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَّ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ
وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ، وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ
لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا،
وَتَصَدَّقُوا)) ثُمَّ قَالَ: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ
عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا،
وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».
[متفق عليه]
الْشَّرْحُ
١٤٩٧ - قوله: (وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ) برفع نحو أي: مثل
حديثه في المعنى. (ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ) كالركوع. (ثُمَّ انْصَرَفَ) عن الصلاة
بالسلام بعد التشهد. (وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ) بنون بعد ألف الوصل أي: صفت
وانكشفت. (فَخَطَبَ النَّاسَ) هذا ظاهر في الدلالة على أن لصلاة الكسوف خطبة.
(١٤٩٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٠٤٤)، مسلم (٩٠١) فِيهَا عَنْهَا .

٢٢٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْحُسْوفِ
قال العيني: حديث الباب صريح في الخطبة، وبها قال الشافعي وإسحاق وابن
جرير وفقهاء أصحاب الحديث.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا خطبة فيها. قالوا: لأن النبي وَلّ أمرهم
بالصلاة والتكبير والصدقة ولم يأمرهم بالخطبة، ولو كانت سنة لأمرهم بها، وإنما
خطب وَلولي بعد الصلاة؛ ليعلمهم حكمها فكأنه مختص به. وقيل: خطب بعدها لا
لها بخصوصها بل ليردهم عن قولهم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم،
وليخبرهم بما رأى في الصلاة من الجنة والنار وغيرهما من الآيات، كما في
الحديث؛ ولذا خطب بعد الانجلاء، ولو كانت سنة لخطب قبله كالصلاة
والدعاء.
وأجيب عن الأول: بأن المشروعية والسنية لا تتوقف على البيان بالقول بل تثبت
بفعله وَ لّ أيضًا، وهاهنا قد ورد ذكر الخطبة بعد صلاة الكسوف في أحاديث كثيرة
صحيحة، فلا شك في مشروعيتها واستحبابها، وعن الثاني بما في الأحاديث
الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة
وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف
والإخبار بما رأى من الجنة والنار، وغيرهما من الآيات، كما لا يخفى على من
تأمل في حديث أسماء وحديث عائشة متفق عليهما، وحديث جابر عند مسلم
وحديث سمرة عند أحمد والحاكم، والأصل مشروعية الاتباع والخصائص لا
تثبت إلا بدليل .
وقال ابن دقيق العيد: العذر المذكور ضعيف؛ لأن الخطبة لا تنحصر مقاصدها
في شيء معين بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد، والثناء، والموعظة،
وقد يكون بعض هذه الأمور داخلاً في مقاصدها مثل ذكر الجنة والنار، وكونهما
من آيات الله، بل هو كذلك جزمًا، انتهى.
قال الحافظ: وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة
الكسوف، فينبغي التأسي بالنبي وَ لّر، فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف،
انتهى. وذكر الزيلعي كلام ابن دقيق العيد بتمامه ولم يتعقبه بشيء.
قال صاحب ((الهداية)) من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لم ينقل.

٢٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وتعقب: بأن الأحاديث قد ثبتت فيه، وهي ذات كثرة، قال الزيلعي في ((نصب
الراية)) (ج ٢ ص ٢٣٦) بعد ذكر كلام صاحب ((الهداية)) المذكور: هذا غلط، ثم
ذكر أحاديث أسماء وابن عباس وعائشة متفق عليها، وحديث جابر عند مسلم،
وحديث سمرة عند أحمد، وحديث عمرو بن العاص عند ابن حبان، وكلها مشتمل
على ذكر الخطبة، وما قال فيها، وقال الحافظ في ((الدراية)) (ص١٣٨) بعد ذكر
كلام صاحب ((الهداية)): وهذا النفي مردود بما في ((الصحيحين)) عن أسماء: ثم
انصرف بعد أن تجلت الشمس فقام فخطب الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه ...
الحديث. وفي المتفق أيضًا عن ابن عباس وعائشة، ولمسلم عن جابر ولأحمد
والحاكم عن سمرة ولابن حبان عن عمرو بن العاص، انتهى.
قال بعض الحنفية: لعل مراد صاحب ((الهداية)) بقوله: لم ينقل، أي: الأمر بها
كما نقل الأمر بالصلاة والذكر والدعاء وغير ذلك. قلت: صاحب ((الهداية)) قد
نفى نقل الخطبة مطلقًا، وهو الذي فهمه الزيلعي والحافظ، ولذلك اتفقا على
تغليطه والرد عليه، والاحتمال الذي ذكره هذا البعض خلاف الظاهر فهو مردود.
واحتج بعض أصحاب مالك على ترك الخطبة، بأنه لم ينقل في الحديث أنه صعد
المنبر. وقد زيفه ابن المنير بأن المنبر ليس شرطًا، ثم لا يلزم من أنه لم يذكر أنه لم
يقع، قلت: ورد ذكر صعود المنبر صريحًا في حديث عائشة عند النسائي وحديث
أسماء عند أحمد (ج٦ ص٣٥٤)، قال الحافظ: صرح أحمد والنسائي وابن حبان
في روايتهم بأنه صعد المنبر، وكذا قال الزيلعي في ((نصب الراية)). (فَحَمِدَ اللَّهَ
وَأَثْنَى عَلَيْهِ) زاد النسائي والبيهقي والحاكم في حديث سمرة، ((وشهد أنه عبد الله
ورسوله)).
(فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) أي: الكسوف في أحدهما. (فَادْعُوا اللَّهَ) قال القسطلاني:
وللحموي والمستملي: ((فَاذْكُرُوا اللَّهَ))، بدل رواية الكشمهيني ((فَادْعُوا اللَّهَ))،
انتهى. قال ابن الملك: إنما أمر بالدعاء؛ لأن النفوس عند مشاهدة ما هو خارق
للعادة تكون معرضة عن الدنيا، ومتوجهة إلى الحضرة العلياء فتكون أقرب إلى
الإجابة. (وَكَبِّرُوا) أي: عظموا الرب، أو قولوا: الله أكبر.
(وَصَلَّوْا) أي: صلاة الكسوف والخسوف كما صليتم الآن، وروى البخاري عن

٢٢٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ صَلَاةِ الْخُسْوفِ
أبي مسعود قال: قال النبيِ وَّه: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ مِنَ
النَّاسِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا - أي: الآية - فَقُومُوا فَصَلَّوا))،
قال الحافظ: استدل به على أنه لا وقت لصلاة الكسوف معين؛ لأن الصلاة علقت
برؤية الكسوف، وهي ممكنة في كل وقت من النهار، وبهذا قال الشافعي ومن
تبعه، واستثنى الحنفية أوقات الكراهة، وهو مشهور مذهب أحمد، وعن المالكية
وقتها من حل النافلة إلى الزوال، وفي رواية إلى صلاة العصر. ورجح الأول، بأن
المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد
الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله، فيفوت المقصود، ولم
أقف في شيء من الطرق مع كثرتها على أنه وَ لّ صلاها الأضحى لكن ذلك وقع
اتفاقًا، ولا يدل على منع ما عداه، واتفقت الطرق على أنه بادر إليها، انتهى.
(وَتَصَدَّقُوا) لأن الصدقة تطفئ غضب الرب، وفي الحديث المبادرة بالصلاة
وسائر ما ذكر من الدعاء والتكبير والصدقة عند الكسوف، قال الشاه ولي الله
الدهلوي في ((حجة الله)): الأصل فيها إن الآيات إذا ظهرت انقادت لها النفوس
والتجأت إلى الله تعالى وانفكت عن الدنيا نوع انفكاك، فتلك الحالة غنيمة
للمؤمن ينبغي أن يبتهل في الدعاء والصلاة وسائر أعمال البر، وأيضًا فإنها وقت
قضاء اللَّه الحوادث في عالم المثال، ولذلك يستشعر فيها العارفون الفزع، وفزع
رسول اللّه وَله عندها لأجل ذلك، وهي أوقات سريان الروحانية في الأرض،
فالمناسب للمحسن أن يتقرب إلى الله في تلك الأوقات، وهو قوله وَّل في حديث
النعمان: ((فَإِذَا تَجَلَّى اللَّهُ لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ))، وأيضًا فالكفار يسجدون
للشمس والقمر فكان من حق المؤمن، إذا رأى آية عدم استحقاقهما العبادة أن
يتضرع إلى الله ويسجد له، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ
وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَفَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] ليكون شعارًا للدين، وجوابًا مسكتًا
لمنکریه، انتھی.
(يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ) فيه ذكر الباعث لهم على الامتثال وهو نسبتهم إليه بَّه، قاله
القاري، وقيل: خاطبهم بذلك؛ إظهارًا لمعنى الشفقة، كما يقول أحد: يا بني،
وعدل عن يا أمتي؛ لأن المقام مقام تخويف وتحذير، وفي قوله: ((أَمَّتِي))؛ إشعار
بالتكريم. (وَاللَّهِ) أتى باليمين؛ لإرادة التأكيد لخبره، وإن كان لا يرتاب في

٢٢٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صدقه. (مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ) أي: أشد غيرة. (مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ)
أي: على زنا عبده أو أمته، قال القسطلاني: برفع ((أغير)) صفة لأحد باعتبار
المحل، والخبر محذوف منصوب أي: موجودًا على أن ((ما)) حجازية، وهي تعمل
عمل ليس، أو يكون أحد مبتدأ وأغير خبره على أن ما تميمية، ويجوز نصب أغير
على أنه خبر ما الحجازية، و(مِنْ) زائدة للتأكيد وأن يكون مجرورًا بالفتحة على
الصفة للمجرور باعتبار اللفظ والخبر المحذوف مرفوع على أن ((ما)) تميمية،
وقوله: (أَنْ يَزْنِيَ) متعلق بأغير وحذف الجار من ((أن)) قياس مستمر.
قال الحافظ: ((أغير)) أفعل تفضيل من الغيرة بفتح الغين المعجمة، وهي في
اللغة تغير يحصل من الحمية والأنفة، وأصلها في الزوجين والأهلين وكل ذلك
محال على الله تعالى؛ لأنه منزه عن كل تغير ونقص، فيتعين حمله على المجاز،
فقيل: لما كانت ثمرة الغيرة صَوْنَ الحريم ومنعهم، وزجر من يقصد إليهم أطلق
عليه ذلك؛ لكونه منع من فعل ذلك، وزجر فاعله، وتوعده فهو من باب تسمية
الشيء بما يترتب عليه. وقال ابن فورك: المعنى ما أحد أكثر زجرًا عن الفواحش
من الله تعالى. وقال غيره: غيرة الله ما يغير من حال العاصي بانتقامه منه في الدنيا
والآخرة أو في أحدهما، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا
بِأَنْفُسِمٌ﴾ [الرعد: ١١]، وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين، إما
ساكت وإما مؤول، على أن المراد بالغيرة: شدة المنع والحماية، فهو من مجاز
الملازمة، وقال الطيبي: وجه اتصال هذا المعنى بما قبله من قوله: (فَادْعُوا اللَّهَ
وَكَبِّرُوا ... ) إلخ، من جهة أنهم لما أمروا باستدفاع البلاء بالدعاء والذكر، والتكبير
والصلاة، والتصدق ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء،
وخص منها الزنا؛ لأنه أعظمها في ذلك. وقيل: لما كانت هذه المعصية من أقبح
المعاصي، وأشدها تأثيرًا في إثارة النفوس، وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم
في هذا المقام من مؤاخذة رب الغيرة وخالقها سبحانه وتعالى. ولعل تخصيص
العبد والأمة بالذكر؛ رعاية لحسن الأدب مع الله تعالى لتنزهه عن الزوجة
والأهل، ممن يتعلق بهم الغيرة غالبًا، انتهى كلام الحافظ.
وقيل: الغيرة من صفات الكمال، فتثبت لله تعالى، كما هو مدلول اللغة، ولا

٢٢٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
exe
بَابُ صَلَاةِ الْحُسُوفِ
دليل على صرفه عن ظاهر معناه، وما ذكروه من حقيقته فهو بالنسبة إلينا، والله جل
وعلا منزه عن مماثلة المخلوقات، فكما أن ذاته ليست كذواتنا فصفاته ليست
كصفاتنا ولله المثل الأعلى. (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) قال الباجي: يريد أنه عليه الصلاة
والسلام خصه الله تعالى بعلم لا يعلمه غيره، ولعله ما أراه في مقامه من النار،
وشناعة منظرها. وقال النووي: لو تعلمون من عظم انتقام اللّه تعالى من أهل
الجرائم، وشدة عقابه، وأهوال القيامة، وما بعدها ما علمت، وترون النار كما
رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرًا، ولَقَلَّ ضحكِكم؛ لفكركم فيما
علمتموه، انتهى. ولا يخفى أنهم علموا بواسطة خبره إجمالًا، فالمراد التفصيل
كعلمه وَلّر، فالمعنى: لو تعلمون ما أعلم كما أعلم، وقيل: المعنى: لو دام علمكم
كما دام علمي، فإن علمه وَّ متواصل بخلاف علم غيره.
(لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا) أي: زمانًا قليلًا، أو مفعول مطلق، وقيل: القلة هاهنا بمعنى:
العدم كما في قوله: قليل التشكي، أي: عديمه، والتقدير: لتركتم الضحك ولم
يقع منكم إلا نادرًا؛ لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن. (وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) خوفًا من الله
تعالى أو لتفكركم فيما علمتموه، وقيل: المعنى لو علمتم من سعة رحمة الله
وحلمه، وغير ذلك، ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك، وفي الحديث من
الفوائد غير ما تقدم: الزجر عن كثرة الضحك، والحث على كثرة البكاء، والاعتبار
بآيات الله، وفيه: الرد على من زعم أن للكواكب تأثيرًا في الأرض لانتفاء ذلك عن
الشمس والقمر، فكيف بما دونهما؟ ومن حكمة وقوع الكسوف، تبيين أنموذج ما
سيقع في القيامة، وصورة عقاب من لم يذنب، فكيف بمن له ذنب؟ والتنبيه على
سلوك طريق الخوف مع الرجاء لوقوع الكسوف بالكوكب، ثم كشف ذلك عنه؛
ليكون المؤمن من ربه على خوف ورجاء، والإشارة إلى تقبيح من يعبد الشمس أو
القمر .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦ ص١٦٤) ومالك والنسائي والبيهقي،
وأخرجه أبو داود مختصرًا على قوله: ((الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ)» إلى
قوله: ((وَتَصَدَّقُوا)).

٢٣٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٤٩٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َه
فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامِ، وَرُكُوعِ،
وَسُّجُودٍ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: ((هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ، لَا تَكُوَّنُ
لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وْلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ
ذَلِكَ، فَاقْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ).
[متفق عليه]
الْشِّرْجُ
١٤٩٨ - قوله (خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسين. (فَقَامَ النَّبِيُّ بِّهِ فَزِعًا)
بكسر الزاي صفة مشبهة أو بفتحها مصدر بمعنى الصفة أو مفعول مطلق لفعل
مقدر. (يَخْشَى) بالبناء للفاعل في محل النصب على الحال. (أَنْ تَكُونَ) في موضع
النصب مفعول ((يخشى)). (السَّاعَةُ) بالرفع على أن تكون تامة أو على أنها ناقصة،
والخبر محذوف أي: أن تكون الساعة قد حضرت، أو نصب على أنها ناقصة
واسمها محذوف أي: تكون هذه الآية الساعة، أي: علامة حضورها.
قال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى دوام المراقبة لفعل الله، وتجريد الأسباب
العادية عن تأثيرها لمسبباتها، وفيه: جواز الإخبار بما يوجبه الظن من شاهد
الحال؛ لأن سبب الفزع يخفى عن المشاهدة لصورة الفزع، فيحتمل أن يكون الفزع
لغير ما ذكر، فعلى هذا، فيشكل هذا الحديث من حيث أن للساعة مقدمات كثيرة
لم تكن وقعت كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء وخروج الخوارج، ثم الأشراط
كطلوع الشمس من مغربها والدابة والدجال والدخان وغير ذلك.
ويجاب عن هذا بأجوبة:
منها: أن غلبة الخشية، والدهشة، وفجاءة الأمور العظام تذهل الإنسان عما
یعلم .
(١٤٩٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٤٤)، ومُسْلِم (١ / ٩٠١) فِيهَا عَنْهُ، والنَّسَائِي (١٥٣/٣).

٢٣١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْخُسْوفِ
ومنها: احتمال أن يكون الأمور المعلومة وقوعها بينه وبين الساعة، كانت
مقيدة بشرط، يعني : أن حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم
من الشروط؛ لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرط لم يتقدم
ذكره، فيقع المخوف بغير أشراط لفقد الشرط.
ومنها: أن النبي ◌َّ قدر وقوع الممكن لو لا ما أعمله اللَّه تعالى بأنه لا يقع قبل
الأشراط، وجعل ما سيقع كالواقع؛ إظهارًا لتعظيم شأن الكسوف؛ وتنبيهًا لأمته أنه
إذا وقع بعده يخشون أمر ذلك، لاسيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط أو
أكثر، ويفزعون إلى ذكر الله والصلاة والصدقة؛ ليدفع عنهم البلايا.
ومنها: أن راويه ظن أنه وَل خشي أن تكون الساعة، وليس يلزم من ظنه أن يكون
النبي ◌ُّل خشي ذلك حقيقة، بل خرج النبي وَالّ مستعجلا مهتمًا بالصلاة وغيرها من
أمر الكسوف، مبادرًا إلى ذلك، وربما خاف أن يكون نوع عقوبة تحدث كما كان
يخاف عند هبوب الريح، فظن الراوي خلاف ذلك ولا اعتبار بظنه. وفيه: أن
تحسين الظن بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم ذلك إلا بتوقيف.
ومنها: لعله خشي أن يكون ذلك بعض المقدمات، يعني: خشي أن يكون
الكسوف مقدمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن
يتخلل بين الخسوف، والطلوع المذكور أشياء مما ذكر، وتقع متتالية بعضها أثر
بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْجِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ
أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] .
ومنها: أن هذا تخييل من الراوي وتمثيل منه، كأنه قال: فزع فزعًا كفزع من
يخشى أن تكون الساعة، وإلا فالنبي وَّلّ كان عالمًا بأن الساعة لا تقوم وهو فيهم،
وقد وعده اللَّه مواعد لم تتم ولم تقع بعد؛ وإنما كان فزعه عند ظهور الآيات
كالخسوف والزلازل، والريح الصواعق؛ شفقًّا على أهل الأرض، أن يأتيهم عذاب
اللَّه كما أتى من قبلهم من الأمم لا عن قيام الساعة، (فَأَتَى الْمَسْجِدَ) أي: مسجد
المدينة. قال ابن دقيق العيد: في الحديث دليل على أن سنة صلاة الكسوف في
المسجد، وهو المشهور عن العلماء، وخير بعض أصحاب مالك بين المسجد
والصحراء، والصواب: المشهور الأول، فإن هذه الصلاة تنتهي بالانجلاء، وذلك

٢٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مقتض؛ لأن يعتني بمعرفته ويراقب حال الشمس، فلولا أن المسجد أرجح لكانت
الصحراء أولى؛ لأنها أقرب إلى إدراك حال الشمس في الانجلاء وعدمه، وأيضًا،
فإنه يخاف من تأخيرها فواتٍ إقامتها، بأن يشرع الانجلاء قبل اجتماع الناس
وبروزهم، انتهى. (مَا رَأَيْتُهُ قَطَّ يَفْعَلُهُ) أي: ما رأيت النبي ◌َلّ يفعل مثله، كذا في
جميع النسخ الموجودة ((للمشكاة)) بذكر كلمة ((ما)) قبل رأيته، وهكذا نقله الجزري
في ((جامع الأصول)) (ج٧ ص١١٨) وفي نسخ البخاري من طبعات الهند ومصر
الحاضرة عندنا: رأيته قط يفعله أي: بدون حرف النفي قبل رأيته، لكن قال العيني
في كثير من النسخ - أي: للبخاري - وقعت على الأصل وهو: ((ما رأيته قط
یفعله))، انتھی.
ولفظ مسلم والنسائي والبيهقي: ما رأيته يفعله في صلاة قط. قال العيني: كلمة
(قَطَّ) لا تقع إلا بعد الماضي المنفي، ووجه النسخة التي هي بغير لفظة ((ما)) أن يقدر
حرف النفي، كما في قوله تعالى: ﴿تَفِّتَوُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف ٨٥]، أي: لا تفتؤ
ولا تزال تذكره تفجعًا، فحذف لا أو أن لفظ أطول فيه معنى عدم المساواة أي: بما
لم يساو قط قيامًا رأيته يفعله، أو قط بمعنى: حسب، أي: صلى في تلك اليوم
فحسب بأطول قیام رأیته يفعله، أو تكون بمعنی: أبدًا لكن، إذا كانت بمعنی حسب
تكون القاف مفتوحة والطاء ساكنة. (وَقَالَ) أي: في خطبته بعد فراغه من صلاة
الكسوف.
(هَذِهِ الْآيَاتُ) أي: كسوف النيرين والزلزلة، وهبوب الريح الشديدة. (وَلَكِنْ
يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا) أي: بالآيات. (عِبَادَهُ) قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُرْسِلُ بِآلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا
٥٩
[الإسراء: ٥٩] قال القسطلاني: فالكسوف من آياته تعالى المخوفة، إما أنه آية من
آيات الله؛ فلأن الخلق عاجزون عن ذلك، وإما أنه من الآيات المخوفة، فلأن
تبديل النور بالظلمة تخويف والله تعالى إنما يخوف عباده؛ ليتركوا المعاصي
ويرجعوا لطاعته التي بها فوزهم، وأفضل الطاعات بعد الإيمان الصلاة.
وفيه: رد على أهل الهيئة حيث قالوا: إن الكسوف أمر عادي لا تأخير فيه ولا
تقديم؛ لأنه لو كان كما زعموا لم يكن فيه تخويف ولا فزع، ولم يكن للأمر
بالصلاة والصدقة معنى، ولئن سلمنا ذلك، فالتخويف باعتبار أنه يذكر القيامة؛
﴾ الآية [القيامة: ٧]،
لكونه أنموذجًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بِقَ اَلْصَرُ ﴿ وَخَسَفَ الْقَمَرُ

٢٣٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْخُسْوفِ
ومن ثم قام ◌َالَّل فزعًا فخشي أن تكون الساعة، وكان ظلَّلها إذا اشتد هبوب الرياح
تغير ودخل، وخرج خشية أن تكون الريح كريح عاد، وإن كان هبوب الرياح أمرًا
عاديًّا، وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقل من ذلك، إذ كل ما في
العالم علويه وسفليه دليل على نفوذ قدرة الله تعالى وتمام قهره، وقد وقع في
حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعمه أهل الهيئة، وهو
ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة والحاكم بلفظ: ((إِنَّ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيْتَانِ مِنْ آيَاتِ اللِهِ، وَإِنَّ
اللهَ إِذَا تَجَلَّى لِشَيءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَّهُ))، وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة، وقال:
إنها غير صحيحة نقلًا، فيجب تكذيب ناقلها، وبنى ذلك على أن قول الفلاسفة في
باب الكسوف والخسوف حق لما قام عليه من البراهين القطعية، وهو أن خسوف
القمر عبارة عن انمحاء ضوئه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث أنه يقتبس
نوره من الشمس والأرض كرة، والسماء محيطة بها من الجوانب، فإذا وقع القمر
في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس، وأن كسوف الشمس معناه وقوع جرم القمر
بين الناظر والشمس، وذلك عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقة واحدة.
قال ابن القيم: إسناد هذه الرواية لا مطعن فيه ورواته ثقات حفاظ، ولكن لعل
هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام بعض الرواة، ولهذا لا توجد في سائر
أحاديث الكسوف، فقد روى حديث الكسوف عن النبي وَّ بضعة عشر صحابيًّا فلم
يذكر أحد منهم في حديثه هذه اللفظة، فمن هاهنا نشأ احتمال الإدراج.
وقال السبكي: قول الفلاسفة صحيح، كما قال الغزالي، لكن إنكار الغزالي
هذه الزيادة غير جيد، فإنه مروي في النسائي وغيره، وتأويله ظاهر، فأي بعد في أن
العالم بالجزئيات، ومقدر الكائنات سبحانه يقدر في أزل الأزل خسوفهما بتوسط
الأرض بين الشمس والقمر، ووقوف جرم القمر بين الناظر والشمس ويكون ذلك
وقت تجليه البَّلا عليهما، فالتجلي سبب لكسوفهما، قضت العادة بأنه يقارن توسط
الأرض، ووقوف جرم القمر، لا مانع من ذلك، ولا ينبغي منازعة الفلاسفة فيما
قالوا إذا دلت عليه براهين قطعية، انتهى. قال السندي: ويحتمل أن المراد إذا بدا،
هذا لفظ أحمد والنسائي. أي: بدو الفاعل للمفعول أي: إذا تصرف في شيء من
خلقه بما يشاء خشع له أي: قبل ذلك ولم یأب عنه، انتهى.

٢٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله:
﴿يُخَوِّفُ اَللّهُ بِهِ، عِبَادَهُ﴾ وليس بشيء؛ لأن لله أفعالًا على حسب الأسباب العادية،
وأفعالًا خارجة عن تلك الأسباب، وقدرته حاكمة على كل سبب ومسبب، فيقتطع
ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك، فأصحاب
المراقبة لله ولأفعاله، الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته وعموم قدرته على
خرق العادة، واقتطاع المسببات عن أسبابها، وأنه يفعل ما يشاء، إذا وقع شيء
غريب حدث عندهم الخوف لقوة اعتقادهم المذكور، وذلك لا يمنع أن يكون ثمة
أسباب تُجْرَى عليها العادة إلى أن يشاء الله تعالى خرقها، ولهذا كان النبي وَلّ عند
اشتداد هبوب الريح يتغير، ويدخل ويخرج؛ خشية أن تكون كريح عاد، وإن كان
هبوب الريح موجودًا في العادة.
وحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًّا في نفس الأمر لا ينافي كون
ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى، وذكر ابن القيم في كتاب ((مفتاح السعادة)) توجيهًا
آخر لذلك، وقد نقله السيوطي في ((حاشية النسائي)) فارجع إليها. (فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا
مِنْ ذَلِكَ) أي: مما ذكر من الآيات. (فَاقْزَعُوا) بفتح الزاي، أي: التجئوا من عذابه
أو توجهوا. (إِلَى ذِكْرِهِ) ومنه الصلاة.
(وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ) يقال: فزعت إلى الشيء أي: لجأت إليه، ويقال: فزعت
إلى فلان فأفزعني، أي: لجأت إليه فألجأني، واستعنت به فأعانني.
في الحديث إشارة إلى المبادرة إلى ما أمر به، وتنبيه على الالتجاء إلى الله تعالى
عند المخاوف بالدعاء والاستغفار، وإشارة إلى أن الذنوب سبب البلايا،
والعقوبات العاجلة أيضًا، وأن الاستغفار والتوبة سببان للمحو يرجى بهما زوال
المخاوف.
قال الحافظ: استدل بالحديث على أن الأمر لمبادرة إلى الذكر والدعاء
والاستغفار، وغير ذلك لا يختص بالكسوفين؛ لأن الآيات أعم من ذلك، ولم يقع
في هذه الرواية ذكر الصلاة، فلا حجة فيه لمن استحبها عند كل آية، وقال العيني:
قوله: ((فَاقْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)) حجة لمن قال ذلك؛ لأن الصلاة يطلق عليها ذكر
الله؛ لأن فيها أنواعًا من ذكر الله تعالى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا النسائي
والبيهقي (ج٣ ص ٣٤٠).

٢٣٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ صَلَاةِ الْخُسْوِفِ
١٤٩٩ - [٦] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
مرَّهُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُوَّلِ اللَّهِ نَّهِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ،
بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ .
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
G O
الشَّرْحُ
١٤٩٩ - قوله: (انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ بِ لّهِ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ
ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ) وأمه مارية قبطية، سرية رسول اللَّه وَله، قد أهداها إليه
المقوقس صاحب الاسكندرية ومصر، ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة،
وتوفي وهو ابن ستة عشر شهرًا، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، وهو
أصح، ودفن بالبقيع، وقال النبي ◌ََّ: ((إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا يُتِمُّ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ))، وقد
ذكر جمهور أهل السير أنه مات بالمدينة في السنة العاشرة من الهجرة، ثم
اختلفوا، فقيل: في ربيع الأول.
وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة، قيل: في عاشر الشهر، وعليه
الأكثر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشرة، ولا يصح شيء منها على قول ذي
الحجة؛ لأن النبي وَّ كان إذ ذاك بمكة في الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته وكانت
بالمدينة بلا خلاف، نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت يصح، وذكر الواقدي
أنه مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وتقدم قول ابن
تيمية: أنه من نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب، وتقدم أيضًا الإشارة إلى تحقيق
المرحوم محمود باشا الفلكي ليوم الكسوف، الذي حصل في السنة العاشرة يوم
مات فيه إبراهيم ظلَّلا. وحاصله: أن الشمس كسفت بالمدينة في الساعة ٨
والدقيقة ٣٠ صباحًا يوم الاثنين ٢٩ شوال سنة ١٠ الموافق ليوم ٢٧ يناير سنة ٦٣٢
ميلادية، وعلى هذا يكون ولادته في جمادى الأولى سنة ٩، وعمره ثمانية عشر
شهرًا أو سبعة عشر أو ستة عشر، على اختلاف في الروايات بإدخال شهري الميلاد
والوفاة على الأول وإخراجهما على الثالث، وإدخال أحدهما على الثاني.
(١٤٩٩) مُسْلِم (٩٠٤/١٠) فِيهَا عَنْهُ.

٢٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ) أي: ركوعات إطلاقًا للكل وإرادة الجزء. (بِأَرْبَعِ
سَجَدَاتٍ) أي: في ركعتين فيكون في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان، قال
الطيبي: أي: صلى ركعتين كل ركعة بثلاث ركوعات، انتهى.
والحديث قد اختلف فيه على جابر، فروي عنه عطاء كما ترى: ((فصلى بالناس
ست ركعات))، وروى عنه أبوالزبير أنه ((صلى ركعتين بأربع ركوعات))، أخرجه
مسلم وأحمد والنسائي، ورواية عطاء مع كونها في ((صحيح مسلم)) قد أعلها
البيهقي؛ إذ قال (ج ٣ ص٣٢٦) بعد رواية حديث جابر من طريق عطاء مطولًا ما
لفظه: من نظر في هذه القصة وفي القصة التي رواها أبو الزبير عن جابر علم أنه
قصة واحدة، وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها يوم توفي إبراهيم بن رسول الله
وَلّر، وقد اتفقت رواية عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عبد الله بن
عمر، ورواية عطاء بن يسار وكثيرة بن عباس عن ابن عباس، ورواية أبي سلمة بن
عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر، ورواية أبي الزبير عن جابر عن النبي وَّ، إنما
صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعين، وفي حكاية أكثرهم قوله وَ له يومئذٍ: ((إِنَّ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ ... )) إلخ، دلالة على أنه صلاها يوم توفي ابنه
فخطب، وقال هذه المقالة ردًّا لقولهم: ((إنما كسفت لموته))، وفي اتفاق هؤلاء
العدد مع فضل حفظهم دلالة على أنه لم يزد في كل ركعة على ركوعين، كما ذهب
إليه الشافعي ومحمد بن إسماعيل البخاري رحمهما الله تعالى، انتهى. وحاصله:
أن رواية أبي الزبير عن جابر أرجح لاتفاق الشيخين على تخريجها، ورواية عطاء
مرجوحة لانفراد مسلم بها، وقد تقدم منا أن رواية تثليث الركوع وتربيعه في كل
ركعة صحيحة، لكن رواية الركوعين في كل ركعة أصح وأكثر وأشهر، فيجب
ترجيحها وتتعين هي للعمل؛ لأنه إنما يؤخذ بالأصح، فالأصح من أمر رسول الله
صَلى الله
وَسِلا
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والبيهقي (ج٣ ص٣٢٦).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْحُسْوِفِ
٢٣٧
١٥٠٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ كَسَفَتِ
الشَّمْسُ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {ضعيف}
W O
الشَّرْجُ
١٥٠٠ - قوله: (ثَمَانَ رَكَعَاتٍ) أي: ركوعات. (فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) يعني :
رکع ثمان مرات کل أربع في ر کعة وسجد في کل ر کعة سجدتین، وقد رواه مسلم
من طريق آخر بلفظ: أنه صلى في كسوف قرأ، ثم ركع، ثم قرأ، ثم ركع، ثم قرأ
ثم ركع، ثم قرأ، ثم ركع، ثم سجد، قال: والأخرى مثلها، والحديث يدل على
أنه من جملة صفات صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات، وهو مع
كونه في ((صحيح مسلم)) قد أعله البيهقي فقال (ج ٣ ص٣٢٧) بعد روايته: وأما
محمد بن إسماعيل البخاري، فإنه أعرض عن هذه الروايات التي فيها خلاف رواية
الجماعة، وقد روينا عن عطاء بن يسار، وكثير بن عباس، عن النبي ◌َ لول، أنه صلاها
ركعتين في كل ركعة ركوعان، وحبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان
يدلس وصفه بذلك ابن خزيمة والدار قطني وابن حبان وغيرهم، ولم أجد ذكر
سماعه في هذا الحديث عن طاوس، قال: وقد روى سليمان عن طاوس عن ابن
عباس من فعله ((أنه صلاها ست ركعات في أربع سجدات))، فخالفه في الرفع
والعدد جميعًا، انتهى.
وفيه: أن إخراج مسلم لحديث حبيب بن أبي ثابت في ((صحيحه)) دليل على أنه
ثبت عنده أنه متصل، وأنه لم يدلس فيه. قال النووي: ما في ((الصحيحين)) عن
المدلس بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، فالحديث
صحيح، وأما رواية سليمان الموقوفة فلا تعلل بها الرواية المرفوعة الصحيحة؛
لأن العبرة لما روى الراوي لا لما رأى كذا قيل، وقد تقدم كلام ابن تيمية أن
الصواب مع من أنكر على مسلم، ونازعه في إخراجه حديث صلاة الكسوف
(١٥٠٠) مُسْلِم (٩٠٨/١٨) فِيهَا عَنْهُ.

٢٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
بثلاث ركوعات وأربع ركوعات، وأن هذا من المواضع المنتقدة بلا ريب،
وبالجملة هذا الحديث، وإن كان مخرجًا في ((صحيح مسلم) لكن العمل على
روايات الركوعين؛ لكونها أكثر وأصح وأشهر وأرجح، والله تعالى أعلم.
(وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ) أي: وروي عنه مثل رواية ابن عباس، كذا أحاله على
حديث ابن عباس ولم يذكر لفظه. وقد أسلفنا أن حديث علي في تربيع الركوع
أخرجه أحمد والبيهقي عنه مرفوعًا من طريق الحسن بن حر، عن الحكم عن حنش
عن علي، وقيل: المراد من قوله: و((عن علي مثل ذلك))، أي: من فعله؛ لأنه لو
كان من فعل النبي وَّ لجعله حديثًا على حدة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج ٣ ص ٣٢٧).
١٥٠١ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُم لِي
بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللّهِ وَِّهِ؛ إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهَا. فَقُلْتُ: وَّاللَّهِ
لَّأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللهِ،وَلَهُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ؛ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ
قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ، وَيَدْعُو
حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنٍ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَكَذَا فِي شَّرْحِ السُّنَّةِ عَنْهُ، وَفِي نُسَخ
الْمَصَابِيحِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ] {صَحيح ٦
الْشَّرْجُ
١٥٠١ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) بفتح السين المهملة وضم الميم
وسكونها ابن حبيب بن عبد شمس العبشمي، يكنى أباسعيد، أسلم يوم فتح مكة،
وصحب النبي وَّه، يقال: كان اسمه عبد كلال، وقيل غير ذلك، فسماه النبي وَل
عبد الرحمن، وشهد غزوة تبوك مع النبي ◌َّل، ثم شهد فتوح العراق، وهو الذي
افتتح سجستان وكابل وغيرهما في خلافة عثمان، ثم نزل البصرة ومات بها سنة
(٥٠) أو بعدها.
(١٥٠١) مُسْلِم (٢٦ / ٩١٣)، وَأَبُو دَاوُد (١١٩٥)، وَالنَّسَائِي (١٢٤/٣) فِيهَا عَنْهُ.

٢٣٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْخُسْوِفِ
(كُنْتُ أَرْتَمِي) افتعال من الرمي، أي: أرمي كما وقع في رواية أخرى لمسلم :
كنت أرمي أي: باب ضرب، وفي أخرى له: بينما أتَرَمَّى أي: من باب التفعل،
وفي بعض النسخ: أترامي، أي: من باب التفاعل، قال في ((المجمع)) (ج٢
ص٤٠): خرجت أرتمي بأسهمي، وروي ((أترامى))، رميت بالسهم، وارتميت
وتراميت وراميت إذا رميت به عن القسيٍّ، وقيل: خرجت أرتمي إذا رميت
القنص، وأترمى إذا خرجت ترمي في الأهداف ونحوها، انتهى. وقال النووي:
قوله: ((كنت أرتمي بأسهم))، أي: أرمي، كما قاله في الرواية الأولى، يقال: أرمي
وأرتمي وأترامي وأترَمَّى كما قاله في الرواية الأخيرة.
(بِأَسْهُم) جمع سهم. (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ) أي: امتثالًا لقوله تعالى:
﴿وَأَعِدُواْ لَّهُمْ مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٤٠]، فإنه صح أن النبي وَّ فسرها بالرمي،
وقال: ((مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ فَتَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا))، (فَنَبَذْتُهَا) أي: وضعت السهام وألقيتها .
(فَقُلْتُ) أي: في نفسي. (لَأَنْظُرَنَّ) أي: لأبصرن. (إِلَى مَا حَدَثَ) أي: تجدد من
السنة، (لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَه فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ) زعم عبد الرحمن أنه لابد أن يقرر
النبي ◌َّ في الكسوف شيئًا من السنن، فأراد أن ينظره (وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ
يَدَيْهِ) قال النووي: فيه دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت، ورد على من
يقول لا ترفع الأيدي في دعوات الصلاة. (حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا) على بناء المفعول،
أي: أزيل الكسوف عن الشمس، ويحتمل أن لا يكون في (حُسِرَ) ضمير، ويكون
مسندًا إلى الجار والمجرور، أي: أزيل وكشف ما بها.
(فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ) هذا صريح في أنه شرع في الصلاة
بعد الانجلاء، وهو خلاف لسائر الروايات، فقال بعضهم: إن هذه الصلاة كانت
تطوعًا مستقلًا بعد انجلاء الكسوف، لا أنها صلاة الكسوف، وهذا مخالف لظاهر
قوله: ((فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ)) ... إلخ، وقال في ((اللمعات)): صلى ركعتين،
أي: أتم صلاته التي كان شرع فيها وحسر عنها في أثنائها، وقال الطيبي: يعني دخل
في الصلاة ووقف في القيام الأول، وطول التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد،
حتى ذهب الخسوف، ثم قرأ القرآن وركع ثم سجد، ثم قام في الركعة الثانية،
وقرأ فيها القرآن، ورکع وسجد، وتشهد وسلم، انتهى.
وقال النووي بعد ذكر رواية مسلم بلفظ: ((فانتهت إليه وهو رافع يديه يدعو