النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣٩٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ
وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ، فَالْأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ
كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ
{متفق عليه}
بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)).
الشّرْجُ
١٣٩٦ - قوله: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ) هم غير الحفظة، كما
يدل عليه الأحاديث الواردة في فضل التبكير. والمعنى: أنهم يستمرون من طلوع
الفجر، وهو أول اليوم شرعًا، أو من طلوع الشمس، وهو أول النهار العرفي، أو
من ارتفاع النهار، أو من حين الزوال. قال القاري: وهو أقرب، ورجحه أيضًا
الشاه ولي اللَّه الدهلوي في ((المسوى شرح الموطأ)) (ج ١ ص ١٥٠) وإليه مال
الشوكاني، وبه قالت المالكية، وهو وجه للشافعية والأول: هو ظاهر كلام
الشافعي، وصححه النووي والرافعي وغيرهما. والثاني أيضًا: وجه للشافعية.
والراجح عندي: هو الثالث، وقد اختاره ابن رشد في ((البداية))، وسيأتي بسط
الكلام في ذلك. (عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) وعند ابن خزيمة: ((على كل باب من أبواب
المسجد ملكان يكتبان الأول فالأول)). قال الحافظ: فكان المراد بقوله: (عَلَى بَابٍ
الْمَسْجِدِ)) هاهنا جنس الباب، ويكون من مقابلة المجموع بالمجموع. قلت: وفي
رواية للشيخين: ((إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد
ملائكة)). وفي أخرى لمسلم: ((عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَكْ يَكْتُبُ))،
وفي رواية للنسائي: ((تَقْعُدُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَّابِ الْمَسْجِدِ))، وكذا في حديث أبي
أمامة عند أحمد والطبراني، وحديث علي وأبي سعيد عند أحمد.
(يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ) قال الطيبي: أي: الداخل الأول. والفاء فيه و(ثُمَّ) في
قوله: (ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً) كلتاهما لترتيب النزول من الأعلى إلى الأدنى، لكن
(١٣٩٦) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البخاري (٩٢٩٩)، ومُسْلِم (٢٤/ ٨٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا .
٥٤١
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
في الثانية تراخ ليس في الأولى، انتهى. قال القسطلاني: قال في ((المصابيح)) : -
نصب أي: ((الأَوَّلَ)) على الحال، وجاءت معرفة، وهو قليل. (وَمَثَلُ الْمُهَجِّرٍ) بضم
الميم وتشديد الجيم المكسورة، اسم فاعل من التهجير أي: صفة المبكر إلى
الجمعة. فالمراد بالتهجير التبكير أي: المبادرة إلى الجمعة بعد الصبح. وقيل:
المراد الذي يأتي في الهاجرة أي: عند شدة الحر قرب نصف النهار، فيكون دليلًا
للمالكية في قولهم: إن الساعات من حين الزوال، وإن الذهاب إلى الجمعة بعد
الزوال لا قبله؛ لأن التهجير هو السير في الهاجرة أي: نصف النهار.
قال الحافظ: وأجيب: بأن المراد بالتهجير هنا: التبكير كما تقدم نقله عن
الخليل في المواقيت. وقال القرطبي: الحق أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو
السير في وقت الحر، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حجة فيه لمالك. وقال
التوربشتي: من ذهب في معناه إلى التبكير، فإنه أصاب وسلك طريقًا حسنًا من
طريق الاتساع، وذلك أنه جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار، ويأخذ الحر في
الازدياد من الهاجرة تغليبًا، بخلاف ما بعد الزوال، فإن الحر يأخذ في الانحطاط،
وهذا كما يسمى النصف الأول من النهار غدوة، والآخر عشية. ومما يدل على
استعمالهم التهجير في أول النهار ما أنشد ابن الأعرابي في ((نوادره)) لبعض
العرب: يهجرون تهجير الفجر.
(كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي) بضم أوله وكسر ثالثه أي: يقرب. (بَدَنَةً) بفتحتين أي:
بعيرًا ذكرًا كان أو أنثى. والتاء للوحدة لا للتأنيث، وهو خبر عن قوله: (مَثَلُ
الْمُهَجِّرِ)، والكاف لتشبيه صفة بصفة. والمعنى صفة المبكر إلى الجمعة مثل صفة
الذي يتصدق بإبل متقربًا إلى الله تعالى. وقيل: المراد كالذي يهديها إلى مكة،
ولا يناسبه الدجاجة والبيضة. قال الطيبي: سميت بدنة؛ لعظم بدنها، وهي الإبل
خاصة، وفي اختصاص ذكر الهدي، وهو مختص بما يهدى إلى الكعبة، إدماج
لمعنى التعظيم في إنشاء الجمعات، وأن المبادر إليها كمن ساق الهدي، وأنه بمثابة
الحضور في عرفات. (ثُمَّ) الثاني (كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً) ذكرًا أو أنثى. والتاء للوحدة
لا للتأنيث. وفيه: دليل على أن البدنة لا تشمل البقرة لتقابلها بها وإليه ذهب
الشافعي، وقال أبو حنيفة: البدنة تطلق على البقر أيضًا، وإنما أريد هنا البعير خاصة
لقرينة المقابلة، وهذا لا ينفي عموم الإطلاق. (ثُمَّ) الثالث كالذي يهدي.
٥٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(كَبْشًا) بفتح الكاف وسكون الموحدة، وهو الفحل الذي يناطح، قاله في
((المجمع)). وقال في ((القاموس)): الكبش الحمل إذا أثنى، أو إذا خرجت رباعيته.
وفي ذكر الكبش، وهو الذكر، إشارة إلى أنه أفضل من الأنثى. وفي رواية: ((كَبْشًا
أَقْرَنْ)). قال النووي: وصفه به؛ لأنه أكمل وأحسن صورة؛ ولأن قرنه ينتفع به.
وفي رواية النسائي: ((ثُمَّ كَالْمُهْدِي شَاةً))، واستدل بالترتيب المذكور على أن
التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر، والتقرب بالبقر أفضل من التقرب بالشاة،
وهو متفق عليه في الهدي، مختلف فيه في الأضحية، والجمهور على أنها كذلك.
وقال مالك: الأفضل في الضحايا الغنم، ثم البقر، ثم الإبل. ثم إنه وقع في رواية
النسائي زيادة: ((البطة)) بين الشاة والدجاجة، وهي زيادة شاذة، كما صرح به
النووي في ((الخلاصة)). (ثُمَّ) الرابع كالذي يهدي.
(دَجَاجَةً) بفتح الدال في الأفصح ويجوز الكسر والضم، ودخلت الهاء فيها؛
لأنه واحد من جنس مثل حمامة وبطة ونحوهما، ووقع في رواية أخرى للنسائي
زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة، وهي العصفور وهي أيضًا زيادة شاذة. (ثُمَّ)
الخامس كالذي يهدي. (بَيْضَةً) هي واحدة من البيض، والجمع بيوض، وجاء في
الشعر بيضات، وإنما قدرنا الثاني، لأنه - كما قال في ((المصابيح)) - لا يصح
العطف على الخبر؛ لئلا يقعا معًا خبرًا عن واحد، وهو مستحيل، وحينئذٍ فهو خبر
مبتدأ محذوف مقدر بما مر. وكذا قوله: (ثُمَّ كَبْشًا) لا يكون معطوفًا على بقرة؛
لأن المعنى يأباه، بل هو معمول فعل محذوف دل عليه المتقدم. والتقدير - كما مر
- ثم الثالث كالذي يهدي كبشًا وكذا ما بعده، واستشكل ذكر الدجاجة والبيضة؛
لأن الهدي لا يكون منهما. وأجيب: بأنه من باب المشاكلة أي: من تسمية الشيء
باسم قرينه. والمراد بالإهداء هنا: التصدق، كما دل عليه لفظ: ((قَرَّبَ)) في رواية
أخرى وهو يجوز بهما.
(فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ) أي: من الصف إلى المنبر، يعني: ظهر بطلوعه على المنبر.
(طَوَوْا) أي: الملائكة (صُحُفَهُمْ) التي كتبوا فيها درجات السابقين على من يليهم
في الفضيلة، قال الحافظ: وقع في حديث ابن عمر صفة الصحف المذكورة،
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) مرفوعًا بلفظ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بَعَثَ اللهُ مَلَائِكَةً
٥٤٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
بِصُحُفٍ مِنْ نُورٍ، وَأَقْلَامٍ مِنْ نُورٍ ... )) الحديث. وهو دال على أن الملائكة
المذكورين غير الحفظة،ً وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة خاصة. والمراد بطي
الصحف: طي صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلى الجمعة دون غيرها من
سماع الخطبة. وإدراك الصلاة، والذكر، والدعاء، والخشوع ونحو ذلك، فإنه
يكتبه الحافظان قطعًا. ووقع في آخر الحديث عند ابن ماجه فمن جاء بعد ذلك،
فإنما يجيء لحق الصلاة، يعني: فله أجر الصلاة، وليس له شيء من الزيادة في
الأجر. فإن قلت: وقع في رواية للشيخين: ((فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ))، فما
الفرق بين الروايتين؟ قلت: بخروج الإمام يحضرون إلى المنبر من غير طي، فإذا
جلس الإمام على المنبر طووها. ويقال: ابتداء طيهم الصحف عند ابتداء خروج
الإِمام، وانتهاؤه بجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم للذكر.
(وَيَسْتَمِعُونَ) أي: الملائكة. (الذِّكْرَ) أي: الخطبة. قال العيني والحافظ:
المراد بالذكر ما في الخطبة من المواعظ وغيرها، انتهى. وأتى بصيغة المضارع
لاستحضار صورة الحال اعتناء بهذه المرتبة، وحملًا على الاقتداء بالملائكة. قال
التيمي: في استماع الملائكة حض على استماعها، والإنصات إليها وفي الحديث
فوائد كثيرة لا تخفي على المتأمل. وقد رواه أيضًا الشيخان بلفظ: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَّةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا
قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنْ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ
الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا
خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)). قال الحافظ: في هذا الحديث
الحض على الاغتسال يوم الجمعة، وفضله وفضل التبكير إليها، وأن الفضل
المذكور إنما يحصل لمن جمعهما، وعليه ما أطلق في باقي الروايات من ترتب
الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل. وفيه: أن مراتب الناس في الفضل
بحسب أعمالهم. وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع. واعلم: أنه
اختلف العلماء في الساعات المذكورة في هذه الرواية، ما المراد منها؟ واختلفوا
أيضًا في أن ابتداء هذه الساعات من حين الزوال أو من قبله.
فقال مالك والقاضي حسين وإمام الحرمين من الشافعية: المراد بالساعات
الخمس: لحظات خفيفة لطيفة أولها زوال الشمس، وآخرها قعود الخطيب على
٥٤٤
see
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المنبر، فالساعات الخمس المذكورة كلها في ساعة واحدة أي: هي أجزاء من
الساعة السادسة الزمانية بعد الزوال، ولم ير هؤلاء التبكير إلى الجمعة قبل الزوال
لا من طلوع الفجر، ولا من طلوع الشمس، ولا من ارتفاع النهار. واختار هذا
القول الشاه ولي الله في ((المسوي)). ومال إليه الشوكاني في ((النيل)). واستدل لهم
بوجوه منها: لفظ ((الرواح)) في الرواية المتقدمة، فإنه يدل على أن أول الذهاب إلى
الجمعة من الزوال؛ لأن حقيقة الرواح من الزوال إلى آخر النهار، والغدو من أوله
إلى الزوال. قال المازري: تمسك مالك بحقيقة الرواح، وتجوز في الساعة،
وعكس غيره. وأجيب: بأن الرواح - كما قاله الأزهري - يطلق لغة على الذهاب
سواء كان أول النهار أو آخره، أو في الليل.
قال الأزهري: وهي لغة أهل الحجاز. ونقل أبوعبيد في ((الغريبين)) نحوه. ثم إنه
لم يقع التعبير بالرواح - كما قال الحافظ - إلا في رواية مالك عن سمي، ورواه ابن
جريج عن سمي بلفظ: ((غَدَ))، ورواه أبو سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ((الْمُتَعَجِّلُ إِلَى
الْجُمُعَةِ)) صححه ابن خزيمة، وفي حديث سمرة عند ابن ماجه: ضرب رسول الله
مثل الجمعة في التبكير كناحر البدنة ... إلخ. وفي حديث علي عند أبي داود:
((إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ غَدَتِ الشَّيَاطِينُ بِرَاياتِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ، وَتَغْدُو الْمَلَائِكَةُ فَتَجْلِسُ
عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَتَكْتُبُ الرَّجُلَ مِنْ سَاعَة .. )) الحديث. فدل مجموع هذه
الأحاديث على أن المراد بالرواح الذهاب.
وقيل: النكتة في التعبير بالرواح الإشارة إلى أن الفعل المقصود، إنما يكون بعد
الزوال، فيسمى الذاهب إلى الجمعة رائحًا، وإن لم يجيء وقت الرواح، كما سمي
القاصد إلى مكة حاجًا. ومنها لفظ المهجر، فإنه مشتق من التهجير، وهو السير في
وقت الهاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، تقول: منه هجر النهار، وقد
ذكر المراتب الباقية بلفظ: (ثُمَّ) من غير ذكر الساعات. وقد تقدم الجواب عن
هذا. ومنها: أن الساعة في اللغة: الجزء من الزمان، وحملها - كما ذهب إليه
الجمهور - على الزمانية التي يقسم النهار فيها إلى اثني عشر جزءًا يبعد إحالة الشرع
عليه؛ لاحتياجه إلى حساب، ومراجعة آلات تدل عليه. وأجيب: بأن الساعة قد
تطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءًا هي مجموع اليوم والليلة. ويدل على
٥٤٥
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
كِتَابُ الصَّلاةِ
اعتبارها في عرف الشرع ما روى أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم من حديث
جابر مرفوعًا: ((يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَا عَشْرَةَ سَاعَةً))، وهذا وإن لم يرد في حديث
التبكير، فيستأنس به في المراد بالساعات. ومنها: أن الساعة لو طلعت للزم تساوي
الآتين فيها، والأدلة تقتضي رجحان السابق بخلاف ما إذا قيل: إنها لحظة خفيفة
لطيفة .
وأجيب: بأن التساوي وقع مسمى البدنة، والتفاوت صفاتها يعني: أن بدنة
الأول مثلًا أكمل من بدنة الأخير، وبدنة المتوسط متوسطة، فمراتبهم متفاوتة،
وإن اشتركوا في البدنة مثلًا. ومنها: عمل أهل المدينة، فإنهم لم يكونوا يأتون من
أول النهار، وأيضًا لم يعرف أن أحدًا من الصحابة كان يأتي المسجد لصلاة الجمعة
عند طلوع الشمس وصفائها، ولا يمكن حمل حالهم على ترك هذه الفضيلة
العظيمة. وهذا يدل على أن المراد من الساعات لحظات خفيفة بعد الزوال، لا
الساعات الزمانية المعروفة عند أهل الفلك وعلم الميقات، وأجيب: بأن عمل أهل
المدينة ليس بحجة، كما تقرر في موضعه، وأيضًا ليس في عمل أهل المدينة هذا
إلا ترك الرواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون
اشتغال الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشه وغير ذلك من أمور دينه ودنياه
أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار، وترك أهل المدينة وغيرهم ذلك لا
يدل على أنه مكروه. وقال القاري: وقد كان السلف يمشون على السرج يوم
الجمعة إلى الجامع. وفي ((الإحياء)): وأول بدعة حدثت في الإسلام ترك التبكير
إلى المساجد، انتهى.
وقد أنكر عمر على عثمان ترك التبكير بمحضر من الصحابة وكبار التابعين من
أهل المدينة. وهذا يرد على من ادعى إجماع أهل المدينة على ترك التبكير. ومنها:
أن حملها على الساعات الفلكية يستلزم صحة صلاة الجمعة قبل الزوال؛ لأن
تقسيم الساعات إلى خمس، ثم تعقيبها بخروج الإمام وخروجه عند أول الزوال
يقتضي أنه يخرج في أول الساعة السادسة، وهي قبل الزوال.
وقد أجاب عنه الحافظ: بأنه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من
أول النهار، فلعل الساعة الأولى منه جعلت للتأهب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ
٥٤٦
ees
e ME
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المجيء من أول الثانية، فهي أولى بالنسبة إلى المجيء ثانية بالنسبة للنهار، وعلى
هذا فآخر الخامسة أول الزوال. وإلى هذا أشار الصيدلاني شارح المختصر حيث
قال: إن أول التبكير يكون من ارتفاع النهار، وهو أول الضحى، وهو أول الهاجرة.
ويؤيده الحث على التهجير إلى الجمعة. وحمل الجمهور الساعات المذكورة في
الحديث على الساعات الزمانية. كما في سائر الأيام. وقد تقدم حديث جابر
مرفوعًا: ((يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَا عَشْرَةَ سَاعَةً))، والمراد بها: الساعات الآفاقية التي لا
يختلف عددها بطول النهار وقصره، فالنهار اثنتا عشرة ساعة، لكن يزيد كل منها
وينقص، والليل كذلك. ثم اختلفوا، فقالت طائفة منهم: ابتداء هذه الساعات من
طلوع الشمس، والأفضل عندهم التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة، وهو قول
الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد.
قال الماوردي: إنه الأصح ليكون قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب.
وقال الروياني: إن ظاهر كلام الشافعي أن التبكير يكون من طلوع الفجر، وصححه
الروياني، وكذلك صاحب ((المهذب)) قبله، ثم الرافعي والنووي. وحكى
الصيدلاني أن أول التبكير من ارتفاع النهار، وهو أول الضحى، وهو أول الهاجرة.
قلت: وهذا القول هو الراجح عندي، وبه تجتمع الأحاديث، وبه يرتفع الإشكال
الذي يرد على مذهب مالك. وسيأتي ذكره في كلام النووي. ويؤيد هذا القول
الحث على التهجير إلى الجمعة، فقد تقدم في كلام القرطبي إن التهجير هنا من
الهاجرة، وهو السير في وقت الحر، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، انتهى.
ومن المعلوم أن اشتداد الحر يكون من ربع النهار غالبًا، فمن راح إلى الجمعة في
هذا الوقت - أي: عند ارتفاع النهار يعني في أول الضحى وأول الهاجرة - صدق
عليه الألفاظ الواردة في الأحاديث التي أشرنا إليها، وهي المتعجل والتبكير والغدو
والرواح والتهجير.
قال النووي: إن النبي ◌َّ أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى،
وهو كالمهدي بدنة، ثم من جاء في الساعة الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم
الخامسة، فإذا خرج الإمام طووا الصحف، ولم يكتبوا بعد ذلك أحدًا. ومعلوم أن
النبي ◌ٍَّ﴾ كان يخرج إلى الجمعة متصلًا بعد الزوال، فدل على أنه لا شيء من
٥٤٧
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الهدي والفضيلة لمن جاء بعد الزوال، وكذا ذكر الساعات إنما كان للحث على
التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل الصف الأول، وانتظارها
بالاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه. وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال، ولا
فضيلة لمن أتى بعد الزوال؛ لأن النداء يكون حينئذٍ، ويحرم التخلف بعد النداء،
انتھی .
هذا وقد بسط ابن القيم الكلام على ذلك في الهدي (ج١ ص١١٠ - ١١٢)
ورجح قول من قال: إن ابتداء الساعات من أول النهار. من شاء البسط رجع إليه .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب الاستماع إلى الخطبة من كتاب الجمعة.
وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم.
١٣٩٧ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ)).
[متفق عليه]
الشّرُْ
١٣٩٧ - قوله: (إِذَا قُلْتَ) بلفظ الخطاب. (لِصَاحِبِكَ) الذي تخاطبه إذ ذاك أو
جليسك. وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب. (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) فيه دلالة على أن
الخطبة غير الجمعة ليست مثلها ينهى عن الكلام حالها. قال الحافظ: قوله: ((يَوْمَ
الْجُمُعَةِ)) مفهومه أن غير يوم الجمعة بخلاف ذلك، وفيه بحث، انتهى. (أَنْصِتْ)
أي: أسكت عن الكلام مطلقًا واستمع للخطبة. وقال ابن خزيمة: المراد
بالإنصات السكوت عن مكالمة الناس دون ذكر الله. قال الحافظ: وتعقب: بأنه
يلزم منه جواز القراءة والذكر حال الخطبة، فالظاهر أن المراد السكوت مطلقًا،
ومن فرق احتاج إلى دليل. ولا يلزم من تجويز التحية لدليلها الخاص جواز الذكر
مطلقًا. (وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) جملة حالية مشعرة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في
الخطبة. ففيه دليل على أنه يختص النهي بحال الخطبة، ورد على من جعل وجوب
(١٣٩٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٩٤)، ومُسْلِم (١١ / ٨٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا .
٥٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإنصات، والنهي عن الكلام من حال خروج الإمام، نعم، الأولى والأحسن
الإنصات.
(فَقَدْ لَغَوْتَ) أي: ومن لغا فلا أجر له، فإذا كان هذا القدر مبطلًا للأجر مع أنه
أمر بالمعروف، فكيف ما فوقه، واختلفوا في معنى قوله: ((لَغَوْتَ)) فقال الأخفش:
اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه. وقال ابن عرفة: اللغو: السقط من
القول. وقيل: الميل عن الصواب. وقيل: اللغو: الإِثم؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ
بِاَللَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وقال الباجي: اللغو: رديء الكلام وما لا خير فيه.
وقال المجد: اللغو واللغى كالفتي: السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره. وقال
الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام.
وقال النضر بن شميل: معنى لغوت: خبت من الأجر. وقيل: بطلت فضيلة
جمعتك. وقيل: صارت جمعتك ظهرًا.
قال الحافظ: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى. ويشهد للقول الأخير ما رواه
أبو داود وابن خزيمة والبيهقي (ج٣: ص٢٣١) من حديث عبد الله بن عمرو
مرفوعًا: ((وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا))، قال ابن وهب أحد رواته :
أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة. ولأحمد من حديث علي مرفوعًا: ((مَنْ
قَالَ: صَدْ فَقَدْ تَكَلَّمَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا جُمُعَةً لَهُ))، ولأبي داود نحوه. ولأحمد والبزار
من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطَبُ، فَهُوَ كَالْحِمَارِ
يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ))، وله شاهد قوي في جامع
حماد بن سلمة عن ابن عمر موقوفًا. قال العلماء: معناه: لا جمعة له كاملة؛
للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه، انتهى.
واستدل بالحديث على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة؛ لأنه إذا جعل
قوله: ((أَنْصَتَ)) مع كونه أمرًا بمعروف لغوًّا، فغيره من الكلام أولى أن يسمى
لغوًّا، ويؤيده حديثا علي وابن عباس المتقدمان في كلام الحافظ لإطلاق الكلام
فيهما، وعدم الفرق بين ما لا فائدة فيه وغيره. والمسألة مختلف فيها عند الأئمة؛
فقال الشافعية: يكره الكلام حال الخطبة من ابتدائها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ
اُلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقد ذكر كثير من المفسرين أنه نزل في
٥٤٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
PHONeS NE
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
الخطبة، وسميت قرآنًا؛ لاشتمالها عليه، ولحديث أبي هريرة الذي نحن بصدد
شرحه. ولا يحرم؛ للأحاديث الدالة على ذلك كحديث أنس المروي في
((الصحيحين)) في قصة السائل في الاستسقاء، وكحديث أنس أيضًا المروي بسند
صحيح عند البيهقي في قصة السائل عن وقت الساعة. وجه الدلالة: أنه لم ينكر
عليهما الكلام، ولم يبين لهما وجه السكوت، والأمر في الآية للندب، ومعنى
(لَغَوْتَ)): تركت الأدب؛ جمعًا بين الأدلة. قال العيني: وفي ((التوضيح)) والجديد
الصحيح من مذهب الشافعي، أنه لا يحرم الكلام، ويسن الإنصات، وبه قال
الثوري وداود. والقديم أنه يحرم، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد،
انتھی .
وقال الحافظ: للشافعي في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب
على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ فعلى الأول يحرم لا على
الثاني، والثاني هو الأصح. فَمِنْ ثَمَّ أطلق من أطلق إباحة الكلام. وعن أحمد أيضًا
روايتان. واختلفوا فيمن كان به صمم أو بعد عن الإمام بحيث لا يسمع، فقال
المالكية: يحرم الكلام عليه أيضًا لعموم وجوب الإنصات، وعن أحمد والشافعي
التفرقة بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها، قال العيني: نقل ابن بطال: أن أكثر
العلماء أن الإنصات واجب على من سمعها ومن لم يسمعها، وأنه قول مالك،
وكان عروة لا يرى بأسًا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة. وقال أحمد: لا بأس أن
يذكر الله ويقرأ من لم يسمع الخطبة. قال العيني: واختلف المتأخرون - أي: من
الحنفية - فيمن كان بعيد لا يسمع الخطبة، فقال محمد بن سلمة: المختار
السكوت، وهو الأفضل. وقال نصر بن يحيى: يسبح ويقرأ القرآن، وهو قول
الشافعي. وأجمعوا أنه لا يتكلم. وقيل: الاشتغال بالذكر وقراءة القرآن أفضل من
السكوت، انتھی.
قال الحافظ: ويدل على الوجوب في حق السامع أن في حديث علي المشار
إليه: ((وَمَنْ دَنَا فَلَمْ يَنْصُتْ كَانَ عَلَيْهِ كِفْلَانِ مِنَ الْوِزْرِ))، ولأن الوزر لا يترتب على
من فعل مباحًا ولو كان مكروها كراهة تنزيه. وأما ما استدل به من أجاز مطلقًا من
قصة السائل في الاستسقاء ونحوه ففيه نظر؛ لأنه استدل بالأخص على الأعم،
فيمكن أن يخص عموم الأمر بالإنصات بمثل ذلك كأمر عارض في مصلحة عامة،
٥٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كما خص بعضهم منه رد السلام بوجوبه. ونقل صاحب ((المغني)) الاتفاق على أن
الكلام الذي يجوز في الصلاة يجوز في الخطبة كتحذير الضرير من البئر. وعبارة
الشافعي: وإذا خاف على أحد لم أر بأسًا إذا لم يفهم عنه بالإشارة أن يتكلم،
انتھی .
وأجيب أيضًا عن حديث أنس في قصة الاستسقاء وما في معناه: بأنه غير محل
النزاع؛ لأن محل النزاع الإنصات والإمام يخطب. وأما سؤال الإمام وجوابه،
فهو قاطع لكلامه، فيخرج عن ذلك. واختلف في رد السلام، وتشميت العاطس،
وتحميد العاطس، فرخص فيه أحمد والشافعي وإسحاق. قال الشافعي في ((الأم)):
ولو سلم رجل على رجل يوم الجمعة كرهت ذلك له، ورأيت أن يرد عليه بعضهم؛
لأن رد السلام فرض، وقال أيضًا: ولو عطس رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت
أن يسعه؛ لأن التشميت سنة، انتهى.
وقال ابن الهمام: يكره تشميت العاطس ورد السلام، وهل يحمد إذا عطس؟
الصحيح: نعم في نفسه، وذكر العيني عن أبي حنيفة: إذا سلم عليه يرده بقلبه،
وعن أبي يوسف: يرد السلام، ويشمت العاطس فيها، وعن محمد: يرد ويشمت
بعد الخطبة ويصلي على النبي رَّ في قلبه، انتهى. وفي ((المدونة)) قال مالك فيمن
عطس والإِمام يخطب. فقال: يحمد الله في نفسه سرًّا، ولا يشمت أحد العاطس،
انتھی .
واختلفوا في وقت الإنصات، فقال أبو حنيفة: خروج الإمام يقطع الصلاة
والكلام جميعًا؛ لما روى الطبراني في ((الكبير)) من حديث ابن عمر رفعه: ((إِذَا
دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ»،
وهو حديث ضعيف فيه أيوب بن نهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة
وأبوحاتم، ذكره الحافظ. وقال الهيثمي: هو متروك ضعفه جماعة. وذكره ابن
حبان في الثقات، وقال: يخطئ. وقال طائفة: لا يجب الإنصات إلا عند ابتداء
الخطبة، ولا بأس بالكلام قبلها، وهو قول مالك والثوري وأبي يوسف ومحمد
والشافعي .
قلت: والراجح عندي في المسائل المذكورة: أن السكوت في حال الخطبة
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
٥٥١
NE
واجب والكلام حرام، هذا فيمن يدنو من الإِمام ويسمع الخطبة. وأما من كان
بعيدًا عنه، ولا يسمع الخطبة، أو كان به صمم، فالسكوت في حقه أحوط، ويجوز
تشميت العاطس ورد السلام سرًّا في النفس، وكذا الحمد عند العطسة، والصلاة
على النبي ◌َّله، ولا يكره الإشارة بالرأس، أو باليد، أو بالعين، لإزالة منكر أو
جواب سائل. ووقت الإنصات هو ابتداء الخطبة والشروع فيها لا خروج الإمام.
هذا ما عندي، والله تعالى أعلم.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه والبيهقي (ج٣: ص٢١٨، ٢١٩) وغيرهم، وفي الباب عن جماعة من
الصحابة ذكرهم العيني (ج٦: ص ٢٤٠).
١٣٩٨ - [٦] وَعَنْ جَابِر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يُخَالِفُ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدُ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرحُ
١٣٩٨ - قوله: (لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) قال الحافظ: هذا لا مفهوم له، بل
ذكر لمزيد التنفير عن ذلك لقبحه؛ لأنه إن فعله من جهة الكبر كان قبيحًا، فإن فعله
من جهة الأشرة كان أقبح. (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) فيه أن النهي المذكور مقيد بيوم الجمعة،
وقد ورد ذلك بلفظ العموم، كما في حديث ابن عمر الآتي في الفصل الثالث من
هذا الباب.
قال الشوكاني: ذكر يوم الجمعة في حديث جابر من باب التنصيص على بعض
أفراد العام، لا من باب التقييد للأحاديث المطلقة، ولا من باب التخصيص
للعمومات، فمن سبق إلى موضع مباح، سواء كان مسجدًا أو غيره في يوم جمعة،
أو غيرها، لصلاة أو لغيرها من الطاعات، فهو أحق به، ويحرم على غيره إقامته
(١٣٩٨) مُسْلِم (٢١٧٨/٢٩) عَنْهُ فِيهَا .
٥٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
e
منه، والقعود فيه، إلا أنه يستثنى من ذلك الموضع الذي قد سبق لغيره فيه حق كأن
يقعد رجل في موضع، ثم يقوم منه لقضاء حاجة من الحاجات، ثم يعود إليه، فإنه
أحق به ممن قعد فيه بعد قيامه؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم مرفوعًا
بلفظ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ))، ولحدیث وهب بن
حذيفة عند أحمد والترمذي رفعه: ((الرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ وَإِنْ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ عَادَ
فَهُوَ أَحَقُّ بِمَجْلِسِهِ)»
قال الشوكاني: وظاهرهما عدم الفرق بين المسجد وغيره. ويجوز له إقامة من
قعد فيه، وقد ذهب إلى ذلك الشافعية.
(ثُمَّ يُخَالِفَ) قال القاري بالرفع، وقيل بالجزم؛ أي: يقصد ويذهب. (إِلَى
مَقْعَدِهِ) أي: إلى موضع قعوده. (فَيَقْعُدَ فِيهِ) قال الزمخشري: خالفني فلان إلى كذا
إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده، ويلقاك الرجل
صادرًا عن الماء، فتسأله عن صاحبه، فيقول لك: خالفني إلى الماء، يريد أنه ذاهب
إليه واردًا، وأنا ذاهب عنه صادرًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ
أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، يعني: أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد
بها دونکم، انتھی.
وقال الطيبي: المخالفة: أن يقيم صاحبه من مقامه فيخالف، فينتهي إلى مقعده
فيقعد فيه. قال تعالى: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. وفيه :
إدماج وزجر للمتكبرين، أي: كيف تقيم أخاك المسلم وهو مثلك في الدين لا مزية
لك عليه. زاد ابن حجر: فيحرم ذلك بغير رضا الجالس رضًا حقيقيًّا لا عن خوف أو
حياء، ذكره القاري.
قال الشوكاني: وظاهر حديث جابر وحديث ابن عمر أنه يجوز للرجل أن يقعد
في مكان غيره، إذا أقعده برضاه، قال: ويكره الإيثار بمحل الفضيلة كالقيام من
الصف الأول إلى الثاني؛ لأن الإيثار وسلوك طرائق الآداب لا يليق أن يكون في
العبادات والفضائل، بل المعهود أنه في حظوظ النفس وأمور الدنيا، فمن آثر
بحظه في أمر من أمور الآخرة فهو من الزاهدين في الثواب، انتهى.
وقال ابن حجر: الإيثار بالقرب بلا عذر مكروه، وأما قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
٥٥٣
أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] فالمراد به: الإيثار في حظوظ النفس، كما بينه قوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، انتهى.
(وَلَكِنْ يَقُولُ) أي: أحدكم للقاعدين. (افْسَحُوا) أي: وسعوا في المجلس.
وفي حديث ابن عمر: ((تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا))، يقال: فَسَحَ له في المجلس أي: وسَّعَ
له وتفَسَّحُوا في المجلس، وتفاسَحُوا أي: توسَّعُوا، فإن زاد: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
كما أشارت إليه آيته فلا بأس، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
قِيلَ لَكُمْ نَفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِسِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] لكن هذا إن كان المحل
قابلا للتوسع، وإلا فلا يضيق على أحد، بل يصلي ولو على باب المسجد.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في كتاب الأدب والاستئذان، وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي
(ج ٣ ص ٣٣٣)
قال القاري: وجه مناسبته للترجمة أنه متضمن للحث على التبكير؛ لئلا يقع فيما
يجب عنه التحذير من قيام أخيه المسلم.
٥٥٤
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
الفصل الثاني
١٣٩٩، ١٤٠٠ - [٧، ٨] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَّبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ
طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ
اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْتَهَا
وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٣٩٩، ١٤٠٠ - قوله: (وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ) قال الطيبي: يريد
الثياب البيض، انتهى. يعني: أفضلها من حيث اللون البيض للخبر الصحيح:
(الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ))، وفي رواية
صحيحة: ((فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ))، وفيه: مشروعية اللبس من أحسن الثياب،
واستحباب التجمل والزينة يوم الجمعة الذي هو عيد للمسلمين، ولا خلاف في
ذلك. (وَمَسَّ مِنَ الطَّيبِ إِنْ كَانَ) أي: الطيب. (عِنْدَهُ) أي: إن تيسر له تحصيله بأن
يكون في بيته، أو عند امرأته. وفيه: مشروعية التطيب يوم الجمعة، ولا خلاف في
استحباب ذلك. وروي عن أبي هريرة بإسناد صحيح، كما قال الحافظ في
((الفتح)): ((إنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة))، وبه قال بعض أهل الظاهر.
(فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ) أي: لم يتجاوز رقاب الناس ولم يؤذهم، وهو كناية
عن التبكير، أي: عليه أن يبكر فلا يتخطى رقاب الناس. وفيه: كراهية تخطي
الرقاب. قال الشافعي: أكره التخطي إلا لمن لا يجد السبيل إلى المصلى إلا
بذلك، انتهى. قال الحافظ: وهذا يدخل فيه الإمام، ومن يريد وصل الصف
المنقطع إن أبى السابق من ذلك، ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذي قام منه
(١٣٩٩)، (١٤٠٠) أَبُو دَاوُد (٣٤٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٥٥٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
لضرورة. وكان مالك يقول: لا يكره التخطي إلا إذا كان الإمام على المنبر. قال
الشوكاني: ولا دليل على ذلك، ويأتي بقية الكلام على ذلك في شرح حديث معاذ
ابن أنس الآتي.
(ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ) فيه أنه ليس قبل الجمعة سنة مخصوصة مؤكدة كالسنة
بعد الجمعة، فالمصلي إذا دخل المسجد يوم الجمعة فله أن يصلي ما شاء متنفلاً .
وأما ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس قال: ((كان النبي ◌َّهِ يركع قبل الجمعة أربعًا لا
يفصل في شيء منهن))، ففي إسناده بقية ومبشر بن عبيد والحجاج بن أرطاة وعطية
العوفي، وكلهم متكلم فيه. كذا في ((عون المعبود)).
(ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ) أي: ظهر بطلوعه على المنبر، استدل به الحنفية على
أن وقت الإنصات خروج الإمام، وأجيب عنه: بأنه محمول على الأولوية؛
لحديث أبي هريرة المتقدم، وهو خامس أحاديث الفصل الأول، ولحديث ابن
عباس الآتي في الفصل الثالث، ولحديث أبي الدرداء مرفوعًا: ((إِذَا سَمِعْتَ إِمَامَكَ
يَتَكَلَّمُ فَأَنْصِتْ حَتَّى يَفْرُغَ))، أخرجه أحمد والطبراني في ((الكبير))، ورجال أحمد
موثقون. قاله الهيثمي. (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ) قال ابن حجر: كان حكمة ذكره
طلب الإنصات بين الخطبة والصلاة، وإن کانت کراهة الكلام عندنا وحر مته عند
غيرنا تنتهي بفراغ الخطبة، انتهى.
قلت: اختلفوا في الكلام بعد فراغ الخطيب من الخطبة، وقبل: الشروع في
الصلاة؛ فذهب أبو حنيفة إلى الكراهة، ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف
ومحمد: إلى أنه لا بأس بذلك، ورجح ابن العربي السكوت حيث قال: وأما
التكلم يوم الجمعة بين النزول من المنبر والصلاة، فقد جاءت فيه الروايتان،
والأصح عندي: أن لا يتكلم بعد الخطبة. قال الشوكاني: ومما يرجح ترك الكلام
بين الخطبة والصلاة الأحاديث الواردة في الإنصات، حتى تنقضي الصلاة كما عند
النسائي من حديث سلمان بإسناد جيد بلفظ: ((فَيُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَّ صَلَاتَهُ))، وأحمد
بإسناد صحيح من حديث نبيشة بلفظ: ((فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ جُمُعَتَهُ
وَكَلَامَهُ))، ويجمع بين الأحاديث بأن الكلام الجائز بعد الخطبة هو كلام الإمام
ME
٥٥٦
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
لحاجة، أو كلام الرجل للرجل لحاجة، انتهى. (كَانَتْ) أي: هذه الأفعال
بجملتها. (كَفَّارَةً لِمَا بَينَهَا) أي: لما وقع له من الذنوب بين ساعة صلاته هذه.
(وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ) أي: صلاة جمعته. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) في أواخر الطهارة، وزاد قال -
أي: محمد بن سلمة أحد رواة الحديث أو أبو سلمة بن عبد الرحمن راوي الحديث
عن أبي سعيد وأبي هريرة ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول - أي:
أبو هريرة -: إن الحسنة بعشر أمثالها. قال المنذري: وأخرجه مسلم مختصرًا من
حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وأدرج زيادة ((ثلاثة أيام)) في الحديث،
انتهى. وأخرجه أيضًا الحاكم (ص٢٨٣) والبيهقي (ج ٣ص ٢٤٣) قال الحاكم:
صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
١٤٠١ - [٩] وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اِ: (مَنْ
غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ، وَابْتَّكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ
الْإِمَام، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَّةٍ: أَجْرُ صِيَامِهَا،
وَقِيَامِهَا».
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٤٠١ - قوله: (مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاغْتَسَلَ) روي قوله: (غَسَّلَ)) مشددًا
ومخففًا، فالمشدد معناه: جامع امرأته أو أمته قبل خروجه إلى الصلاة؛ ليكون
أملك لنفسه، وأحفظ في طريقه لبصره، من غَسَّل امرأته: إذا جامعها. ومن هذا
قول العرب: فَحْلُ غُسَلَةٌ إذا كان كثير الضراب، وقد فسر بذلك وكيع
وعبد الرحمن بن الأسود وهلال بن يساف، ويؤيده حديث: ((أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ
يُجَامِعَ أَهْلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ جُمُعَةٍ؛ فَإِنَّ لَهُ أَجْرَينِ اثْنَينٍ: أَجْرُ غُسْلِهِ، وَأَجْرُ امْرَأْتِهِ))،
أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أبي هريرة، ذكره السيوطي. وقيل: أراد
غَسَّل غيره أي: حمله على الاغتسال، وأوجب الغسل عليه. وإذا وطىء امرأته،
(١٤٠١) أَبُو دَاوُد (٣٤٥)، والترمذي (٤٩٦)، وابن ماجه (١٠٨٧)، والنَّسَائِي (٣/ ٩٧) عَنْهُ فِيهَا .
٥٥٧
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتّبْكِيرِ
كِتّابُ الصَّلَاةِ
فقد حملها على الاغتسال وأحوجها إليه. وقيل: معناه اغتسل بعد الجماع للجنابة،
ثم اغتسل للجمعة، فكرر لهذا المعنى. وقيل: معناه بالغ في غسل الأعضاء إسباغًا
وتثليثًا .
وقيل: معناه بالغ في غسل الرأس، فالتشديد للمبالغة، كما في قطّع وكسَّر؛
لأن العرب لهم لمم وشعور، وفي غسلها كلفة، فأفرد ذكر غسل الرأس لذلك.
وقيل: هما بمعنى واحد، والتكرار التأكيد. وأما المخفف، وقد قال النووي:
الأرجح عند المحققين التخفيف، فقيل في معناه كالمشدد أي: وطئ صاحبته،
وأصابها من غسل امرأته بالتخفيف والتشديد إذا جامعها، قاله الزمخشري، وحكاه
صاحب ((النهاية)) وغيره أيضًا.
وقيل: معناه غسل الرأس واغتسل أي: فضل سائر الجسد، وأفراد الرأس
بالذكر لما فيه من المؤنة لأجل الشعر، أو لأنهم كانوا يجعلون فيه الخطمي
ونحوه، وكانوا يغسلونه أولًا ثم يغتسلون. ويؤيده ما في رواية لأحمد وأبي داود
من هذا الحديث: ((مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ))، ويؤيده أيضًا ما روى
البخاري وأحمد وابن خزيمة بإسناد صحيح إلى طاوس قال: قلت لابن عباس :
زعموا أن رسول اللّه ◌َّهِ قال: ((اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاغْسِلُوا رُؤُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ
تَكُونُوا جُنُبًا ... )) الحديث. ويؤيده أيضًا ما روى ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا:
((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَاغْتَسَلَ الرَّجُلُ وَغَسَلَ رَأَسَهُ ... )) الحديث. قال المنذري: في
هذا الحديث دليل لمن فسر قوله: (غَسَّلَ) بغسل الرأس.
وقيل: المراد غسل أعضاءه للوضوء، ثم اغتسل للجمعة. وقيل: المراد غسل
ثيابه واغتسل في جسده. وقيل: هما بمعنَّى، والتكرار للتوكيد، والمختار أن
المشدد بمعنى جامع امرأته، أو بمعنى غسَّل أي: أحوجها إلى الغسل، وأوجبه
عليها بالجماع، والمخفف بمعنى غسل رأسه. (وَبَكَّرَ) بالتشديد على المشهور،
وجوز التخفيف أي: راح في أول الوقت. (وَابْتَكَرَ) قيل: معناهما واحد كرره
للتأكيد والمبالغة، وليس المخالفة بين اللفظين لاختلاف المعنيين، وبه جزم ابن
العربي. وقيل: (بَكَّرَ) بمعنى أتى الصلاة في أول وقتها، وكل من أسرع إلى شيء
فقد بكر إليه. (وَابْتَكَرَ) أي: أدرك أول الخطبة وأول كل شيء باكورته، وابتكر
٥٥٨
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
الرجل، إذا أكل باكورة الفاكهة. وقيل: (بَكّرَ) بمعنى تصدق قبل خروجه، قاله
ابن الأنباري، وتأول في ذلك ما روي في الحديث: ((باکروا بالصدقة، فإن البلاء لا
يتخطاها)). والراجح - كما صرح به العراقي - أن ((بَكّر)) بمعنى راح في أول
الوقت، (وَابْتَكَرَ) بمعنى أدرك أول الخطبة.
(وَمَشَى) أي: إلى الجمعة على قدميه. (وَلَمْ يَرْكَبْ) قيل: هما بمعنَّى، جمع
بينهما تأكيدًا ودفعًا؛ لما يتوهم من حمل المشي على مجرد الذهاب ولو راكبًا، أو
حمله على تحقق المشي ولو في بعض الطريق. (وَدَنَا مِنَ الإِمَام) أي: قرب منه.
(وَاسْتَمَعَ) أي: أصغى. وفيه: أنه لا بد من الأمرين جميعًا، فلو استمع وهو بعيد،
أو قرب ولم يستمع، لم يحصل له هذا الأجر. (وَلَمْ يَلْغُ) أي: لم يتكلم؛ فإن
الكلام حال الخطبة لغو، قاله النووي. أو استمع الخطبة ولم يشتغل بغيرها، قاله
الأزهري.
(كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ) بضم المعجمة وتفتح، وبعد ما بين القدمين. قال السندي:
أي: ذهابًا وإيابًا أو ذهابًا فقط، أو بكل خطوة من خطوات ذلك اليوم. (عَمَلُ سَنَةٍ)
أي: ثواب أعمالها. (أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا) بدل من ((عَمَلُ سَنَةٍ)). وقد ورد في
المشي إلى مطلق الصلاة رفع درجة في كل خطوة، وكتابة حسنة، ومحو سيئة.
أما ثبوت أجر عمل سنة، كما في هذا الحديث، فهو من خصائص الجمعة. قال
السندي: والظاهر أن المراد أنه يحصل له أجر من استوعب السنة بالصيام والقيام
لو كان، ولا يتوقف ذلك على أن يتحقق الاستيعاب من أحد. ثم الظاهر أن المراد
في هذا وأمثاله ثبوت أصل أجر الأعمال لا مع المضاعفات المعلومة بالنصوص.
ويحتمل أن يكون مع المضاعفات، وفي الحديث: مشروعية الغسل يوم الجمعة،
ومشروعية التبكير والمشي على الأقدام، والدنو من الإمام والاستماع، وترك
اللغو، وأن الجمع بين هذه الأمور سبب لاستحقاق ذلك الثواب الجزيل.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه. وقال النووي: إسناده جيد. ولم يذكر الترمذي:
(وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ). (وأَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري. (وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ
مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص٨، ٩، ١٠، ١٠٤) والطيالسي والدارمي وابن
سعد في ((الطبقات)) (ج٥ص٣٧٥)، وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))،
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
٥٥٩
والحاكم (ج١ ص٢٨٢) وصححه، والبيهقي (ج٣ص٢٢٧ - ٢٢٩)، ورواه
الطبراني في ((الأوسط)) من حديث ابن عباس، قاله المنذري في ((الترغيب)).
وقال الشوكاني: وقد رواه الطبراني بإسناد قال العراقي: حسن، عن أوس
المذكور، ورواه أحمد في ((مسنده)) (ج٢ ص٢٠٩)، والحاكم (ج١ ص٢٨٢)
والبيهقي (ج٣ص٢٢٧) عنه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ انتهى.
قلت: في سنده عثمان بن خالد الشامي. قال الحاكم: مجهول، ووافقه
الذهبي. وأعل أيضًا البيهقيُّ روايةً عثمان هذه بزيادة عبد الله بن عمرو في الإسناد،
وبالاختلاف في المتن، وقد ردَّ تعليلَ من أعله بذلك العلامةُ الشيخ أحمد شاكر في
((شرحه للمسند)) (ج ١١ ص١٧٦)، والحافظ في ((لسان الميزان)) (ج٤ ص١٥٩)،
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢ ص١٧١)، والمنذري في ((الترغيب))،
وقالا : رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
١٤٠٢ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَا
عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَومِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَي مَهْتَتِهِ).
[صحيح، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
G O
الشَّرْحُ
١٤٠٢- قوله: (مَا عَلَى أَحَدِكُمْ) «ما)) نافية أي: لیس علی أحدكم حرج من
حيث الدنيا، يريد الترغيب فيه بأنه شيء ليس فيه حرج وتكليف على فاعله، وهو
خير إذ لا يفوته الإنسان.
وقال الزرقاني: استفهام يتضمن التنبيه والتوبيخ، يقال لمن قصر في شيء أو
غفل عنه: ما عليه لو فعل كذا، أي: ما يلحقه من ضرر أو عار أو نحو ذلك،
انتھی .
(١٤٠٢) ابن مَاجَهْ (١٠٩٥) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ فِيهَا. وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد (١٠٧٨) مِنْ رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ
عَبْدِ الله بْنِ سَلامٍ.