النص المفهرس

صفحات 61-80

٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أقره؛ إذ لا يقر على باطل، والأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد
فيه النص وقتًا وكيفية تقليلًا لمخالفة الأصل.
وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد
بأنواع ما يحصل لهم به بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، وأن
الإعراض عن ذلك أولى، وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين.
وفيه: جواز دخول الرجل على ابنته وهي عند زوجها، إذا كان له بذلك عادة،
وتأديب الأب بحضرة الزوج وإن تركه الزوج؛ إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف
مشروع من الأزواج للنساء.
وفيه: أن مواضع أهل الخير تنزه عن اللهو واللغو، وإن لم يكن فيه إثم إلا
بإذنهم .
وفيه: أن التلميذ إذا رأی عند شيخه ما یستكره مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون
في ذلك افتيات على شيخه، بل هو أدب منه ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه.
وفيه: فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرف من طريقته، ويحتمل أن يكون
أبوبكر ظن أن النبي ◌ّ ﴾ نام، فخشي أن یستیقظ، فیغضب علی ابنته، فبادر إلى سد
هذه الذريعة .
واستدل به: على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ولو لم تكن مملوكة؛ لأنه
وَ لّ لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره واستمرتا إلى أن أشارت إليهما
عائشة بالخروج، ولا يخفى أن محل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك، واستنبط من
تسمية أيام منى بأنها أيام عيد مشروعية قضاء صلاة العيد فيها لمن فاتته. انتهى كلام
الحافظ .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين، والحديث
أخرجه أيضًا أحمد والنسائي.

٦١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
BASE
١٤٤٧ - [٨] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ،
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وَّتْرًا.
الْشِّرْجُ
١٤٤٧ - قوله (لَا يَغْدُو) أي: لا يخرج إلى المصلى لصلاة العيد. (يَوْمَ
الْفِطْرِ) أي: يوم عيد الفطر. (حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ) ولفظ الإسماعيلي وابن حبان
والحاكم: ((ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، أو أقل من
ذلك أو أكثر وترًا، وهي أصرح في المداومة على ذلك، قال المهلب: الحكمة في
الأكل قبل الصلاة أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سدَّ
هذه الذريعة، وقيل: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل
الفطر؛ مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من
ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، وسيأتي توجيه آخر لابن المنير في
شرح حديث بريدة في الفصل الثاني.
قال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب تعجيل الأكل يوم الفطر اختلافًا. انتهى.
والحكمة في استحباب التمر: لما في الحلو من تقوية البصر، الذي يضعفه
الصوم، ولأن الحلو مما يوافق الإيمان، ويعبر به المنام، ويرق به القلب، وهو
أيسر من غيره، ومن ثم استحب بعض التابعين أنه يفطر على الحلو مطلقًا كالعسل،
رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين وغيرهما، وروى فيه معنى آخر
عن ابن عون أنه سئل عن ذلك، فقال: إنه يحبس البول، وهذا كله في حق من يقدر
على ذلك، وإلا فينبغي أن يفطر ولو على الماء ليحصل له شبه ما من
الاتباع. (وَيَأْكُلُّهُنَّ) بالرفعِ. (وِتْرًا) ولفظ أحمد: ((ويأكلهن أفرادًا)). والحكمة في
جعلهن وترًا: الإشارة إلى الوحدانية، وكذلك كان يفعل وقَّ في جميع أموره؛
تبرگًا بذلك.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ)، وأخرجه أيضًا أحمد والبخاري في ((تاريخه)) والترمذي وابن
خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١ ص٣٩٤)، والبيهقي (ج٣ ص ٢٨٢ - ٢٨٣)،
(١٤٤٧) البُخَارِي (٩٥٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٥٤٣) فِيهَا عَنْهُ.

٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقول المصنف: ((رواه البخاري)) فيه شيء؛ لأن جملة: ((وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا)) أوردها
البخاري تعليقًا ووصلها أحمد وغيره، وإيراد المصنف يقتضي أنه يرويها في
((صحيحه)) موصولًا، وليس كذلك، فإنه أخرج الحديث موصولًا مسندًا من طريق
هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنسٍ إلى قوله: ((حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ))، ثم
قال: وقال مُرَجَّى بن رجاء: حدثني عبيد الله بن أبي بكر قال: حدثني أنس عن
النبي وَلّ: ((ويأكلهن وترًا))، ويمكن أن يقال من قبل المصنف: أنه لم يلتزم بيان
التمييز بين الموصولات والمعلقات في ديباجة الكتاب، لكن مواقع استعمالاته في
بيان المخرج يشعر بالالتزام حيث قال في بعض المواضع: رواه البخاري، والأمر
فیه هین، قاله میرك.
قلت: قوله: رواه البخاري لا يخلو عن نظر، والأمر ليس بهين، كما لا يخفى
على المتأمل الخبير، والظاهر: أن المصنف قلد في ذلك الجزري حيث قال في
((جامع الأصول)) (ج ٧ ص٩٧) بعد ذكر الحديث إلى قوله: ((وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا)) رواه
البخاري.
١٤٤٨ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَّ النَّبِيُّ نَّهِ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ
الطَّرِيقَ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (صحيح)
G O
الْشِّرْحُ
١٤٤٨ - قوله (إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ) بالرفع فاعل ((كَانَ)) وهي تامة تكتفي
بمرفوعها أي: إذا وقع يوم عيد، وجواب إذا قوله: (خَالَفَ الطَّرِيقَ) أي: رجع من
مصلاه في غير طريق الذهاب إليه، يعني: يخرج إليه من طريق، ويرجع من
أخرى، ففي رواية الإسماعيلي: ((كان إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق
الذي ذهب فيه))، فيستحب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق، والرجوع في طريق
أخرى للإمام والمأموم جميعًا تأسيًا واقتداء به ◌َّله، وبه قال الحنفية والحنابلة وأكثر
الشافعية .
(١٤٤٨) البُخَارِي (٩٨٦) فِيهَا عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
33es
٦٣
BASE
قال الحافظ في ((الفتح)): وبه قال أكثر أهل العلم، وقد اختلف في الحكمة في
مخالفته وَلجية الطريق في الذهاب والرجوع يوم العيد على أقوال كثيرة. قال الحافظ:
اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولًا، فقيل: إنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان،
وقيل: سكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوي بينهما في مزية الفضل بمروره،
أو في التبرك به، أو ليشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها؛ لأنه كان معروفًا
بذلك، وقيل: ليزور أقاربه الأحياء والأموات، وقيل: ليصل رحمه، وقيل: ليتفاءل
بتغير الحال إلى المغفرة والرضاء. وقيل: لإظهار شعار الإسلام فيهما، وقيل:
لإظهار ذكر الله، وقيل: ليغيظ المنافقين أو اليهود. وقيل: ليرهبهم بكثرة من معه،
وقيل: فعل ذلك ليعمهم في السرور به، أو التبرك بمروره وبرؤيته، والانتفاع به في
قضاء حوائجهم في الاستفتاء أو التعلم والاقتداء والاسترشاد، أو الصدقة، أو
السلام عليهم، أو غير ذلك.
وقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات، فأراد أن يشهد له فريقان منهم. وقيل:
لئلا يكثر الازدحام، وقيل: لأن عدم التكرار أنشط عند طباع الأنام، وقيل غير
ذلك، وأشار ابن القيم إلى أنه فعل ذلك لجميع ما ذكر من الأشياء المحتملة
القريبة. قال القسطلاني: ثم من شاركه وَل﴾ في المعنى ندب له ذلك، وكذا من لم
يشاركه في الأظهر تأسيًا به عليه الصلاة والسلام كالرَّمل والاضطباع، سواء فيه
الإمام والمأموم.
وقال ابن قدامة: وفي الجملة الاقتداء به سنة لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله من
أجله، ولأنه قد يفعل الشيء لمعنى، ويبقى في حق غيره سنة مع زوال المعنى؛
كالرَّمل والاضطباع في طواف القدوم، وفعله هو وأصحابه لإظهار الجلد للكفار،
وبقي سنة بعد زوالهم، ولهذا روي عن عمر رَوَّهُ أنه قال: فيم الرملان الآن ولمن
نبدي مناكبنا وقد نفى اللَّه المشركين، ثم قال مع ذلك: لا ندع شيئًا فعلناه مع
رسول اللَّهِ وَل ـ
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) من طريق فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر.
واختلف الرواة في الرواية عن فليح، فبعضهم جعله عن جابر، كما في البخاري
والبيهقي (ج٣ ص٣٠٨) وبعضهم جعله عن أبي هريرة، وهو عند أحمد والترمذي

٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*ansotres*Rees
وابن ماجه وابن حبان والحاكم (ج١ ص٢٩٦)، والبيهقي (ج٣ ص٣٠٨) أيضًا،
وقد رجح البخاري كونه عن جابر حيث قال: حديث جابر أصح، وكذا رجحه
الترمذي تبعًا لشيخه البخاري، وخالفه أبو مسعود الدمشقي، فرجح أنه عن أبي
هريرة.
قال الحافظ: ولم يظهر لي في ذلك ترجيح، وقال الشيخ أحمد شاكر: وأنا
أرجح صحتهما معًا سمع سعيد بن الحارث الحديثين من جابر وأبي هريرة، فكان
يروي مرة حديث هذا ومرة حديث ذاك، قال الحافظ: قد تفرد بهذا الحديث
فلیح، وهو مضعف عند ابن معين والنسائي وأبي داود، ووثقه آخرون، فحديثه من
قبيل الحسن، لكن له شواهد من حديث ابن عمر وسعد القرظ وأبي رافع وعثمان
ابن عبيد الله التيمي وغيرهم يعضد بعضها بعضًا، فعلى هذا فهو من القسم الثاني
من قسمي الصحيح، انتهى.
١٤٤٩ - [١٠] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ:
((إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ،
فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ نُصَلَّيَ، فَإِنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمَ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ
لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِي شَيْءٍ)».
[متفق عليه]
الْشَرْجُ
١٤٤٩ - قوله (خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌ََّ) أي: في المدينة. (يَوْمَ النَّحْرِ) أي: يوم عيد
الأضحى بعد أن صلى العيد. (فَقَالَ) أي: في خطبته. (إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ) بصيغة
المتكلم والجمع بين الأول، و((مَا نَبْدَأُ بِهِ)) للتأكيد والمبالغة. (فِي يَوْمِنَا هَذَا) أي:
يوم عيد النحر. (أَنْ نُصَلَّيَ) صلاة العيد، قيل: المعنى أول ما يكون به الابتداء في
هذا اليوم الصلاة التي بدأنا بها، وقدمنا فعلها، فعبر بالمستقل عن الماضي، وهو
مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلََّ أَنْ يُؤْمِنُواْ﴾ (البروج: ٨] أي: الإيمان المتقدم منهم،
(١٤٤٩) البُخَارِي (٩٦٨)، ومُسْلِم (١٩٦١/٧)، وأبو داود (٢٨٠)، والترمذي (١٥٠٨)، والنَّسَائِي
(٢٢٢/٧) عَنْهُ فِيهَا .

٦٥
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلاةِ
وفي رواية للبخاري: خرج النبي وَله يوم أضحى إلى البقيع، فصلى ركعتين، ثم
أقبل علينا بوجهه، فقال: ((إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ نَرْجِعَ
فَنَْحَرَ .. )) الحديث. وهذا ظاهر في أن ذلك الكلام وقع منه بعد الصلاة؛ للإعلام
بأن ما فعله من تقديم الصلاة ثم الخطبة، وأن تقديم كل من هذين على الذبح هو
المشروع الذي لا ينبغي مخالفته.
(ثُمَّ نَرْجِعَ) من المصلى إلى المنزل. (فَتَنْحَرَ) بالنصب فيهما عطفًا على
(نصلي))، ويرفعان أي: نحن نرجع فننحر أي: ما من شأنه أن ينحر، ونذبح ما من
شأنه أن يذبح من الأضحية، وقيل: المراد بالنحر هنا: الذي هو في لبة الإبل ما
يشمل الذبح، وهو ما في الحلق مطلقًا، وقد يطلق النحر على الذبح بجامع إنهار
الدم، ثم التعقيب بـ(ثُمَّ)) لا يستلزم عدم تخلل أمر آخر بين الأمرين، فلا يدل ذلك
على تقديم الخطبة على الصلاة. (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِك) أي: ما ذكر من تقديم الصلاة
على الذبح، يعني: أَخَّرَ النحر عن الصلاة. (فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا) أي: طريقتنا
وصادف شريعتنا. (وَمَنْ ذَبَحَ) أي : أضحيته .
(قَبْلَ أَنْ نُصَلِّيَ) العيد. (فَإِنَّمَا هُوَ) أي: المذبوح المفهوم من ذبح. (شَاةُ لَحْم)
أي: ليست أضحية ولا ثواب فيها، بل هو مجرد لحم يؤكل ليس فيه معنى العبادةً،
قال الطيبي: هذه الإضافة بيانية كخاتم فضة، أي: شاة هي لحم؛ لأن الشاة
شاتان: شاة يأكل لحمها الأهل، وشاة نسك، يتصدق بها لله تعالى، وقال
القسطلاني: استشكلت هذه الإضافة، بأن الإضافة إما معنوية مقدرة بمن كخاتم
حديد، أو باللام كغلام زيد، أو بفي كضرب اليوم أي: ضرب في اليوم، وأما
لفظية صفة مضافة إلى معمولها، كضارب زيد وحسن الوجه، ولا يصح شيء منها
في شاة لحم. وأجيب: بأن الإضافة بتقدير محذوف أي: شاة طعام لحم، أي:
لإطعام نسك، أو ما أشبه ذلك يعني: شاة لحم غير نسك، فهي مضافة إلى
محذوف أقيم المضاف إليه مقامه - انتهى. والتعبير بالشاة للغالب؛ إذ البقر والإبل
كذلك.
(عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ) أي: قدمه لهم ينتفعون به. (لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ) بضمتين. (فِي
شَيْءٍ) أي: ليس من العبادة فلا ثواب فيها بل هي لحم ينتفع به أهله، قال الحافظ :
النسك يطلق ويراد به الذبيحة، ويستعمل في نوع خاص من الدماء المراقة،

Ber
٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويستعمل بمعنى العبادة، وهو أعم، يقال: فلان ناسك أي: عابد، وقد استعمل في
حديث البراء بالمعنى الثالث، انتهى. والحديث: يدل على أن وقت الذبح يدخل
بعد فعل الصلاة مع الإمام، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام، وأن من ذبح قبل
الصلاة لم يجزئه عن الأضحية، واختلف العلماء في أول وقت التضحية.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنها لا يجوز قبل طلوع الفجر يوم النحر،
واختلفوا فيما بعد ذلك. فقال الشافعي وداود وآخرون: يدخل وقتها إذا طلعت
الشمس، ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، فإن ذبح بعد هذا الوقت أجزأه، سواء
صلى الإمام أم لا، وسواء صلى المضحي أم لا، وسواء كان من أهل الأمصار، أو
من أهل القرى والبوادي والمسافرين، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا .
قال القرطبي: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى
الشافعي أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية؛ حمل الصلاة على وقتها .
قال الحافظ: وإنما شرط الشافعية فراغ الخطبة؛ لأن الخطبتين مقصودتان مع
الصلاة في هذه العبادة، فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزئ بعد
طلوع الشمس. وقال أبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي، إذا طلع
الفجر الثاني، ولا يدخل في حق أهل الأمصار، حتى يصلي الإمام ويخطب، فإن
ذبح قبل ذلك لم يجزئه. وقال مالك: لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام وخطبته
وذبحه، واستدل له بحديث جابر قال: صلى بنا رسول اللّه وَل يوم النحر بالمدينة،
فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي وَّ قد نحر، فأمر النبي وَّ من كان نحر قبله
أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي وَّ. أخرجه أحمد ومسلم، وهو
صريح في أن الاعتبار بنحر الإمام، وأنه لا يدخل وقت التضحية إلا بعد نحره،
ومن فعل قبل ذلك أعاد.
وقال أحمد: لا يجوز قبل صلاة الإمام، ويجوز بعدها قبل ذبح الإمام، وسواء
عنده أهل الأمصار والقرى، ونحوه عن الحسن والأوزاعي وإسحاق به راهويه.
قال الحافظ: وهو وجه للشافعية قوي من حيث الدليل، وإن ضعفه بعضهم، ومثله
قول الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي أثنائها. وقال ربيعة فيمن لا
إمام له: إن ذبح طلوع الشمس لا يجزئه، وبعد طلوعها يجزئه.
قلت: الراجح عندي من هذه الأقوال: هو ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه من أن

٦٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
وقت التضحية بعد صلاة الإمام، فالمؤثر في عدم الإجزاء هو الذبح قبل الصلاة،
وسواء في ذلك أهل القرى والأمصار، وهذا لظواهر الأحاديث الواردة في الباب؛
لأنها متفقة على تعليق الذبح بالصلاة فقط من غير تفريق بين أهل القرى
والأمصار، وأما حديث جابر الذي استدل به لمالك، فتأوله الجمهور على أن
المراد زجرهم عن التعجيل، الذي قد يؤدي إلى فعلها قبل الوقت؛ ولهذا جاء في
باقي الأحاديث التقييد بالصلاة، وإن من ضحى بعدها أجزأه، ومن لا فلا، ويؤيد
ذلك من طريق النظر أن الإمام لو لم يذبح لم يكن ذلك مسقطًا عن الناس مشروعية
الذبح، ولو أن الإمام ذبح قبل أن يصلي لم يجزئه ذبحه، فدل على أنه هو والناس
في وقت الأضحية سواء، وأما إذا لم يكن ثم إمام، فالظاهر أنه يعتبر لكل مضح
بصلاته، ولا يصلح للتمسك لمن جوز الذبح من طلوع الشمس وهو ربيعة، أو من
طلوع الفجر وهو أبو حنيفة في حق غير أهل الأمصار، ما ورد من أن يوم النحر يوم
ذبح؛ لأنه كالعام، وأحاديث الباب خاصة، فيبنى العام على الخاص، والله تعالى
أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في العيدين والأضاحي والأيمان والنذور، ومسلم
في الأضاحي بألفاظ مختلفة، واللفظ الذي أتى به المصنف للبخاري في باب:
التبكير للعيد إلا أن في هذه الرواية عنده: ((فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ)) مكان قوله: ((فَإِنَّمَا هُوَ
شَاةُ لَحْم))، والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي
(ج ٣ ص ٢٨٣ - ٢٨٤
١٤٥٠ - [١١] وَعَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلَّهِ: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى
صَلَّيْتَا، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ».
[متفق عليه]
الْشَّرْحُ
١٤٥٠ - قوله (وَعَنْ جُنْدَبٍ) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها
(١٤٥٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٥٠٠)، ومُسْلِم (١ / ١٩٦٠) عَنْ جُنْدُبٍ فِيهَا، والنَّسَائِي (٢٢٤/٧).

٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن سفيان، وربما نسب إلى جده، فقيل: جندب بن سفيان.
(الْبَجَلِيِّ) بفتح الموحدة والجيم نسبة إلى بَجِيلة: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ﴾ أي: في
خطبته بعد أن صلى العيد يوم النحر في المدينة. (مَنْ ذَبَحَ) أضحيته. (قَبْلَ الصَّلَاةِ)
أي: قبل صلاة العيد. (فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى) تأنيث آخر، وهي صفة لمحذوف
أي: ذبيحة أخرى أو شاة أخرى، فإن الأولى لا تحسب من النسك.
(وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ) ولفظ البخاري: (وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ))، وفي رواية لمسلم: ((وَمَنْ
لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ))، (فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ)، وفي رواية لمسلم: ((فَلْيَذْبَحْ بِاسْم اللَّهِ))،
قال النووي: قوله: ((فَلْيَذْبَحْ عَلَىَ اسْمُ اللَّهِ) هو بمعنى رواية: ((فَلْيَذْبَحْ بِاسْمَ اللَّهِ))،
أي: قائلًا باسم الله، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهو حال من الضمير
في قوله: ((فَلْيَذْبَحْ))، وهذا أولى ما حمل عليه الحديث، وصححه النووي، ويؤيده
ما ورد في حديث أنس عند البخاري: و((سمَّى وكبر)).
وقال عياض : يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون معناه فليذبح لله، والباء تجيء بمعنى اللام.
والثاني: معناه فليذبح بسنة الله.
والثالث: بتسمية اللَّه على ذبيحته؛ إظهارًا للإسلام، ومخالفة لمن يذبح
لغيره، وقمعًا للشيطان .
والرابع: متبركًا باسمه ومتيمنًا بذكره، كما يقال: سر على بركة الله، وسر
باسم الله. قال: وأما كراهة بعض العلماء أن يقال: افعل كذا على اسم الله؛ لأن
اسمه سبحانه على كل شيء، فضعيف ليس بشيء، قال: وهذا الحديث يرد على
هذا القائل.
قال الحافظ: ويحتمل وجهًا خامسًا: أن يكون معنى قوله: ((بِسْم اللَّهِ)) مطلق
الإذن في الذبيحة؛ لأن السياق يقتضي المنع قبل ذلك والإذن بعد ذلك، كما يقال
للمستأذن: بسم الله أي : ادخل.
وقد استدل بهذا الأمر في قوله: ((فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى)) على وجوب الأضحية،
ومن لا يقول به يحمله على أن المقصود بالبيان أن السنة لا تتأدى بالأولى، بل

٦٩
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَينِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
يحتاج إلى الثانية، فالمراد: ((فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى)) لتحصيل سنة إن أرادها.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في العيدين والذبائح والأضاحي والأيمان والنذور
والتوحيد، ومسلم في الأضاحي، واللفظ للبخاري في الذبائح في باب: قول النبي
وَثِير: ((فليذبح على اسم الله))، والحديث أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه والبيهقي
(ج ٣ ص ٢٦٢، ٣١٢، ج٩ ص ٢٧٧).
١٤٥١ - [١٢] وَعَن الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ
الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ
سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ)).
[متفق عليه]
W O
الْشِّرْجُ
١٤٥١ - قوله: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِّ) أي: في خطبته بعد أن صلى العيد يوم
النحر. (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد. (فَإِنَّمَا يَذْبَحُ) أضحيته. (لِنَفْسِهِ)
لحمًا يأكله، ليس بنسك، أي: أضحية، يعني: لا ثواب فيه.
(وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ) أي: عبادته وصح أضحيته. (وَأَصَابَ سُنَّةَ
الْمُسْلِمِينَ) أي: وافق طريقتهم وصادف شريعتهم. وهذا الحديث والذي قبله
صريح في مذهب أحمد ومن وافقه في تعليق الذبح بفعل الصلاة، وأن وقت الذبح
يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب: قول النبي وَّ لأبي بردة: ((ضح بالجذع
من المعز)) من كتاب الأضاحي، وأخرجه أيضًا بعين هذا اللفظ من حديث أنس في
أول الأضاحي.
(١٤٥١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٥٤٦)، ومُسْلِم (٤/ ١٩٦١) عَنِ الْبَرَاءِ فِيهَا .

٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٤٥٢ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يَذْبَحُ، وَيَنْحَرُ
بِالْمُصَلَّى.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
W O
الْشَرْجُ
١٤٥٢ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ يَذْبَحُ) أي: البقرة والشاة. (وَيَنْحَرُ) أي:
الإبل (بِالْمُصَلَّى) أي: الجبانة بعد أن يصلي العيد ليرغب الناس فيه، وليقتدوا به،
وليتعلموا منه صفة الذبح، فيه استحباب أن يكون الذبح والنحر بالمصلى،
والحكمة في ذلك: أن يكون بمرأى من الفقراء، فيصيبون من لحم الأضحية،
وقيل: لأن الأضحية من القرب العامة، فإظهارها أفضل؛ لأن فيه إحياء لسنتها،
وقال ابن بطال: هو سنة للإمام خاصة عند مالك.
قال مالك: إنما يفعل ذلك؛ لئلا يذبح أحد قبله، وليذبحوا بعده على يقين مع ما
فيه من تعليمهم صفة الذبح. وقال القسطلاني: قال مالك: لا يذبح أحد حتى يذبح
الإمام، نعم أجمعوا على أن الإمام لو لم يذبح للناس، إذا دخل وقت الذبح
فالمدار على الوقت لا الفعل. قلت: قد تقدم أن الراجح أنه لا يشترط التأخير إلى
نحر الإمام، وأنه هو والناس في وقت الأضحية سواء. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في العيدين
وفي الأضاحي، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٩
ص ٢٧٧).
(١٤٥٢) البُخَارِي (٩٨٢)، وَأَبُو دَاوُد (٢٨١١)، وَالنَّسَائِي (١٩٣/٣)، وَابن مَاجَهْ (٣١٦١) فِيهَا عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَينِ
٧١
الفصل الثانى
١٤٥٣ - [١٤] عَنْ أَنَس قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ الْمَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ
يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: ((مَا هَذَأَنِ الْيَوْمَانِ؟)) قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي
الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ
الْأَضْحَى، ويَوْمَ الْفِطْرِ)).
[رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ] {صحيح}
S O
الْشَرْجُ
١٤٥٣ - قوله: (قَدِمَ النَّبِيُّ نَِّ الْمَدِينَةَ) أي: من مكة مهاجرًا. (وَلَهُمْ) أي:
لأهل المدينة. (يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا) وهما يوم النيروز ويوم المهرجان، كذا قال
الشراح، وفي ((القاموس)): النيروز أول يوم السنة، معرب نوروز. انتهى.
والنوروز مشهور، وهو أول يوم تتحول الشمس فيه إلى برج الحمل، وهو أول
السنة الشمسية، كما أن غرة شهر المحرم أول السنة القمرية، وأما مهرجان
فالظاهر بحكم مقابلته بالنيروز أن يكون أول يوم الميزان، وهما يومان معتدلان في
الهواء لا حر ولا برد، ويستوي فيه الليل والنهار، فكأن الحكماء المتقدمين
المتعلقين بالهيئة اختاروهما للعيد في أيامهم، وقلدهم أهل زمانهم لاعتقادهم
بكمال عقول حكمائهم، فجاء الأنبياء وأبطلوا ما بنى عليه الحكماء.
(فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي: في زمن الجاهلية قبل أيام الإسلام. (قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ) هذا
لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ))، (بِهِمَا) أي: في مقابلتهما.
(خَيْرًا مِنْهُمَا) يريد أن نسخ ذينك اليومين، وشرع في مقابلتهما هذين اليومين، وقال
القاري: الباء هنا داخلة على المتروك، وهو الأفصح، أي: جعل لكم بدلًا عنهما
خيرًا منهما في الدنيا والأخرى. و(خَيْرًا) ليست أفعل تفضيل؛ إذ لا خيرية في
يوميهما. (يَوْمَ الأَضْحَى) بفتح الهمزة، جمع أضحاة شاة يضحي بها، وبه سمي
(١٤٥٣) النَّسَائِي (١٧٩/٣ ١٨٠)، وأَبُو دَاوُد (١١٣٤) فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ عَنْهُ.

٧٢
eec* * cese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يوم الأضحى، قال المظهر: في الحديث دليل على أن تعظيم النيروز والمهرجان
وغيرهما من أعياد الكفار منهي عنه.
وقال الحافظ في ((الفتح)): استنبط منه كراهة الفرح في أعياد المشركين والتشبه
بهم. وبالغ الشيخ أبو حفص الكبير النسفي من الحنفية فقال: من أهدى فيه - أي:
في النيروز - بيضة إلى مشرك تعظيمًا لليوم فقد كفر بالله تعالى، انتهى. وقال
القاضي أبوالمحاسن الحسن بن منصور الحنفي: من اشترى فيه شيئًا لم يكن
يشتريه في غيره، أو أهدى فيه هدية إلى غيره، فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما
يعظمه الكفرة فقد كفر، وإن أراد بالشراء التنعم والتنزه، وبالإهداء التحاب جريًا
على العادة، فلم يكن كفرًا، لكنه مكروه كراهة التشبه بالكفرة حينئذٍ فیحترز عنه،
انتھی .
قال ابن حجر: قد وقع في هذه الورطة أهل مصر ونحوهم، فإن كثيرًا من أهلها
يوافقون اليهود والنصارى في أعيادهم على صور تعظيماتهم؛ كالتوسع في المأكل
والزينة على طِيْقِ ما يفعله الكفار، ومن ثم أعلن النكير عليهم في ذلك ابن الحاج
المالكي في ((مدخله))، وبين تلك الصور، وكيفية موافقة المسلمين لهم فيها، كذا
في ((المرقاة)).
قلت: وكذلك كثير من مسلمي الهند والباكستان يوافقون الكفار من الهنادك
والسيخ والنصارى، وعباد النار في أعيادهم، ويفعلون ما يفعلون فيها، فإلى الله
المشتكى .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الصلاة، وأخرجه أيضًا النسائي وابن حبان والحاكم (ج١
ص٢٩٤)، والبيهقي (ج٣ ص٢٧٧)، قال الحافظ في (الفتح)) و((بلوغ المرام)):
إسناده صحيح، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَین
٧٣
١٤٥٤ - [١٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ
حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَّ.
[رَواهُ التِّْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الْشَرْحُ
١٤٥٤ - قوله: (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) بالتصغير (حَتَّى يَطْعَمَ) بفتح العين أي: يأكل.
(وَلا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلَّيَ) وفي رواية ابن ماجه والبيهقي: ((حتى يرجع))،
وزاد أحمد والدار قطني والبيهقي: ((فيأكل من أضحيته))، ورواه الأثرم بلفظ: حتى
يضحي .
وفي رواية للبيهقي: وكان إذا رجع أكل من كبد أضحيته، والحديث: يدل على
أن السنة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي،
والحكمة في تأخير الأكل في يوم الأضحى: أنه يوم تشرع فيه الأضحية والأكل
منها، فاستحب أن يكون فطره على شيء منها، قال الأمير اليماني: لما كان إظهار
كرامة اللَّه تعالى للعباد بشرعية نحر الأضاحي، كان الأهم الابتداء بأكلها شكرًا لله
على ما أنعم به من شرعية النسيكة الجامعة لخير الدنيا وثواب الآخرة.
وقال الزين بن المنير: وقع أكله وَّل في كل من العيدين في الوقت المشروع
لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى،
وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها. انتهى. وقد خصص أحمد بن حنبل استحباب
تأخير الأكل في عيد الأضحى بمن له ذبح، قال ابن قدامة: قال أحمد: والأضحى
لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح؛ لأن النبي ◌ّ أكل من ذبيحته، وإذا لم يكن
له ذبح لم یبال أن يأكل.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في العيدين. (وابْنُ مَاجَهْ) في الصيام. (والدَّارِمِيُّ) في العيدين،
وأخرجه أيضًا أحمد وابن حبان والأثرم والدار قطني والحاكم (ج١ ص٢٩٤)،
والبيهقي (ص٣ ص٢٨٣)، وصححه ابن القطان وابن حبان والحاكم ووافقه
الذهبي .
(١٤٥٤) التِّرْ مِذِي (٥٤٢) فِيهَا عَنْهُ.

٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٤٥٥ - [١٦] وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِِّ: أَنَّ النَّبِيّ ◌َه
كَبَّرَ فِي الْعِيدَينِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ
الْقِرَاءَةِ.
[رواهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] {حسن}
الْشَّرْحُ
١٤٥٥ - قوله: (عَنْ جَدِّهِ) أي عن جد كثيرٍ، وهو عمرو بن عوف المزني
أبو عبد اللَّه الصحابي. (كَبَّرَ فِي الْعِيدَينِ فِي الأَولَى) أي: في الركعة الأولى.
(سَبْعًا) أي: سبع تكبيرات، وهذا يحتمل أن السبع بتكبيرة الإحرام، وأنها من
غيرها، والأظهر بل المتعين أنها من دونها، ففي حديث عائشة عند الدار قطني
(ص١٨٠)، والحاكم (ج١ ص٢٩٨) كان رسول اللّه وَ ل يكبر في العيدين اثنتي
عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الاستفتاح، وفيه ابن لهيعة، وفي حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص عند الدار قطني (ص ١٨١) سوى تكبيرة الإحرام. وفي رواية له.
وللبيهقي : سوى تكبيرة الصلاة.
(وَفِي الْآخِرَةِ) أي: وفي الركعة الثانية (خَمْسًا) أي: خمس تكبيرات غير تكبيرة
القيام، فيكون في الأولى ثمانية مع تكبيرة التحريم، وفي الثانية ست مع تكبيرة
القيام، والحديث: دليل على أنه يكبر في الأولى من ركعتي العيد سبعًا قبل
القراءة، وفي الثانية خمسًا قبل القراءة، وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة، منهم
الخلفاء الراشدون، والتابعين والأئمة بعدهم. قال العراقي: وهو قول أكثر أهل
العلم من الصحابة والتابعين والأئمة، قال: وهو مروي عن عمر وعلي وأبي هريرة
وأبي سعيد وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وزيد بن ثابت وعائشة، وهو
قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول، وبه
يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، إلا أنه قال الشافعي والأوزاعي
وإسحاق وابن حزم: إن السبع في الأولى بعد تكبيرة الإحرام، وقال مالك وأحمد:
السبع في الأولى مع تكبيرة الإحرام، واتفقوا على أن الخمس في الثانية غير تكبيرة
النهوض .
(١٤٥٥) التِّرْ مِذِي (٥٣٦)، وَابن مَاجَهْ (١٢٧٩) فِيهَا عَنْهُ.

٧٥
بَابٌ صَلاةِ الْعِيدَین
*Be
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وذهب أبو حنيفة: إلى أنه يكبر في الأولى ثلاثًا بعد تكبيرة الإحرام أي قبل
القراءة، وفي الثانية ثلاثًا بعد القراءة غير تكبيرة الركوع، وهو مروي عن ابن
مسعود وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان وأبي مسعود الأنصاري البدري
وأنس بن مالك والمغيرة بن شعبة وابن المسيب، وهو قول سفيان الثوري، وفي
عدد التكبيرات وفي مواضعها أقوال أخرى غير ما ذكرنا نحو من عشر ذكرها ابن
المنذر والشوكاني، والمشهور منها ما أوردنا. واحتج لمن ذهب إلى أن التكبير
سبع في الأولى، وخمس في الثانية، والقراءة بعدهما كلتيهما - بحديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ◌َّ كبر في العيدين ثنتي عشرة تكبيرة: سبعًا في
الأولى، وخمسًا في الآخرة. أخرجه أحمد (ج ٢ ص ١٨٠)، وأبو داود وابن ماجه
والدار قطني (ص١٨١)، والبيهقي (ج ٣ ص ٢٨٥)، قال أحمد: أنا أذهب إلى هذا،
وفي رواية قال: قال النبي ◌ََّ: ((التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدِ: سَبْعٌ فِي الْأُولَى، وَخَمْسٌ فِي
الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهَا)) أخرجه أبو داود والدار قطني والبيهقي، وهذا
حديث صحيح أو حسن صالح للاحتجاج. قال الحافظ العراقي: إسناده صالح،
ونقل الترمذي في ((العلل المفردة)) عن البخاري أنه قال: إنه حديث صحيح، كذا
في ((النيل)) (ج٣ ص٢٨٢)، و((السنن الكبرى)) (ج٣ ص٢٨٦)، و((الخلاصة))
للنووي .
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٤٤): صححه أحمد وعلي والبخاري فيما
حکاه التر مذي. انتهى. وسكت عنه أبو داود، وسكوته تصحیح أو تحسين منه كما
قال ابن الهمام وغيره، وقال صاحب ((العرف الشذي)): أخرجه أبو داود بسند قوي
صححه البخاري، كما نقل الترمذي في ((العلل الكبير))، انتهى. هذا وقد تكلم
على هذا الحديث ابن القطان، كما في ((نصب الراية)) (ج٢ ص٢١٧)، والطحاوي
في (شرح الآثار)) (ج٢ ص٣٩٨)، وابن التركماني في ((الجوهر النقي)) (ج٣
ص٢٨٥)، ولم يكن حاجة إلى ذكر كلامهم، ثم الرد عليهم بعد ما صححه أئمة
هذا الشأن الجهابذة النقاد: أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والبخاري، واحتج به
الأئمة المجتهدون، وهو تصحيح منهم للحديث على ما قال به صاحب ((الأوجز))،
لكن لما أخذ كلامهم صاحب ((البذل))، وصاحب ((آثار السنن))، واعتمدا عليه؛
وجب علينا أن نذكره مع الجواب عنه، ولما كان كلام صاحب ((الآثار)) أخصر،

٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واعتمد عليه صاحب ((البذل)) في نقد الحديث في مواضع أخرى اقتصرنا على
إيراده، واكتفينا بذکره، ثم رده.
قال النيموي في ((آثار السنن)) بعد ذكر حديث عبد الله بن عمر: وإسناده ليس
بالقوي، وقال في ((تعليقه)): عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه كلام. انتهى.
وقد أجاب عنه شيخنا في ((شرح الترمذي)) فقال: قول النيموي ليس مما يعول
عليه، والتحقيق: أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحیح أو حسن قابل
للاحتجاج، إذا كان السند إليه صحيحًا، وقد قال الحافظ في ((الفتح)): وترجمة
عمرو قوية على المختار حيث لا تعارض. انتهى. ثم قال النيموي: ومع ذلك
مداره على عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، قال الذهبي في ((الميزان)): ذكره ابن
حبان في الثقات، وقال ابن معين: صويلح، وقال مرة: ضعيف. وقال النسائي
وغيره: ليس بالقوي، وكذا قال أبوحاتم. انتهى. قلت: وقال الذهبي في
((الميزان) بعد هذه العبارة ما لفظه: وقال ابن عدي: أما سائر حديثه، فعن عمرو بن
شعيب، وهي مستقيمة انتهى. وهو من رجال مسلم.
وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): له في مسلم حديث واحد: ((كاد أمية أن
يسلم))، وفيه: وقال العجلي: ثقة، وحكى ابن خلفون: أن ابن المديني وثقه،
فإسناد هذا الحديث إلى عمرو حسن صالح، وترجمة عمرو قوية على المختار،
فالحديث حسن قابل للاحتجاج، كيف وقد قال العراقي: إسناده صالح، وصححه
أحمد وعلي بن المديني والبخاري؟ ثم قال النيموي: أما تصحيح الإمام أحمد،
فيعارضه ما قال ابن القطان في كتابه: وقد قال أحمد بن حنبل ليس في تكبير
العيدين عن النبي ◌ُّل حديث صحيح. انتهى.
قلت: قد عرفت أن الإمام أحمد قال بما يدل عليه هذا الحديث، وذهب إليه،
فقوله به يدل على أن تصحيحه متأخر من كلامه الذي ذكره ابن القطان.
ثم قال النيموي: وأما تصحيح البخاري، ففيه نظر؛ لأن قوله: وحديث عبد الله
الطائفي ... إلخ. يحتمل أن يكون من كلام الترمذي، قال الزيلعي في ((نصب
الراية» (ج ٢ ص ٢١٧) بعد ما خرج حديث عمرو بن عوف المزني : قال الترمذي:
حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. انتهى. وقال في ((علله

٧٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
الكبرى)): سألت محمدًا عن هذا، فقال: ليس شيء في هذا الباب أصح منه، وبه
أقول، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي أيضًا صحيح، والطائفي مقارب
الحدیث. انتھی.
قال ابن القطان: هذا ليس بصريح في التصحيح، فقوله: هو أصح شيء في
الباب، يعني: أشبه ما في الباب وأقل ضعفًا، وقوله: وبه أقول، يحتمل أن يكون
من كلام الترمذي، أي: وأنا أقول: إن هذا الحديث أشبه ما في الباب، وكذا
قوله: وحديثه أيضًا صحيح، يحتمل أن يكون من كلام الترمذي. انتهى.
قلت: هذا الاحتمال بعيد جدًّا، بل الظاهر المتعين هو ما فهمه الحافظ ابن حجر
وغيره من أن قوله: ((وبه أقول)) من كلام البخاري، والمعنى: أن بهذا الحديث
أقول وإليه أذهب، والدليل عليه أن الترمذي ينقل عن شيخه الإمام البخاري مثل
هذا الكلام كثيرًا في الجرح والتعديل، وبيان علل الحديث، ولا يقول بعد نقل
كلامه: ((وبه أقول)) البتة، وإن كنت في شك منه ففتش وتتبع المقامات التي نقل
الترمذي فيها عن البخاري مثل هذا الكلام تجد ما قلت لك حقًّا صحيحًا،
فالحاصل: أن حديث عبد الله بن عمرو حسن صالح للاحتجاج، ويؤيده الأحاديث
المرفوعة التي نذكرها، وهي وإن كانت ضعافًا، ولكن يَشُدُّ بعضها بعضًا، ويصلح
كل واحد منها للاستشهاد والاعتضاد والمتابعة، ومجموعها للاحتجاج
والاستدلال.
فمنها: حديث عمرو بن عوف المزني، وهو حديث الباب، وفيه كثير بن
عبد الله وقد ضعفوه جدًّا، بل رماه بعضهم بالكذب، لكن حسَّنَ الترمذيُّ حديثه،
والظاهر: أنه حسنه لشواهده، وقيل: تحسين الترمذي للحديث توثيق للراوي،
وذهاب منه إلى أنه لم يرض الكلام فيه، والعجب من البغوي أنه ذكر حديث كثير
ابن عبد الله، وهو ضعيف، وترك حديث عبد الله بن عمرو، وهو حديث صحيح
أو حسن، ولعله فعل ذلك تبعًا للترمذي وموافقة له؛ إذ اقتصر على رواية حديث
كثير، وقال بعد تحسينه: هو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي وَالول.
ومنها: حديث عائشة قالت: كان النبي وَّ يكبر في الأولى بسبع تكبيرات، وفي

٧٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الثانية بخمس قبل القراءة سوى تكبيرة الركوع، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه
والحاكم (ج١ ص٢٩٨)، والطحاوي والدار قطني والبيهقي (ج٣ ص٢٨٦)، وفيه
ابن لهيعة وقد تفرد به، وقد استشهد به مسلم في موضعين.
ومنها: حديث سعد القرظ مؤذن رسول اللَّه وَ ل، أخرجه ابن ماجه والحاكم
(ج ٣ ص ٦٠٧)، وفيه عبد الرحمن بن سعد بن عمار، روى عن أبيه، وعبد الرحمن
ضعيف، وأبوه سعد بن عمار مستور لا يعرف حاله، ورواه البيهقي (ج٣ ص ٢٨٧)
أيضًا، وفي سنده بقية، وهو مدلس، وقد رواه عن الزبيدي بالعنعنة. نعم، صرح
بالتحديث في رواية الحاكم (ج٣ ص٦٠٨) لكن ليس فيها ذکر تكبيرات العيدین،
ورواه الدارمي والبيهقي من طريق عبد الرحمن بن سعد، عن عبد الله بن محمد بن
عمار عن أبيه عن جده، وفيه أيضًا عبد الرحمن بن سعد كما ترى.
ومنها: حديث عبد الرحمن بن عوف قال: كان رسول اللّه وَ لوتخرج له العَنَزَةُ
في العيدين حتى يصلي إليها، وكان يكبر ثلاث عشرة تكبيرة، وكان أبوبكر وعمر
يفعلان ذلك، أخرجه البزار، وفيه الحسن بن حماد البجلي، قال الهيثمي (ج٢
ص٢٠٤): لم يضعفه أحد ولم يوثقه، وقد ذكره المزي للتمييز، وبقية رجاله ثقات
انتھی .
وقال الشوكاني في ((النيل)): الحسن بن حماد لين الحديث، وقال الحافظ في
((التلخيص)): صحح الدار قطني إرساله.
ومنها: حديث ابن عمر مثل حديث عمرو بن شعيب، أخرج الدارقطني
(ص١٨١)، والطحاوي (ص٣٩٩)، والبزار. قال البخاري فيما حكاه الترمذي:
تفرد به فرج بن فضالة، وهو ضعيف.
ومنها: حديث جابر قال: ((مضت السنة أن يكبر في العيدين سبعًا وخمسًا يذكر
الله ما بين كل تكبيرتين))، أخرجه البيهقي (ج ٣ ص٢٩٢) وفي سنده من يحتاج إلى
کشف حاله .
ومنها: حديث ابن عباس قال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين، إلا أن
رسول اللّه وَله قلب رداءه، وصلى ركعتين، وكبر في الأولى سبع تكبيرات، وفي

٧٩
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَین
كِتَابُ الصَّلاةِ
الثانية خمس تكبيرات، أخرجه البيهقي (ج٣ ص٣٤٨)، والدار قطني (ص١٨٩)،
والحاكم (ج١ ص٣٢٦) كلهم من طريق محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن طلحة بن
عبد الله عن ابن عباس، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. انتهى. وفي
تصحيحه نظر؛ لأن محمد بن عبد العزيز هذا قال البخاري فيه: منكر الحديث،
وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبوحاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن
القطان: أبوه عبد العزيز مجهول الحال، فاعتل الحديث بهما، كذا في ((التعليق
المغني))، ولابن عباس حديث آخر عند الطبراني في ((الكبير)): أن رسول اللَّه وَّ
كان يكبر في العيدين ثنتي عشرة تكبيرة، في الأولى سبعًا، وفي الآخرة خمسًا، قال
الهيثمي: في إسناده سليمان بن أرقم، وهو ضعيف.
ومنها: حديث أبي واقد الليثي وعائشة، أخرجه الطحاوي (ج٢ ص٣٩٩)
والطبراني في ((الكبير))، وفيه ابن لهيعة، وقد اضطرب في إسناده، وقال أبوحاتم:
إنه باطل.
ومنها: حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللّهُ وَّهِ: ((التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَينِ: سَبْعًا
قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَخَمْسًا بَعْدَ الْقِرَاءَةِ» أخرجه أحمد (ج٢ ص٣٥٧)، وفيه أيضًا ابن
لهيعة، وقال الحافظ في ((التلخيص)): صحح الدار قطني في ((العلل)) أنه موقوف،
وقال البخاري: الصحيح ما أخرج مالك - يعني: في ((الموطأ)) - وغيره من الحفاظ
عن نافع عن أبي هريرة موقوفًا، يعني: فعله.
ومنها: حديث عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد عن أبيه عن جده قال: كان
رسول اللَّه وَ ليه يكبر في العيدين في الأولى سبع تكبيرات، وفي الآخرة خمسًا،
أخرجه الدار قطني (ص ١٨١)، والدارمي والبيهقي (ج٣ ص٢٨٨)، وفيه أيضًا عبد
الرحمن بن سعد بن عمار المتقدم، وهو حديث مرسل على أن يعود الضمير في
جده إلى عبد الله بن محمد أو هو الحديث الثالث من الأحاديث التي ذكرناها
للاستشهاد على أن يعود الضمير إلى محمد والد عبد الله.
ومنها: حديث جابر بن محمد الآتي، وسيأتي الكلام فيه، وفي الباب آثار جمع
من الصحابة تؤيد الأحاديث المرفوعة، وهي وإن كانت موقوفة لكنها مرفوعة