النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
seeeeex
الفصل الثاني
١٤٩٢ - [٢] عَنْ مِخْتَفِ بْنِ سُلَيْم قَالَ: كُنَّا وُقُوفًّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ
بِعَرَفَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَام
أُضْحِيَّةٌ وَعَتِيرَةٌ، هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي تُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ضَعِيفُ
الإِسْنَادِ، وَقَالَ أَبُودَاودَ: وَالْعَتِيرَةُ مَنْسُوخَةٌ] {ضعيف}
الْشَرْحُ
١٤٩٢ - قوله: (عَنْ مِخْتَفٍ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح النون
كمنبر. (بْنِ سُلَيْم) بالتصغير ابن الحارث بن عوف الأزدي الغامدي، أسلم
وصحب النبي وَلّ، ونزل الكوفة بعد ذلك، واستعمله علي بن أبي طالب على
أصبهان و کانت معه راية الأزد يوم صفين، وكان ممن خرج مع سليمان بن صرد في
وقعة عين الوردة، وقتل بها سنة (٦٤).
(كُنَّا وُقُوفًا) بضم الواو أي: واقفين. (بِعَرَفَةَ) يعني: في حجة الوداع، كذا في
جميع النسخ بعرفة، وهكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٤ ص١٢١)،
وفي الترمذي وأبي داود: ((بِعَرَفَاتٍ)). (إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ) قال السندي في
((حاشية النسائي)): ظاهره الوجوب لكنهم حملوه على الندب المؤكد. انتهى.
قلت: هذا الحديث من جملة الأدلة التي تمسك بها من قال بوجوب الأضحية،
وقد تقدم الكلام على ذلك. وقال ابن الجوزي: هذا الحديث متروك الظاهر؛ إذ لا
يسن العتيرة أصلًا، ولو قلنا بوجوب الأضحية كانت على الشخص الواحد لا على
جميع أهل البيت. انتهى.
(١٤٩٢) كَذَا قَالَ! أَحْمَد (٢١٥/٤)، وَأَبُو دَاوُد (٢٧٨٨)، والتِّرْ مِذِي (١٥١٨)، والتَّسَائِي (٧/ ١٦٧ -
١٦٨)، وابن مَاجَهْ (٣١٢٥) فِي الأَضَاحِي عَنْهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

١٨١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْعَتِيرَةِ
وقال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): قوله: ((إِنَّ عَلَى كُلُّ أَهْلِ بَيْتٍ)) مقتضاه أن
الأضحية الواحدة تكفي عن تمام أهل البيت، ويوافقه ما رواه الترمذي عن أبي
أيوب: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهى
الناس، فصارت كما ترى، وقال: هذا حديث حسن صحيح، قال: والعمل على
هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: لا
تجزئ الشاة الواحدة إلا عن نفس واحدة، وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره من
أهل العلم. وقال ابن العربي في ((شرحه)) في قوله الثاني: الآثار الصحاح ترد عليه،
انتھی .
(وَعَتِيرَةٌ) قال القاري: وهي شاة تذبح في رجب يتقرب بها أهل الجاهلية
لأصنامهم والمسلمون في صدر الإسلام لله سبحانه، قال الخطابي: وهذا هو الذي
يشبه معنى الحديث، ويليق بحكم الدين، وأما العتيرة: التي يعترها أهل
الجاهلية، فهي الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام، ويصب دمها على رأسها، في
((النهاية)): كانت العتيرة بالمعنى الأول في صدر الإسلام ثم نسخ - أي: للتشبه
بأهل الأصنام. (هِيَ الَّتِي تُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ) أي: الذبيحة المنسوبة إلى رجب؛
لوقوعها فيه .
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ ... ) إلخ، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص٢١٥) و(ج٥ ص٧٦)،
وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار والبيهقي والطبراني كلهم من طريق ابن عون عن
عامر أبي رملة عن مخنف. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ) فيه
نظر؛ لأن عبارة الترمذي هكذا ((هذا حديث حسن غريب، لا نعرف هذا الحديث
إلا من هذا الوجه من حديث ابن عون)). انتهى. وهذا كما ترى ليس فيه الحكم
بضعف إسناد هذا الحديث، وهكذا وقع هذا الكلام في جميع النسخ الحاضرة
للترمذي، وكذا نقله الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٤ ص٢١١) والمنذري في
((مختصر السنن)) (ج ٣ ص٩٢) والمجد ابن تيمية في ((المنتقى)). قال ميرك: وكذا
نقله عنه صاحب ((التخريج)). انتهى.
وقال الحافظ في بحث الفرع والعتيرة من ((الفتح)) (ج٢٢ ص٢٨٣): ضعفه
الخطابي، لكن حسنه الترمذي، وجاء من وجه آخر عند عبد الرزاق عن مخنف بن

١٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سليم. انتهى. قلت: وسكت عنه أبو داود. وقال الحافظ في بحث حكم الأضحية
من الفتح (ج٢٣ ص٣٢٣): أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي. انتهى.
وقال أبو بكر المعافري: حديث مخنف بن سليم ضعيف لا يحتج به، وقال
الزيلعي (ج٤ ص٢١١): قال عبد الحق: إسناده ضعيف. قال ابن القطان: وعلته
الجهل بحال أبي رملة، واسمه عامر، فإنه لا يعرف إلا بهذا، یرویه عنه ابن عون،
وقد رواه عنه - أي: عن مخنف - أيضًا ابنه حبيب، وهو مجهول أيضًا، قال
الزيلعي: رواه من هذه الطريق عبد الرزاق في ((مصنفه)): أخبرنا ابن جريج أخبرني
عبد الكريم عن حبيب بن مخنف بن سليم عن أبيه، ومن طريق عبد الرزاق رواه
الطبراني في ((معجمه)). انتهى.
قلت: وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ ص٧٦) من طريق عبد الرزاق، لكن وقع فيه
التصريح بكون حبيب بن مخنف صحابيًّا، وهو وهم، وفي الإسناد عبد الكريم بن
أبي المخارق، وهو متروك، وإنما هو عن حبيب بن مخنف عن أبيه، قال أبو نعيم:
وهو الصواب، قال: وكان عبد الرزاق يرويه مرة مجردًا ومرة لا يقول عن أبيه،
وقال ابن عبد البر في ترجمة حبيب هذا، بعد ذكر حديثه من طريق عبد الرزاق وأبي
عاصم: لا يصح حديثه، قال: إلا أن عبد الرزاق قال: لا أدري أعن أبيه أم لا .
انتهى. وهذا وجه ثالث عن عبد الرزاق، والرواية المشهورة إنما هي طريق ابن
عون عن أبي رملة عن مخنف، وأبو رملة مجهول، فالظاهر أن الترمذي إنما حسن
هذا الحديث لشواهدة.
(وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْعَتِيرَةُ مَنْسُوخَةٌ) وفي بعض النسخ: العتيرة بلا واو، وكذا في
أبي داود، وقد تقدم أن جماعة من أهل العلم ذهبت إلى أن الأمر بالعتيرة منسوخ
بأحاديث المنع، وأن القاضي عياضًا ادعى أن جماهير العلماء على ذلك، وقد تقدم
بيان ما هو الحق في ذلك.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْعَتِيرَةِ
١٨٣
الفصل الثالث
١٤٩٣ - [٣] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله:
((أُمِرْتُ بِيَوْمِ الْأَضْحَى عِيدًا جَعَلَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأَمَّةِ)) قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَرَأَيْتَّ إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلَّ مَنِحَةً أُنْثَى، أَفَأُضَخِّي بِهَا؟ قَالَ: ((لَا، وَلَكِنْ خُذْ
مِنْ شَعْرِكَ، وأَظْفَارَِ، وَتَقُصُّ مِنْ شَارِبِكَ، وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ، فَذَلِكَ تَمَامُ
أُضْحِيَّتِكَ عِنْدَ اللَّه)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ وَالنَّسَائِيُّ ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٤٩٣ - قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بالواو. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّةِ﴾ أي:
الرجل كما في رواية النسائي، وللحاكم والبيهقي: إن رجلا أتى النبيِ بَّه فقال له
رسول اللّهِ وَ ﴾: (أَمِرْتُ بِيَوْمِ الْأَضْحَى) أي: بجعله. (عِيدًا جَعَلَهُ اللَّهُ) أي: يوم
الأضحى. (لِهَذِهِ الأَمَّةِ) أي:َ عيدًا، قال السندي: ظاهر السوق أن قوله: ((أُمِرْتُ))
على بناء المفعول للخطاب، أو بناء الفاعل للمتكلم، أي: أمرتك أو أمرت الناس،
ويحتمل أنه على بناء المفعول للمتكلم، والمعنى: أمرت بالتضحية في يوم
الأضحى حال كونه عيدًا، أو يوم الأضحى أن أتخذه عيدًا، والمعنى الأول أقرب
إلى قول الرجل. انتهى. وقال الطيبي: قوله: ((عِيدًا)) منصوب بفعل يفسره ما
بعده، أي: بأن أجعله عيدًا، وقوله: ((جَعَلَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأَمَّةِ)) حكم ذكر بعد ما يشعر
بالوصف المناسب، وهو قوله يوم الأضحى؛ لأن فيه معنى التضحية، كأنه قيل:
حكم الله على هذه الأمة بالتضحية يوم العيد، ومن ثم حسن قول الصحابي:
أرأيت ... إلخ. انتهى.
قال القاري: وهو تكلف مستغنى عنه، فإن الشيء بالشيء يذكر، فلما ذكر عليه
الصلاة والسلام، إنه مأمور بجعل ذلك اليوم عيدًا، وكان من أحكام ذلك اليوم
(١٤٩٣) أَبُو دَاوُد (٢٧٨٩)، والنَّسَائِي (٧/ ٢١٢) في الأضاحي عنه.

١٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حكم التضحية والأضاحي. (قَالَ لَّهُ رَجُلٌ) وفي أبي داود: قال الرجل، وكذا عند
النسائي والحاكم والبيهقي. (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني.
(إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا مَنِيحَةً) في ((النهاية)): المنيحة أن يعطي الرجل الرجل ناقة أو شاة
ينتفع بلبنها، ثم يعيدها، وكذا إذا أعطى لينتفع بصوفها ووبرها زمانا، ثم يردها،
والمعنى: لي ناقة أو شاة ذات لبن أنتفع به، وأعطيه غيري. وقال السندي: أصل
المنيحة: ما يعطيه الرجل غيره ليشرب لبنها، ثم يردها عليه، ثم يقع على كل شاة أو
ناقة؛ لأن من شأنها أن تمنح بها وهو المراد هاهنا.
(أُنْثَى) قيل: وصف منيحة بأنثى يدل على أن المنيحة قد تكون ذكرًا، وإن كان
فيها علامة التأنيث، كما يقال: حمامة ذكر وحمامة أنثى، وزاد في رواية الحاكم:
أو شاة أهلي ومنيحتهم. (أَفَأَضَحِّي بِهَا؟ قَالَ: لَا) قال الطيبي: إنما منعه؛ لأنه لم
يكن عنده شيء سواها ينتفع به. قال السندي: ويحتمل أن المراد بالمنيحة هاهنا ما
أعطاه غيره ليشرب اللبن ومنعه؛ لأنه ملك الغير وقول الرجل لزعمه أن المنحة لا
ترد، ولذلك قال وَله: ((المنحة مردودة))، والله تعالى أعلم.
(وَلَكِنْ خُذْ) كذا في جميع النسخ بصيغة الأمر، وهكذا نقله الجزري في ((جامع
الأصول)) (ج٤ ص١٢٣)، وفي أبي داود والنسائي: ((تَأْخُذُ)) بصيغة المضارع، قال
السندي: كأنه أرشده إلى أن يشارك المسلمين في العيد والسرور، وإزالة الوسخ،
فذاك يكفيه إذا لم يجد الأضحية. (مِنْ شَعْرِكَ) قال القاري: المراد به الجنس أي:
من أشعارك. (وَأَظْفَارِكَ) وفي رواية النسائي: ((وتقلم أظفارك)).
(وَتَقُصُّ شَارِبَكَ) قال القاري: خبر بمعنى الأمر؛ ليكون عطفًا على ما قبله،
وكذا الحكم فيما بعده من قوله: (وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ)، انتهى. قلت: قد تقدم أن لفظ
أبي داود والنسائي: ((تأخذ من شعرك))، وهذا يدل على أن ما وقع في نسخ
((المشكاة)) تبعًا للجزري خطأ، وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل المذكور، ولفظ
الحاكم والبيهقي: ((ولكن قلم أظفارك))، وقص شاربك، واحلق عانتك. (فَذَلِكَ)
أي: ما ذكر من الأفعال، ولفظ أبي داود: ((فَتِلْكَ))، أي: الأفعال المذكورة.
(تَمَامُ أُضْحِيَّتِكَ عِنْدَ اللَّهِ) أي: أضحيتك نامة بنيتك الخالصة، ولك بذلك مثل
ثواب الأضحية، قاله القاري، وقال السندي: أي: هو ما يتم به أضحيتك بمعنى أنه

١٨٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْعَتِيرَةِ
يكتب لك به أضحية تامة لا بمعنى أن لك أضحية ناقصة، إن لم تفعل ذلك وإن
فعلته تصير تامة، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا الحاكم (ج٤ ص٢٢٣) والبيهقي (ج٩
ص٢٦٤) وسكت عنه أبو داود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه
الذهبي، والحديث غير مطابق للباب، فإنه ليس فيه ذكر العتيرة، وكان حقه أن
يذكر في باب الأضحية.
ثم إنه هاهنا مسائل تتعلق بالأضحية ينبغي لنا أن نذكرها مختصرًا تكميلًا
للفائدة :
أحدها: متى تصير الأضحية أضحية؟ فقال مالك: إذا اشترى شاة أو غيرها بنية
الأضحية صارت أضحية. وقال الحنفية: أضحية الفقير تتعين بالشراء له، فليس له
أن يستبدلها بغيرها، ولا ينتفع بدرها وصوفها بعد ذلك، ولو فعل لزمه قيمته، وأما
أضحية الغني، فلا تتعين بنفس الشراء له، وله أن يستبدلها بغيرها، وينتفع بها،
وبدرِّها، ويربح فيها إن شاء، إلا أنه إذا عينها بعد ذلك ليس له الانتفاع بها. وقال
أحمد والشافعي: لا تتعين الأضحية بمجرد الشراء بنيتها حتى يقول: هذه أضحية،
فالذي تتعين به الأضحية عندهما هو القول دون النية؛ لأنه إزالة ملك على وجه
القربة، فلا تؤثر فيه النية المقارنة للشراء كالعتق والوقف. وقال الشوكاني في
((السيل الجرار)): ليس في مصير الأضحية أضحية بمجرد الشراء بالنية دليل يقوم به
الحجة، ويجب المصير إليه والعمل به، قال: والظاهر أنه إذا ذبحه بنية الأضحية
وَفَّى بما عليه وصار فاعلًا لما شرعه الله تعالى لعباده من الضحايا. انتهى.
الثانية: ما يفعل بولد الأضحية إذا ولدته بعد التعيين؟ فقال ابن قدامة: ولدها
تابع لها حكمه حكمها، سواء كان حملًا حين التعيين أو حدث بعده، وبهذا قال
الشافعي، وعن أبي حنيفة: لا يذبحه ويدفعه إلى المساكين حيًّا، وإن ذبحه دفعه
إليهم مذبوحًا، وأرش ما نقصه الذبح؛ لأنه من نمائها فلزمه دفعه إليهم على صفته
كصوفها وشعرها، قال: ولنا أن استحقاق ولدها حكم يثبت للولد بطريق السراية
من الأم، فيثبت له ما يثبت لها كولد أم الولد والمدبرة إذا ثبت هذا، فإنه يذبحه كما
يذبحها؛ لأنه صار أضحية على وجه التبع لأمه، ولا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ولا

١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تأخيره عن أيامه كأمه. وقد روي عن علي رَضِفَهُ أن رجلًا سأله فقال: يا أمير
المؤمنين، إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها، وإنها وضعت هذا العجل، فقال
عليٌّ: لا تحلبها إلا فضل عن تيسير ولدها، فإذا كان يوم الأضحى، فاذبحها
وولدها عن سبعة. رواه سعيد بن منصور عن أبي الأحوص العبسي عن المغيرة بن
حذف، عن علي.
الثالثة: حكم لبنها وصوفها وشعرها. قال ابن قدامة: لا يشرب من لبنها إلا
الفاضل عن ولدها، فإن لم يفضل عنه شيء أو كان الحلب يضر بها أو ينقص لحمها
لم يكن له أخذه، وإن لم يكن كذلك فله أخذه والانتفاع به، وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يحلبها ويرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن، فإن احتلبها
تصدق به؛ لأن اللبن متولد من الأضحية الواجبة، فلم يجز للمضحي الانتفاع به
كالولد. قال ابن قدامة: ولنا قول علي المذكور، ولأنه انتفاع لا يضرها فأشبه
الركوب ويفارق الولد، فإنه يمكن إيصاله إلى محله، أما اللبن فإن حلبه وتركه
فسد، وإن لم يحلبه تعقد الضرع وأضر بها، فيجوز له شربه، وإن تصدق به كان
أفضل، وإن احتلب ما يضر بها أو بولدها لم يجز، وعليه أن يتصدق به، فإن قيل :
فصوفها وشعرها ووبرها، إذا جزه تصدق به ولم ينتفع به، فَلِمَ أجزتم له الانتفاع
باللبن؟ قلنا: الفرق بينهما بوجهين، أحدهما: أن لبنها يتولد من غذائها وعلفها،
وهو القائم به، فجاز صرفه إليه، كما أن المرتهن إذا علف الرهن كان له أن يحلب
ويركب، وليس له أن يأخذ الصوف ولا الشعر. الثاني: أن الشعر والصوف ينتفع به
على الدوام، فجرى مجرى جلدها وأجزائها، واللبن يشرب ويؤكل شيئًا فشيئًا،
فجرى مجرى منافعها وركوبها، ولأن اللبن يتجدد كل يوم، والصوف والشعر عين
موجودة دائمة في جميع الحول.
الرابعة: حكم إبدال الأضحية وبيعها، فقال أحمد: يجوز أن تبدل بخير منها،
وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة ومالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. وقال أبو
يوسف والشافعي وأبو ثور: لا يجوز بيعها ولا إبدالها؛ لأنه قد جعلها لله تعالى فلم
يملك التصرف فيها بالبيع والإبدال كالوقف. وقال القاضي: يجوز أن يبيعها
ويشتري خيرًا منها، وهو قول عطاء ومجاهد وأبي حنيفة، واستدلوا بإشراكه وَل
عليًّا رَوَّهُ في هديه، قالوا: هذا نوع من الهبة أو بيع، وهذا الاستدلال خارج عن

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْعَتِيرَةِ
١٨٧
محل النزاع كما بينه في ((النيل)) (ج٤ ص ٣٣٠).
ويؤيد من قال بجواز بيع الأضحية: ما روي عن ابن عباس، في الرجل يشتري
البدنة أو الأضحية فيبيعها ويشتري أسمن منها فذكر رخصة، رواه الطبراني في
((الأوسط)). قال الهيثمي: رجاله ثقات.
ويؤيدهم أيضًا: ما رواه الترمذي وأبو داود عن حكيم بن حزام أن رسول اللَّه وَل
بعثه يشتري له أضحية بدينار، فاشترى أضحية فأربح فيها دينارًا، فاشترى أخرى
مكانها فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول اللّه وَ له. فقال: ((ضَحِّ بِالشَّاةِ وَتَصَدَّقْ
بِالدِّينَارِ))، لكن في سنده عند الترمذي انقطاع، وعند أبي داود شيخ مجهول.
وقال الحنفية: يجوز للغني بيع الأضحية ما لم يعين، وكان للنبي وَّ حكم
الغني لكون الأضحية واجبة عليه، والفرق بين الفقير والغني في الأحكام منوط
على وجوبها في الذمة وعدم وجوبها، فلم يكن بأس في بيع حكيم أول
المشتراتين؛ لعدم تعينها للتضحية، وطاب الفضل للنبي وَّ إلا أنه أمر بتصدقه؛
لكونه حصل بربح دينار نوى صرفه في سبيل اللّه بطريق الأضحية، يعني: أنه قد
خرج عنه للقربة لله تعالى في الأضحية، فكره أكل ثمنها .
وقال الشوكاني في ((السيل الجرار)): ليس في ثبوت هذه الأحكام التي ذكرها
المصنف - صاحب ((حدائق الأزهار)) - من أنه لا ينتفع بالأضحية ... إلى آخر ما
ذكره من ذلك دليل يقوم به الحجة، ويجب المصیر إلیه والعمل به، فإن كان قياسًا
للأضحية على الهدي، وإن كان الباب مختلفًا، فلا بأس بذلك، فإنه قد ورد في
الهدي إن المهدي إذا خشي عليه موتًا، فلينحره، ولا يطعمه هو ولا أحد من رفقته،
كما في ((صحيح مسلم)) وغيره من حديث أبي قبيصة، وفي ((مسند الإمام أحمد))
و((سنن أبي داود)) والترمذي وابن ماجه من حديث ناجية الخزاعي، قال الترمذي:
والعمل على هذا عند أهل العلم في هدي التطوع إلى آخر كلامه في ((سننه)).
وورد في منع بيع الهدي ما أخرجه أحمد وأبو داود، والبخاري في «تاريخه))،
وابن حبان وابن خزيمة في ((صحيحيهما)) عن ابن عمر قال: أهدى عمر نجيبًا
فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي وَّ فقال: يا رسول الله، إني أهديت نجيبًا
فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، فأبيعها وأشتري بثمنها بدنًا؟ قال: ((لَا، انْحَرْهَا إِيَّاهَا)).

١٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فالحاصل: أنه إن صح قياس الأضحية على الهدي فذاك، وإلا فالأصل عدم
ثبوت شيء من هذه الأحكام، ومما يدل على اختلاف البابين: أنه قال في
الضحايا: ((كلوا وادخروا واتجروا)). انتهى. ولا يجوز إبدالها بدونها ولا خلاف
في هذا، ولا يجوز بمثلها أيضًا لعدم الفائدة في هذا. الخامسة: إذا تلفت
الأضحية، أو ضلت، أو سرقت بغير تفريط منه: قال ابن قدامة: لا ضمان عليه؛
لأنها أمانة في يده فإن عادت إليه - في صورة الضلال أو السرقة - ذبحها، سواء
كان في زمن الذبح أو فیما بعده. انتهى.
وقال الشوكاني في ((السيل الجرار)) في شرح قول صاحب ((حدائق الأزهار)):
((فإن فاتت، أو تعيبت بلا تفريط لم يلزم البدل))، ما لفظه: قد قدمنا أن الأدلة تدل
على وجوب الأضحية، فهذه التي اشتراها إذا تلفت، أو تعيبت بنى الخطاب عليه
في الوفاء بما هو واجب عليه إن كان قائلًا بالوجوب، وإنما هو سنة إن كان يرى أنها
سنة، فكون مجرد التلف مسقطًا للأضحية مسوغًا لعدم إبدال ما تلف محتاج إلى
دليل، وكيف يصح والنبي وَل أمر بإعادة الذبح لمن كان ذبحها قبل الصلاة،
فلينظر ما وجه كلام المصنف، فإن هذا مع كونه خلاف الدليل يخالف حكم
الهدي، فيكون قادحًا في القياس مع أنه لا وجه لثبوت ما ذكره من أحكام الأضحية
إلا مجرد القياس على الهدي كما قدمنا، وأيضًا مما يقدح في ذلك القياس تجويز
المصنف للبيع ولإبدال مثل وأفضل مع ما تقدم في الهدي من نهيه وَثل لعمر عن
البيع وأمره بأن يذبح النجيبة. انتهى.
السادسة: ما يفعل بالأضحية إذا فات وقت الذبح. فقال أبو حنيفة: يسلمها إلى
الفقراء، ولا يذبحها، فإن ذبحها؛ فرق لحمها وعليه أرش ما نقصها الذبح؛ لأن
الذبح قد سقط بفوات وقته. وقال ابن قدامة: يذبح الواجب قضاء ويصنع ما يصنع
بالمذبوح في وقته، وهو مخير في التطوع، فإن فرق لحمها كانت القربة بذلك دون
الذبح؛ لأنها شاة لحم وليست أضحية، وبهذا قال الشافعي: قال ابن قدامة: إن
الذبح أحد مقصودي الأضحية، فلا يسقط بفوات وقته كتفرقة اللحم وذلك أنه لو
ذبحها في الأيام، ثم خرجت قبل تفريقها فرقها بعد ذلك، ويفارق الوقوف
والرمي؛ لأن الأضحية لا تسقط بفواتها بخلاف ذلك. انتهى.

١٨٩
بَابُ الْعَتِيرَةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ser
السابعة: ما يفعل بالأضحية إذا مات صاحبها وعليه دين لا وفاء له. فقال ابن
قدامة: لم يجز بيعها وبهذا قال أبو ثور ويشبه مذهب الشافعي، وقال الأوزاعي: إن
ترك دينًا لا وفاء له إلا منها بيعت فيه. وقال مالك: إن تشاجر الورثة فيها باعوها.
قال ابن قدامة: ولنا أنه تعين ذبحها، فلم يصح بيعها في دَيْنِهِ كما لو كان حيًّا، إذا
ثبت هذا، فإن ورثته يقومون مقامه في الأكل والصدقة والهدية؛ لأنهم يقومون
مقام مورثهم فیما له وعليه.
قلت: الظاهر عندي: هو ما ذهب إليه الأوزاعي، ثم ما ذهب إليه مالك؛ لأن
الدين حق العبد وهو أوجب وألزم من الأضحية، إن كانت واجبة.
الثامنة: حكم لحم الأضحية: فالمستحب عند الحنابلة تثلیثه. قال أحمد: نحن
نذهب إلى حديث عبد الله بن مسعود: يأكل هو الثلث، ويطعم من أراد الثلث،
ويتصدق على المساكين بالثلث، وعن ابن عمر قال: الضحايا والهدايا ثلث لك،
وثلث لأهلك، وثلث للمساكين، وروي عن ابن عباس في صفة أضحية النبي وَله
قال: ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال
بالثلث. رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في ((الوظائف))، وقال: حديث حسن.
وقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَاُلْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، والقانع: السائل،
والمعتر: الذي يعتريك أي: يعترض لك لتطعمه فلا يسأل، فذكر ثلاثة أصناف،
فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثًا، وبهذا قال إسحاق ابن راهويه، وهو أحد قولي
الشافعي، وقال في الآخر: يجعلها نصفين، يأكل نصفًا ويتصدق بنصف؛ لقوله
تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيْرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال أصحاب الرأي: ما كثر
من الصدقة فهو أفضل؛ لأن النبي وَّ أهدى مائة بدنة، وأمر من كل بدنة ببضعة،
فجعلت في قدر، فأكل هو وعلي من لحمها وحسيا من مرقها، ونحر خمس أو
ست بدنات، وقال: ((من شاء فليقتطع)) ولم يأكل منهن شيئًا. قال ابن قدامة: الأمر
في هذا واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق
بها جاز، وقال أصحاب الشافعي: يجوز أكلها كلها. قال ابن قدامة: ولنا أن اللَّه
تعالى قال: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُوْ اُلْقَانِعَ وَاُلْمُعْتَّرَّ﴾، وقال: ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَأْيِسَ
اُلْفَقِيرَ﴾، والأمر يقتضي الوجوب.

١٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال بعض أهل العلم: يجب الأكل منها ولا يجوز الصدقة بجميعها؛ للأمر
بالأكل منها، ولنا أن النبي وَّلّ نحر خمس بدنات ولم يأكل منهن شيئًا، وقال: ((من
شاء فليقتطع))، ولأنها ذبيحة يتقرب بها إلى الله تعالى، فلم يجب الأكل منها
كالعقيقة، والأمر للاستحباب أو للإباحة؛ كالأمر بالأكل من الثمار والزرع،
والنظر إليها. انتهى.
التاسعة: حكم جلد الأضحية: فقال أحمد: لا يجوز أن يبيعه ولا شيئًا منها،
واجبة كانت أو تطوعًا، له أن ينتفع بجلدها من غير بيع، وهو مذهب الشافعي،
ورخص الحسن والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتري به الغربال والمنخل أو آلة
البيت، وروي نحو هذا عن الأوزاعي؛ لأنه ينتفع به هو وغيره، فجرى مجرى
تفریق اللحم، وقال أبو حنيفة: يبيع ما شاء منها ويتصدق بثمنه، وروي عن ابن عمر
أنه یبیع الجلد، ويتصدق بثمنه.
والراجح: هو ما ذهب إليه الشافعي وأحمد؛ لقوله وَالَ: «لَا تَبِيعُوا لُحُومَ الْهَدِيِّ
وَالْأَضَاحِّي، وَكُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَاسْتَمْتَعُوا بِجِلُودِهَا وَلَا تَبِعُوهَا، وَإِنَ أَطْعِمْتُمْ مِنْ
لُحُومِهَا شِيْئًا فَكُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ)) أخرجه أحمد.
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٤ ص٢٦): هو مرسل صحيح الإسناد،
ولقوله بَله: ((مَنْ بَاعَ جِلْدَ أَضْحِيَّتُهُ، فَلَا أَضْحِيَّةَ لَهُ)) أخرجه الحاكم (ج٤ ص٣٨٩)،
والبيهقي من حديث أبي هريرة، قال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: فیه عبد الله بن عياش، وقد ضعفه أبو داود والنسائي، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وأخرج له مسلم في الشواهد، وقال أبوحاتم: صدوق ليس بالمتين
يكتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة، ولقول علي رَوَّهُ: أمرني رسول اللَّه وَّ.
أن أقوم على بُدْنه، وأقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئًا،
وقال: (نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا))، أخرجه الجماعة إلا الترمذي، قال الزيلعي في
((نصب الراية)) والمصنف يعني: ((صاحب الهداية)): احتج بحديث أبي هريرة
وعلي رَوْمُتَهُ على كراهة بيع جلد الأضحية مع جوازه، وهو خلاف ظاهر اللفظ، وقد
احتج ابن الجوزي بظاهر حديث علي رِوُلَهُ على التحريم. انتهى.

١٩١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْخُسُوفِ
٥٠ - بَابُ صَلَاةِ الْخُسُوفِ
(بَابُ صَلَاةِ الْخُسُوفِ) أي: للشمس والقمر، قال أهل اللغة: خسوف العين:
ذهابها، وغيبوبتها وغورها، أي: دخولها في الرأس، وخسوف المكان: ذهابه في
الأرض، وخسوف الشيء: نقصانه، وخسوف القمر: ذهاب ضوئه، والخسف
أيضًا: الذل، والكسوف: التغير إلى السواد، ومنه كسف وجهه إذا تغير، وكسفت
الشمس أي: اسودت وذهب شعاعها، والمشهور على ألسنة الفقهاء استعمال
الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب أيضًا، قال في ((الفصيح)): إن
كسفت الشمس، وخسف القمر أجود الكلامين، وذكر الجوهري في ((الصحاح)):
إنه أفصح، وعلى هذا فكان الأولى للمؤلف أن يقول: الكسوف، بدل الخسوف،
فإن أحاديث الباب كلها وردت في كسوف الشمس، أو يقول: الكسوف
والخسوف؛ لأن حكمهما واحد في أكثر المسائل عند الفقهاء.
وقيل: أتى بلفظ الخسوف؛ تنبيهًا على أن الخسوف يستعمل في الشمس والقمر
كما يستعمل الكسوف فيهما؛ واختيارًا لما دلت عليه الأحاديث أنه يقال بهما في
كل منهما، قال القسطلاني: الأصح أن الكسوف والخسوف يضافان للشمس
والقمر بمعنى، يقال: كسفت الشمس والقمر وخسفا - بفتح القاف والخاء مبنيًّا
للفاعل -، وكسفا وخسفا - بضمهما مبنيًّا للمفعول -، وانكسفا وانخسفا بصيغة
انفعل، ومعنى المادتين واحد، أو يختص ما بالكاف بالشمس وما بالخاء بالقمر،
وهو المشهور على ألسنة الفقهاء، واختاره ثعلب، وادعى الجوهري أفصحيته،
ونقل عياض عن بعضهم عكسه، وعورض بقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨]،
ويدل للقول الأول إطلاق اللفظين في المحل الواحد في الأحاديث، قال المنذري:
وقبله ابن العربي: حديث الكسوف رواه عن النبي وقّل سبعة عشر نفسًا، رواه
جماعة منهم بلفظ الكاف وجماعة بالخاء وجماعة باللفظين جميعًا. انتهى. لكن لم
يرد في الأحاديث نسبة الكسوف إلى القمر على جهة الانفراد.

١٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
قال القسطلاني نقلًا عن الحافظ وغيره: ولا ريب أن مدلول الكسوف لغة غير
مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف لغة تغير إلى سواد، والخسوف النقص والذل كما
مر، فإذا قيل في الشمس: كسفت أو خسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص؛ ساغ
ذلك، كذلك القمر. ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، وقيل:
بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء،
بالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره.
واعلم: أنه لا خلاف في مشروعية صلاة الكسوف والخسوف، وأصل
مشروعيتها بالسنة وإجماع الأمة، لكن اختلفوا في حكمها وصفتها، فقال الشافعي
وأحمد: صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة؛ لفعله ◌َّليه لها وجمعه الناس مظهرًا
لذلك، وهذه أمارة الاعتناء، والتأكيد وللأمر بها، والصارف عن الوجوب ما سبق
من قوله ◌َ لٍ: ((لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ))، وعند أبي حنيفة سنة غير مؤكدة، وصرح أبوعوانة
في (صحيحه)) بوجوبها، وإليه ذهب بعض الحنفية واختاره أبوزيد الدبوسي
((صاحب الأسرار)).
قال ابن الهمام: للأمر بها، والظاهر أن الأمر للندب؛ لأن المصلحة دفع الأمر
المخوف فهي مصلحة تعود إلينا دنيوية إلى آخر ما قال. وعن مالك أنه أجراها
مجرى الجمعة، وفي الشرح الكبير للمالكية: أنها سنة عين، وأما صلاة خسوف
القمر فهي سنة مؤكدة عند الشافعي وأحمد ككسوف الشمس، ومستحبة عند أبي
حنيفة ومالك، لكن قالا: يصلون فرادى من غير جماعة. وقال ابن دقيق العيد:
تردد في صلاة الخسوف مذهب مالك وأصحابه ولم يلحقها بكسوف الشمس في
قول .
وقال ابن قدامة: قال مالك: ليس في كسوف القمر سنة، وحكى ابن عبد البر عنه
وعن أبي حنيفة، أنهما قالا: يصلي الناس لخسوف القمر وحدانًا ركعتين ركعتين
ولا يصلون جماعة، قال العيني: أبو حنيفة لم ينف الجماعة بل قال: الجماعة فيها
غير سنة بل هي جائزة. انتهى.
والراجح: ما ذهب إليه الشافعي وأحمد، وأما الصفة، فسيأتي الكلام عليها
قریبًا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْخُسْوِفِ
eeeex
١٩٣
الفصل الأول
١٤٩٤ - [١] عَنْ عَائِشَةَ رَ ◌ّا قَالَتْ: إِنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللّهِ وَلَ فَبَعَثَ مُنَادِيًّا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي
رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطَّ، وَلَا سَجَدْتُ
سُجُودًا قَطَّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ.
[متفق عليه]
G O
الْشَّرْجُ
١٤٩٤ - قوله: (إِنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ) بفتح الخاء والسين، وفي إسناد
الخسوف إلى الشمس رد على من قال: إنه يتعين الخسوف للقمر، وعلى من قال:
إن استعمال الخسوف للشمس خلاف الأفصح. (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ) أي: في
زمانه يوم مات ابنه إبراهيم، كما سيأتي. (فَبَعَثَ مُنَادِيًّا) يقول: (الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ)
يعني: ينادي بهذه الجملة، قال الطيبي: ((الصلاة)) مبتدأ و((جامعة)) خبره، أي:
الصلاة تجمع الناس، ويجوز أن يكون التقدير الصلاة ذات جماعة، أي: تصلى
جماعة لا منفردًا كالسنن الرواتب، فالإسناد مجازي كطريق سائر. انتهى. ويجوز
نصب الصلاة على الإغراء، وجامعة على الحال، أي: احضروا الصلاة حال كونها
جامعة للجماعات أو للناس، وهو من الأحوال المقدرة، وفيه تقادير أخرى، وهو
يدل على أنه يسن أن ينادى لصلاة الكسوف: الصلاة جماعة.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك، وقد اتفقوا على أنه
لا يؤذن لها ولا يقام؛ لأن النبي وَ لّ صلاها بغير أذان ولا إقامة، وقاس بعضهم
صلاة العيدين على الكسوف في مشروعية النداء بالصلاة جامعة، وهو محل نظر؛
لأنه لم يرد الأمر بهذا اللفظ عنه ◌ٍَّ إلا في هذه الصلاة مع الحاجة إلى ذلك في
عهده ◌َّ، فالاقتصار عليه هو المشروع (فَتَقَدَّمَ) أي: هو ◌َِّّ. (فَصَلَّى) وفي رواية
(١٤٩٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٠٦٦)، مسلم (٤ / ٩٠١) فِيهَا عَنْهَا .

١٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مسلم: ((فاجتمعوا، وتقدم، وكبر وصلى))، وفي رواية للنسائي: ((فاجتمعوا،
واصطفوا فصلی)).
(أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي: ركوعات (وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) قال العيني والقسطلاني: بنصب
أربع عطفًا على أربع ركعات. قال القاري: فائدة ذكره أن الزيادة منحصرة في
الركوع دون السجود. (قَالَتْ عَائِشَةُ) اعلم أن هذا الحديث إلى قوله: (وَأَرْبَعَ
سَجَدَاتٍ)، رواه الشيخان والنسائي أيضًا من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي
عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن الشمس خسفت ... إلخ، وأما قوله:
قالت عائشة: (مَا رَكَعْتُ ... ) إلخ. فليس في هذا الحديث ولا هو مروي من هذا
الطريق، بل هو تتمة حديث عبد الله بن عمر، وأخرجه هؤلاء الثلاثة من رواية
يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمر، وبنحو حديث عائشة
المذكور، وفي آخره فقالت عائشة: ((ما ركعت)) ... إلخ، فالراوي لذلك عنها هو
غير الراوي حديث عائشة المتقدم المرفوع، وهو أبوسلمة، ويحتمل أن يكون
عبد الله بن عمرو، فيكون من رواية صحابي عن صحابية. قال الحافظ: ووهم من
زعم أنه معلق، فقد أخرجه مسلم وابن خزيمة وغيرهما من رواية أبي سلمة، عن
عبد الله بن عمرو، وفيه قول عائشة. انتهى.
(مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ، وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ) أي: كان ذلك
الركوع والسجود أطول من ركوع الخسوف وسجوده. وهذا لفظ مسلم، واقتصر
البخاري على ذكر السجود، ولفظه: قالت عائشة: ((مَا سَجَدُتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ
أَطْوَلَ مِنْهَا))، أي: من سجدة الكسوف، أو هو على حذف مضاف أي: من سجود
صلاة الكسوف، وقد ثبت طول الركوع والسجود في الكسوف في أحاديث كثيرة،
منها: أحاديث ابن عباس وعائشة وأبي موسى المذكورة في الباب، ومنها: حديث
أبي هريرة عند النسائي، ومنها: حديث سمرة عند أبي داود والنسائي، ومنها:
حديث جابر عند أحمد ومسلم وأبي داود، ومنها: حديث أسماء عند أحمد
والبخاري وأبي داود وابن ماجه، وإلى مشرعية التطويل في الركوع والسجود في
صلاة الكسوف، كما يطول القيام ذهب أحمد وأبو حنيفة ومالك في المشهور عنه،
والشافعي في أحد قوليه، وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه. والحديث

١٩٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ صَلَاةِ الْخُسُوفِ
B
يدل على مشروعية الجماعة لصلاة الكسوف، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد
وجمهور العلماء.
وقال ابن حبيب: الجماعة فيها شرط. وقيل: لا تقام إلا في جماعة واحدة. قال
الترمذي: ويرى أصحابنا يعني أصحاب الحديث أن يصلي صلاة الكسوف في
جماعة في كسوف الشمس والقمر. وبوب البخاري باب: صلاة الكسوف جماعة.
قال الحافظ: أي: إن لم يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم. وبه قال
الجمهور. وعن الثوري: إن لم يحضر الإمام صلوا فرادى. انتهى.
قلت: وقال الحنفية أيضًا: بأنه إن لم يحضر إمام الجمعة والعيدين صلوا
فرادى، وقالوا: لا جماعة في صلاة خسوف القمر، ففي ((شرح الوقاية)): عند
الكسوف يصلي إمام الجمعة بالناس ركعتين، وإن لم يحضر - أي: إمام الجمعة -
صلوا فرادى كالخسوف، انتهى مختصرًا. وقال في ((الدر المختار)): يصلي بالناس
من يملك إقامة الجمعة ركعتين. قال ابن عابدين: بيان للمستحب، يعني: فعلها
بالجماعة، إذا وجد إمام الجمعة، وإلا فلا تستحب الجماعة بل تصلى فرادى، هذا
ظاهر الرواية، وعن الإمام في غير رواية الأصول لكل إمام مسجد أن يصلي
بجماعة في مسجده، انتهى.
قال في ((البدائع)): والصحيح ظاهر الرواية. قلت: والراجح عندي: أنه يجوز
الأمر إن الانفراد والتجميع فيهما؛ لأنه لم يرد ما يقتضي اشتراط التجميع؛ لأن
فعله ◌َّيه لا يدل على الوجوب فضلًا عن الشرطية، لكن لا شك أن التجميع أفضل
بل أوكد؛ لأنه ونَ ﴾ أمر المنادي بالإعلام بالصلاة جامعة؛ ليجتمع الناس وصلاها
جماعة، وقد أمر بالصلاة الكسوف والخسوف أمرًا واحدًا، فيسن الجماعة
للخسوف كما تسن للكسوف، وعن ابن عباس أنه صلى بأهل البصرة في خسوف
القمر ركعتين، وقال: إنما صليت؛ لأني رأيت رسول اللّه بِ ◌ّل يصلي، ولأن
خسوف القمر أحد الكسوفين فأشبه كسوف الشمس، وسيأتي مزيد الكلام في
صلاة خسوف القمر قريبًا. وأما إذا لم يحضر الإمام الراتب للجمعة والعيدين، أو
إمام الحي فيؤم لهم بعضهم، ولا يكون احتمال الفتنة والخلل، إذا اتفقوا على أحد
للإمامة وتراضوا به. وفي الحديث أيضًا: دليل على أن المشروع في صلاة

١٩٦
*** * cese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، والأحاديث الواردة في وصفها مختلفة
جدًّا.
فمنها: هذا المذکور، أي: ر کعتان في کل ر کعة ر کوعان، روي هذا من حدیث
عائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو متفق عليهم، وأسماء بنت أبي بكر عند
أحمد، والبخاري والنسائي وابن ماجه وجابر عند أحمد، ومسلم وأبي داود وأبي
هريرة عند النسائي، وابن عمر عند البزار وابن جرير. قال الهيثمي: في سنده مسلم
ابن خالد، وهو ضعيف، وقد وثق. انتهى. وله حديث آخر عند البيهقي (ج ٣
ص٣٢٤) من طريق الشافعي عن يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر .
قال البيهقي: تفرد به يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، وروي ذلك أيضًا
من حديث أم سفيان عند الطبراني كما في ((الفتح))، وأبي موسى الأشعري، وسمرة
ابن جندب كما في ((التلخيص))، وأبي شريح الخزاعي عن عثمان من فعله بالمدينة
وبها عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد والبيهقي (ج٣ ص٣٢٤) وأبويعلى
والطبراني في ((الكبير)) والبزار. قال الهيثمي: رجاله موثقون، واختار هذه الكيفية
مالك والشافعي وأحمد والجمهور. ومنها: «في کل ر کعة ثلاث ركوعات))، روي
هذا من حديث عائشة عند أحمد ومسلم والنسائي، وابن عباس عند الترمذي
وصححه، وفيه حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلس، وصفه بذلك ابن خزيمة
والدار قطني وابن حبان، ولم يبين سماعه من طاوس، وروي ذلك أيضًا من حديث
جابر عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي والبيهقي، وقد أعله البيهقي (ج٣
ص٣٢٦)، وروي ذلك أيضًا من فعل ابن عباس وحذيفة كما في ((المحلى)) (ج٥
ص٩٩). ومنها: ((في كل ركعة أربع ركوعات))، روي هذا من حديث ابن عباس
عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي والبيهقي، وقد أعله البيهقي (ج ٣ ص ٣٢٧)،
ومن حديث حذيفة عند البزار واليهقي (ج٣ ص٣٢٩) من طريق محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حبيب بن أبي ثابت عن صلة بن زفر عن حذيفة.
قال البيهقي: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يحتج به، ومن حديث علي
عند أحمد (ج١ ص١٤٣) والبيهقي (ج٣ ص ٣٣٠)، وروي أيضًا من فعل علي وابن

١٩٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*t eese xe :* sac <<=== **
بَابٌ صَلَاةِ الْخُسُوفِ
عباس، واختاره حبيب بن أبي ثابت كما في ((المحلى)) (ج ٥ ص ١٠٠). ومنها: ((في
کل ركعة خمس ركوعات))، روي هذا من حديث أبي بن كعب عند أبي داود،
والحاكم والبيهقي وعبد الله بن أحمد، وهو حديث معلول كما ستعرف، ومن
حديث علي عند البزار كما في ((الفتح)) و((مجمع الزوائد))، وذكر البيهقي في
((المعرفة)) وفي ((السنن)) (ج ٣ ص٣٢٩) وابن حزم في ((المحلى)) (ج ٥ ص ١٠٠) عن
الحسن أن علي بن أبي طالب صلى في كسوف عشر ركعات في أربع سجدات.
قال البيهقي: رواية الحسن عن علي لم تثبت، وأهل العلم بالحديث يرويها
مرسلة. ومنها: ((أن يصلي ركعتين ويسلم، ثم ركعتين ويسلم)) هكذا حتى ينجلي
الكسوف، روي هذا من حديث النعمان بن بشير عند أحمد (ج٤ ص٢٦٧، ٢٦٩)،
وفيه: ((وكان يصلي ركعتين ثم يسأل، ثم يصلي ركعتين ثم يسأل، حتى انجلت
الشمس ... )) إلخ. وأخرجه البيهقي (ج ٣ ص٣٣٣) بلفظ: ((فجعل يصلي ركعتين
ويسلم، حتى انجلت الشمس))، قال في ((هامشه)): كذا في المصرية. وفي
((المدراسية)): ويصلي ركعتين ويسلم ويصلي ركعتين، ويسلم مرتين. انتهى.
وهو عند الطحاوي بلفظ: ((فجعل يصلي ركعتين ويسلم ويسأل حتى انجلت)).
وأخرجه أبو داود بلفظ: ((فجعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى
انجلت))، ورواه النسائي من حديث قبيصة الهلالي بلفظ: ((فصلى ركعتين ركعتين
حتى انجلت)). واختار هذا إبراهيم النخعي والحسن، كما في ((المحلى))، وروى
الحسن عن أبي حنيفة: إن شاؤوا صلوا ركعتين، وإن شاؤوا صلوا أربعًا، وإن
شاءوا صلوا أكثر من ذلك، ذكره في ((المحيط)) و((البدائع)). واستدلت الحنفية
بحديث النعمان وقبيصة على ما ذهبوا إليه من أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر
النوافل بلا تكرار الركوع، وسيأتي الجواب عنه. ومنها: ((كأحدث صلاة))، روي
هذا من حديث النعمان بن بشير عند النسائي وابن حزم (ج٥ ص٩٧) والبيهقي (ج٣
ص٣٣٢) بلفظ: ((إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ))،
وروي أيضًا من حديث قبيصة الهلالي عند أحمد (ج٥ ص ٦٠) وأبي داود والنسائي
والبيهقي والحاكم والطحاوي والبغوي، وقوله: ((كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ) يعني: كأقرب
صلاة .

١٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن حزم محتجًا بهذا الحديث: يصلى لكسوف الشمس، خاصة إن كسفت
من طلوعها إلى أن يصلى الظهر ركعتين، وإن كسفت من بعد صلاة الظهر إلى
أخذها في الغروب صلى أربع ركعات كصلاة الظهر ولاعصر، وفي كسوف القمر،
خاصة إن كسفت بعد صلاة المغرب إلى أن يصلى العشاء الآخرة، صلي ثلاث
ركعات كصلاة المغرب، وإن كسفت بعد صلاة العتمة إلى الصبح صلى أربعًا
كصلاة العتمة. انتهى. وعليه حمله السندي حيث قال في حاشية النسائي: قوله:
((كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ)) فيه: أنه ينبغي أن يلاحظ وقت الكسوف، فيصلي لأجله صلاة هي
مثل ما صلاها من المكتوبة قبيلها، ويلزم منه أن يكون عدد الركعة على حسب تلك
الصلاة، وأن يكون الركوع واحدًا. انتهى. وحمله الحنفية على صلاة الصبح
خاصة، قالوا: المراد أنه يصلي ركعتين كصلاة الصبح بركوعين وأربع سجدات.
وقيل: التشبيه فيه محمول على بعض الصفات لا على جميعها، يعني: أن التشبيه
هاهنا في عدد الركعات، والقراءة فقط لا من كل الجهات، فيصلي ركعتين،
ويجهر بالقراءة كصلاة الصبح، لكن كل ركعة بركوعين؛ وهذا لئلا يعارض القول
ما رواه الشيخان من فعله بتثنية الركوع في كل ركعة. وقيل: معناه إذا وقع
الكسوف عقب صلاة جهرية يصلي ويجهر فيها بالقراءة، وإن وقع عقب صلاة سرية
يصلى، ويخافت فيها بالقراءة. ومنها: (ركعتان في كل ركعة ركوع)). روي هذا
من حديث عبد الله بن عمر، وعند أحمد (ج٢ ص١٩٨) وأبي داود والنسائي
والترمذي في الشمائل، والطحاوي والحاكم (ج١ ص٣٢٩) وأبي حنيفة في
مسنده، كلهم من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمر. وقال
الحاكم: صحيح، ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب، وقال تقي الدين في
((الإِمام)): كل من روى عن عطاء بن السائب روى عنه في الاختلاط إلا شعبة
وسفیان. انتهى.
قلت: أخرجه أبو داود عن حماد بن سلمة عن عطاء، والنسائي عن عبد العزيز
ابن عبد الصمد عن عطاء والترمذي عن جرير عن عطاء، والحاكم عن الثوري عن
عطاء، والطحاوي عن حماد بن سلمة والثوري وغيرهما عن عطاء، وأخرج النسائي
في رواية عن شعبة عن عطاء به، لكن ليس متنه بصريح في الركعتين، وحكى
العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (ص٣٩٢) عن ابن معين أنه قال: حديث سفيان

١٩٩
بَابُ ضِلَاةِ الْخُسْوِفِ
g Xfge
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وشعبة وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب مستقيم، انتهى. وروى ذلك أيضًا من
حدیث سمرة بن جندب عند أحمد (ج٥ ص١٦) وأبي داود والنسائي والحاكم (ج١
ص٣٣٠) والبيهقي (ج٣ ص٣٣٩) وصححه الحاكم، وروي أيضًا من حديث
محمود بن لبيد عند أحمد (ج٥ ص٤٢٨)، قال الهيثمي (ج٢ ص٢٠٧): رجاله
رجال الصحيح. انتهى. واختار هذه الصفة الحنفية، واستدلوا بهذه الأحاديث
الثلاثة، وبما ورد من قوله: ((صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ)). في بيان صلاته ◌َّ لكسوف الشمس
في حديث أبي بكرة عند البخاري والنسائي وعبد الرحمن بن سمرة عند مسلم وأبي
داود والنسائي والحاكم، وابن مسعود عند ابن خزيمة، والنعمان بن بشير عند
الحاكم، وقبيصة عند أبي داود والنسائي وغيرهما على عدم تعدد الركوع في
الركعة .
قال الزيلعي: ظاهر قوله: ((صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ))، أن الركعتين بركوع واحد.
وأجيب: بأن ذكر ركوع في ركعة لا يدل على نفي الزائد، فكان ذكر الركوع الثاني
حذف فيها كما حذفت السجدة الثانية في ذكر السجدة، وبأن أحاديث تثنية الركوع
أصح، وأرجح وأكثر، وأشهر، فَتُقَدَّمُ على هذه الأحاديث، وبأن فيها زيادة فهي
أولى بالقبول؛ لأنها أثبتت ما لم يثبت حديث عبد الله بن عمرو، وسمرة ومحمود
ابن لبيد وغيرهم، وبأنها مثبتة فتقدم على غيرها مما يدل على عدم تعدد الركوع،
وبأن معنى قوله: ((صَلَّ رَكْعَتَيْنٍ))، أي: ركوعين في ركعة فصار أربع ركوعات في
ر کعتين .
قال القرطبي: يحتمل أنه إنما أخبر عن حكم ركعة واحدة، وسكت عن
الأخرى، وبأن قوله: ((صَلَّى رَكْعَتَينٍ))، مطلق، وفي أحاديث تثنية الركوع زيادة،
فيحمل هذا المطلق على الروايات المقيدة، والمعنى: صلاها ركعتين بزيادة ركوع
في كل ركعة. وقد ظهر بما ذكرنا أن جملة ما ورد في صفة صلاة الكسوف سبع
صفات: ((ركوع في كل ركعة))، و((ركوعان في كل ركعة))، و((ثلاثة في كل ركعة))،
و((أربعة في كل ركعة))، و((خمسة في كل ركعة))، و((كأحدث صلاة))، و((أن يصلي
ركعتين ويسلم))، ((ثم يصلي ركعتين ويسلم هكذا حتى تنجلي الشمس))، وكثير من
الأحاديث الواردة فيها صحيح، وأصحها أحاديث تثنية الركوع، فإن هذه هي الثابتة
في ((الصحيحين)) وغيرهما من طرق كثيرة، ثم دونها في الصحة مع كونه صحيحًا