النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
ص١٠٧) عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث به، وهو مرسل، وضعيف
أيضًا، وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٣ ص٢٨٢) من طريق الشافعي، وقال: هذا
مرسل، وقد طلبته في سائر الروايات لكتابه إلى عمرو بن حزم، فلم أجده. انتهى.
قال ابن حجر: وهو وإن كان ضعيفًا إلا أنه يعمل به في مثل ذلك اتفاقًا .
١٤٦٤ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسِ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِّ وَِّ: أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ يَشْهَدُوَّنَ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالأَمْسِ،
فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقْطِرُوا، وإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُو إِلَى مُصَلَّهُمْ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٤٦٤ - قوله: (وَعَنْ أَبِي عُمَيْرٍ) بالتصغير (بْنِ أَنَسٍ) بن مالك الأنصاري،
قال الحاكم أبو أحمد: اسمه عبد الله، وكان أكبر أولاد أنسَ، قلت: ذكر الباوردي
حديثه هذا، وسماه في ((مسنده)) عبد الله، قال الحافظ: ثقة من الرابعة، وهي طبقة
تلي الطبقة الوسطى من التابعين. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وصحح حديثه البيهقي، والنووي في ((شرح المهذب))
و((الخلاصة)) وأبوبكر بن المنذر وابن السكن وابن حزم والخطابي، وتصحيحهم
توثيق لرواته أبي عمير وغيره.
وقال ابن عبد البر: هو مجهول، قال الحافظ في ((التلخيص)): كذا قال، وقد
عرفه من صحح له، انتھی.
قال المؤلف: عمَّرَ بعد أبيه أنس زمانًا طويلًا. (عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ) بضم العين جمع
عم، كالبعولة جمع بعل، وفي رواية ابن ماجه والبيهقي: حدثني عمومتي من
الأنصار (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وََّ) صفة عمومة، قال النووي في ((الخلاصة)): عمومة
أبي عمير صحابة لا يضر جهالة أعيانهم؛ لأن الصحابة كلهم عدول.
(١٤٦٤) أَبُو دَاوُد (١١٥٧)، وَالنَّسَائِي (١٨٠/٣) فِي الصِّيَامِ عَنْهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
١٠١
PLEASE
وقال البيهقي (ج ٣ ص٣١٦): عمومة أبي عمير من أصحابه عمليَّلا لا يكونون إلا
ثقات، وقال أيضًا (ج٤ ص٢٤٩): الصحابة كلهم ثقات سموا أو لم يسموا.
انتھی .
وقال النووي في ((التقريب)): الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم
بإجماع من يعتد به، فإذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من أصحاب النبي وَل
كان ذلك حجة، وإن لم يسم ذلك الرجل، ولا يضر الجهالة لثبوت عدالتهم على
العموم. (أَنَّ رَكْبًا) جمع راكب، كصحب وصاحب (جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، يَشْهَدُونَ
أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ) يعني: لم يروا الهلال في المدينة ليلة الثلاثين من
رمضان، فصاموا يوم الثلاثين، فجاء قافلة في أثناء ذلك اليوم، وشهدوا أنهم رأوا
الهلال ليلة الثلاثين، وفي رواية أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي: أغمي
علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند
رسول اللَّه ◌َّ أنهم رأوا الهلال بالأمس. وفي رواية الطحاوي: أنهم شهدوا بعد
الزوال، وبه أخذ أحمد وأبو حنيفة وغيرهما: أن وقتها إلى زوالها؛ إذ لو كانت
صلاة العيد تؤدى بعد الزوال لما أخرها رسول اللَّه وَلَه إلى الغد. (فَأَمَرَهُمْ) أي:
الناس. (أَنْ يُفْطِرُوا) أي: ذلك اليوم؛ لأنه ثبت أنه يوم عيد الفطر .
(وَإِذَا أَصْبَحُوا) أي: في اليوم الثاني من شوال. (أَنْ يَغْدُوا) أي: يذهبوا في
الغدوة أي: جميعًا. (إِلَى مُصَلَّاهُمْ) لصلاة العيد، كما في رواية ابن ماجه وغيره،
قال الشوكاني: الحديث دليل لمن قال: إن صلاة العيد تصلى في اليوم الثاني، إن
لم يتبين العيد إلا بعد خروج وقت صلاته، وإلى ذلك ذهب الأوزاعي والثوري
وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وهو قول للشافعي، وظاهر
الحديث: أن الصلاة في اليوم الثاني أداء لا قضاء. انتهى. وقال الخطابي في
((المعالم)) (ج١ ص٢٥٢): وإلى هذا الحديث ذهب الأوزاعي وسفيان الثوري
وأحمد بن حنبل وإسحاق.
وقال الشافعي: إن علموا بذلك قبل الزوال خرجوا وصلى الإمام بهم صلاة
العيد، وإن لم يعلموا إلا بعد الزوال لم يصلوا يومهم ولا من الغد؛ لأنه عمل في
وقت، إذا جاز ذلك الوقت لم يعمل في غيره، وكذلك قال مالك وأبوثور، قال
الخطابي: سنة رسول اللّه وَ ليل أولى، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه
واجب. انتهى.
١٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلت: وروى البيهقي عن الشافعي ما يدل على أنه علق القول به على صحة هذا
الحديث، وقد تقدم أن الحديث صحيح، صححه غير واحد من الأئمة، فالقول به
واجب. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه في الصيام
والدار قطني والطحاوي والبيهقي (ج٣ ص٣١٦)، وابن حبان في ((صحيحه))،
وسكت عنه أبو داود والمنذري، وصححه الدارقطني والبيهقي والنووي وابن
المنذر وابن السكن وابن حزم والخطابي، والحافظ ابن حجر في ((بلوغ المرام)).
٢ فائدة:
اختلف العلماء فيمن لم يدرك صلاة العيد مع الإمام، فذهب المزني ومالك
وأبو حنيفة: إلى أنه لا يقضيها، وبه قال أحمد، قال ابن قدامة: من فاتته صلاة العيد
أي: مع الجماعة، فلا قضاء عليه. انتهى.
وذهب الشافعي: إلى أنه يقضيها، واختلفوا أيضًا في أنه كيف يقضي، فقال
أبو حنيفة: إن شاء صلى، وإن شاء لم يصل، فإن شاء صلى أربعًا، وإن شاء صلى
ركعتين، وإليه ذهب أحمد. قال ابن قدامة: من فاتته صلاة العيد، فلا قضاء عليه،
فإن أحب قضاءها فهو مخير إن شاء صلاها أربعًا، روي هذا عن ابن مسعود، وهو
قول الثوري.
قال ابن مسعود: من فاته العيد مع الإمام فليصل أربعًا - أخرجه سعيد بن منصور
بإسناد صحيح - وإن شاء أن يصلي ركعتين، كصلاة التطوع، وهو قول الأوزاعي،
وإن شاء صلاها على صفة صلاة العيد بتكبير وحده أو في جماعة، نقل ذلك عن
أحمد إسماعيل بن سعد، واختاره الجوزجاني، وهذا قول النخعي ومالك
والشافعي وأبي ثور وابن المنذر: أنه يصليها كما يصلي مع الإمام إلا أن مالكًا
استحب له ذلك من غير إيجاب، وذلك لما روى البيهقي عن عبد الله بن أبي بكر بن
أنس قال: كان أنس، إذا فاته العيد مع الإمام جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة
الإمام في العيد، وروى ابن أبي شيبة عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال: من
فاته العيد يصلي ركعتين ويكبر؛ ولأنه قضاء صلاة، فكان على صفتها كسائر
الصلوات. قلت: وإليه ذهب البخاري، كما يدل عليه تبويبه، وهو قول الراجح
عندنا .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
*
١٠٣
الفصل الثالث
١٤٦٥، ١٤٦٦ - [٢٦، ٢٧] عَنِ ابْنِ جُرَيْج قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُّ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ
الْأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ - يَعْنِي عَطَاءَ - بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي قَالَ:
أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ لَّا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا
بَعْدَ مَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ، وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ وَلَا إِقَامَةً.
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح}
W O
الشّرْحُ
١٤٦٥، ١٤٦٦ - قوله: (عَنِ ابْنِ جُرَيْج) بضم الجيم الأولى مصغرًا،
وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مَولاهم المكي، أصله رومي،
ثقة، فقيه، فاضل، وكان يدلس ويرسل، مات سنة (١٥٠) أو بعدها، وقد جاوز
السبعين. قال ابن جريج: لزمت عطاء بن أبي رباح سبع عشرة سنة، وقال ابن
عيينة: سمعت أخي عبد الرزاق بن همام عن ابن جريج: ما دون العلم تدويني
أحد، وقال أحمد: أول من صنف الكتب ابن جريج وابن أبي عروبة .
(أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رباح. (لَمْ يَكُنْ) أي: الشأن. (يُؤَذَّنُ) أي بالصلاة
يفتح الذال المشددة مبنيًّا للمفعول خبر كان واسمها ضمير الشأن. (يَوْمَ) عيد (الْفِطْرِ
وَلَا يَوْمَ) عيد (الْأَضْحَى) أي: في زمنه ◌ََّ، واليوم منصوب على الظرفية، قال ابن
جريج: (ثُمَّ سَأَلْتُهُ - يَعْنِي: عَطَاءً -) تفسير للضمير المنصوب من المصنف.
(بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن تفصيله، أو الإعادة لتأكيد الإفادة احتياطًا.
(فَأَخْبَرَنِي) أيَّ: عطاء بالتفصيل الآتي. (قَالَ) أي: عطاء (أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ)
الأنصاري (أَنْ) بالتخفيف (لَا أَذَانَ) أي: مشروع. (لِلصَّلَاةِ) أي: لصلاة العيد (يَوْمَ
(١٤٦٥)، (١٤٦٦) مُسْلِمٌ (٨٨٦) في العيدين عنهما.
١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الْفِطْرِ) ترك يوم عيد الأضحى للاكتفاء. (حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ) أي: للصلاة. (وَلَا
بَعْدَ مَا يَخْرُجُ) أي: للخطبة، وقال القاري: حين يخرج الإمام أي: أول الوقت ولا
بعد ما يخرج أي: عند إرادته الصلاة.
(وَلَا إِقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ) تأكيد. (وَلَا شَيْءَ) من ذلك قط، وهو تأكيد للنفي. (لَا
نِدَاءَ) بلا واو (يَوْمَئِذٍ، وَلَا إِقَامَةَ) قال الطيبي: تأكيد على تأكيد إن كان من كلام
جابر، وإن كان من كلام عطاء، ذكره تفريعًا لابن جريج، يعني: حدثت لك أنه لم
يؤذن، ثم سألتني عن ذلك بعد حين. انتهى. واستدل بقوله: (وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ،
وَلَا شَيْءَ) أنه لا يقال: أمام صلاة العيد شيء من الكلام، وقد سبق الكلام فيه.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٣ ص٢٨٤)، وأخرجه البخاري مختصرًا
عن عطاء عن ابن عباس وجابر قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى.
١٤٦٧ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ كَانَ
يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطِّرِ فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ قَامَ فَأَقْبَلَ
عَلَى النَّاسِ، وهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ
لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: («تَصَدَّقُوا،
تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا)) وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمّ يَزَلْ
كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ ابْنُ الْحَكَمِ، فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ حَتَّى أَتَيْنَا
الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدَّ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَرْوَانُ
يُنَازِعُنِي يَدُهُ كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلََّةِ، فَلَّمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ
مِنْهُ قُلْتُ: أَيْنَ الإِبْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرَِكَ مَا تَعْلَمُ،
قُلْتُ: كَلَّ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ، ثَلَاثَ مِرَارٍ ثُمّ
انْصَرَفَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح }
الْشّرْحُ
١٤٦٧ - قوله: (كَانَ يَخْرُجُ) أي: لصلاة العيد. (يَوْمَ) عيد (الأَضْحَى وَيَوْمَ)
(١٤٦٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٩٥٦)، ومُسْلِم (٨٨٩) عنه في العيدين.
١٠٥
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
عيد (الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلاةِ) أي: قبل الخطبة. (فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ) أي: فرغ منها،
ووقع في مسلم بعد صلاته لفظ: وسلم. (قَامَ) أي: للخطبة. (وَهُمْ جُلُوسٌ فِي
مُصَلَّاهُمْ) أي: مستقبلي القبلة، وهي جملة اسمية حالية. (فَإِنْ كَانَتْ لَهُ) أي: للنبي
وَه . (حَاجَةٌ بِبَعْثٍ) أي: ببعث عسكر لموضع. (ذَكَرَهُ) أي: البعث بتفصيله، أو
المبعوث ممن يريد بعثه. (أَوْ كَانَتْ لَهُ) أي: للنبيِوَِّ. (حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ) أي:
بغير البعث من مصالح المسلمين العامة أو الخاصة.
(وَكَانَ يَقُولُ) في أثناء خطبته. (تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا) التثليث للتأكيد
اعتناء بأمر الصدقة؛ لعموم نفعها وشح النفوس بها، أو باعتبار من بحذائه ويمينه
وشماله. (وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ) قال القاري: أكثر النسخ على رفع أكثر،
ونصب ((النساء))، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يبالغ في حثهن على الصدقة
أكثر، ويعلل ذلك، بأنه رآهن أكثر أهل النار؛ لكفرانهن العشير، وإكثارهن اللعن
والشكاة. (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) أي: يرجع إلى بيته. (فَلَمْ يَزَلْ) أي: الأمر (كَذَلِكَ) أي:
مثل ذلك، وعلى ذلك النوال من تقديم الصلاة على الخطبة، والخطبة بالقيام على
الأرض دون المنبر.
(حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَم) قال الطيبي: كان تامة، والمضاف محذوف أي :
حدوث عهده، أو إمارته - يعني: على المدينة - من قبل معاوية، وهو مروان بن
الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي أبوعبد الملك الأموي، وهو ابن عم عثمان
ابن عفان، ولد على عهد رسول اللّه وَل سنة اثنتين من الهجرة، وقيل: عام الخندق
سنة أربع أو خمس، وقيل: ولد يوم أحد، يعني سنة ثلاث، وقيل غير ذلك. وقال
ابن شاهين: مات النبي وَل وهو ابن ثمان سنين، فيكون مولده بعد الهجرة
بسنتين، يقال: له رؤية، والصحيح أنه لا يثبت له صحبة، جزم به جماعة منهم
البخاري .
قال ابن عبد البر: لم ير النبي وَالثّ؛ لأنه خرج إلى الطائف طفلًا لا يعقل، وذلك
أن رسول اللَّه ◌َ ل كان قد نفى أباه الحكم الذي أسلم يوم الفتح إليها، فلم يزل بها
حتى ولي عثمان بن عفان، فرده عثمان فقدم المدينة هو وولده في خلافة عثمان،
وتوفي أبوه فاستكتبه عثمان وضمه إليه، فاستولى عليه إلى أن قتل عثمان، وكان هو
١٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من أسباب قتله، ثم شهد الجمل مع عائشة، ثم صفين مع معاوية، ثم ولى إمرة
المدينة لمعاوية ثم لم يزل بها إلى أن أخرجهم ابن الزبير في أوائل إمرة يزيد بن
معاوية، فكان ذلك من أسباب وقعة الحرة، وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن
يزيد بن معاوية، فبايعه بعض أهل الشام سنة (٦٤) في قصة طويلة، ثم كانت
الوقعة بينه وبين الضحاك بن قيس، وكان أميرًا لابن الزبير فانتصر مروان وقتل
الضحاك، واستوثق له ملك الشام، ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها ثم بغته
الموت، فعهد إلى ولده عبد الملك فكانت خلافته تسعة أشهر، ومات في صدر
رمضان سنة (٦٥) وله (٦٣) أو (٦١) سنة، وهو أول من ضرب الدنانير الشامية
۵﴾، وکان یعد
التي يباع الدينار منها بخمسين، وكتب عليها ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ
في الفقهاء، قال عروة بن الزبير: كان مروان لا يتهم في الحديث، وقد روى عنه
سهل بن سعد الساعدي الصحابي اعتمادًا على صدقه، وإنما نقموا عليه أنه رمى
طلحة يوم الجمل بسهم فقتله، ثم شهر السيف في طلب الخلافة حتى جرى ما
جری .
قال الحافظ: فأما قتل طلحة فكان متأولًا فيه، كما قرره الإسماعيلي وغيره،
وأما بعد ذلك فإنما حمل عنه سهل بن سعد وعروة وعلي بن الحسين وأبوبكر بن
عبد الرحمن بن الحارث، وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في ((صحيحه)) لما
كان أميرًا عندهم في المدينة قبل أن يبدو منه في الخلافة على ابن الزبير ما بدا.
والله تعالى أعلم، وقد اعتمد مالك على حديثه ورأيه والباقون سوى مسلم.
انتھی .
(فَخَرَجْتُ) لصلاة العيد. (مُخَاصِرًا) حال من الفاعل (مَرْوَانَ) مفعوله،
والمخاصرة: أن يأخذ رجل بيد رجل يتماشيان، فيقع يد كل واحد منهما عند
خاصرة صاحبه عبارة عن شدة التصاقهما في المشي. (فَإِذَا) للمفاجأة. (كَثِيرُ بْنُ
الصَّلْتِ) كثير ضد القليل، والصلت - بفتح الصاد المهملة وسكون اللام ثم مثناة
فوقية - وهو كثير بن الصلت بن معدي كرب الكندي المدني، ثقة من كبار
التابعين، ووهم من جعله صحابيًّا، قاله الحافظ في ((التقريب))، وقال في ((الفتح)) :
تابعي كبير، ولد في عهد النبي ◌َّ، جزم به البخاري وأبوحاتم والعسكري وابن
حبان وابن منده وابن عبد البر وغيرهم. وقدم المدينة هو وإخوته بعده فسكنها
١٠٧
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وحالف بني جمح، وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى نافع قال: كان اسم كثير بن
الصلت قلیاًا فسماه عمر کثیرًا، ورواه أبوعوانة فوصله بذکر ابن عمر، ورفعه بذکر
النبي ێ، والأول أصح، وقد صح سماه کثیر من عمر فمن بعده و کان له شرف
وذكر، وهو ابن أخي جَمْدٍ أحد ملوك بني كندة الذين قتلوا في الردة، وقد ذكر أبوه
الصلت في الصحابة لابن منده، وفي صحة ذلك نظر. انتهى. وقال الذهبي في
((التجريد)): الصلت الكندي مختلف في صحبته. انتهى.
قلت: وذكر الحافظ كثيرًا هذا في ((الإصابة)) في القسم الثاني من حرب الكاف
فيمن له رؤية اعتمادًا على رواية أبي عوانة وشاهدها الذي ذكره الفاكهي، قال:
ولهذا ساغ ذكره في هذا القسم، فكأنه كان ولد قبل أن يهاجر أبوه وهاجر به معه ثم
رجع إلى بلده ثم هاجر کثیر. انتهى.
(قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَيِنٍ) بكسر الباء: الآجر قبل الطبخ لتكون الخطبة عليه،
واختص كثير ببناء المنبر بالمصلى؛ لأن داره كانت مجاورة للمصلى، كما في
حديث ابن عباس عند البخاري أنه رَّ أتى في يوم العيد إلى العلم الذي عند دار
كثير بن الصلت. قال ابن سعد: كانت دار كثير بن الصلت قبلة المصلى في
العيدين، وهي تطل على بطن بطحان الوادي الذي في وسط المدينة. انتهى.
قال السمهودي: وليس المراد أنها متصلة بوادي بطحان، بل بينهما بُعد، ودار
كثير هذه كانت قبله للوليد بن عتبة ثم اشتهرت بكثير بن الصلت، وهو من
التابعين، ولد في زمن النبي ◌َّ فوقع التعريف بداره ليقرب إلى ذهن السامع فهم
ذلك، وليس كثير بن الصلت هو الذي اختطّها خلافًا لما وقع في كلام الحافظ ابن
حجر، حيث قال: وإنما بنى كثير بن الصلت داره بعد النبي وَخّ بمدة، لكنها لما
صارت شهيرة في تلك البقعة وصف المصلى بمجاورتها، فتعريفه بكونه عند دار
كثير بن الصلت على سبيل التقريب للسامع، وإلا فداره محدثة بعد النبي وَلّ.
وفيه: دليل على أنه لم يكن في المصلى في زمانه رَّ منبر، وأن أول من اتخذه
مروان، وقد وقع في ((المدونة)) لمالك ورواه عمر بن شبة عن أبي غسان عنه قال:
أول من خطب الناس في المصلى على المنبر عثمان بن عفان كلمهم على منبر من
طين بناه كثير بن الصلت، وهذا معضل، وما في ((الصحيحين)) أصح، فقد رواه
١٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البخاري نحو رواية مسلم، وقد ذكرنا لفظه في شرح أول حديث الباب، ويحتمل
أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان ولم يطلع على ذلك
أبوسعيد، كذا في ((الفتح))، ولا يخالف هذا ما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن
إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: أخرج مروان المنبر يوم عيد وبدأ بالخطبة قبل
الصلاة، فقام إليه رجل فقال: يا مروان، خالفت السنة ... الحديث؛ لأنه يمكن
الجمع بينهما، فلعل مروان لما أنكروا عليه إخراج المنبر ترك إخراجه بعد، وأمر
ببنائه من لبن وطين بالمصلى، ولا بُعد في أن ينكر عليه تقديم الخطبة على الصلاة
مرة بعد أخرى.
(فَإِذَا مَرْوَانٌ) هي كالتي قبلها للمفاجأة، أي: فاجأنا مكان المنبر زمان الإتيان
والمنازعة. (يُنَازِعُنِي) أي: يجاذبني. (يَدُهُ) بالرفع بدل بعض من ضمير الفاعل
وينصب على أنه مفعول ثانٍ. (فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِك) أي: عزمه المنجر إلى الإصرار،
وعدم الانقياد بالانجرار. (مِنْهُ) أي: من مروان. (قُلْتُ) له. (أَيْنَ الإِبْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ)
أي: تقديم الصلاة على الخطبة. (فَقَالَ: لَا) أي: لا يبتدأ بالصلاة، أو لا يعتقد أن
تقديم الصلاة هو السنة. (يَا أَبَاسَعِيدٍ ، قَدْ تُرَِكَ مَا تَعْلَمُ) أي: من تقديم الصلاة على
الخطبة، وقد أتينا بما هو خير من ذلك، ولذلك أجابه بقوله: (لَا تَأْتُونَ بِخَيْرِ مِمَّا
أَعْلَمُ)؛ لأني أعلم سنة رسول اللَّه وَل وسنة الخلفاء الراشدين بعده. (كَلَّا) كَلمة
ردع. (ثَلاثَ مِرَارٍ) براءين أي: قال أبوسعيد ذلك ثلاث مرات، وإنما كرره؛
لينزجر عن إحداثه. (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: أبوسعيد من جهة المنبر إلى جهة الصلاة؛
لما في رواية البخاري أنه صلى معه وكلمه في ذلك بعد ذلك، ولفظه: ((فإذا مروان
يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني فارتفع، فخطب قبل
الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم
والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة،
فجعلتها قبل الصلاة))، انتهى.
فيه: أن الخطبة على الأرض عن قيام أولى من القيام على المنبر، وفيه: إنكار
العلماء على الأمراء إذا صنعوا ما يخالف السنة، وفيه: حلف العالم على صدق ما
يخبر به والمباحثة في الأحكام، وجواز عمل العالم بخلاف الأولى، إذا لم يوافقه
الحاكم على الأولى؛ لأن أبا سعيد حضر الخطبة ولم ينصرف، فيستدل به على أن
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صلاَةِ الْعِيدَين
١٠٩
البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها. والله أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أي: بهذا السياق، ورواه البخاري بمعناه بزيادة، وأخرجه أيضًا
البيهقي (ج٣ ص ٢٨٠، ٢٩٧). هذا وقد بقيت مسائل من باب العيدين لم يذكر
المصنف أحاديثها، وهي مما لا غنى عنه للطالب، ولنذكر طائفة من هذه المسائل
مع الإشارة إلى أحاديثها وآثارها، ومن أحب البسط والتفصيل؛ رجع إلى مظانها
من كتب الفقة الجامع، وشروح الحديث كـ((المغني)) لابن قدامة، و((الروضة
الندية)) و((النيل))، فمنها: أنه يستحب الاغتسال للعيدين بالإجماع، وقد ورد فيه
حديثان ضعيفان، حديث ابن عباس عند ابن ماجه، وحديث الفاكه بن سعد عند
البزار والبغوي وابن قانع وعبد الله بن أحمد في ((زيادات المسند))، ورواه البزار
من حديث أبي رافع، وسنده ضعيف أيضًا، وفي الباب من الموقوف عن علي رواه
الشافعي، وعن ابن عمر رواه مالك، ووقت الغسل بعد طلوع الفجر. وقيل: قبل
الفجر وبعده، وهو لليوم فيستوي فيه الذاهب إلى الصلاة والقاعد، ويندب لبس
أحسن الثياب، والتطيب بأجود الأطياب؛ لما روي فيه من حديث الحسن بن علي
عند الطبراني في (الكبير)) والحاكم، ولحديث جابر عند ابن خزيمة وحديث ابن
عباس عند الطبراني في ((الأوسط))، ومنها: أنه يستحب أن يخرج إلى العيدين ماشيًا
وعليه السكينة والوقار؛ لعموم قوله: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ، فَأَتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ))،
ولحديث علي عند الترمذي وابن ماجه، وحديث عمر وسعد القرظ عند ابن ماجه،
وحديث سعد بن أبي وقاص عند البزار، وهذه الأحاديث الأربعة ضعيفة، وإن كان
له عذر أو كان مكانه بعيدًا فركب، فلا بأس، ومال البخاري إلى التسوية بين
المشي والركوب، كما يدل عليه تبويبه؛ لما رأى من عدم صحة الأحاديث في
المشي فرجع إلى الأصل في التوسعة، ومنها أنه يشرع التكبير في العيدين عند
الجماهير، وهو واجب فيهما عند بعض العلماء، والأكثر على أنه سنة، وهو
الراجح؛ لعدم ما يدل على الوجوب فيبقى على الأصل.
ومنها: أنه يستحب أن يكبر في طريق العيدين، ويجهر بالتكبير إلى أن يصلي؛
لحديث ابن عمر عند الدار قطني والحاكم والبيهقي مرفوعًا وموقوفًا وصحح
البيهقي وقفه.
١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحاكم: هذه سنة تداولها أئمة الحديث، وقد صحت به الرواية عن ابن
عمر وغيره من الصحابة، وفي ((الصغير)) و((الأوسط)) للطبراني عن أبي هريرة
مرفوعًا: ((زَيِّنُوا أَعْيَادَكُمْ بِالتَّكْبِيرِ))، قال الحافظ: إسناده غريب، وقال الهيثمي: فيه
عمر بن راشد، ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، وقال العجلي: لا بأس به، وفي
الباب عن الزهري مرسلاً عند أبي بكر النجاد وابن أبي شيبة. قال ابن الهمام:
الخلاف في الجهر بالتكبير في الفطر لا في أصله؛ لأنه داخل في عموم ذكر الله
تعالى، فعندهما يجهر به كالأضحى وعنده لا يجهر، وعن أبي حنيفة كقولهما.
انتھی .
ومنها: أنه يستحب عند كثير من أهل العلم، أن يفتتح الخطبة بتسع تكبيرات
تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى، أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة من طريق
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: السنة أن تفتتح ... إلخ، وهو من فقهاء
التابعين، وليس قول التابعي من السنة ظاهرًا في سنة النبي ◌َّ، وقال ابن القيم:
وأما قول كثير من الفقهاء: أنه تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيدين
بالتكبير، فليس معهم فيها سنة عن النبي وَثّ البتة، والسنة تقتضي خلافه، وهو
افتتاح جميع الخطب بالحمد. انتهى. ويستحب أن يكثر التكبير في أثناء الخطبة؛
لما روى ابن ماجه بسند ضعيف عن سعد بن قرظ المؤذن، قال: كان النبي وَل يكبر
بين أضعاف الخطبة يكثر التكبير في خطبة العيدين، وصفة التكبير أن يقول: اللَّه
أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا. أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان،
وقيل: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أخرجه الدار قطني عن جابر مرفوعًا، وقيل غير ذلك، وهو يدل على التوسعة في
الأمر، وإطلاق الآية يقتضي ذلك. ومنها: أنه إن أدرك الإمام في التشهد جلس
معه، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين يأتي فيهما بالتكبير؛ لأنه أدرك بعض
الصلاة، فقضاها على صفتها كسائر الصلوات.
ومنها: أن خطبتي العيدين سنة لا يجب حضورها، ولا استماعها، لما روى
عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول اللَّه وَّ العيد، فلما قضى الصلاة
قال: ((إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ
فَلْيَذْهَبْ))، أخرجه النسائي وابن ماجه، ورواه أبو داود وقال: مرسل، وقال
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
النسائي: هذا خطأ، والصواب مرسل، قال المجد ابن تيمية: فيه بيان أن الخطبة
سنة؛ إذ لو وجبت؛ وجب الجلوس لها، قال الشوكاني: قد اتفق الموجبون لصلاة
العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا أعرف قائلًا يقول بوجوبها. انتهى.
١١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤٨ - بَابُ في الْأصْحِيَّةِ
(بَابٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ) بضم الهمزة وكسرها، وهي اسم للمذبوح يوم النحر، قال
الأصمعي: فيها أربع لغات: الأولى والثانية: أَضحيَّة وإِضحيَّة - بضم الهمزة
وكسرها - وجمعها أضاحي بتشديد الياء وتخفيفها. والثالثة: ضَحِيّة - بفتح الضاد
بعد حذف الهمزة - وجمعها ضحايا، كهدية وهدايا، والرابعة: أضحاة - بفتح
الهمزة - والجمع أضحى كأرطاة وأرطى، وبها سمي يوم الأضحى.
قال القاضي: وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تفعل في وقت الضحى، وهو ارتفاع
النهار. قال النووي: وفي الأضحى لغتان: التذكير لغة قيس، والتأنيث لغة تميم،
وهو منصرف. وقال الطيبي: الأضحية ما يذبح يوم النحر على وجه القربة، وبه
سمي يوم الأضحى، ويقال: ضحى بكبش أو غيره إذا ذبحه وقت الضحى من أيام
الأضحى، ثم كثر حتى قيل ذلك ولو ذبح آخر النهار. انتهى.
والأصل في مشروعيتها: الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فقوله تعالى:
(الكوثر: ٢] أي: صل صلاة العيد وانحر النسك أي:
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ
الأضحية، كما قاله جمع من المفسرين، وأما السنة؛ فما روي في ذلك من
أحاديث الباب، وهي متواترة من جهة المعنى؛ لأنها مشتركة في أمر واحد، وهو
مشروعية الأضحية، وأما الإجماع؛ فهو ظاهر لا خلاف في كونها من شرائع
الدين، وقد تواتر عمل المسلمين بذلك من زمن النبي وّل إلى يومنا هذا، وهي من
[الصافات: ١٠٧]، واختلف
١٠٧
سنة إبراهيم ظلّلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ
هل هي سنة أو واجبة؟ فذهب أكثر أهل العلم: إلى أنها سنة مؤكدة غير واجبة،
روي ذلك عن أبي بكر وعمر وبلال وأبي مسعود البدري، وبه قال ابن المسيب
وعلقمة والأسود وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبوثور وابن المنذر
وأبويوسف ومحمد وداود والبخاري وغيرهم. قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من
الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من
شرائع الدين.
١١٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٍ فِي الْأَضْحِيَّةِ
وقال ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وأبوحنيفة: هي واجبة على
الموسر، والمشهور عن أبي حنيفة أنه قال: إنما نوجبها على مقيم يملك نصابًا .
قال الحافظ في الفتح: هي عند الشافعية، والجمهور سنة مؤكدة على الكفاية، وفي
وجه للشافعية: من فروض الكفاية، وعن أبي حنيفة: تجب على المقيم الموسر،
وعن مالك مثله في رواية، لكن لم يقيد بالمقيم، ونقل عن الأوزاعي وربيعة
والليث مثله، وخالف أبو يوسف من الحنفية، وأشهب من المالكية، فوافقا
الجمهور. وقال أحمد: يكره تركها مع القدرة، وعنه: واجبة، وعن محمد بن
الحسن: هي سنة غير مرخص في تركها، قال الطحاوي: وبه نأخذ، وليس في
الآثار ما يدل على وجوبها. انتهى.
واستدل من قال بالوجوب بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾ والأمر
للوجوب، وأجيب: بأن المراد تخصيص الرب بالنحر لا للأصنام، فالأمر متوجه
إلى ذلك؛ لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام، ولا شك في وجوب تخصيص لله
بالصلاة والنحر، واستدلوا أيضًا بحديث: ((مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ
مُصَلَّانَا))، أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي وابن أبي شيبة وأبويعلى والدار قطني
والحاكم من حديث أبي هريرة. قال الحافظ في ((الفتح)): رجاله ثقات، لكن
اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره، ومع
ذلك فليس صريحًا في الإيجاب، انتهى.
وقال ابن الجوزي في ((التحقيق)): هذا الحديث لا يدل على الوجوب، كما في
حديث: ((مَنْ أَكَلَ الثُّومَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا))، واستدلوا أيضًا: بحديث مخنف بن
سليم الآتي في باب العتيرة، ولا حجة فيه؛ لأن الصيغة ليست صريحة في الوجوب
المطلق، وقد ذكر معها العتيرة وليس بواجبة عند من قال بوجوب الأضحية. وقال
البيهقي في ((المعرفة)): إن صح هذا فالمراد به على طريق الاستحباب، بدليل أنه
قرن بين الأضحية والعتيرة، والعتيرة غير واجبة بالإجماع. انتهى.
وقال ابن قدامة في ((المغني)): حديث أبي هريرة وحديث مخنف بن سليم
محمولان على تأكيد الاستحباب، كما قال: ((غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ
مُحْتَلِم))، وقال: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَينِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا))، واستدلوا
أيضًاً بحديث ابن عمر قال: أقام رسول اللّه وَل عشر سنين يضحي، أخرجه
١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الترمذي، وفي سنده حجاج بن أرطاة، وهو كثير الخطأ والتدليس، ورواه عن نافع
بالعنعنة، قال القاري: مواظبته دليل الوجوب، وفيه أن مجرد مواظبته ◌َلَثَلُ على
فعل ليس دليل الوجوب، كما لا يخفى، واستدلوا أيضًا: بما روي في حديث البراء
وأنس عند الشيخين، وحديث جابر عند أحمد ومسلم من الأمر بإعادة الذبح لمن
ذبح قبل الصلاة، قالوا: الأمر ظاهر في الوجوب، وأجيب: بأن المقصود بيان
شرط الأضحية المشروعة، فهو كما قال لمن صلى راتبة الضحى قبل طلوع
الشمس: ((إذا طلعت الشمس فأعد صلاتك))، واستدل من قال بعدم الوجوب
بحديث أم سلمة الآتي.
قال البيهقي في ((المعرفة)): قال الشافعي: في هذا الحديث دليل على عدم
وجوب الأضحية؛ لأنه علقه بالإرادة، والإرادة تنافي الوجوب، وقال الشوكاني
في حديث أم سلمة: ربما كان صالحًا لصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب؛
لقوله: ((وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ))؛ لأن التفويض إلى الإرادة يشعر بعدم الوجوب.
واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس رفعه: ((ثَلاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرِائِضُ، وَلَكُمْ تَطَّوُّع:
النَّحْرُ، وَالْوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الضُّحَى)) أخرجه البزار وابن عدي والحاكم والبيهقي
وغيرهم. وأجيب: بأن هذا الحديث ضعيف غير صالح للاحتجاج، وقد صرح
الحافظ بأن الحديث ضعيف من جميع طرقه، واستدلوا أيضًا: بما أخرجه البيهقي
عن أبي بكر وعمر، أنهما كانا لا يضحيان كراهة أن يظن من رآهما أنها واجبة،
وكذلك أخرج عن ابن عباس وبلال وأبي مسعود وابن عمر، وقد ظهر بما ذكرنا
رجحان قول من ذهب إلى أن الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة، يكره تركها لمن
يقدر عليها، ووهن قول من ذهب إلى وجوبها، وذهب الشوكاني إلى وجوبها؛ إذ
قال في ((السيل الجرار)) بعد ذكر دلائل الوجوب: وبهذا تعرف أن الحق ما قاله
الأقلون من كونها واجبة، ولكن هذا الوجوب مقيد بالسعة، فمن لا سعة له لا
أضحیة علیه انتهى.
واعلم: أنه يتعين عندنا التضحية وإراقة الدم، سواء كانت الأضحية سنة أو
واجبة، ولا يكفي الصدقة بقيمتها؛ لأنه لم ينقل ولو بسند ضعيف أن النبي ؛
صَلىالله
وَسـ
والخلفاء بعده آثروا الصدقة على الأضحية قط، ولأن الصدقة بقيمتها تفضي إلى
ترك شعار عظيم من شعائر الإسلام، فإراقة الدم والذبح متعين لمن يقدر عليه،
والله تعالى أعلم.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابْ فِي الْأَضْحِيَّةِ
١١٥
الفصل الأول
١٤٦٨ - [١] عَنْ أَنَس قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِكَبْشَيْنٍ، أَمْلَحَينِ،
أَقْرَنَينٍ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّىَّ وَكَبَّرَ، قَالَ: رَأَيْتُهُ، وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا
وَيَقُولُ: ((بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ)).
[متفق عليه]
G O
الشَّرْحُ
١٤٦٨ - قوله: (صَحَّى) من التضحية، وفي رواية: ((كان يضحي))، وفيها
إشعار بالمداومة على ذلك، فتمسك به من قال: الضأن في الأضحية أفضل
ضرورة لأن النبي ◌ّ لا يداوم إلا على ما هو الأفضل، وسيأتي الكلام في ذلك.
(بِكَبْشَينٍ) الكبش - بفتح فسكون - فحل الضأن في أي سن كان، واختلف في
ابتدائه، فقيل: إذا أثنى، وقيل: إذا أربع - أي: خرجت رباعيته -، واستدل به على
اختيار العدد في الأضحية، ومن ثم قال الشافعية: إن الأضحية بسبع شياه أفضل من
البعير؛ لأن الدم المراق فيها أكثر، والثواب يزيد بحسبه، وأن من أراد أن يضحي
بأكثر من واحد يعجله، وحكى الروياني من الشافعية: التفريق على أيام النحر.
قال النووي: هذا أرفق بالمساكين، لكنه خلاف السنة، كذا قال. والحديث دال
على اختيار التثنية، ولا يلزم منه أن من أراد أن يضحي بعدد فضحی أول يوم باثنین،
ثم فرق البقية على أيام النحر أن يكون مخالفًا للسنة، قاله الحافظ، وفيه: أن الذكر
في الأضحية أفضل من الأنثى؛ لأن لحمه أطيب.
(أَمْلَحَينٍ) بالحاء المهملة تثنية أملح من الملحة، وهي بياض يخالطه سواد
كالملح محركة، كذا في ((القاموس))، وفي معنى الأملح أقوال؛ قال العراقي:
أصحها أنه الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر، وقيل: هو الأبيض الخالص،
(١٤٦٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٥٦٤)، ومُسْلِم (١٨ / ١٩٦٦) فِي الأَضَاحِي عَنْهُ وَّهِ تَسْلِيمًا،
والنَّسَائِي (٢٣٠/٧)، وابن مَاجَهْ (٣١٢).
١١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وبه تمسك الشافعية في تفضيل الأبيض في الأضحية، وقيل: هو الأغبر أي:
الأبيض المشوب بشيء من السواد، وقيل: هو الأسود الذي يعلوه حمرة، وقيل:
هو الذي يخالط بياضه حمرة، وقيل: هو الأبيض الذي في خلال صوفه الأبيض
طبقات سود، واختار هذه الصفة لحسن منظره. وقيل: لشحمه وطيب لحمه.
(أَقْرَنَينٍ) أي: لكل منهما قرنان معتدلان، قاله الحافظ. وقال النووي: الأقرن
الذي له قرنان حسنان، وقيل: طويل القرنين أو عظيمهما، وقيل: سالم القرنين،
وفيه: استحباب التضحية بالأقرن، وأنه أفضل من الأجم مع الاتفاق على جواز
التضحية بالأجم، وهو الذي لم يخلق له قرن، واستدل به: على مشروعية
استحسان الأضحية صفة ولونًّا، قال الماوردي: إن اجتمع حسن المنظر مع طيب
المخبر في اللحم فهو أفضل، وإن انفردا فطيب المخبر أولى من حسن المنظر.
وقال أكثر الشافعية: أفضلها البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء، ثم البلقاء، ثم
السوداء .
(ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ) وهو المستحب لمن يعرف آداب الذبح ويقدر عليه، وإلا
فليحضر عند الذبح؛ لما روى الحاكم والبيهقي بسند ضعيف عن عمران بن حصين
أن النبي ◌َّ قالٍ لفاطمة: ((قُوْمِي إِلَى أُضْحِيَتِكِ فَاشْهَدِيهَا؛ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ
قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلَّ ذَنْبِ عَمِلْتِيهِ ... )) الحديث، وروي أيضًا من حديث أبي سعيد
الخدري أخرجه الحاكم، وفيه عطية، وقد قال أبوحاتم: إنه حديث منكر، ورواه
الحاكم أيضًا، والبيهقي من حديث علي، وفيه عمرو بن خالد الواسطي، وهو
متروك. قال المظهر: في الحديث أن السنة أن يذبح كل واحد أضحيته بيده؛ لأن
الذبح عبادة والعبادة أفضلها أن يباشر كل بنفسه، ولو وكل غيره جاز، أي: لأن
النبي ◌َّ استناب من نحر باقي بدنه بعد ثلاث وستين، وهذا لا شك فيه، قال
الحافظ: وقد اتفقوا على جواز التوكيل فيها للقادر، لكن عند المالكية رواية بعدم
الإجزاء مع القدرة، وعند أكثرهم يكره، لكن يستحب أن يشهدها، ومذهب
الشافعية: أن الأولى للمرأة أن توكل في ذبح أضحيتها، ولا تباشر الذبح بنفسها .
(وَسَمَّى وَكَبَّرَ) أي: قال: بسم الله والله أكبر. والواو الأولى لمطلق الجمع،
فإن التسمية قبل الذبح، وفيه: مشروعية التسمية عند الذبح، وهي شرط في صفة
١١٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابْ فِي الْأَضْحِيَّةِ
EXSE
الذبح مع الذكر، وتسقط بالسهو والنسيان عند مالك والثوري وأبي حنيفة، وهو
المشهور من مذهب أحمد، وهو المروي عن ابن عباس، وعن أحمد: أنها مستحبة
غير واجبة في عمد ولا سهو، وبه قال الشافعي. والقول الراجح عندنا: هو ما ذهب
إليه الجمهور. وأما التكبير فهو مستحب عند الجميع، قال ابن قدامة: لا نعلم في
استحباب التكبير مع التسمية خلافًا، ولا في أن التسمية مجزئة، انتهى.
ثم الجمهور على أنه تكره الصلاة على النبي ◌ّلل عند الذبح، وخالفهم الشافعي
وقال: إنه يستحب، والراجح عندنا: قول الجمهور. (قَالَ) أي: أنس (رَأَيْتُهُ) وَلَه .
(وَاضِعًا) حال. (قَدَمَهُ) بالنصب (على صفاحهما) - بكسر الصاد المهملة وتخفيف
الفاء وآخره حاء مهملة - جمع صفح - بفتح فسكون - وهو الجنب. وقيل : جمع
صفحة وهو عرض الوجه، وقيل: صفحة كل شيء جانبه، وجمع وإن كان
وضعه وَّ قدمه إنما كان على صفحتيهما، إما باعتبار أن الصفحتين من كل واحد
في الحقيقة موضوع عليهما القدم المبارك؛ لأن إحداهما مما يلي الأخرى مما يلي
الرجل، أو هو من باب قطعت رؤوس الكبشين.
قال العيني: لعله على مذهب من قال: إن أقل الجمع اثنان؛ كقوله تعالى:
﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، فكأنه قال: صفحتيهما، وإضافة المثنى إلى المثنى
تفيد التوزيع، فكان معناه وضع رجله على صفحة كل منهما، وقال الحافظ:
الصفاح الجوانب، والمراد: الجانب الواحد من وجه الأضحية، وإنما ثنى إشارة
إلى أنه فعل ذلك في كل منهما، فهو من إضافة الجمع إلى المثنى بإرادة التوزيع،
وفعل ذلك؛ ليكون أثبت له وأمكن؛ لئلا تضطرب الذبيحة برأسها، فتمنعه من
إكمال الذبح أو تؤذيه أو تنجسه.
قال الحافظ: وفيه استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن،
واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، فيضع رجله على الجانب
الأيمن ليكون أسهل على الذبح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها بيده
اليسار، انتهى. وقال ابن القاسم: الصواب أن يضجعها على شقها الأيسر وعلى
ذلك عمل المسلمين، فإن جهل فأضجعها على الشق الآخر لم يحرم أكلها .
١١٨
Xsese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه أن قوله: ويقول: ((بسم الله والله أكبر))، من أفراد مسلم دون
البخاري، والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج٩ ص٢٥٩ و ٢٨٣) وغيرهم.
١٤٦٩ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمَرَ بِكَبْشِ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي
سَوَادٍ، ويَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، ويَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأَتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، قَالَ: ((يَا
عَائِشَةُ، هَلُمِّ الْمُدْيَةَ)) ثُمَّ قَالَ: ((اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ)) فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وأَخَذَ
الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((بِسْمِ اللَّهِ،َ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآَلٍ
مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَِّ مُحَمَّدٍ)). ثُمَّ ضَحَّى بِهِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
W O
الْشَّرْجُ
١٤٦٩ - قوله: (أَمَرَ بِكَبْشٍ) أي: بأن يؤتى به إليه. (يَطَأ) الأرض ويمشي.
(فِي سَوَادٍ) أي: في قوائمه سواد (وَيَبْرُكُ) أي: يتنوخ. (فِي سَوَادٍ) أي: في بطنه،
وصدره سواد. (وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ) أي: مكحول في عينيه سواد وباقيه أبيض، وهو
أجمل، وقيل: ينظر في سواد أي: حوالي عينيه سواد، قال النووي: قوله: ((يَطَأُ فِي
سَوَادٍ .. )) إلخ. معناه: أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه سود، وقال الخطابي: يريد
أن أظلافه ومواضع البروك منه وما أحاط بملاحظ عينيه من وجهه أسود، وسائر
بدنه أبيض، انتهى. وفيه: دليل على أنها تستحب التضحية بما كان على هذه
الصفة. وأخرج أحمد والترمذي وصححه، وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي
سعيد الخدري قال: ((ضحى رسول اللّه وَ ل بكبش أقرن فحيل، يأكل في سواد،
ويمشي في سواد، وينظر في سواد)). ولا اختلاف بينهما وبين حديث أنس المتقدم
لحملهما على حالين، فكان ما في حديث عائشة وأبي سعيد في مرة أخرى.
(فَأُتِيَ بِهِ) أي: فجيء بالكبش. (لِيُضَخِّيَ بِهِ) علة لأمره عليه السلام. (هَلُمِّ
الْمُدْيَةَ) أي: هاتيها، قال الطيبي: بنو تميم تثني وتجمع وتؤنث، وأهل الحجاز
(١٤٦٩) مُسْلِم (١٩ / ١٩٦٧)، وَأَبُو دَاوُد (٢٧٩٢) فِيهِ عَنْهَا .
١١٩
بَابٍ فِي الْأَضْحِيَّةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
يقولون هلم في الكل، انتهى. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شَهَدَاءَ كُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]
أي: أحضروهم، والمدية - بضم الميم وكسرها وفتحها - وهي السكين، قيل:
بضم الميم أصح من الكسر والفتح.
(اشْحَذِيهَا) بفتح الحاء المهملة وبالذال المعجمة، أي: حدديها. (بِحَجَرٍ) من
الأحجار، يقال: شَحَذْتُ السيف والسكين، إذا حددته بالمسن وغيره مما يستخرج
به حدها، وكذلك شحثتها - بالثاء - لأن الثاء والذال متقاربان، وهذا موافق
لحديث شداد بن أوس عند مسلم في الأمر بإحسان الذبح وإحداد الشفرة، ففيه:
استحباب إحسان الذبح، وكراهة التعذيب، كأن يذبح بما في حده ضعف.
(وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ) على جنبه الأيسر. (ثُمَّ ذَبَحَهُ) أي: أراد ذبحه.
(ثُمَّ ضَخَّى بِهِ) أي: فعل الأضحية بذلك الكبش، قاله القاري. وقال الطيبي: ثم
في قوله: (ثُمَّ قَالَ: بِسْم اللـهِ) للتراخي في الرتبة، وأنها هي المقصودة الأولية،
وإلا فالتسمية مقدمة علَى الذبح، ومن ثم كنى بها عن الذبح في قوله تعالى:
﴿﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِن شَعَِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذَّكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الحج: ٣٩) قال :
وقوله: (ثُمَّ ضَخَّى بِهِ) أي: غدى، كما في الأساس يعني: غدى الناس به، أي:
جعله طعام غداء لهم، وقال النووي: هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره:
فأضجعه ثم أخذ في ذبحه قائلاً: بسم الله ... إلخ. مضحيًا به ولفظة ((ثُمَ)) هاهنا
متأولة على ما ذكرته بلا شك، وفيه: استحباب إضجاع الغنم في الذبح، وأنها لا
تذبح قائمة، ولا باركة بل مضجعة؛ لأنه أرفق بها، وبهذا جاءت الأحاديث وأجمع
المسلمون عليه، قال: وفي قوله: ((اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةٍ
مُحَمَّدٍ)) دليل لاستحباب قول المضحي حال الذبح مع التسمية والتكبير: اللهم تقبل
مني .
قال أصحابنا: ويستحب معه: ((اللهم منك وإليك تقبل مني))، فهذا مستحب
عندنا وعند الحسن وجماعة، وكرهه أبو حنيفة، وكره مالك: ((اللهم منك وإليك))،
وقال: هي بدعة. انتهى. وقال ابن قدامة: إن زاد - أي: على التسمية والتكبير -
فقال: ((اللهم هذا منك ولك اللهم تقبل مني أو من فلان)) فحسن، وبه قال أكثر أهل
العلم.