النص المفهرس

صفحات 21-40

٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الركعة الثانية، وكانت هي موضع الفصل وفعل ذلك للتوسع، والمتبادر من تعبير
صلاة الطائفة الأولى بالسجدة في قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآَبِكُمْ﴾ أنهم
بعد أداء الركعة ينصرفون إلى وجه العدو، ولا يتمون لأنفسهم الركعة الأخرى،
ولو أتموها لأطلق عليها الصلاة، فذكر لفظ السجدة يؤيد الحنفية في أن الطائفة
الأولى تنصرف إلى وجه العدو بعد الركعة؛ لأنه يدل على عدم تمام صلاتها،
وعلى مذهب الشافعية ومن وافقهم كان الأولى أن يقال: فإذا صلوا، والمتبادر من
ذكر لفظ الصلاة في ذكر الطائفة الثانية في قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَآَيِفَةٌ أُخْرَى لَمْ
يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ﴾ أنهم يتمون لأنفسهم في ذلك المكان، وهذا أوفق للشافعية،
فحملوا قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾، على معنى: فإذا صلوا، بقرينة قوله: ﴿فَلْيُصَلُّواْ﴾،
﴿فَإِذَا
وحملت الحنفية قوله: ﴿فَلْيُصَلُّواْ﴾، على معنى فليسجدوا، لقوله:
سَجَدُواْ﴾، وقد ظهر من هذا أن الآية لا توافق واحدًا من المذهبين بتمامه؛ للإجمال
في حال الركعة الثانية.
نعم، تنطبق على الصفة المذكورة في حديث ابن مسعود؛ فإن حاصلها: أن
الطائفة الأولى تذهب إلى وجه العدو بعد ركعة، وتجيء الطائفة الأخرى فتصلي
مع الإمام ركعة، ثم تتم لنفسها ركعة أخرى هناك، ثم ترجع إلى وجه العدو، وهذه
الصفة هي ظاهر الآية كذا ذكر بعض الحنفية، وقد بسط ابن قدامة الكلام في كون
الصفة المختارة عند الأئمة الثلاثة أحوط للصلاة والحرب، فعليك أن ترجع إلى
((المغني)).
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في المغازي من طريق قتيبة عن مالك، ومسلم في
الصلاة من طريق يحيى بن يحيى عن مالك عن يزيد بن رومان، وأخرجه أيضًا
مالك وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٢٥٢).

٢١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ
١٤٣٥ - [٣] وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ صَالِحِ بْنِ
خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َِّ .
الْشَّرْجُ
١٤٣٥ - قوله (وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرَ) أي: من طريق مسدد عن يحيى
القطان عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم (عَنِ الْقَاسِم) أي: ابن محمد بن أبي
بكر الصديق (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أَي: نحوه، وهذه الرواية
مرسل صحابي؛ لأن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن سهلًا كان صغيرًا في زمن
النبيِ وَّرَ، فمات النبي ◌ُّ﴾ وهو ابن ثمان سنين، فلم يكن إذ ذاك في سن من يخرج
في تلك الغزوة، وعلى هذا فتكون روايته لقصة صلاة الخوف مرسلة، ويتعين أن
يكون مراد صالح بن خوات ممن صلى مع النبي وَّل صلاة الخوف غيره، والذي
يظهر أنه أبوه كما تقدم.
واعلم: أن البخاري روى أولًا حديث سهل بن أبي حثمة موقوفًا عليه قوله، من
طريق مسدد عن يحيى القطان عن يحيى الأنصاري، عن القاسم عن صالح عن سهل
ابن أبي حثمة، قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة، وطائفة منهم معه، وطائفة من قِبَلٍ
العدو وجوههم إلى العدو، فيصلي بالذين معه ركعة، ثم يقومون فيركعون
لأنفسهم ركعة، ويسجدون سجدتين في مكانهم ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك،
فيجيء أولئك فیرکع بهم ر کعة فله ثنتان، ثم یر کعون ويسجدون سجدتين.
ثم رواه مرفوعًا قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة عن عبد الرحمن بن
القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة عن النبي وَّر مثله، أي:
مثل المتن الموقوف من رواية يحيى عن يحيى، وقد أورده مسلم وأبو داود
والنسائي من هذا الطريق بلفظ: أن رسول اللّه وله صلى بأصحابه في الخوف
(١٤٣٥) أَبُو دَاوُد (١٢٣٧)، والترمذي (٥٦٥)، وابنُ ماجه (١٢٥٩)، والنَّسَائِي (٣/ ١٧٠) فِيهَا مِنْ
طَرِيقِهِ.

٢٢
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فصفهم خلفه صفين ... فذكر الحديث، وهو مما يقوي أن سهل بن أبي حثمة لم
يشهد ذلك، وأن المراد بقول صالح بن خوات: ((ممن شهد)) أبوه لا سهل،
والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي موقوفًا
ومرفوعًا، وأخرجه مالك موقوفًا، قال ابن عبد البر: هذا الحديث موقوف عند
رواة ((الموطأ))، ومثله لا يقال بالرأي، وقد جاء مرفوعًا مسندًا انتهى.
قال الزرقاني: وتابع مالكًا على وقفه يحيى القطان وعبد العزيز بن أبي حازم،
كلاهما عن يحيى الأنصاري، ورفعه يحيى القطان في روايته عن شعبة عن
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح عن سهل، أن رسول الله وقال صلى
بأصحابه صلاة الخوف ... الحديث، قال ابن عبد البر: وعبد الرحمن بن القاسم
أسنُّ من يحيى بن سعيد وأجلُّ. انتهى.
هذا ورواية البخاري والنسائي والترمذي وابن ماجه ساكتة عن بيان سلام
الإمام، ورواية أحمد ومسلم وأبي داود صريحة في أنه يسلم الإمام بالطائفة الثانية
بعد أدائهم الركعة الثانية، كما هو منطوق رواية يزيد بن رومان عن صالح، وهو
مختار الشافعي وأحمد كما تقدم، ورواية مالك صريحة في أن الإمام يسلم منفردًا
قبل أن تأتي الطائفة الثانية بالركعة الأخرى، وقال الدارقطني بعد ما روى حديث
يزيد بن رومان: قال ابن وهب: قال مالك: أحبُّ إليَّ هذا، ثم رجع وقال:
قضاؤهم يكون بعد السلام أحبُّ إليَّ. انتهى.
وقال ابن عبد البر: وهذا الذي رجع إليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن
رومان، وإنما اختاره ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات أن الإمام لا ينتظر
المأموم، وأن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام. انتهى.
والراجح عندي: مختار الشافعية والحنابلة؛ للوجوه التي تقدمت في كلام ابن
قدامة، ولم تفرق المالكية والحنفية بين أن يكون العدو في جهة القبلة أم لا، وفرق
الشافعي والجمهور، فحملوا حديث سهل على أن العدو كان في غير جهة القبلة؛
فلذلك صلى بكل طائفة وحدها جميع الركعة، وأما إذا كان العدو في جهة القبلة
فعلى ما في حديث ابن عباس أن الإمام يحرم بالجميع ويركع بهم، فإذا سجد سجد
معه صف وحرس صف ... إلى آخره، ويأتي حديث جابر: صفنا صفين والعدو
بيننا وبين القبلة .

٢٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ
١٤٣٦ - [٤] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا
بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ وَه
قَالَ: فَجَاءَ رَّجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ بَِّ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ
سَيْفَ نَبِيِّ اللّهِ نَّهِ فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ: أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: (لَا))
قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: ((اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ)) قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ
رَسُولِ اللَّهِ وَ فَغَمَدَ السَّيْفَ، وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ
رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَينِ، قَالَ: فَكَانَتْ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ.
[متفق عليه]
الْشَّرْجُ
١٤٣٦ - قوله: (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاع) أي: بالمكان الذي كانت به غزوة
ذات الرقاع، فسميت البقعة باسم الوقعة، (قَالَ) أي: جابر (كُنَّا) أي: معشر
الصحابة عند إرادة نزول المنزل، (إِذَا أَتَيْنَا) أي: مررنا (عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ) أي:
مظللة، أي: ذات ظل كثيف، يعني كثيرة الظل. (تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِّ) لينزل
تحتها ويستظل بها، يعني: فكذا فعلنا بذات الرقاع، ونزل رسول اللّه وَ ل تحت
شجرة للاستراحة، فيه: تفرق الناس عن الإمام في الغزو عند القائلة والاستظلال
بالشجر، وهذا محله إذا لم يكن هناك ما يخافون منه. (قَالَ) أي: جابر. (فَجَاءَ
رَجُلٌّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) اسمه غورث - وزن جعفر - بن الحارث، وقيل: اسمه دعثور،
وقيل : غویرٹ.
(وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ) أي: بشجرة كان النبي وَل تحت ظلها.
فيه: تعليق السيف بالشجرة في السفر عند النوم وقت القائلة. (فَأَخَذَ) أي:
المشرك. (سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ وَِّ﴾)؛ لكونه نائمًا. (فَاخْتَرَطَهُ) بالخاء المعجمة والمثناة
الفوقية والراء آخره طاء مهملة أي: سله من غمده، وهو غلافه. (قَالَ) أي:
(١٤٣٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤١٣٦) فِيهَا عَنْ جَابِرٍ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم (٨٣٤/٣١١).

Beci
٢٤
*
ece
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المشرك. (فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي) بضم العين، و(مَنْ) استفهام يتضمن معنى النفي، كأنه
قال: لا مانع لك مني، وكرر ذلك في رواية للبخاري ثلاث مرات.
(قَالَ) أي: رسول اللَّهُ وَِّ. (اللَّهُ) أي: هو الذي سلطك علي. (يَمْنَعُنِي مِنْكَ)
أي: يخلصني منك؛ إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الطيبي: كان يكفي في
الجواب أن يقول رسول اللّه وَ ال: الله، فبسط اعتمادًا على الله، واعتضادًا بحفظه،
وكلاءته؛ قال الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. انتهى. وهذا من
أعظم الخوارق للعادة، فإنه عدو متمكن بيده سيف مشهور فلم يحصل للنبي وَل
روع ولا جزع.
قال الحافظ: فيه فرط شجاعته وَّله، وقوة يقينه، وصبره على الأذى، وحلمه عن
الجهال. (قَالَ) أي: جابر (فَتَهَدَّدَهُ) أي: هدده وخوفه (أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ اِ)
ظاهره يشعر بأنهم حضروا القصة، وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد،
وليس كذلك؛ فإنه وقع في رواية للبخاري بعد قوله: فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ. قال جابر:
فنمنا نومة، فإذا رسول اللّه وَ ل يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال
رسول اللَّه وَلّهِ: ((إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِ يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ
لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ، فها هو ذا جالس))، ثم لم يعاقبه رسول اللّه وَّر، فقد
بينت هذه الرواية أن هذا القدر لم يحضره الصحابة، وإنما سمعوه من النبي وَلّ بعد
أن دعاهم، واستيقظوا، ووقع في رواية أخرى للبخاري بعد قوله: ((قُلْتُ: اللَّهُ،
فَشَامَ السَّيْفَ))، والمراد: أغمده، وكان الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم،
وعرف أنه حيل بينه وبين تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل إليه، فألقى السلاح،
وأمكن من نفسه.
(فَغَمَدَ السَّيْفَ) بفتح الميم المخففة وتشدد أي : أدخله في غلافه، وفي ((صحيح
مسلم)): فأغمد أي: من الإغماد. (وَعَلَّقَهُ) أي: في مكانه، ووقع في رواية ابن
إسحاق بعد قوله: قال: ((اللهُ)) فَدَفَعَ جِبْرِيلُ فِي صَدْرِهِ فَوَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذُه
النَّبِيُّ وَّهِ، فَقَالَ: ((مَنْ يَمْنَعُكَ أَنْتَ مِنِّي؟)) قال: لَا أَحَد، قَالَ: ((قُمْ فَاذْهَبْ
لِشَأَئِكَ))، فلما ولى؛ قال: أنت خير مني، فقال ◌َّ: ((أَنَا أَحَقُّ بِذَلِك))، ثم أسلم
بعد، وفي لفظ: قال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم أتى قومه.

٢٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*=
بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ
فدعاهم إلى الإسلام، ويجمع بين قوله: ((فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ)). ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ، وبين
رواية ابن إسحاق بأن قوله: ((فَاذْهَبْ لِشَأْنِكَ)) كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته،
فمنَّ عليه لشدة رغبة النبي ◌َّر في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام، ولم
يؤاخذه بما صنع بل عفا عنه، وقد تقدم أنه أسلم بعد ذلك، وأنه رجع إلى قومه،
واهتدى به خلق کثیر .
(قَالَ) أي: جابر. (فَنُودِيَ) أي: أذن وأقيم للظهر. (فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) ثم
سلم وسلموا. (ثُمَّ تَأَخَّرُوا) أي: إلى جهة العدو. (وَصَلَّى) وفي ((مسلم)): فصلى -
أي: النبي ◌َّ - متنفلاً. (بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى) التي كانت في جهة العدو بعد مجيئها
إليه عليه الصلاة والسلام. (رَكْعَتَيْنِ) ثم سلم وسلموا. (قَالَ) أي: جابر. (فَكَانَتْ
لِرَسُولِ اللّهِ نَّهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) أي: بتسليمتين فرضًا ونفلًا. (وَلِلْقَوْم رَكْعَتَانِ)
فرضًا، واستدل به على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، كذا قرره الَنووي في
((شرح مسلم)) جمعًا بينه وبين حديث جابر الآتي في الفصل الثاني، وحديث أبي
بكرة قال: صلى النبي ◌َّ﴾ في خوفٍ الظهرَ فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء
العدو، فصلى ركعتين ثم سلم، وانطلق الذين صلوا معه، فوقفوا موقف
أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، الحديث،
أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم بإسناد صحيح.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢ ص٢٤٦): حديث أبي بكرة صريح في أنه
عليه الصلاة والسلام سلم من الر کعتین، وحديث جابر لیس صریحًا، فلذلك حمله
بعضهم على حديث أبي بكرة، ومنهم النووي، ومنهم من لم يحمله عليه، ومنهم
القرطبي، وقال في (ج٢ ص٥٦): لفظ ((الصحيحين)) من حديث جابر قد يفهم منه
أنه لم يسلم من الركعتين، وهو الأقرب، كما فهمه القرطبي في ((شرح مسلم)).
وقد يفهم منه أنه سلم من الر کعتين، ويفسره حديث أبي بكرة، کما فهمه النووي،
بل قد جاء مفسرًا من رواية جابر أنه سلم من الركعتين، كما رواه البيهقي في
((المعرفة)) من طريق الشافعي.
قلت: الأقرب عندي هو ما فهمه النووي، بل هو المتعين لحديث أبي بكرة،
وهو حديث صحيح، ولرواية جابر المفسرة عند النسائي وابن خزيمة والدار قطني

٢٦
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والبيهقي، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، قال الزيلعي: وعلى كل حال
فالاستدلال على الحنفية بحديث جابر صحيح وإن لم يسلم من الركعتين؛ لأن
فرض المسافر عندهم ركعتان والقصر عزيمة، فإن صلى المسافر أربعًا وقعد في
الأولى صحت صلاته، وكانت الأخريان له نافلة، وقد ذهل عن هذا جماعة من
شراح الحديث، ومنهم النووي، وقالوا: لا يحسن الاستدلال عليهم إلا بحديث
أبي بكرة أو بحديث جابر على تقدير أنه سلم في الركعتين انتهى.
وقد رد بمثل ذلك ابن حزم في ((المحلى)) (ج٤ ص٢٢٨)، فارجع إليه إن شئت،
ويأتي بقية الكلام في شرح حديث جابر في الفصل الثاني، ثم الكيفية المذكورة في
حديث جابر مخالفة للكيفية التي في حديث يزيد بن رومان، مع أن الموضع
واحد، وذلك لاختلاف الزمان، فيحمل على أنه عليه الصلاة والسلام صلى في هذا
الموضع مرتين، مرة كما رواه يزيد بن رومان، ومرة كما رواه جابر، أو يحمل
على تعدد غزوة ذات الرقاع، فقد قيل: إنها وقعت مرتين: مرة في السنة
الخامسة، ومرة في السنة السابعة، والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه نظر؛ فإن البخاري لم يسنده في ((صحيحه)) أصلًا، بل ذكره
معلقًا في المغازي في غزوة ذات الرقاع، فقال: وقال أبان: حدثنا يحيى بن أبي
كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: أقبلنا ... الحديث، ورواه أيضًا متصلًا بإسناده
لكن لم يذكر فيه قصة الصلاة، وَوَهِمَ مجد الدين ابن تيمية في ((المنتقى)) حيث قال
بعد ذكره باللفظ المذكور: متفق عليه .
قال الزيلعي (ج٢ ص ٢٤٦): لم يصل البخاري سنده به، وَوَهِمَ شيخنا علاء
الدين مقلدًا لغيره فقال: أخرجاه، وقد نص على ذلك الحميدي وعبد الحق في
كتابيهما ((الجمع بين الصحيحين))، مع أن البخاري وصل سنده به في مواضع لكن
ليس فيه قصة الصلاة، قال: ووهم النووي في ((الخلاصة))، فذكره باللفظ المذكور
وقال: متفق عليه. انتهى. والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٣ ص٣٦٤)، والبيهقي
(ج ٣ ص٢٥٩).

٢٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
١٤٣٧ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ،
فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنٍ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَِّيُّ وَّهِ وَكَبَّرْنَا
جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ
انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ،
فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َِّ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفَُّ الْمُؤَخَّرُ
بِالسُّجُودِ، ثُمَّ قَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ
بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرَاً فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ
الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َِّ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي
يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ وَّهِ وَسَلَّمْنَا
جَمِيعًا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيحٍ}
G O
الْشَّرْجُ
١٤٣٧ - قوله: (وَعَنْهُ) أي: عن جابر. (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ صَلَاةَ
الْخَوْفِ) في ((صحيح مسلم)) قال: شهدت مع رسول اللَّه وَّل صلاة الخوف.
(فَصَفَفْنَا) وفي بعض النسخ من ((صحيح مسلم)): فَصَفَّنَا. (خَلْفَهُ) أي : خلف رسول
اللَّهِ وَِّ (صَفَّيْنِ وَالْعَدُوُّ بَينَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) قد ورد في رواية لمسلم عن جابر تعيين
القوم الذين حاربوهم، ولفظها: غزونا مع رسول اللّه وَ ل قومًا من جهينة، فقاتلونا
قتالًا شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليه ميلة لاقتطعناهم،
فأخبر جبريل رسول اللّه وَ لَه، فذكر ذلك لنا رسول اللَّه وَ لـ قال: وقالوا: إنه
ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر قال: صفنا صفين
والمشركون بيننا وبين القبلة ... الحديث. وروى أحمد وأبو داود والنسائي
والبيهقي وابن حبان وصححه، من حديث أبي عياش الزرقي مثل حديث جابر،
وزاد تعيين محل الصلاة أنها كانت بعسفان، فالظاهر أن جابرًا روى القصتين معًا،
(١٤٣٧) رَوَاهُ مُسْلِم .

٢٨
Ber
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: قصة صلاة الخوف بغزوة ذات الرقاع، وكان العدو فيها في غير جهة القبلة،
وقصة الخوف بغزوة عسفان، وكان العدو فيها وجاه القبلة، والله تعالى أعلم.
(فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ◌َِّ) أي: للتحريم. (وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا) أراد به الصفين. (ثُمَّ رَكَعَ) أي:
بعد القراءة. (ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ) أي: انهبط إليه وانخفض له، وقال القاري:
أي: نزل متلبسًا بالسجود أو بسببه. (وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ) أي: وانحدر الصف الذي
يقرب منه، وهو عطف على الضمير المتصل من دون تأكيد؛ لأنه قد وقع الفصل،
والإفراد باعتبار لفظ الصف المراد به القوم. (وَقَامَ) أي: بقي قائمًا. (الصَّفُّ
الْمُؤَخَّرُ) أي: الذين تأخروا للحراسة لمن أمامهم في سجودهم.
(فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ) أي: في مقابلتهم، ونحر كل شيء أوله. (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َل
السُّجُودَ) أي: أداه، والمعنى: فلما فرغ من السجدتين. (وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ)
يعني: رفعوا رؤوسهم من السجود، وقاموا معه عليه الصلاة والسلام. (انْحَدَرَ
الصَّفّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ) أي: سجد الآخرون الذين كانوا خلف الصف الأول.
(ثُمَّ) أي: لما فرغوا من سجدتهم. (قَامُوا) وفي مسلم: وقاموا.
(ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) ووقفوا مكان الصف الأول، أي: بعد أن استووا مع
الأولين في القيام خلفه وَّر في الركعة الثانية. (وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ) قيل: الحكمة في
التقدم والتأخر: حيازة فضيلة المعية في الركعة الثانية؛ جبرًا لما فاتهم من المعية
في الركعة الأولى. (ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ◌َّ) أي: قام وقرأ الفاتحة والسورة ثم ركع،
قاله الطيبي. (الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى) صفة ثانية للصف، وقدر ابن
حجر لفظ: ((وَهُوَ)) قبل هذا الموصول الثاني. (وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ) هو الذي كان
مقدمًا في الركعة الأولى. (فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ) وفي بعض النسخ من ((صحيح مسلم)) :
في نحور العدو، أي: بلفظ الجمع.
(انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَِّيُّ وَّهِ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا)
وفي رواية لمسلم: فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعًا سلم عليهم
رسول اللَّه ◌َل .
والحديث: دليل على أنه إذا كان العدو في جهة القبلة، فإنه يخالف ما إذا لم

٢٩
بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
يكن كذلك، فإنها تمكن الحراسة مع دخولهم جميعًا في الصلاة، وذلك أن
الحاجة إلى الحراسة، إنما تكون في حال السجود فقط؛ لأن حال الركوع لا يمتنع
معه إدراك أحوال العدو، فيتابعون الإِمام جميعًا في القيام والركوع، ويحرس
الصف المؤخر في حال السجدتين، بأن يتركوا المتابعة للإمام، ثم يسجدون عند
قيام الصف الأول، ويتقدم الصف المؤخر إلى محل الصف المقدم، ويتأخر
المقدم ليتابع المؤخر الإمام في السجدتين الأخيرتين، فيصح مع كل من الطائفتين
المتابعة في سجدتين .
قال النووي: وحديث ابن عباس - عند البخاري وغيره - نحو حديث جابر،
لكن ليس فيه تقدم الصف وتأخر الآخر، وبهذا الحديث قال الشافعي وابن أبي
ليلى وأبو يوسف، إذا كان العدو في جهة القبلة، ويجوز عند الشافعي تقدم الصف
الثاني وتأخر الأول كما في رواية جابر، ويجوز بقاؤهما على حالهما، كما هو
ظاهر حديث ابن عباس. انتهى.
والصفة المذكورة في حديث جابر لا توافق ظاهر الآية، ولا توافق الرواية
الأولى عن ابن عمر، ولا رواية يزيد بن رومان، ولا رواية جابر في غزوة ذات
الرقاع، إلا أنه قد يقال: إنها تختلف الصفات باختلاف الأحوال، وقال الطحاوي:
ليس هذا بخلاف القرآن؛ لجواز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَآَبِفَةُ
أَخْرَى﴾ [النساء: ١٠٢] إذا كان العدو في غير القبلة، وذلك ببيانه وَّل، ثم بين كيفية
الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة. والله أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣ ص٣١٩)، والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج٣ ص ٢٥٧).

٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٤٣٨ - [٦] عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ
فِي الْخَوْفِ بِبَطْنِ نَخْلٍ، فَصَّلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ طَائِفَةً
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ] {ضعيف}
أُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَّيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
الْشَّرْجُ
١٤٣٨ - قوله: (كَانَ) قال القاري: ليس للاستمرار، بل لمجرد الربط
والدلالة على المضي. (يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظَّهْرِ فِي الْخَوْفِ) أي: في حالة
الخوف. (بِبَطْنِ نَخْلٍ) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة، وهو موضع من المدينة
على يومين، وهو بواد يقال له: شدخ، بالشين المعجمة والدال المهملة والخاء
المعجمة، وفيه طوائف من قيس وبني فزارة وأشجع وأنمار، وقال ابن حجر: اسم
موضع بين مكة والطائف، ذكره القاري، وغفل من قال: إن المراد نخل بالمدينة،
واستدل به على مشروعية صلاة الخوف في الحضر، وليس كما قال؛ لأنه لم يحفظ
عنه ◌ُالَّالز أنه صلى صلاة خوف قط في حضر، ولم يكن له حرب قط في حضر إلا
يوم الخندق، ولم يكن آية الخوف نزلت بعد، فالصحيح أن المراد به: موضع من
نجد من أراضي غطفان كما تقدم.
(فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ) هذا صريح في أنه تُلَُّ سلم من الركعتين،
ومثله حديث أبي بكرة عند أبي داود والنسائي وغيرهما، وقد تقدم. (ثُمَّ جَاءَ طَائِفَةٌ
أُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ سَلَّمَ) فكانت لرسول اللّه ◌َ ل أربع ركعات بتسليمتين
فرضًا ونفلًا، ولكل طائفة ركعتان ركعتان فرضًا، وبهذا قال الحسن والشافعي
وأحمد، قال القاري: لا إشكال في ظاهر الحديث على مقتضى مذهب الشافعي،
فإنه محمول على حالة القصر، وقد صلى بالطائفة الثانية نفلًا، وعلى قواعد مذهبنا
مشكل جدًّا، فإنه لو حمل على السفر لزم اقتداء المفترض خلف المتنفل، وهو غير
(١٤٣٨) أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِي (١٧٨/٣) عَنْهُ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ.

٣١
بَابٌ صَلَاةِ الْحَوْفِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
صحيح عندنا، فلا يحمل عليه فعله عليه الصلاة والسلام، وإن حمل على الحضر
يأباه السلام على رأس كل ركعتين، اللهم إلا أن يقال: هذا من خصوصياته، وأما
القوم، فأتموا ركعتين أخريين بعد سلامه. واختار الطحاوي: أنه كان في وقت
كانت الفريضة تصلى مرتين، انتهى كلام القاري.
قلت: لا شك أن الحديث مشكل على الحنفية جدًّا، وقد عجزوا عن جوابه،
ولذلك قال السندي: فيه اقتداء المفترض بالمتنفل، ولم أر لهم عنه جوابًا شافيًا .
انتهى. فأما قولهم: إن هذا خاص برسول اللَّه ◌َل لفضيلة الصلاة خلفه، فإن في
الائتمام به من البركة في النافلة ما ليس في الائتمام بغيره في الفريضة، ففيه: أنه لا
يثبت الخصوص بالادعاء، وقد قال رَّه: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))، وأمرنا
باتباعه، فما ثبت في حقه ثبت فيه حقنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به.
وأما قول الطحاوي: إنه يجوز أن يكون ذلك كان من رسول اللّه وَّة، والفريضة
حينئذٍ تصلى مرتين، فيكون كل واحدة منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل في أول
الإسلام، ثم نسخ، ففيه: أنه يرده ما قال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٤ ص٢٢٧)
فهذا آخر فعل رسول اللَّه وَالر؛ لأن أبا بكرة شهده، وإنما كان إسلامه يوم الطائف
بعد فتح مكة وبعد حنين، ولم يغز ◌ُالَّله بعد الطائف غير تبوك فقط، وأيضًا قد روى
ابن حزم بسنده (ج٤ ص٢٢٦) عن أبي بكرة: أنه صلى مع رسول اللَّه وَال صلاة
الخوف، فصلى بالذين خلفه ركعتين، والذين جاؤوا بعدُّ ركعتين، فكانت
للنبي وَّ أربعًا ولهؤلاء ركعتين.
وأجاب بعضهم: بأن المراد بالسلام السلامُ الذي في التشهد، وهو: ((السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين))، وهذا غني عن الرد لكونه ظاهر البطلان؛ فإن
المتبادر منه سلام التحلل من الصلاة، وهو المعروف، وهو الذي يدل عليه سياق
الروايات في ذلك، فالحمل عليه متعين .
(رَوَاهُ) أي: البغوي صاحب ((المصابيح)). (فِي شَرْح السُّنَّةِ) وأخرجه أيضًا
النسائي والشافعي في كتاب ((الأم)) (ج١ ص١٥٣)، والدار قطني (ص١٨٦ -
١٨٧)، وابن خزيمة والبيهقي في ((المعرفة)) وفي ((السنن)) (ج ٣ ص٢٥٩) كلهم من
طريق الحسن عن جابر، وقال البزار: روى الحسن عن جابر بن عبد الله أحاديث،

٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ولم يسمع منه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: سمع الحسن عن جابر؟ قال: ما
أرى، ولكن هشام بن حسان يقول عن الحسن ثنا جابر، وأنا أنكر هذا، إنما الحسن
عن جابر كتاب، مع أنه أدرك جابرًا، انتهى. قلت: وذلك لا يقتضي الانقطاع.
وأخرج ابن جرير وأحمد والطحاوي (ج١ ص ١٨٧) من طريق قتادة عن سليمان
اليشكري عن جابر مثله، وأشار إليه أبو داود في ((السنن))، ونقل الحافظ عن
البخاري وابن معين أن قتادة لم يسمع من اليشكري.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ
٣٣
DESES
BASE
الفصل الثالث
١٤٣٩ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ
وَعُسْفَانَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لِهَؤُلَاءِ صَلَاَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ
وَأَبْنَائِهِمْ، وَهِيَ الْعَصْرُ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، فَتَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَأَنَّ
جِبْرِيلَ أَتَى النَِّيَّ نَّهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَينٍ فَيُصَلِّي بِهِمْ، وَتَقُومُ
طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ، وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، فَتَكُونُ لَهُمْ رَكْعَةٌ
وَلَرَسُولِ اللّهِ وَلهَ رَكْعَتَانٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[صحيح]
G O
الْشَّرْحُ
١٤٣٩ - قوله (نَزَلَ بَينَ ضَجْنَانَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم
وبنونين بينهما ألف، قال الجزري: هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة. (عُسْفَانَ)
بضم مهملة أولى وسكون ثانية، موضع على مرحلتين من مكة، قاله في
((القاموس))، وقال الجزري: هي قرية جامعة بين مكة والمدينة. انتهى.
وزاد النسائي: محاصرًا المشركين (فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ) أي: بعضهم لبعض.
(لِهَؤُلَاءِ) أي: للمسلمين. (مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ) وفي ((النسائي)): من أبنائهم
وأبكارهم. (وَهِيَ الْعَصْرُ) لما وقع من تأكيد المحافظة على مراعاتها في قوله
تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، (فَأَجْمِعُوا) بفتح الهمزة
وكسر الميم من الإجماع. (أمْرَكُمْ) أي: أمر القتال، والمعنى: فأعزموا عليه.
(فَتَمِيلُوا) بالنصب على جواب الأمر أي: فتحملوا، ولفظ الترمذي: فميلوا،
وعند النسائي: ثم ميلوا، أي: بصيغة الأمر. (وَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ وَّ) قال
الطيبي: حال من قوله: ((فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ)) على نحو جاء زيد والشمس طالعة.
(شَطْرَينٍ) أي: نصفين، كما في رواية النسائي، وفي بعض النسخ من سنن
(١٤٣٩) التِّرْ مِذِي (٣٠٣٥)، والنَّسَائِي (٣/ ١٧٤) في صلاة الخوف عنه.

*
٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النسائي: بصفين (فَيُصَلَّيَ) بالنصبِ. (بِهِمْ) وفي رواية النسائي: فيصلي بطائفة
منهم. (وَتَقُومُ) بالنصب. (طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ، وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)
وفي رواية النسائي: وطائفة مقبلون على عدوهم، قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم،
قال الطيبي: أي: ما فيه الحذر، وفي ((الكشاف)): جعل الحذر - وهو التحرز
والتيقظ - آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ؛ دلالة
على التيقظ التام والحذر الكامل، ومن ثَمَّ قدمه على أخذ الأسلحة. (فَتَكُونُ لَهُمْ)
أي: لكل طائفة منهم. (رَكْعَةً) وقع في الترمذي والنسائي لفظ: (رَكْعَةً)) مكررًا
أي: مع النبي ◌َّ، ويصلي كل طائفة منهم ركعة أخرى لأنفسهم؛ لتكون لكل
منهما ركعتان، وقال قوم: هو محمول على ظاهره، وَعَدُّوهُ من خصائص صلاة
الخوف. (وَلِرَسُولِ اللهِ وَ لَهَ رَكْعَتَانٍ) تابعه في الركعة الأولى الطائفة الأولى، وفي
الثانية الطائفة الأخرى، ولا يخفى أن قوله: ((فَتَكُونُ لَهُمْ رَكْعَةً، وَلِرَسُولِ اللهِ
رَكْعَتَانِ)) لا يصح ترتبه على ما وقع في ((المشكاة)) قبله من لفظ الحديث، ووقع عند
الترمذي قبل ذلك، ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة واحدة، ولفظ النسائي:
ثم يتأخر هؤلاء، ويتقدم أولئك، فيصلي بهم ركعة، تكون لهم مع النبي وَّ ركعة
ركعة ... إلخ، والظاهر أن المصنف ذكر ذلك السياق؛ تقليدًا لما نقله الجزري في
((جامع الأصول)) (ج٦ ص٤٧٣ - ٤٧٤)، ولم يراجع ((جامع الترمذي))
و((النسائي))، ولم يتأمل في ما في السياق المذكور من الخلل، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في تفسير سورة النساء وصححه (وَالنَّسَائِيُّ) في الصلاة،
وأخرجه أيضًا أحمد وابن جرير، كلهم من طريق عبد الله بن شقيق عن أبي
هريرة، وأشار إليه أبو داود في باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون.
فقال بعد رواية حديث حذيفة بلفظ: فصلَّى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة ولم
يقضوا، وكذا رواه عبيد الله بن عبد الله ومجاهد عن ابن عباس عن النبي ◌َّر،
وعبد الله بن شقيق عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ ... إلخ.
تنبيه:
قال الحافظ: لم يقع في شيء من الأحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض
لكيفية صلاة المغرب، وقد أجمعوا على أنه لا يدخلها قصر، واختلفوا هل الأولى

٣٥
بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
أن يصلي بالأولى ثنتين والثانية واحدة أو العكس. انتهى كلام الحافظ، قلت:
روى الدار قطني (ص ١٨٧)، والحاكم (ص٣٣٧)، والبيهقي (ج ٣ ص ٢٦٠) من
طريق عمرو بن خليفة البكراوي عن الأشعث بن عبد الملك عن الحسن عن أبي
بكرة أن النبي ◌َّ صلى بالقوم في الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم
انصرف، وجاء الآخرون فصلی بهم ثلاث ركعات.
قال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يقول: هذا حديث غريب، قال الحاكم:
وإنه صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، وقال أبو داود بعد رواية حديث
أبي بكرة في صلاة الخوف في الظهر: وكذلك في المغرب، يكون للإمام ست
ركعات، وللقوم ثلاثًا ثلاثًا، وهذا يدل على أنه ليس عنده في المغرب إلا القياس،
قال الشوكاني: وهو قياس صحيح، وقال البيهقي بعد ذكر كلام أبي داود هذا: وقد
رواه بعض الناس عن أشعث في المغرب مرفوعًا، ولا أظنه إلا واهمًا في ذلك، ثم
ذكر الحديث من الطريق المذكور، وقد تفرد بروايته عمرو بن خليفة البکراوي،
وقال في ((اللسان)) في ترجمته: ربما كان في روايته بعض المناكير، وذكره ابن حبان
في ((الثقات)) وأخرج له ابن خزيمة في (صحيحه))، وارجع لاختلاف العلماء في
كيفية صلاة المغرب في الخوف إلى ((المغني)) (ج ٢ ص ٤١٠ - ٤١١).

٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤٧ - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَينِ
(بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَينِ) أي: الفطر والأضحى، وأصل العيد عود؛ لأنه مشتق من
عاد يعود عودًا، وهو الرجوع، قلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، كما في
الميزان والميقات، وجمعه أعياد للزومِ الياء في الواحد أو للفرق بينه وبين أعواد
الخشب، وسميا عيدين لكثرة عوائد اللّه تعالى فيهما، أو لأنهم يعودون إليهما مرة
بعد أخرى، أو لتكرارهما وعودهما كل عام، أو لعود السرور بعودهما، قال في
((الأزهار)): كل اجتماع للسرور فهو عند العرب عيد، يعود السرور بعوده، وقيل:
لأن الله تعالى يعود على العباد بالمغفرة والرحمة، وقيل: تفاؤلًا بعوده على من
أدركه، كما سميت القافلة تفاؤلًا برجوعها، وقيل: لعود بعض المباحات فيهما
واجبًا كالفطر، وقيل: لأنه يعاد فيهما التكبيرات مرات، والله تعالى أعلم. وارجع
الحكمة مشروعيتهما إلى ((حجة الله البالغة)) (ج٢ ص٢٣) لمحدث الهند الشاه
ولي اللَّه الدهلوي، فإنه قد بسط الكلام فيها فأجاد وأحسن. واتفقوا على أن أول
عيد صلاه النبي وقّ عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي التي فُرِضَ
رمضانُ في شعبانها، ثم داوم عليه النبي ◌ََّ إلى أن توفاه الله رَك، وقيل: شرع عيد
الأضحى أيضًا في السنة الثانية من الهجرة، واختلفوا في حكم صلاة العيدين؛ قال
المرتضى الزبيدي الحنفي في ((شرح الإحياء)): قال أصحابنا: صلاة العيدين واجبة
على من تجب عليه الجمعة نصًّا عن أبي حنيفة في روايته على الأصح، وبه قال
الأكثرون، وهو المذهب، ونقل ابن هبيرة في ((الإفصاح)) رواية ثانية عن الإمام
بأنها سنة. قال ابن عابدين: الأول قول الأكثرين، كما في ((المجتبى)) ونص على
تصحيحه في ((الخانية)) و((البدائع)) و((الهداية)) و((المحيط)) و((المختار)) و((الكافي))
وغیرهما، انتهى.
ورجح السرخسي في ((المبسوط)) كونها سنة، وقال مالك والشافعي: سنة
مؤكدة لرواية الأعرابي: ((إلا أن تطوع))، وقال أحمد: هي فرض على الكفاية
كالجنائز؛ إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وبه قال بعض أصحاب

٣٧
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الشافعي. والراجح عندي: ما ذهب إليه أبو حنيفة من أنها واجبة على الأعيان؛
٢﴾ [الكوثر: ٢]، والأمر يقتضي الوجوب،
لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ
والمداومة النبي ◌ّ على فعلها من غير ترك، ولأنها من أعلام الدين الظاهرة،
فكانت واجبة، ولا يخالف ذلك حديث الأعرابي؛ لأن المراد نفي وجوب ما عدا
الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وصلاة العيد ليست مما تجب وتتكرر في كل
يوم وليلة. واختلفوا في شروطها .
فقال الحنفية: يشترط لها جميع ما يشترط للجمعة وجوبًا وأداءً إلا الخطبة،
فإنها ليست بشرط لها، بل هي سنة بعدها، وأجاز مالك والشافعي أن يصليها
منفردًا من شاء من الرجال والنساء والعبيد والمسافرين، وعن أحمد روايتان
كالقولين، كما في ((المغني)) (ج٢ ص٣٩٢ - ٣٩٣)، والمرجح عند الحنابلة هو
القول الأول. والراجح عندي: هو ما ذهب إليه مالك والشافعي؛ لعدم ما يدل على
ما ذهب إليه الحنفية من كون شروط الجمعة شروطًا للعيد، والله تعالى أعلم .

٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١٤٤٠ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَخْرُجُ يَوْمَ
الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ،
فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ
وَيَأْمُرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَو يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ
يَنْصَرِفُ.
[متفق عليه]
الْشَّرْجُ
١٤٤٠ - قوله (يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى) أي: يوم عيد الفطر ويوم عيد
الأضحى. (إِلَى الْمُصَلَّى) أي: مصلى العيد، وهو موضع معروف خارج باب
المدينة، بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة في ((أخبار المدينة))
عن أبي غسان الكتاني صاحب مالك، واستدل به على استحباب الخروج إلى
الصحراء لأجل صلاة العيد، وأن ذلك أفضل من صلاتها في المسجد ولو كان
واسعًا، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة والمالكية، وقال الشافعية: فعلها في
المسجد الحرام وبيت المقدس أفضل من الصحراء تبعًا للسلف والخلف؛
ولشرفهما ولوسعهما وفعلها في سائر المساجد إن اتسعت أولى؛ لأنها خير البقاع
وأطهرها، ولسهولة الحضور إليها، فلو صلى في الصحراء كان تاركًا للأولى.
قال الشافعي في ((الأم)): بلغنا أن رسول اللَّه وَليل كان يخرج في العيدين إلى
المصلى بالمدينة، وكذا من بعده إلا من عذر مطر ونحوه، وكذلك عامة أهل
البلدان إلا أهل مكة، ثم أشار إلى أن سبب ذلك سعة المسجد وضيق أطراف مكة،
قال: فلو عمر بلد فكان مسجد أهله يسعهم في الأعياد لم أر أن يخرجوا منه، فإن
كان لا يسعهم كرهت الصلاة فيه ولا إعادة، قال الحافظ: ومقتضى هذا أن العلة
(١٤٤٠) مُسْلِم (٩/ ٨٨٩) فِي العِيدَيْنِ عَنْهُ، وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ الَّذِي هُنَا لِلْبُخَارِيِّ (٩٥٦).

٣٩
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلاةِ
تدور على السعة والضيق لا لذات الخروج إلى الصحراء؛ لأن المطلوب حصول
عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد مع أفضليته كان أولى. انتهى.
قال الشوكاني: وفيه أن كون العلة الضيق والسعة مجرد تخمين لا ينتهض
للاعتذار عن التأسي به وَلّ في الخروج إلى الجبانة بعد الاعتراف بمواظبته بَلجلال على
ذلك. وأما الاستدلال على أن ذلك هو العلة بفعل الصلاة في مسجد مكة، فيجاب
عنه باحتمال أن يكون ترك الخروج إلى الجبانة لضيق أطراف مكة لا للسعة في
مسجدها . انتهى.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الحنفية من أن الخروج إلى الصحراء أفضل ولو
كان مسجد البلد واسعًا؛ لأنه قد واظب النبي وَّ على الخروج إلى الجبانة، وترك
مسجده، وكذلك الخلفاء بعده، ولا يترك النبي وَّ الأفضل مع قربه، ويتكلف
فعل الناقص مع بُعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل، ولأننا قد أمرنا باتباع
النبي ◌َّ والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص، ولم ينقل عن
النبي ◌َّ أنه صلى العيد بمسجده إلا من عذر كما سيأتي؛ ولأن هذا إجماع
المسلمين، فإن الناس في كل عصر ومِصْرٍ يخرجون إلى المصلى، فيصلون العيد
في المصلى مع سعة المسجد وضيقه، وكان النبي ◌َّ يصلي في المصلى مع شرف
مسجده، وصلاة النفل في البيت أفضل منها في المسجد مع شرفه.
(فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ) أي: النبي ◌ََّ. (بِهِ الصَّلَاةُ) برفع ((أَوَّلُ)) على أنه مبتدأ،
وقوله: ((الصَّلَاةُ)) خبره، ولفظ ((أَوَّلُ)) وإن كان نكرة فقد تخصص بالإضافة،
والأولى جعل ((أول)) خبرًا مقدمًا و((الصلاة)) مبتدأ؛ لأنه معرفة، وإن تخصص أول
فلا يخرج عن التنكير، وجملة ((يَبْدَأُ بِهِ)) في محل الجر صفة لشيء. وفيه: أن السنة
تقديم الصلاة على الخطبة، وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا. (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) أي: من
الصلاة (فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ) بكسر الباء حال أي: مواجهًا لهم، وفي رواية ابن
حبان: فينصرف إلى الناس قائمًا في مصلاه، ولابن خزيمة في رواية مختصرة:
خطب يوم عيد على رجليه، وهذا مشعر بأنه لم يكن إذ ذاك في المصلى منبر،
وفيه: أن السنة كون الخطبة على الأرض عن قيام في المصلى، والفرق بينه وبين
المسجد، أن المصلى يكون بمكان فيه فضاء، فيتمكن من رؤيته كل من حضر