النص المفهرس
صفحات 41-60
٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بخلاف المسجد، فإنه يكون في مكان محصور، فقد لا يراه بعضهم، ووقع في
آخر الحديث ما يدل على أن أول من خطب الناس في المصلى على المنبر مروان،
وسيأتي الكلام عليه في آخر الباب. (وَالنَّاسُ جُلُوسٌ) جملة اسمية حالية،
و «جُلُوسٌ)) جمع جالس.
(عَلَى صُفُوفِهِمْ) أي: مستقبلين له على حالتهم التي كانوا في الصلاة عليها .
(فَيَعِظُهُمْ) أي: يخوفهم عواقب الأمور، وقيل: يذكرهم بالعواقب بشارة مرة،
ونذارة أخرى، وبالوعد في الثواب، وبالوعيد في العقاب؛ لئلا يستلذهم فرط
السرور في هذا اليوم، فيغفلون عن الطاعة ويقعون في المعصية، وقيل: ينذرهم
ويخوفهم ليتقوا من عقاب الله. (وَيُوصِيهِمْ) بسكون الواو، وقيل: من التوصية
أي: بالتقوى لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوْنُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ أَّقُواْ
اللَّهُ﴾ [النساء: ١٣١]، وقيل: أي: بما تنبغي الوصية به، وقيل: أي: في حق الغير
لينصحوا له، وقيل: بإدامة الطاعات، والتحرز عن السيئات، وبرعاية حقوق الله،
وحقوق عباده، ومنها النصح التام لكل مسلم. (وَيَأْمُرُهُمْ) أي: وينهاهم يعني: بما
يظهر له من الأمر والنهي المناسب للمقام، فيكون الاختصار على ((يأمرهم)) من
باب الاكتفاء. وقيل: يأمرهم بالحلال وينهاهم عن الحرام.
(وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ) أي: في ذلك الوقت. (أَنْ يَقْطَعَ) أي: يرسل. (بَعْثًا) بفتح الباء
وسكون العين مصدر بمعنى المبعوث يعني: طائفة من الجيش إلى جهة من
الجهات للغزو. (قَطَعَهُ) أي: أرسله، وقيل: ((قَطَعَهُ)) بمعنى وزعه على القبائل
وقسمه، بأن يقول: يخرج من بني فلان كذا، ومن بني فلان كذا، وفي ((النهاية)):
أي: لو أراد أن يفرد قومًا من غيرهم يبعثهم إلى الغزو لأفردهم وبعثهم. (أَوْ يَأْمُرَ)
بالنصب. (بِشَيْءٍ) أي: وإن كان يريد أن يأمر بشيء مما يتعلق بالبعث وقطعه من
الحرب والاستعداد لها، وليس هذا بتكرار؛ لأن معناه غير معنى الأول على ما لا
يخفى. (أَمَرَ بِهِ) أي: لأمر بما أراد به الأمر. (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) أي: ثم هو يرجع إلى
بيته .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، وفي
آخره: فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو
٤١
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت،
فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب
قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: يا أباسعيد، قد ذهب ما تعلم، فقلت :
ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة
فجعلتها قبل الصلاة انتهى. وأصل الحديث أخرجه أحمد والنسائي والبيهقي (ج٣
ص٢٨٠) وغيرهم.
١٤٤١ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَه
الْعِيدَينِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَرْجُ
١٤٤١ - قوله (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿ِ الْعِيدَينِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَينٍ) قال
الطيبي: حال أي: كثيرًا. (بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ) فيه: دليل على عدم شرعية الأذان
والإِقامة في صلاة العيدين، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم من
أصحاب النبي ◌َّلّ وغيرهم، أن لا يؤذن لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل،
وقال العراقي: وعليه عمل العلماء كافة.
وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج٢ ص٣٧٨): ولا نعلم في هذا خلافًا لمن يعتد
بخلافه، إلا أنه روي عن ابن الزبير أنه أذن وأقام، وقيل: أول من أذن في العيد ابن
زياد، انتهى. وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) بإسناد صحيح، قال: أول من
أحدث الأذان في العيد معاوية، وقد زعم ابن العربي أنه رواه عن معاوية من لا
يوثق به، قال ابن قدامة: وقال بعض أصحابنا: ينادى لها الصلاة جامعة، وهو قول
الشافعي، وسنة رسول اللَّه ◌َليل أحق أن تتبع. انتهى.
قلت: استدل الشافعي لذلك بما روى عن الثقة عن الزهري أنه وَ ل# كان يأمر
المؤذن في العيدين فيقول: الصلاة جامعة، قال الحافظ: وهذا مرسل يعضده
(١٤٤١) مُسْلِم (٧/ ٨٨٧)، وَأَبُو دَاوُد (١١٤٨)، وَالتِّرْ مِذِي (٥٣٢) فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ عَنْهُ.
٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القياس على صلاة الكسوف لثبوت ذلك فيها. انتهى.
قال الأمير اليماني: وفيه تأمل، قلت: ويخالفه ما روى مسلم عن عطاء عن جابر
قال: لا أذان للصلاة يوم العيد، ولا إقامة ولا شيء، فإن هذا يدل على أنه لا يقال
أمام صلاتها شيء من الكلام، قال الزبيدي: والاعتبار في ذلك أنه لما توفرت
الدواعي على الخروج في هذا اليوم إلى المصلى من الصغير والكبير سقط حكم
الأذان والإقامة؛ لأنهما للإعلام لتنبيه الغافل، والتهيؤ هاهنا حاصل، فحضور
القلب مع اللَّه يغني عن إعلام الملك بلمته، الذي هو بمنزلة الأذن والإقامة
للإسماع، والذي أحدثه معاوية مراعاة للنادر، وهو تنبيه الغافل، فإنه ليس ببعيد أن
يغفل عن الصلاة بما يراه من اللعب. انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي (ج ٣ ص ٢٨٤).
١٤٤٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ
يُصَلُّونَ الْعِيدَينِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
[متفق عليه]
W O
الشَّرْحُ
١٤٤٢ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ وَأَبُوبَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَينِ قَبْلَ
الْخُطْبَةِ) قال التوربشتي: ذكر الشيخين مع النبي وَّ فيما يقرره من السنة، إنما
يكون على وجه البيان لتلك السنة، بأنها ثابتة معمول بها قد عمل الشيخان بها
بعده، ولم ينكر عليهما ولم يغير، وكان ذلك بمحضر من مشيخة أصحاب النبي
وَيّ، وليس ذكرهما على سبيل الاشتراك في التشريع، معاذ الله أن يظن فيه ذلك.
انتھی.
قلت: روى الجماعة إلا الترمذي عن ابن عباس قال: شهدت العيد مع
رسول اللّه وَ ليه وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة، وفي
(١٤٤٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٩٦٣)، ومُسْلِم (٨/ ٨٨٨) عَنْهُ فِيهَا، والتِّرْمِذي (٧٣١)، والنَّسَائِي (٣/
١٨٣).
٤٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
الحديثين دليل على أن تقديم صلاة العيد على الخطبة هو الأمر الذي داوم عليه
النبي وَّ وخلفاؤه، واستمروا على ذلك، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل
العلم من أصحاب النبي ◌ٍّ﴾ وغيرهم أن صلاة العيدين قبل الخطبة، وقيل: إن أول
من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم.
وقال ابن قدامة (ج٢ ص٣٨٤): لا نعلم فيه خلافًا بين المسلمين إلا عن بني
أمية، وروي عن عثمان وابن الزبير أنهما فعلاه، ولم يصح ذلك عنهما. ولا يعتد
بخلاف بني أمية؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنة
رسول اللَّه وَله الصحيحة، وقد أنكر عليهم فعلهم، وعد بدعة ومخالفًا للسنة.
انتهى. فلو خطب قبل الصلاة فهو كمن لم يخطب؛ لأنه خطب في غير محل
الخطبة فيعيد الخطبة بعد الصلاة، فإن لم يفعل؛ صحت الصلاة، وقد أساء لترك
السنة، وإليه ذهب المالكية والحنابلة. قال الباجي: وما روي عن أبي سعيد من
إنكاره على مروان تقديم الخطبة، إنما كان على وجه الكراهة؛ ولذلك شهد مع
مروان العيد، ولو كان أمرًا محرمًا، أو شرطًا في صحة الصلاة لما شهده، وحكى
القاري عن ابن الهمام لو خطب قبل الصلاة خالف السنة، ولا يعيد الخطبة، وقال
ابن المنذر: أجمع العلماء على أنها بعد الصلاة، ولا يجزئ التقديم، وأما الصلاة
فصحیحة اتفاقًا. انتهى.
وفي (مختصر المزني)) عن الشافعي ما يدل على عدم الاعتداد بالصلاة مع تقديم
الخطبة، وكذا قال النووي في ((شرح المهذب)): إن ظاهر نص الشافعي أنه لا يعتد
بها، وقال: وهو الصواب، وهذا يدل على أن تقديم الخطبة على صلاة العيد حرام
عند الشافعي، وهو مذهب الشافعية، كما هو مصرح في كتب فروعهم، قيل: وجه
الفرق بين الجمعة وغيرها في تقديم الخطبة وتأخيرها، أن خطبة الجمعة فريضة،
فلو قدمت الصلاة على الخطبة ربما يتفرق جماعة من الناس، إذا صلوا الصلاة،
ولا ينتظرون الخطبة فيأثمون، وأما خطبة العيد فسنة، فلو صلى بعض القوم، فلم
ينتظروا استماع الخطبة لا إثم عليهم، واختلف في أول من خطب قبل الصلاة،
فروي عن عمر أنه فعل ذلك.
قال عياض ومن تبعه كابن العربي والعراقي: لا يصح عنه، قال الحافظ: وفيما
٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قالوه نظر؛ لأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة روياه جميعًا بإسناد صحيح، لكن يعارضه
حديث ابن عباس وحديث ابن عمر المذكوران، فإن جمع بوقوع ذلك منه نادرًا،
وإلا فما في ((الصحيحين)) أصح، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن
البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم يعني
على العادة، فرأى ناسًا لم يدركوا الصلاة، ففعل ذلك أي: صار يخطب قبل
الصلاة، قال الحافظ: يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانًا، وروى عبد الرزاق
عن ابن جريج عن الزهري قال: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد
معاوية، وروى مسلم عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل
الصلاة مروان، وقد أخرج الشافعي عن عبد الله بن يزيد نحو حديث ابن عباس
المذكور، وزاد: حتى قدم معاوية فقدم الخطبة، فهذا يشير إلى أن مروان إنما فعل
ذلك تبعًا لمعاوية؛ لأنه كان أمير المدينة من جهته، وروى ابن المنذر عن ابن
سيرين أن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة.
قال عياض: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان؛ لأن كلًّا من مروان
وزياد كان عاملًا لمعاوية، فيحمل على أنه ابتدأ ذلك وتبعه عماله، والله أعلم. وقد
ظهر بما قدمنا أن العلة التي ذكرت لتقديم عثمان الخطبة على الصلاة غير التي اعتل
بها مروان؛ لأن عثمان راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان
فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم كانوا في زمن مروان
يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سب من لا يستحق السب والإفراط في مدح
بعض الناس، فعلى هذا، إنما راعى مصلحة نفسه، قال الحافظ: يحتمل أن يكون
عثمان فعل ذلك أحيانًا بخلاف مروان، فواظب عليه، فلذلك نسب إليه. انتهى.
وقال العراقي: الصواب أن أول من فعله مروان بالمدينة في خلافة معاوية، كما
ثبت ذلك في ((الصحيحين)) عن أبي سعيد الخدري، قال: ولم يصح فعله عن أحد
من الصحابة لا عن عمر ولا عثمان ولا معاوية ولا ابن الزبير، انتهى. وقد عرفت
صحة بعض ذلك، فالمصير إلى الجمع أولى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد
والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص ٢٩٦).
٤٥
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٤٤٣ - [٤] وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ الْعِيدَ؟
قَالَ: نَعَمْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَصَلَّىَّ، ثُمَّ خَطَبَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً،
ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى
آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ.
[متفق عليه]
الْشَّرْجُ
١٤٤٣ - قوله: (وَسُئِلَ) بصيغة المجهول (ابْنُ عَبَّاسٍ) وعند البخاري في آخر
كتاب النكاح، عن عبد الرحمن بن عاس: سمعت ابن عباس سأله رجل (أَشَهِدْتَ)
أي: أحضرت؟ وفي ((المصابيح)): بحذف حرف الاستفهام موافقًا لما في رواية
البخاري المذكورة، ووقع في بعض نسخ البخاري: هل شهدت؟ وفي بعض
الروايات: أشهدت؟ بذكر همزة الاستفهام، وهكذا ذكر الجزري رواية
عبد الرحمن بن عابس (ج٧ ص٩١)، (الْعِيدَ) أي: صلاته. (قَالَ) أي: ابن
عباس (نَعَمْ) أي : شهدته، وفي البخاري بعده: ولولا مكاني منه ما شهدته، يعني :
من صغره، قال: ((خرج ... )) إلخ.
(خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَ﴾ أي: إلى المصلى. (فَصَلَّى) بالناس العيد (ثُمَّ خَطَبَ)
فيه: دليل على مشروعية خطبة العيد، وليس فيه أنها خطبتان كالجمعة، وأنه يقعد
بينهما، ولم يثبت ذلك من فعله وَّل بسند معتبر، وإنما صنعه الناس قياسًا على
الجمعة، واستدلالًا بما روى ابن ماجه عن يحيى بن حكيم عن أبي بحر عن
عبيد الله بن عمرو الرقي عن إسماعيل بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: خرج
رسول اللَّه وَ له يوم فطر، أو أضحى، فخطب قائمًا، ثم قعد قعدة ثم قام. قال
البوصيري: رواه النسائي في ((الصغرى)) من حديث جابر إلا قوله: ((يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ
أَضْحَى))، وإسناد ابن ماجه فيه إسماعيل بن مسلم، وقد أجمعوا على ضعفه،
وأبوبحر ضعيف، انتهى. وبما روى البزار في ((مسنده)) عن سعد بن أبي وقاص أن
(١٤٤٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٤٤/٩)، ومُسْلِم (١ / ٨٨٤) عَنْهُ فِيهَا .
٤٦
save
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
النبي وَيُّ صلى العيد بغير أذان، ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين يفصل بينهما
بجلسة، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢ ص٢٠٣): رواه البزار وجادة، وفي
إسناده من لم أعرفه. انتهى.
وقال النووي في ((الخلاصة)): وروي عن ابن مسعود أنه قال: من السنة أن
يخطب في العيدين خطبتين، فيفصل بينهما بجلوس، ضعيف غير متصل، ولم
يثبت في تكرير الخطبة شيء، ولكن المعتمد فيه القياس على الجمعة. انتهى.
(وَلَمْ يَذْكُرْ) أي: ابن عباس في بيان كيفية صلاته وََّ. (أَذَانًّا وَلَا إِقَامَةً) وهذه
الجملة معترضة. (ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ) أي: بعد الخطبة، ومعه بلال، وهذا يشعر بأن
النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم. (فَوَعَظَهُنَّ) أي: أنذرهن
العقاب، أو نصحهن بالخصوص لبعدهن، وعدم سماعهن الخطبة. (وَذَكَّرَ هُنَّ)
بتشديد الكاف من التذكير، تفسير لسابقه أو تأكيد له، وقيل: تأسيس والمعنى
ذكرهن بالأوامر والنواهي المختصة بهن.
(وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) الظاهر: أن المراد بها مطلق الصدقة، وقيل: المراد الزكاة
خاصة، وفيه: استحباب وعظ النساء، وتعليمهن أحكام الإسلام، وتذكيرهن بما
يجب عليهن ويستحب حثهن إلى الصدقة، وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد.
ومحل ذلك كله إذا أمن الفتنة، والمفسدة. (يَهْوِينَ) بفتح أوله وكسر الواو من
الهُوِيِّ، وبضم أوله من الأهواء أي: يقصدن. (إِلَى آذَانِهِنَّ) بالمد جمع أذن،
وقيل: المراد يهوين بأيديهن إلى آذانهن أي: يمددن أيديهن إليها. (وَحُلُوقِهِنَّ)
جمع حلق بفتح الحاء وسكون اللام، وهو الحلقوم أي: إلى ما فيها من القرط
والقلادة .
(يَدْفَعْنَ) أي: حال كونهن يدفعن ما أخذن من آذانهن وحلوقهن. (إِلَى بِلَالٍ)
أي: بإلقائه في ثوبه، وفي رواية: يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال، أي:
يمددن أيديهن بالصدقة حال كونهن يرمين المتصدق به في ثوب بلال، يقال:
أهوى بيده إليه أي: مدها نحوه وأمالها إليه، ويقال: أهوى بيده إلى الشيء ليأخذه،
أي: مدَّ يده إليه، وقيل: الباء زائدة. وحقيقته أهوى يده إليه أي: جعلها هاوية
بمعنی ذاهبة قاصدة، ثم الأقرب أن الحلي کانت ملگًا لهن، واستدل به على جواز
٤٧
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها، وعلى مقدار معين من مالها
كالثلث خلافًا لبعض المالكية، ووجه الدلالة من القصة: ترك الاستفصال عن ذلك
كله، فإنه ◌َّه لم يسألهن، هل استأذن أزواجهن في ذلك أم لا؟ وهل هو خارج من
الثلث أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل، لا يقال: إن الغالب حضور أزواجهن
فتركهم الإنكار يكون رضًا بفعلهن؛ لأنا نقول: إن النساء كنَّ معتزلات لا يعلم
الرجال من المتصدقة منهن من غيرها، ولا قدر ما يتصدق به، ولو علموا فسكوتهم
ليس إذنًا .
وقال القرطبي: ليس فيه تسليم أزواجهن لهن ذلك؛ لأن من ثبت له الحق،
فالأصل بقاؤه حتى يصرح بإسقاطه، ولم ينقل أن القوم صرحوا بذلك، انتهى.
وأما قوله وَّله: ((لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا))، فهو محمول على الأولى،
وخص منه أمر المولى، أو محمول على العطية العرفية من الهبة للأجنبية بناءً على
المعاشرة الزوجية، أو على الصدقات التطوعية دون الواجبات والفرضية، وقيل :
لا يقاوم هذا أحاديث الجواز، فلا حاجة إلى الجمع والتوفيق. (ثُمَّ ارْتَفَعَ) أي :
ذهب وأسرع، من ارتفع البعير في سيره أي: أسرع، وقال القسطلاني: أي: رجع
(هُوَ) أي: النبي ◌َّ .
(وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ) أي: إلى بيت النبي ◌َّر. وفي الحديث: خروج النساء
والصبيان إلى المصلى في الأعياد، وإن لم يصلوا. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في
مواضع بألفاظ متقاربة، واللفظ المذكور له في باب: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَلُغُواْ الْحُلُمَ مِنْكُرْ﴾.
[النور: ٥٨] من كتاب النكاح، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(ج ٣ ص ٣٠٧).
٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٤٤٤ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَ صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ
لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا، وَلَا بَعْدَهُمَا.
[متفق عليه]
الْشِّرْجُ
١٤٤٤ - قوله: (صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ) صلاة العيد. (رَكْعَتَيْنِ) هو دليل على أن
صلاة العيد ركعتان، وهو إجماع فيمن صلى مع الإمام في الجبانة، وأما إذا فاتته
صلاة الإمام فصلى وحده، فكذلك عند الأكثر، وذهب أحمد والثوري: إلى أنه
يصلي أربعًا، وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود: من فاتته صلاة العيد مع
الإمام فليصل أربعًا. وهو إسناد صحيح، وقال إسحاق: إن صلاها في الجبانة
فركعتين، وإلا فأربعًا، وقال أبو حنيفة: إذا قضى صلاة العيد فهو مخير بين اثنين
وأربع.
(لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا) أي: قبل الركعتين، وروي: «قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا)). بإفراد الضمير؛
نظرًا إلى الصلاة. (وَلَا بَعْدَهُمَا) أي: في المصلى؛ لحديث أبي سعيد الخدري:
أنه وَ الر كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين، أخرجه
أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه، وحسنه الحافظ في ((الفتح))، وفي ((بلوغ
المرام))، وأما قبل الركعتين، فيحتمل الإطلاق والتقييد. قال السندي: لم يصل
قبلها أي مطلقًا، أو في المصلى. وأما قوله: ((وَلَا بَعْدَهَا))، فلابد من تقييده
بالمصلی. انتهى.
قلت: حديث أبي سعيد الخدريِّ يشهد لكراهة الصلاة قبل الركعتين مطلقًا أي:
في المصلى وفي غيره؛ لأنه نفي مطلق بخلاف حديث ابن عباس، فإنه أخبر أنه
شاهده في المصلى لم يصل شيئًا، وقد يكون صلى في منزله، ففيه احتمال: أن
يكون مختصًّا بالمصلى دون البيت، ولذلك قلنا: إن قوله: (لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا)
(١٤٤٤) البُخَارِي (٩٦٤)، ومُسْلِم (١٣ / ٨٨٤) وأَبُو دَاوُد (١١٥٩)، والتِّرْمِذِي (٥٣٧)، والنَّسَائِي (٣/
١٩٣)، وابن ماجه (١٢٩١) فِيهَا عَنْهُ.
٤٩
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
يحتمل الإطلاق والتقييد، واختلف العلماء في التطوع قبل صلاة العيد وبعدها،
فذهب أحمد: إلى أنه يكره التنفل قبلها وبعدها للإمام والمأموم في موضع
الصلاة، سواء كان في المصلى أو المسجد، وهو مذهب ابن عباس وابن عمر،
وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة.
وقال مالك: إن كانت الصلاة في المصلى، فإنه لا يتنفل قبلها ولا بعدها، سواء
كان إمامًا أو مأمومًا، وإن كانت في المسجد ففيه روايتان: إحداهما: المنع
كالمصلى، والأخرى: يتنفل قبل الجلوس وبعد الصلاة، وقال الشافعي: يكره
للإمام بعد الحضور التنفل قبلها وبعدها؛ لاشتغاله بغير الأهم، ولمخالفة فعله
وَالثّ؛ لأنه صلى عقب حضوره، وخطب عقب صلاته، وأما المأموم، فلا يكره له
ذلك قبلها مطلقًا في غير الوقت المنهي عنه ولا بعدها، إن لم يسمع الخطبة؛ لأنه
لم يشتغل بغير الأهم بخلاف من يسمعها، فإنه معرض عن الخطيب بالكلية، وقال
الحنفية: لا يتنفل قبلها مطلقًا وكذا بعدها في مصلاها، فإن تنفل بعدها في البيت؛
جاز، قال ابن العربي: التنفل في المصلى لو فعل لنقل، ومن أجازه رأى أنه وقت
مطلق للصلاة، ومن تركه رأى أن النبي ◌َّ لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى.
انتھی.
قال الحافظ: والحاصل: أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافًا
لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل، فلم يثبت فيه منع بدليل خاص إلا إن
كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام. انتهى. وكذا قال العراقي في
((شرح الترمذي))، قال الشوكاني: وهو كلام صحيح جارٍ على مقتضى الأدلة،
فليس في الباب ما يدل على منع مطلق النفل، ولا على منع ما ورد فيه دليل يخصه
كتحية المسجد، إذا أقيمت صلاة العيد في المسجد. انتهى.
قلت: القول الراجح عندي: هو ما ذهب إليه أحمد من كراهة التنفل للإمام
والمأموم في موضع الصلاة قبلها وبعدها؛ لحديث ابن عباس، ولما روي عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ◌َّ- كان يكبر في صلاة العيد سبعًا
وخمسًا، ويقول: ((لَا صَلَاةَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا))، حكى ابن عقيل أن الإمام ابن بطة
رواه بإسناده، ذكره ابن قدامة في ((المغني))، وقال الحافظ في ((التلخيص)): روى
٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أحمد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((لَا صَلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ لَا قَبْلَهَا وَلَا
بَعْدَهَا))، فإن صح هذا؛ كان دليلاً على المنع مطلقًا؛ لأنه نفي في قوة النهي، وقد
سكت عليه الحافظ فينظر فيه. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي
وأبو داود وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص ٢٩٥، ٣٠٢) وغيرهم.
١٤٤٥ - [٦] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْخُيَّضَ يَوْمَ
الْعِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ؛ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ، وَتَعْتَزِلُ
الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّهُنَّ، قَالَّتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟
قَالَ: ((لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا)).
[متفق عليه]
الْشِّرْجُ
١٤٤٥ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) بفتح العين وكسر الطاء اسمها نسيبة - بضم
النون وفتح السين المهملة وسكون الياء وفتح الباء الموحدة، وقيل: بفتح أولها
مكبرًا - بنت الحارث، وقيل: بنت كعب الأنصارية، بايعت النبي وَّ، وكانت من
كبار الصحابيات، وكانت تغزو مع رسول اللَّه ◌َ له كثيرًا، تداوي الجرحى،
وتمرض المرضى، تعد في أهل البصرة، وكانت جماعة من الصحابة وعلماء
التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت؛ لأنها شهدت غسل بنت رسول الله
وَّ، فحكت ذلك وأتقنت، فحديثها أصل في غسل الميت، ويأتي حديثها هذا في
كتاب الجنائز. (أُمِرْنَا) مبني للمجهول للعلم بالآمر، وإنه رسول اللَّه وَسليل، وفي
رواية للبخاري: أمرنا نبينا .
(أَنْ نُخْرِجَ) بضم النون وكسر الراء من الإخراج أي: إلى المصلى. (الْخُيَّضَ)
بالنصب على المفعولية، وهو بضم الحاء وتشديد الياء المفتوحة جمع حائض،
أي: المباشرات بالحيض. (يَوْمَ العِيدَينِ) قال المالكي: فيه إفراد اليوم، وهو
(١٤٤٥) أخْرَجَهُ البُخَارِي (٣٥١)، ومُسْلِم (١٢ / ٨٩٠)، وأبو داود (١١٣٨)، والترمذي (٥٤٠)، وابنُ
ماجه (١٣٠٧)، والنَّسَائِي (٣/ ١٨٠) فِيهَا عَنْهَا.
٥١
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
المضاف إلى العيدين، وهو في المعنى مثنى، ونحو قوله: ومسح أذنيه ظاهرهما
وباطنهما، يعني: حيث أفرد الظاهر والباطن، قال ابن حجر: فلو روى الحديث
بلفظ التثنية على الأصل لجاز، أي: جاز أن يقول: يومي العيدين، أو يومي العيد.
(وَذَوَاتِ الْخُدُورِ) منصوب بالكسر كمسلمات عطفًا على الحيض، والخدور -
بضم الخاء المعجمة والدال المهملة - جمع خدر بكسرها وسكون الدال، وهو
ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه. وقال الجزري: الخدر ناحية في
البيت، يكون عليها ستر، فتكون فيها الجارية البكر، وهي المخدرة أي: خدرت
في الخدر، وفي رواية: نخرج العواتق وذوات الخدور، والحيض، والعواتق
جمع عاتق، وهي الشابة أول ما تدرك، وقيل: هي التي قاربت البلوغ.
وقيل: هي الجارية التي قد أدركت وبلغت، فخدرت في بيت أهلها ولم تتزوج،
سميت بذلك؛ لأنها عتقت عن خدمة أبويها، ولم يملكها زوج بعد. (فَيَشْهَدْنَ)
أي: يحضرن. (جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ) أي: دعاؤهم وفي رواية: ((يشهدن
الخير ودعوة المسلمين))، قيل: المراد بشهود الخير: هو الدخول في فضيلة
الصلاة لغير الحيض، وقوله: ((دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ))، يعم الجميع، واستدل بقوله:
((دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ))، على مشروعية الدعاء بعد صلاة العيد، كما يدعى دبر
الصلوات الخمس، وفيه نظر؛ لأنه لم يثبت عن النبي وَّ دعاء صلاة العيدين، ولم
ينقل أحد الدعاء بعدها، بل الثابت عنه رَّ أنه كان يخطب بعد الصلاة من غير
فصل بشيء آخر، فلا يصح التمسك بإطلاق قوله: ((دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ))، والظاهر:
أن المراد بها: الأذكار التي في الخطبة، وكلمات الوعظ والنصح، فإن لفظ الدعوة
عام والله تعالى أعلم.
(وَتَعْتَزِلُ الْخُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ) أي: عن مكان صلاة النساء اللاتي لسن
بحيض، يعني: تنفصل وتقف في موضع منفردات غير مختلطات بالمصليات
خوف التنجيس والإخلال بتسوية الصفوف، وهو خبر بمعنى الأمر، قال في
((الفتح)): حمله الجمهور على الندب؛ لأن المصلى ليس بمسجد فيمتنع الحيض
من دخوله، وقال ابن المنير: الحكمة في اعتزالهن - أي: في وقوفهن وهن لا
يصلين مع المصليات - إظهار استهانة بالحال، فاستحب لهن اجتناب ذلك.
انتھی .
٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Bessese
وفي رواية: ((كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى
نخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون
بركة ذلك اليوم وطهرته))، وفي رواية: ((فَأَمَّ الْخُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ وَيَشْهَدُونَ
الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ))، وفيه: أن الحائض لا تهجر ذكر الله، ولا مواطن الخير
كمجالس العلم والذكر سوى المساجد، قال الخطابي: أمر جميع النساء بحضور
المصلى يوم العيد لتصلي من ليس لها عذر، وتصل بركة الدعاء إلى من لها عذر،
وفيه: ترغيب الناس في حضور الصلوات، ومجالس الذكر ومقاربة الصلحاء
لینالهم بر کتهم.
(قَالَتِ امْرَأَةٌ) هي أم عطية نفسها، كما تدل عليه رواية الشيخين. (إِحْدَانًا) أي:
ما حكم واحدة منا. (لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ). وقال القسطلاني: قوله: ((إِحْدَانًا)) أي:
بعضنا مبتدأ خبره ((لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ)» أي: كيف تشهد ولا جلباب لها، وذلك بعد
نزول الحجاب، وفي رواية: ((أعلى إحدانا بأس، إذا لم يكن لها جلباب أن لا
تخرج؟)) والجلباب بكسر الجيم وسكون اللام وبموحدتين بينهما ألف، كساء تستتر
النساء به إذا خرجن من بيتهن، وقال في ((القاموس)): الجلباب كسِرْداب وسنمار:
القميص وثوب واسع للمرأة دون الملحفة، أو ما يغطى به ثيابها من فوق
كالملحفة، أو هو الخمار انتهى.
(لِتُلْبِسْهَا) بضم التاء وسكون اللام وكسر الموحدة وجزم المهملة، أمر من
الإلباس على سبيل الندب. (صَاحِبَتُهَا) بالرفع على الفاعلية. (مِنْ جِلْبَابِهَا) قال
الحافظ: يحتمل أن يكون للجنس، أي: تعيرها من جنس ثيابها، يعني تعيرها من
ثيابها ما لا تحتاج إليه، ويؤيده رواية ابن خزيمة: ((من جلابيبها))، وللترمذي:
((فَلْتُعِرْهَا أُخْتُهَا مِنْ جَلَابِيِهَا))، والمراد بالأخت: الصاحبة، ويحتمل أن يكون
المراد: تشركها معها في ثوبها الذي عليها، ويؤيده رواية أبي داود: ((تلبسها
صاحبتها طائفة من ثوبها))، يعني: إذا كان واسعًا، ويحتمل أن يكون المراد بقوله:
تَوْبُهَا جنس الثياب، فيرجع للأول، ويؤخذ منه: جواز اشتمال المرأتين في ثوب
واحد عند التستر ، وقيل: إنه ذكر على سبيل المبالغة أي: يخرجن على كل حال ولو
اثنتین في جلباب انتهى.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صلَّةِ الْعِيدَين
٥٣
وفي الحديث من الفوائد: أن من شأن العواتق المخدرات عدم البروز إلا فيما
أذن لهن فيه.
وفيه: استحباب إعداد الجلباب للمرأة، ومشروعية عارية الثياب.
وفيه: امتناع خروج المرأة بغير جلباب، وفيه استحباب خروج النساء إلى شهود
العيدين، سواء كن شواب أم لا، وذوات هيئات أم لا .
قال الشوكاني: حديث أم عطية وما في معناه من الأحاديث قاضية بمشروعية
خروج النساء في العيدين إلى المصلى، من غير فرق بين البكر والثيب، والشابة
والعجوز، والحائض وغيرها ما لم تكن معتدة، أو كان في خروجها فتنة، أو كان
لها عذر، وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
أحدها: أن ذلك مستحب، وحملوا الأمر فيه على الندب، ولم يفرقوا بين
الشابة والعجوز، وهذا قول أبي حامد من الحنابلة والجرجاني من الشافعية، وهو
ظاهر إطلاق الشافعي .
القول الثاني: التفرقة بين الشابة والعجوز، قال العراقي: وهو الذي عليه
جمهور الشافعية تبعًا لنص الشافعي في ((المختصر)).
والقول الثالث: أنه جائز غير مستحب لهن مطلقًا، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد
فيما نقله عنه ابن قدامة في ((المغني)) (ج٢ ص ٣٧٥ - ٣٧٦).
والرابع: أنه مكروه، وقد حكاه الترمذي عن الثوري وابن المبارك، وهو قول
مالك وأبي يوسف، وحكاه ابن قدامة عن النخعي ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وروى ابن أبي شيبة عن النخعي أنه كره للشابة أن تخرج إلى العيدين.
والقول الخامس: أنه حق على النساء الخروج إلى العيد، حكاه القاضي عياض
عن أبي بكر وعلي وابن عمر، وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي بكر وعلي أنهما قالا :
حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين. قال الحافظ: وقد ورد هذا مرفوعًا
بإسناد لا بأس به، أخرجه أحمد وأبويعلى وابن المنذر من طريق امرأة من عبد
القيس عن أخت عبد الله بن رواحة والمرأة لم تسم، والأخت اسمها عمرة
صحابية، وقوله: حَقَّ يحتمل الوجوب، ويحتمل تأكد الاستحباب. انتهى.
٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الشوكاني: والقول بكراهة الخروج على الإطلاق رد الأحاديث الصحيحة
بالآراء الفاسدة، وتخصيص الشواب يأباه صريح الحديث المتفق عليه وغيره،
انتهى. قلت: ذهب الحنفية إلى كراهة الخروج للعيدين للشواب دون العجائز،
قال ابن الهمام: وتخرج العجائز للعيد لا الشواب. انتهى.
قال القاري بعد نقل كلام ابن الهمام ما لفظه: وهو قول عدل، لكن لا بد أن يقيد،
بأن تكون غير مشتهاة في ثياب بذلة بإذن حليلها مع الأمن من المفسدة، بأن لا
يختلطن مع الرجال، ويكن خاليات من الحلي والحلل والبخور والشموم،
والتبختر، والتكشف ونحوهما، مما أحدثن في هذا الزمان من المفاسد، وقد قال
أبو حنيفة: ملازمات البيوت لا يخرجن. انتهى.
قلت: لا دليل على منع الخروج للعيد للشواب، وذوات الهيئات مع الأمن من
المفاسد مما أحدثن في هذا الزمان، بل هو مستحب لهن، وهو القول الراجح،
وأما الاستدلال على كراهة خروج النساء إلى العيدين مطلقًا بقول عائشة: لو أدرك
رسول اللّه وَليل ما أحدث النساء لمنعهن من الخروج كما منعت نساء بني إسرائيل،
فمردود لوجوه ثمانية سردها ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٤ ص ٢٠٠)، وقد أوردنا
بعضها في باب فضل الجماعة نقلا عن ((الفتح))، قال الحافظ: وقد ادعى بعضهم
النسخ فيه، قال الطحاوي: وأمره فِالثَلا بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد،
يحتمل أن يكون في أول الإسلام، والمسلمون قليل، فأريد التكثير بحضورهن؛
إرهابًا للعدو، وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك، وتعقب: بأن النسخ لا يثبت
بالاحتمال، قال الكرماني: تاريخ الوقت لا يعرف.
قال الحافظ: بل هو معروف بدلالة حديث ابن عباس أنه شهد خروجهن وهو
صغير، وكان ذلك بعد فتح مكة، ولا حاجة إليهن لقوة الإسلام حينئذٍ، فلم يتم
مراد الطحاوي، وقد صرح في حديث أم عطية بعلة الحكم، وهو شهودهن الخير
ودعوة المسلمين ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد وفاة
النبي وَّ بمدة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك، وأما قول
عائشة: لو رأى النبي وَلّ ما أحدث النساء ... إلخ. فلا يعارض ذلك لندوره إن
سلمنا أن فيه دلالة على أنها أفتت بخلافه، مع أن الدلالة منه بأن عائشة أفتت بالمنع
٥٥
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ليست صريحة، وفي قوله: إرهابًا للعدو نظر؛ لأن الاستنصار بالنساء والتكثر بهن
في الحرب دال على الضعف، والأولى أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة،
ولا يترتب على حضورها محذور، ولا تزاحم الرجال في الطريق، ولا في
المجامع. انتھی.
وقال ابن قدامة بعد ذكر قول عائشة المذكور: وسنة رسول اللّه وَ ليل أحق أن تتبع،
وقول عائشة مختص بمن أحدثت دون غيرها، ولا شك بأن ذلك يكره لها الخروج،
وإنما يستحب لهن الخروج غير متطيبات، ولا يلبسن ثوب شهرة ولا زينة ويخرجن
في ثياب البذلة؛ لقول رسول اللّه وَله: ((وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ))، ولا يخالطن الرجال،
بل یکن ناحية منهن. انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في مواضع ومسلم في العيدين بألفاظ مختلفة،
واللفظ الذي أتى به المصنف للبخاري في باب: وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثَِّابِ، من
أوائل الصلاة، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج ٣ ص ٣٠٥ - ٣٠٦) وغيرهم.
١٤٤٦ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهَا
جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامٍ مِنَى تُدَفَِّانِ وَتَضْرِبَانٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ
الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاَثَ، وَالنَّبِيُّ وَّهِ مُتَغَشِّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ
النَّبِيُّ وَّهِ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: ((دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ؛ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ)). [متفق عليه]
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا))(*).
الْشَّرُْ
١٤٤٦ - قوله (جَارِيَتَانِ) دون البلوغ من جوار الأنصار، إحداهما لحسان بن
ثابت، كما في حديث أم سلمة عند الطبراني، أو كلاهما لعبد الله بن سلام، كما
(١٤٤٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٩٥٢)، ومُسْلِم (١٥ / ٨٩٢) فِيهَا عَنْهَا .
(*) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٩٨٧)، ومُسْلِم (١٧ / ٨٩٢) فِيهَا عَنْهَا .
٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في ((الأربعين)) للسلمي، وفي ((العيدين)) لابن أبي الدنيا من طريق فليح عن هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة قالت: دخل عليَّ أبوبكر، والنبي ◌َّ متقنع، وحمامة
وصاحبتها تغنيان عندي، قال الحافظ: إسناده صحيح، ولم أقف على تسمية
الأخرى، ولم يذكر أحد من مصنفي أسماء الصحابة حمامة هذه، نعم ذكر الذهبي
في ((التجريد)) حمامة أم بلال اشتراها أبوبكر وأعتقها. (فِي أَيَّام مِنَى) بعد
الانصراف، وقيل: ينصرف يعني الثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق،
والمراد: أيام عيد الأضحى بالمدينة لا بمنى. (تُدَفَّفَانٍ) بفائين من التدفيف أي:
تضربان بالدف يعني مع الغناء، وفي رواية لمسلم: تلعبان بدف، وللنسائي:
تضربان بدفين، والدف: بضم الدال وفتحها، والضم أفصح وأشهر، ويقال له
أيضًا: الكربال - بكسر الکاف - وهو الذي لا جلاجل فیه، فإن كانت فيه، فهو
المزهر. (وَتَضْرِبَانِ) أي: بالدف، فيكون عطفًا تفسيريًّا، قال الطيبي: هذا تكرار
لزيادة الشرح. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: للشيخين (تُغَنِّيَانِ) أي: ترفعان أصواتهما بإنشاد
الشعر، وهو قريب من الحداء. (بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنَّصَارُ) أي: قال بعضهم لبعض من
فخر أو هجاء، وفي رواية: بما تعازفت - بعين مهملة وزاي وفاء - من العزف،
وهو الصوت الذي له دويٌّ، وفي رواية: ((بما تقاذفت))، بقاف بدل الغين وذال
معجمة بدل الزاي من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض. (يَوْمَ بُعَاثَ) بضم الباء
الموحدة وتخفيف العين المهملة، وفي آخره ثاء مثلثة بالصرف وعدمه، وقال
صاحب ((المطالع)): الأشهر فيه ترك الصرف، قال البكري: هو موضع من المدينة
علی لیلتين.
وقال صاحب ((النهاية)): هو اسم حصن للأوس، وقيل: هو موضع في ديار بني
قريظة فيه أموالهم، وكان موضع الوقعة في مزرعة لهم هناك، ولا منافة بين
القولين. قال الخطابي: يوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب، وكانت فيه مقتلة
عظيمة بين الأوس والخزرج، وكانت النصرة للأوس، واستمرت المقتلة مائة
وعشرين سنة حتى جاء الإسلام، فألف الله بينهم ببركة النبي وَّ على ما ذكره ابن
إسحاق وغيره، وتبعه على هذا جماعة من شراح ((الصحيحين)) قال الحافظ: وفيه
نظر؛ لأنه يوهم أن الحرب التي وقعت يوم بعاث دامت هذه المدة، وليس كذلك،
فسيأتي في أوائل الهجرة قول عائشة: كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله، فقدم
٥٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
Desc :
****************** ** *** esexe: **
المدينة وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم، وقد روى ابن سعد بأسانيده أن النفر
الستة أو الثمانية الذين لقوا النبي وَل بمنى أول من لقيه من الأنصار وكانوا قد
قدموا مكة ليحالفوا قريشًا - كان في جملة ما قالوا له لما دعاهم إلى الإسلام
والنصر له، وأعلم أنما كانت وقعة بعاث عام الأول، فموعدك الموسم القابل،
فقدموا في السنة التي تليها، فبايعوه، وهي البيعة الأولى، ثم قدموا الثانية
فبايعوه، وهم سبعون نفسًا، وهاجر النبي ◌ُّ في أوائل التي تليها، فدل ذلك على
أن وقعة بعاث كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو المعتمد، نعم، دامت الحرب
بين الحيين الأوس والخزرج المدة التي ذكرها في أيام كثيرة شهيرة انتهى.
وزاد في الرواية المذكورة: وليستا بمغنيتين، أي: ليس الغناء عادة لهما، ولا
هما معروفتان به، قال في ((شرح السنة)): كان الشعر الذي تغنيان به في وصف
الحرب والشجاعة، وفي ذكره معونة لأمر الدين، وأما الغناء بذكر الفواحش
والمنكرات من القول، فهو المحظور من الغناء، وحاشا أن يجري شيء من ذلك
بحضرته عليه الصلاة والسلام.
(مُتَغَشِّ بِثَوْبِهِ) أي: متغطٍّ وملتقٍّ به. (فَانْتَهَرَهُمَا أَبُوبَكْرٍ) أي: زجر الجاريتين،
وفي رواية: ((فانتهرني))، ويجمع بأنه شرك بينهن في الانتهار والزجر، أما عائشة
فلتقريرها لهما على الغناء، وضرب الدف، وأما الجاريتان فلفعلهما ذلك في بيت
النبي ◌َّ، وزاد في رواية وقال: مزمارة الشيطان عند رسول اللّه وَله؟ بكسر الميم
آخره هاء التأنيث، يعني: الغناء أو الدف، وهي مشتقة من الزمير، وهو الصوت
الذي له صفير، ويطلق على الصوت الحسن والغناء، وسميت به الآلة التي يزمِر
بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهي؛ فقد تشغل القلب عن ذكر الله
تعالى، وهذا من الشيطان، وهذا من أبي بكر الصديق إنكار لما سمع معتمدًا على
ما تقرر عنده من منع الغناء واللهو مطلقًا، ولم يعلم أنه ◌َّ أقرهن على هذا القدر
اليسير لكونه دخل فوجده مضطجعًا، فظنه نائمًا فتوجه له الإنكار.
(فَكَشَفَ النَّبِيُّ ◌َ عَنْ وَجْهِهِ) أي: الثوب، وفي رواية: فكشف رأسه. (دَعْهُمَا)
أي: اترك الجاريتين. (فَإِنَّهَا) أي: هذه الأيام. (أَيَّامُ عِيدٍ) أي: أيام سرور وفرح
شرعي لأهل الإِسلام. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: للشيخين (يَا أَبَابَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْم) أي: إن
٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لكل طائفة من الأمم المختلفة. (عِيدًا) يسمونه باسم مثل النيروز والمهرجان.
(وَهَذَا) أي: هذا الوقت، أو هذا اليوم. (عِيدُنَا) أي: يوم عيدنا معاشر الإسلام،
وهو يوم سرور شرعي، فلا ينكر مثل هذا، قال الحافظ: قوله: ((إِنَّ لِكُلِّ قَوْم عِيدًا،
وَهَذَا عِيدُنَا)) فيه تعليل الأمر بتركهما، وإيضاح خلاف ما ظنه الصديق منَّ أنهما
فعلتا ذلك بغير علمه وَالر؛ لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه، فظنه نائمًا فتوجه له
الإنكار على ابنته من هذه الأوجه مستصحبًا لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو،
فبادر إلى إنكار ذلك قيامًا عن النبي وَّ بذلك مستندًا إلى ما ظهر له، فأوضح له
النبي وَّر الحال، وعرفه الحكم مقرونًا ببيان الحكمة، بأنه يوم عيد، أي: يوم
سرور شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس، وبهذا يرتفع
الإشكال عمن قال: كيف ساغ للصديق إنكار شيء أقره النبي وَّ وتكلف جوابًا لا
یخفی تعسفه انتهى.
وقال الطيبي: وهذا اعتذار منه عليه الصلاة والسلام بأن إظهار السرور في يوم
العيدين شعار أهل الدين، وليس كسائر الأيام. قال النووي: اختلف العلماء في
الغناء، فأباحه جماعة من أهل الحجاز، وهي رواية عن مالك، وحرمه أبو حنيفة
وأهل العراق، ومذهب الشافعي كراهته، وهو المشهور من مذهب مالك، واحتج
المجوزون بهذا الحديث، وأجاب الآخرون: بأن هذا الغناء، إنما كان في
الشجاعة والقتل، والحذق في القتال ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه، بخلاف الغناء
المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر، ويحملها على البطالة والقبيح.
قال القاضي: إنما كان غناهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة
بالشجاعة، والظهور والغلبة، وهذا لا يهيج الجواري على شر، ولا إنشادهما
كذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت:
((وليستا بمغنيتين))، أي: ليستا ممن يغنى بعادة المغنيات من التشويق والهوى،
والتعريض بالفواحش، والتشبيب بأهل الجمال وما يحرك النفوس، ويبعث
الهوى، والغزل كما قيل: الغناء رقية الزنا، وليستا أيضًا ممن اشتهر، وعرف
بإحسان الغناء الذي فيه تمطيط وتكسير، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن،
ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسبًا، والعرب تسمى الإنشاد غناء، وليس هو من الغناء
المختلف فيه، بل هو مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد
٥٩
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
BASE
الإنشاد والترنم، وأجازوا الحداء، وفعلوه بحضرة النبي وَالخلال، وفي هذا كله إباحة
مثل هذا وما في معناه، وهذا أو مثله ليس بحرام. انتهى كلام النووي.
وقال الحافظ في ((الفتح)): استدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة
الغناء، وسماعه بآلة وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة بقولها: ((وَلَيْسَتَا
بِمُغَنِيَتَينِ))، فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق
على رفع الصوت وعلى الترنم الذي تسميه العرب النصب - بفتح النون وسكون
المهملة - وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيًا، وإنما يسمى بذلك من ينشد
بتمطيط وتكسير، وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح.
قال القرطبي: قولها: ((ليستا بمغنيتين))، أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه
المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به،
وهو الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع، إذا كان في شعر فيه
وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في
تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد
ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة،
وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب،
وصالح الأعمال، وإن ذلك يثمر سَنِيَّ الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار
الزندقة، وقول أهل المخرفة، والله المستعان. انتهى.
قال الحافظ: وينبغي أن يعكس مرادهم ويقرأ ((سيئ)) عوض النون الخفيفة
المكسورة بغير همز بمثناة تحتية ثقيلة مهموزًا، وأما الآلات، فقد حكى قوم
الإجماع على تحريمها، وحكى بعضهم عكسه، وقد بسط الكلام في ذلك
الشوكاني في ((النيل)) في آخر أبواب السبق، والعلامة البوفالي في ((دليل الطالب))
و(هداية السائل))، وسنذكر تفصيل المسألة في كتاب النكاح، وفي الموضع الذي
يليق بذلك إن شاء الله تعالى، ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه
إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه، كما سنبينه في كتاب النكاح. قال الحافظ:
وأما التفافه وَله بثوب ففيه إعراض عن ذلك؛ لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن
الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي