النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠٠
*
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ)؛ لأن المؤمنين يشهدونه أي: يحضرونه ويجتمعون
فيه. (وَالشَّاهِدُ یَوْمُ الْجُمُعَةِ)؛ لأنه یشهد لمن حضر صلاته، أو لأنه يشهد على كل
عامل بما عمل فيه. قال في ((اللمعات)): إنما سمي يوم عرفة مشهودًا، ويوم
الجمعة شاهدًا؛ لأن الخلائق يذهبون إلى عرفة ويشهدون فيها فكان مشهودًا، وفي
يوم الجمعة هم على مكانهم، فكأن اليوم جاءهم وحضر فكان شاهدًا. واعلم: أنه
وقع الإجماع على أن المراد باليوم الموعود المذكور في سورة البروج، هو يوم
القيامة، واختلفوا في تفسير الشاهد والمشهود على أقوال.
والراجح: ما ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم: أن
الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، لحديث الباب، وهو وإن كان ضعيفًا
فله شاهد من حديث أبي مالك الأشعري عند ابن جرير والطبراني وابن مردويه،
وفيه: إسماعيل بن عياش، روى عن ضمضم بن زرعة الحمصي، وإسماعيل
صدوق في روايته عن أهل بلده، ومن حديث جبير بن مطعم عند ابن عساكر وابن
مردویه، ومن مرسل سعيد بن المسيب عند سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن
جرير وابن مردويه. (وَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ) في الثاني زيادة تأكيد للأول.
(عَلَى يَوْم) أي: في يوم أو على موجود يوم وساكنه. (أَفْضَلَ مِنْهُ) أي: من يوم
الجمعة.َ (عَبْدٌ مُؤْمِنٌ) قال القاري: من باب التفنن في العبارة فبالحديثين علم أن
المؤمن والمسلم واحد في الشريعة، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[الذاريات: ٣٥، ٣٦]، (يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرِ) فيه تفسير
(٢٥) فَا وَحَدْنَا فِيهَا غَيّرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
لقوله: ((يُصَلَّي)) مع زيادة التقييد بالخير.
(إِلَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ) أي: بنوع من الإجابة. (وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَيْءٍ) أي: من شر
نفس، أو شيطان، أو إنسان، أو معصية، أو بلية، أو عار، أو نار. (إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ)
أي: أجاره بنوع من الإعاذة.
والحديث من أدلة فضل يوم الجمعة. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ ص٢٩٨) مقتصرًا على
تفسير الآية موقوفًا من طريق يونس بن عبيد عن عمار مولى بني هاشم عن
أبي هريرة من قوله، ومرفوعًا من طريق ابن جدعان عن عمار عن أبي هريرة،
وكذا أخرجه البيهقي (ج ٣ص ١٧٠). قال ابن كثير: والموقوف أشبه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الجُمعَةِ
٥٠١
(والتِّرْ مِذِيُّ) في التفسير من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد عن
عبد الله بن رافع عن أبي هريرة، أخرجه أيضًا من هذا الطريق ابن أبي حاتم وابن
خزيمة .
(وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ) وفي نسخ الترمذي الحاضرة عندنا: هذا
حديث لا نعرفه. (إِلَّا مِنْ حَدِيثٍ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ) بضم العين المهملة وفتح
الموحدة. (وَهُوَ يُضَعَّفُ) بصيغة المجهول، أي: في الحديث.
قال الترمذي: ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه، انتهى. قلت:
ضعفه أيضًا أحمد وابن معين والنسائي وابن المديني وابن حبان وغيرهم. وقال
الساجي وأبوحاتم: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: ليس بقوي الأحاديث، وقال
ابن سعد: کان ثقة کثیر الحدیث ولیس بحجة. وقال و کیع: کان ثقة وقد حدث عن
عبد الله بن دينار أحاديث لم يتابع عليها. وقال أبوبكر البزار: موسى بن عبيدة
رجل مفيد، وليس بالحافظ، إنما قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة.
وقال الآجري عن أبي داود: أحاديثه مستوية إلا عن عبد الله بن دينار. وقال ابن
معین: ليس بالکذوب، ولکنه روی عن ابن دينار أحاديث مناكير، كذا في (تهذيب
التهذيب)) .
والظاهر: أن موسى هذا ضعيف من قبل حفظه لا سيما في عبد الله بن دينار ومع
ذلك فهو صدوق، وقد تأيد حديثه هذا بحديث أبي مالك الأشعري وجبير بن مطعم
ومرسل ابن المسيب، وبالأحاديث التي رويت في فضل الجمعة، وساعة الإجابة.
٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الفصل الثالث
١٣٧٣ - [١٠] عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّامِ، وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وهُوِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ
الأَضْحَى وِيَوْم الْفِطْرِ، فِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ: خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ، وَأَهْبَطَ اللَّهُ فِيهِ
آدَمَ إِلَى الْأَرْضَ، وَفِيهِ تَوَفَّى اللَّهُ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ الْعَبْدُ فِيهَا شَيْئًا، إِلَّا
أَعْطَاهُ مَا لَمْ يَسَّأَلَّ حَرَامًا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا مِنْ مَلَكِ مُقَرَّبٍ، وَلَا سَمَاءٍ،
وَلَا أَرْضٍ، وَلَا رِيَاحِ، وَلَا جِبَالٍ، وَلَا بَحْرٍ إِلَّا هُوَمُشْفِقٌّ مِنْ يَوَّمِ الْجُمُعَةِ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الشَّرُ
١٣٧٣ - قوله: (وَعَنْ أَبِي لُبَابَةَ) بضم اللام وخفة موحدة أولى، الأوسي
الأنصاري المدني، اسمه بشير، أو رفاعة بن عبد المنذر، صحابي مشهور.
قال أبوأحمد الحاكم: يقال: شهد بدرًا، ويقال: رده النبي وّ حين خرج إلى
بدر من الروحاء، واستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره، فكان كمن
شهدها ثم شهد أحدًا وما بعدها، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في الفتح،
وكان أحد النقباء شهد العقبة، له خمسة عشر حديثًا، اتفقا على حديث، مات في
خلافة علي. وقيل: بعد الخمسين.
(إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّام) أي: أفضل أيام الأسبوع، أو أريد بالسيد المتبوع،
كما قال: ((وَالنَّاسُ لَنَا تَبَعٌ))، (وَهُوَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الأَضْحَى وَيَوْمِ الْفِطْرِ)
قيل: أي: باعتبار كونه يوم عبادة صرف، وهما يوم فرح وسرور، وفيه: إشارة إلى
تساوي يومي الجمعة وعرفة، أو أفضلية عرفة. (فِيهِ) أي: في نفس يومٍ الجمعة.
(خَمْسُ خِلاَلٍ) بكسر الخاء المعجمة أي: خصال مختصة به. (خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ)
(١٣٧٣) ابن مَاجَهْ (١٠٨٤) عنه، وَأَخْرَجَ ابن مَاجَهْ عَنْ مُعَاذٍ نَحْوَهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الجُمعَةِ
BRKE
٥٠٣
أي: طينته. (وَأَهْبَطَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ إِلَى الأَرْضِ) أي: أنزله من الجنة إلى الأرض. (لَا
يَسْأَلُ الْعَبْدُ) اللام للعهد أي: العبد المسلم. (فِيهَا شَيْئًا) أي: مما يليق أن يدعو به
المسلم، ويسأل فيه ربه تعالى. (إِلَّا أَعْطَاهُ) أي: اللَّه إياه.
(مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا) أي: ما لم يكن مسئوله ممنوعًا. (مَا مِنْ مَلَكِ مُقَرَّبٍ، وَلَا
سَمَاءٍ ، وَلَا أَرْضٍ، وَلَا رِيَاحِ، وَلَا جِبَالٍ، وَلَا بَحْرٍ) أي: ولا من دابة، كما تقدم. (إِلَّا
هُوَ مُشْفِقٌ) أي: خائف منَّ الإشفاق بمعنى الخوف، ولفظ ابن ماجه وأحمد: ((إِلَّا
وَهُنَّ يُشْفِقْنَ))، (مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) أي: خوفًا من فجأة الساعة، وفيه: أن سائر
المخلوقات تعلم الأيام بعينها، وأنها تعلم أن القيامة تقوم يوم الجمعة، ولا تعلم
الوقائع التي بينها وبين القيامة، أو ما تعلم أن تلك الوقائع ما وجدت إلى الآن،
لكن هذا بالنظر إلى الملك المقرب لا يخلو عن خفاء. والأقرب: أن غلبة الخوف،
والخشية، تنسيهم ذلك.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) وكذا أحمد (ج ٣ص ٤٣٠) بلفظ واحد. قال في ((الزوائد)):
إسناده حسن، وكذا قال العراقي، كما في ((النيل)). وقال المنذري في ((الترغيب)):
في إسنادهما - أي: أحمد وابن ماجه - عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ممن
احتج به أحمد وغيره.
١٣٧٤ - [١١] وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ
أَتَى النَّبِيَّ ◌َِّفَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، مَاذَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ؟ قَالَ: ((فِيهِ
خَمْسُ خِلَالٍ ... )) وَسَاقَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
{حسن}
الشّرْحُ
١٣٧٤ - قوله: (وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) كذا وقع في متن ((المرقاة))
وغيره، ووقع في بعض النسخ: سعيد بن معاذ، وكلاهما خطأ من النساخ؛ لأنه
(١٣٧٤) أَحْمَد في المسندِ (٢٨٤/٥)
DBeH:
٥٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ليس في الرواة أحد اسمه سعيد بن معاذ، ولأن هذا الحديث من ليس مرويات سعد
ابن معاذ، بل هو من مسانيد سعد بن عبادة.
فالصواب: سعد بن عبادة، كما وقع في ((مسند الإمام أحمد)) (ج٥ص٢٨٤)
و((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص١٦٣) و((الترغيب)) للمنذري (ج١ ص٢١٤) والفتح
(ج٤ ص٥٠٣) قال المنذري: بعد ذكر حديث أبي لبابة عن ((المسند)) و((سنن ابن
ماجه)): ورواه أحمد أيضًا والبزار من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أيضًا من
حديث سعد بن عبادة، وبقية رواته ثقات مشهورون، انتهى. وسعد بن عبادة بعين
مضمومة وخفة موحدة، ابن دليم بن حارثة أبوثابت الأنصاري الساعدي
الخزرجي، سيدهم، وصاحب راية الأنصار في المشاهد كلها .
اختلف في شهوده بدرًا فوقع في ((صحيح مسلم)) أنه شهدها، وكذا قاله ابن عيينة
والبخاري وأبوحاتم وأبوأحمد الحاكم وابن حبان، والمعروف عند أهل المغازي
أنه تهيأ للخروج إلى بدر فنهش فأقام، وهو من نقباء العقبة الاثني عشر، وكان أحد
الأجواد، يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي، وكان من أحسن ذلك يسمى
الكامل، وكان كثير الصدقات جدًّا، حكايات جوده كثيرة مشهورة، تخلف عن
بيعة أبي بکر رڅڅه وخرج عن المدينة، ولم يرجع إليها حتى مات بحوران من أرض
الشام لسنتين ونصف من خلافة عمر سنة (١٥) وقيل: (١٤) وقيل: (١١) ولم
يختلفوا أنه وجد ميتا في مغتسلة، وقد أخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا
قائلا يقول ولا يرونه:
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة
ورمينا بسهمين فلم نخط فؤاده.
فيقال: إن الجن قتلته .
(أَخْبِرْنَا عَنْ يَوْم الْجُمُعَةِ) أي: عن خواصه. (مَاذَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ؟ قَالَ: فِيهِ خَمْسُ
خِلَالٍ) قال الطيبي: يدل على أن هذه الخلال خيرات توجب فضيلة اليوم. (وَسَاقَ)
أي: ذكرها مرتبًا. (إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ) والظاهر: أنه ليس المراد بخمس خلال
الحصر، لما تقدم أن ابن القيم ذكر في ((الهدي)» ثلاثًا وثلاثين خصوصية للجمعة.
كِتّابُ الصَّلاةِ
بَابُ الجُمعَةِ
٥٠٥
١٣٧٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ وََّ: لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيَ
يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: ((لِأَنَّ فِيهَا طُبِعَتْ طِينَةُ أَبِيَكَ آدَمَ، وَفِيهَا الصَّعْقَةُ، وَالْبَعْنَةُ،
وَفِيهَا الْبَطْشَةُ، وَفِي آخِرٍ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ، مِنْهَا سَاعَةٌ مَنْ دَعَا اللَّهَ فِيهَا اسْتُجِيبَ
لَهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشّرْجُ
١٣٧٥ - قوله: (لِأَِّّ شَيْءٍ سُمِّيَ) أي: يوم الجمعة بالرفع. (يَوْمُ الْجُمُعَةِ)
بالنصب على أنه مفعول ثان، وذكره المنذري في ((الترغيب))، والهيثمي في
((الزوائد)) عن ((المسند)) بلفظ: أي: ((شيء يوم الجمعة)). (لِأَنَّ فِيهَا) أنثه نظرًا
للمضاف إليه. (طُبِعَتْ) أي: خمرت وجمعت. وقيل: جعلت صلصالًا كالفخار.
(طِينَةُ أَبِيكَ) الطين بالكسر معروف وبالهاء قطعة منه. (آدَمَ) أي: الذي هو
مجموعة العالم، والخطاب للقائل السائل. (وَفِيهَا الصَّعْقَةُ) أي: الصيحة الأولى
التي يموت بها جميع أهل الدنيا. (وَالْبَعْثَةُ) بكسر الباء وتفتح أي: النفخة الثانية
التي بها تحيا جميع الأجساد الفانية. (وَفِيهَا الْبَطْشَةُ) أي: الأخذة الشديدة يوم
القيامة الطامة التي للخلائق عامة، والمراد بها المؤاخذة بعد البعث والحشر. قال
القاري: وما قيل: إنها يوم القيامة، فهو ضعيف؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد.
قال الطيبي: سئل ◌َّ عن علة تسمية الجمعة، فأجاب بأنه إنما سمي بها؛
الاجتماع الأمور العظام، وجلائل الشئون فيها، انتهى. ولا يخفى أن فيما قدمناه
إشارة إلى أن معنى الجمعية موجودة في كل من الأمور المذكورة، مع قطع النظر
عن الهيئة المجموعية. (وَفِي آخِرِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مِنْهَا) أي: من يوم الجمعة.
(سَاعَةٌ) قال الطيبي: ((في)) هذه تجريدية، إذ الساعة هي نفس آخر ثلاث ساعات،
كما في قولك: في البيضة عشرون منا من حديد والبيضة نفس الأرطال، انتهى.
قال القاري: ولعل العدول عن أن يقول: وفي آخرها ساعة؛ إشارة إلى
المحافظة على الساعتين قبل تلك الساعة لقربها، انتهى. وعلى هذا حديث
(١٣٧٥) لأَحْمَد (٣١١/٢) عن أبي هريرة.
٥٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
أبي هريرة هذا يكون موافقًّا للأحاديث المصرحة بأنها آخر ساعة بعد العصر، وهو
الظاهر عندي، ويظهر من كلام الحافظ: أنه فهم أن المراد منه: آخر الساعة الثالثة
من أول النهار حيث قال: القول الحادي عشر: أنها آخر الساعة الثالثة من النهار،
حكاه صاحب ((المغني)) (ج٢ ص ٣٥٥)، وهو في ((مسند الإمام أحمد)) من طريق
علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة مرفوعًا، فذكر حديث الباب ثم نقل عن المحب
الطبري أنه قال: قوله: (فِي آخِرٍ ثَلَاثٍ سَاعَاتٍ) يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون
المراد: الساعة الأخيرة من الثلاثة الأول. ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كل
من الثلاثة ساعة إجابة، فيكون فيه تجوز لإطلاق الساعة على بعض الساعة،
انتھی .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) من طريق علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة، وفي إسناده فرج بن
فضالة، وهو ضعيف، وعلي لم يسمع من أبي هريرة، قاله الحافظ، ووهم الهيثمي
إذ قال: رجاله رجال الصحيح، ووهم المنذري أيضًا حيث قال : رجاله محتج بهم
في الصحيح.
١٣٧٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَكْثِرُوا
الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنَّ أَحَدًا لَنْ يُصَلِّيَ
عَلَيَّ، إِلَّا عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلَاَتُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا)) قَالَ: قُلْتُ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ؟
قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عْلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ، فَبِيُّ اللَّهِ حَيٌّ
يُرْزَقُ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٣٧٦ - قوله: (فَإِنَّه) أي: يوم الجمعة. (مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ) قال القاري: بالياء
والتاء. وفي ابن ماجه: ((تَشْهَدُهُ)) بالتاء، وكذا نقله المجد ابن تيمية والمنذري.
(الْمَلَائِكَةُ) هذا لا ينافي ما تقدم من أن يوم الجمعة شاهد؛ لأن إطلاق المشهود
عليه هنا باعتبار آخر، فهو شاهد ومشهود، كما قيل في حقه تعالى: هو الحامد،
(١٣٧٦) ابن مَاجَهْ (١٣٦٧) عَنْهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمعَةِ
*
٥٠٧
وهو المحمود، مع أنه يحتمل أن يكون ضميرًا، فإنه في هذا الحديث راجعًا إلى
إكثار الصلاة المفهوم من ((أَكْثِرُوا))، ويؤيده السياق المكتنف بالسباق واللحاق.
(إِلَّا عُرِضَتْ) بصيغة المجهول. (عَلَىَّ صَلَاتُهُ) بواسطة الملائكة أي: في كل
وقت، فعرضها في يوم الجمعة الذي هو أفضل الأيام أولى، ويحتمل أن يكون
ذلك العرض مخصوصًا بيوم الجمعة أي: وجوبًا والبتة على وجه الكمال كذا في
((اللمعات)).
(حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا) أي: من الصلاة يعني: الصلوات كلها معروضة علي، وإن
طالت المدة من ابتداء شروعه فيها إلى الفراغ منها. (قُلْتُ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ) أي:
أيضًا، والاستفهام مقدر أَوْ وبعد الموت ما الحكم فيه؟ (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ)
أي: منعها منعًا كليًّا. (أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ) فلا فرق لهم في الحالين. وفيه:
إشارة إلى أن العرض على مجموع الروح والجسد منهم بخلاف غيرهم. (فَنَبِيُّ
اللَّهِ) يحتمل الإضافة للاستغراق، ويحتمل أنها للعهد، والمراد نفسه، وهو
الظاهر .
وقال القاري: يحتمل الجنس والاختصاص بالفرد الأكمل، والظاهر هو الأول؛
لأنه رأى موسى قائمًا يصلي في قبره، وكذلك إبراهيم، كما في حديث مسلم.
(حَيٌّ يُرْزَقُ) رزقًا معنويًّا، فإن الله تعالى قال في حق الشهداء من أمته: ﴿بَلْ أَحْيَاءُ
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فكيف سيدهم بل رئيسهم؛ لأنه حصل له أيضًا مرتبة
الشهادة مع مزيد السعادة بأكل الشاة المسمومة وعود سمها، وإنما عصمه الله من
الشهادة الحقيقية للبشاعة الصورية، ولإظهار القدرة الكاملة بحفظ فرد من بين
أعدائه من شر البرية، ولا ينافيه أن يكون هناك رزق حسي أيضًا، وهو الظاهر
المتبادر، قاله القاري. ثم هذه الجملة يحتمل أن تكون من قول النبي وَلّ نتيجة
للكلام، ويحتمل أن تكون من قول أبي الدرداء استفادة من كلامه وتفريعًا
عليه وَلِلّ، وهذا هو الظاهر.
وفي الحديث: مشروعية الإكثار من الصلاة على النبي ◌َّ يوم الجمعة، وأنها
تعرض عليه وَله، وأنه حي في قبره. وقد ذهب جماعة من العلماء، ومنهم البيهقي
والسيوطي إلى أن رسول اللّه وَ ل حي بعد وفاته، وأنه يُسر بطاعات أمته، وعندنا
حياته هذه هي نوع حياة برزخية، وليست نظير الحياة الدنيوية المعهودة، فإن
٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
روحه وَّه في مستقرها في عليين مع الرفيق الأعلى، ولها تعلق ببدنه الطيب قوي
فوق تعلق روح الشهيد بجسده، فلا يثبت لها أحكام الحياة الدنيوية إلا ما وقع ذكره
في الأحاديث الصحيحة، وارجع للبسط والتحقيق إلى ((الصارم المنكي)) (ص١٩٦
- ٢٠٤) و((اقتضاء الصراط المستقيم))، و((صيانة الإنسان)).
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في آخر الجنائز. قال العراقي في ((شرح الترمذي))، والحافظ في
((تهذيب التهذيب)) (ج ٣ص٣٩٨): رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا؛ لأن في إسناده
زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء. قال البخاري: زيد بن أيمن عن
عبادة بن نسي مرسل، ونقل السندي عن البوصيري أنه قال في ((الزوائد)): هذا
الحديث صحيح إلا أنه منقطع في موضعين؛ لأن عبادة روايته عن أبي الدرداء
مرسلة، قاله العلاء وزيد بن أيمن عن عبادة مرسلة، قاله البخاري، انتهى.
١٣٧٧ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((مَا
مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوَلَيْلَةَ الْجُمَّعَةِ إِلَّ وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ] (حسن)
الشَّرْحُ
١٣٧٧ - قوله: (مَا مِنْ مُسْلِم) قال القاري: زيادة ((مِنْ))؛ لإفادة العموم،
فيشمل الفاسق إلا أن يقال: إن الَّتنوين للتعظيم. (يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ لَيْلَةَ
الْجُمُعَةِ) الظاهر أن ((أَوْ)) للتنويع لا للشك. (إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ) أي: حفظه. (فِتْنَةَ الْقَبْرِ)
أي: عذابه وسؤاله، وهو يحتمل الإطلاق والتقييد، والأول هو الأولى بالنسبة إلى
فضل المولى، وهذا يدل على أن شرف الزمان له تأثير عظيم، كما أن فضل المكان
له أثر جسيم. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ص١٦٩). (والتِّرْمِذِيُّ) في الجنائز، كلاهما من
طريق سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو. (وَقَالَ) أي:
الترمذي.
(١٣٧٧) أحْمَد (١٦٩/٢) عن عبد الله بن عمرو، والتّرْمِذِي (١٠٧٤)، وقالَ: غريب ليسَ بمتصلٍ.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بابُ الجُمعَةِ
*
٥٠٩
(هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ)؛ لأن ربيعة بن سيف إنما يروي عن
أبي عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمَّرو. قال الترمذي: ولا نعرف لربيعة بن
سيف سماعًا من عبد الله بن عمرو، انتهى. وذكر الحافظ كلام الترمذي هذا في
((التهذيب)) وأقره، قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): فالحديث ضعيف؛ لانقطاعه،
لكن له شواهد. قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث: في إسناده ضعف.
وأخرجه أبويعلى من حديث أنس نحوه، وإسناده أضعف، انتهى. وقال الهيثمي:
في سند حديث أنس يزيد الرقاشى، وفيه كلام، انتهى. وقال القاري: ذكره
السيوطي في باب من لا يسأل في القبر، وقال: أخرجه أحمد والترمذي وحسنه،
وابن أبي الدنيا عن ابن عمرو، ثم قال: وأخرجه ابن وهب في ((جامعه)) والبيهقي
أيضًا من طريق آخر عنه بلفظ: ((إِلَّا بَرِئَ مِنَ فِتْنَةِ الْقَبْرِ)). وأخرجه البيهقي أيضًا من
طريق ثالثة عنه موقوفًا بلفظ: (وُقِيَ الْفَتَّانُ))، انتهى. قلت: لم أجد عند الترمذي
تحسينه فلعله وهم وقع في النسخة التي كانت بيد السيوطي، لكن الحديث رواه
أحمد من طريق آخر صحيح (ج٢ ص١٧٦، ٢١٩) وجاء نحوه أيضًا من حديث
جابر رواه أبونعيم في ((الحلية)) (ج٣ ص ١٥٥، ١٥٦) بإسناد فيه ضعف. قال ابن
القيم: حديث جابر تفرد به عمر بن موسى الوجيهي، وهو مدني ضعيف، انتهى.
قال السيوطي: قال القرطبي: هذه الأحاديث أي: التي تدل على نفي سؤال القبر لا
تعارض أحاديث السؤال السابقة أي: لا تعارضها بل تخصصها وتبين من لا يسئل
في قبره، ولا يفتن فيه ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله
ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم، والانقياد لقول
الصادق المصدوق.
قال الحكيم الترمذي: ومن مات يوم الجمعة فقد انكشف له الغطاء عما له عند
الله؛ لأن يوم الجمعة لا تسجر فيه جهنم وتغلق أبوابها، ولا يعمل سلطان النار فيه
ما يعمل في سائر الأيام، فإذا قبض الله عبدًا من عبيده، فوافق قبضه يوم الجمعة
كان ذلك دليلا لسعادته، وحسن مآبه، وأنه لا يقبض في ذلك اليوم إلا من كتب له
السعادة عنده، فلذلك يقيه فتنة القبر؛ لأن سببها إنما هو تمييز المنافق من المؤمن.
قلت: ومن تتمة ذلك أن من مات يوم الجمعة له أجر شهيد، فكان على قاعدة
الشهداء في عدم السؤال، كما أخرجه أبونعيم في ((الحلية)) عن جابر قال: قال
٥١٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رسول اللَّهُ وَّهِ: (مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أُجِيْرَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَجَاءَ
يَوْمَ الْقِيامَةِ وَعَلَيْهِ طَابِعُ الشُّهَدَاءِ)). وأخرج حميد في ((ترغيبه)) عن إياس بن بكير: أن
رسول اللّه وَلَه قال: ((مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ)).
وأخرج من طريق ابن جريج عن عطاء قال: قال رسول اللَّه وَّه: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ
مُسْلِمَةٍ يَمُوتُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ إِلَّ وُقِيَ عَذَابَ الْقَبْرِ وَفِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَلَّقِيَ
اللهَ وَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ، وَجَاءَ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمَعَهُ شُهُودٌ يَشْهَدُونَ لَهُ أَوْ طَابِعٌ))، وهذا
الحديث لطيف صرح فيه بنفي الفتنة والعذاب معًا، انتهى كلام السيوطي. قال ابن
القيم في حديث جابر: تفرد به عمر بن موسى الوجيهي، وهو مدني، ضعيف.
١٣٧٨ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿ الْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
الآيَةَ [المائدة: ٣] وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: لَو نَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا،
فَقَالَ ابْنُ عَّاسٍ: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمٍ عِيدَيْنِ فِي يَوْمٍ جُمُعَةٍ، وَيَوْمٍ عَرَفَةٍ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٣٧٨ - قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) أي: ما تحتاجون إليه في تكليفكم
من تعليم الحلال والحرام، وقواعد العقائد، وقوانين القياس، وأصول الاجتهاد.
وقيل: أي: أحكامه، وفرائضه، وشرائعه، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام.
(الْآيَةَ) وهي قوله: ﴿وَأَتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣] أي: بالهداية والتوفيق، أو بإكمال
الدين، أو بفتح مكة ودخولها آمنين. وقيل: أي: أمور دنياكم. ﴿وَرَضِيتُ﴾ أي:
اخترت. ﴿لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] حال أي: اخترته لكم من بين الأديان، وآذنتكم
بأنه هو الدين المرضى وحده. (وَعِنْدَهُ) أي: وعند ابن عباس. (يَهُودِيٌّ) أي:
حاضر. وفي حديث عمر بن الخطاب عند البخاري في كتاب الإيمان: أن رجلاً من
اليهود قال له أي: لعمر.
(١٣٧٨) التِّرْمِذِي (٣٠٤٤) عنه، قال: حسن غريب، قلت: له شاهد في ((الصحيح)) البُخَارِي
(٤٤٠٧)، ومُسْلِم (٣٠١٧)، عن عمر.
٥١١
1SE
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْجُمعَةِ
قال الحافظ: هذا الرجل، هو كعب الأحبار، بين ذلك مسدد في (مسنده))،
والطبري في ((تفسيره))، والطبراني في ((الأوسط))، وللبخاري في المغازى: أن ناسًا
من اليهود، وله في التفسير: قالت اليهود، فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال
كعب عن ذلك جماعة، وتكلم كعب على لسانهم، وأطلق على كعب هذه الصفة
إشارة إلى أن سؤاله عن ذلك وقع قبل إسلامه؛ لأن إسلامه كان في خلافة عمر على
المشهور، وأطلق عليه ذلك باعتبار ما مضى. (فَقَالَ) أي: اليهودي. (لَاتَّخَذْنَاهَا)
أي: جعلنا يوم نزولها. (عِيدًا) نعظمه في كل سنة ونسر فيه لعظم ما حصل فيه من
كمال الدين. (فَإِنَّهَا) أي: الآية. (نَزَلَتْ) أي: علينا.
(فِي يَوْمٍ عِيدَيْنِ) أي: وقت عيدين لنا. (فِي يَوْمِ جُمْعَةٍ ، وَيَوْمٍ عَرَفَةَ) وفي بعض
نسخ ((المشكاة)) و((جامع الترمذي)): في يوم الجمعة أي: معرفًا باللام، وهو بدل
مما قبله بإعادة الجار، يعني: أنزلها الله في يومي عيد لنا، فضلًا وإحسانًا، من غير
أن نجعلهما عيدين بأنفسنا، أو قد تضاعف السرور لنا بإنزالها، فإنا نعظم الوقت
الذي نزلت فيه مرتين وإن كان نزولها في الوقت المشتمل على اليومين، فإنها
نزلت على النبي ◌ٍَّ﴾ بعرفة يوم الجمعة. وفي حديث عمر عند الطبري: نزلت يوم
جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد. والطبراني: ((وهما لنا عيدان)).
قال الطيبي: في جواب ابن عباس لليهودي إشارة إلى الزيادة في الجواب،
يعني: ما اتخذنا عيدًا واحدًا، بل عيدين، وتكرير اليوم؛ تقرير لاستقلال كل يوم
بما سمي به، وإضافة يوم إلى عيدين كإضافة اليوم إلى الجمعة أي: يوم الفرح
المجموع، والمعنى: يوم الفرح الذي يعودون مرة بعد أخرى فيه إلى السرور. قال
الراغب: العيد ما يعاود مرة بعد أخرى، وخص في الشريعة بيوم الفطر ويوم
النحر، ولما كان ذلك اليوم مجعولًا للسرور في الشريعة، كما نبه النبي وَّل بقوله:
((أَيَّامُ مِنَّى، أَيَّامُ أَكْلِ، وَشُرْبٍ، وَبِعَالٍ)) صار يستعمِل العيد في كل يوم فيه مسرة.
والحديث من أدلةً فضل الجمعة؛ لأن فيه أخبر الله نبيه وَ لَه والمؤمنين أنه قد أكمل
لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا. فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة،
وفي يوم وقع ذلك له فضل عظيم. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في تفسير سورة المائدة وحسنه.
وأخرجه أيضًا ابن جرير في ((تفسيره))، وأصل الحديث عند الشيخين وغيرهما عن
عمر بن الخطاب أن رجلًا من اليهود قال له ... إلخ.
٥١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ea
١٣٧٩ - [١٦] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ
قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَّشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ)) قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ:
((لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ لَيْلَةٌ أَغَرُّ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَزْهَرُ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
١٣٧٩ - قوله: (إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ) أي: الشهر الذي هو فرد من الأشهر الحرم
منون. وقيل: غير منصرف. (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا) أي: في طاعتنا وعبادتنا. (فِي رَجَبِ
وَشَعْبَانَ) يعني: وفقنا للإكثار من الأعمال الصالحة فيهما. (وَبَلَّغْنَا رَمَضَانَ) أيّ:
إدراكه بتمامه، والتوفيق لصيامه، وقيامه. قيل: ولم يقل: ورمضان لبعده عن أول
رجب. (قَالَ) أي: أنس. (وَكَانَ يَقُولُ) وَلِهِ. (لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ لَيْلَةٌ أَغَرُّ) قال الطيبي:
أي: أنور من الغرة، انتهى. وكان الظاهر أن يقال: غراء، وإنما قال: أغرُّ بحذف
الموصوف أي: زمان أو وقت أغر. وقال القاري: نزل ليلته منزلة يومه، فوصف
بأغر على طريق المشاكلة، أو ذكره باعتبار أن ليلة بمعنى الليل؛ إذ التاء لوحدة
الجنس لا للتأنيث. قلت: وذكره السيوطي في ((الجامع الصغير)) عن البيهقي وابن
عساكر وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) عن البزار
بلفظ: ((ليلة غراء)). (وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَزْهَرَ) قال الطيبي: الأزهر الأبيض، ومنه
أكثروا الصلاة عليَّ في الليلة الغراء، واليوم الأزهر أي: ليلة الجمعة ويومها،
انتهى. والنورانية فيهما معنوية لذاتهما، فالنسبة حقيقية، أو للعبادة الواقعة فيهما،
فالنسبة مجازية، قاله القاري. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن عساكر، وابن
السني (ص٢١٢) قال العزيزي: وفيه ضعف، كما في الأذكار (ص١٤٣) ونسبه
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص ١٦٥) للبزار، وقال: فيه زائدة بن أبي
الرقاد. قال البخاري: منكر الحديث، وجهله جماعة، انتهى. قلت: وقال البزار:
لا بأس به، وإنما نكتب من حديثه ما لم نجد عند غيره، كذا في ((التهذيب))، وفيه
أيضًا: زيادة النميري، وهو ضعيف.
(١٣٧٩) رواهُ البَيْهَقِيُّ في فضائلِ الأوقاتِ (١٤) والشُّعب (٣٨١٥).
كِتّابُ الصَّلَاةِ
ENEXF X
بَابُ وجوپھًا
EX
٥١٣
٤٣ - بَابُ وُجُوبِهَا
(بَابُ وُجُوبِهَا) أي: الأحاديث الدالة على وجوبها وفرضيتها. قال في ((شرح
السنة)): الجمعة من فروض الأعيان عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أنها
من فروض الكفايات. وقال ابن الهمام: الجمعة فريضة محكمة بالكتاب والسنة
والإجماع، وقد صرح أصحابنا بأنه فرض آكد من الظهر، وبإکفار جاحدها،
انتهى. وفي كتاب ((الرحمة في اختلاف الأمة)): اتفق العلماء على أن الجمعة فرض
على الأعيان، وغلطوا من قال: هي فرض كفاية.
وقال العراقي: مذاهب الأئمة الأربعة متفقة، على أنها فرض عين، لكن
بشروط يشترطها أهل كل مذهب. وحكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض
عين. وقال الإمام البخاري في ((صحيحه)): باب فرض الجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا
نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] ثم ذكر حديث أبي هريرة السابق في الفصل الأول من باب الجمعة
بلفظ: هذا يومهم الذي فرض عليهم. قال الحافظ: استدلال البخاري بهذه الآية
على فرضية الجمعة سبقه إليه الشافعي في ((الأم))، وكذا حديث أبي هريرة، ثم
قال: فالتنزيل والسنة يدلان على إيجابها قال: وعلم بالإجماع أن يوم الجمعة، هو
الذي بين الخميس والسبت.
وقال الشيخ الموفق في ((المغني)) (ج٢ ص٢٩٥): الأمر بالسعي يدل على
الوجوب؛ إذ لا يجب السعي إلا إلى واجب. وقال الزين بن المنير: وجه الدلالة
من الآية مشروعية النداء لها، إذ الأذان من خواص الفرائض، وكذا النهي عن
البيع؛ لأنه لا ينهى عن المباح، يعني: نهى تحريم إلا إذا أفضى إلى ترك واجب،
ويضاف إلى ذلك التوبيخ على قطعها، قال: وأما وجه الدلالة من الحديث، فهو
من التعبير بالفرض؛ لأنه للإلزام، وإن أطلق على غير الإلزام كالتقدير، لكنه متعين
له لاشتماله على ذكر الصرف لأهل الكتاب عن اختياره، وتعيينه لهذه الأمة، سواء
كان ذلك وقع لهم بالتنصيص أم بالاجتهاد. وفي سياق القصة إشعار بأن فرضيتها
٥١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على الأعيان لا على الكفاية، وهو من جهة إطلاق الفرضية، ومن التعميم في
قوله: ((فَهَدَانَا اللهُ لَهُ، وَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ)). واختلف في وقت فرضيتها، فالأكثر أنها
فرضت بالمدينة، وهو مقتضى ما تقدم، أن فرضيتها بالآية المذكورة، وهي
مدنية، ويدل عليه أيضًا ما روى ابن ماجه بسند ضعيف من حديث جابر قال: خطبنا
رسول اللَّهِوَله فقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوْبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ... )) الحديث. وفيه: ((وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي يَوْمِي هَذَا فِي مَقَامِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ» .
وقال الشيخ أبوحامد: فرضت بمكة، وهو غريب، واستدل بعضهم لذلك بما
أخرجه الدار قطني عن ابن عباس قال: أذن النبي ◌َّ في الجمعة قبل أن يهاجر، ولم
يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير ... إلخ. ذكره الحافظ في
((التلخيص)): ولم يبين أن هذه الرواية أي: كتاب للدار قطني، وكيف حالها من
حيث الصحة والضعف.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ وُ جُوپھًا
٥١۵
الفصل الأول
١٣٨٠، ١٣٨١ - [١، ٢] عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا قَالَا:
سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ
الْجُمُعَاتِ، أَوَلَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٣٨٠، ١٣٨١ - قوله: (عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ) أي: على درجاته، وذكره
للدلالة على كمال التذكير وللإشارة إلى اشتهار هذا الحديث. وقال الأمير
اليماني: أي: منبره الذي من عود لا على الذي كان من الطين ولا على الجذع
الذي كان يستند إليه. (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ) قيل: أبهم خوف كسر قلب من يعينه؛ لأن
النصيحة في الملأ فضيحة.
(عَنْ وَدْعِهِمُ) بفتح الواو وسكون الدال. (الْجُمُعَاتِ) أي: عن تركهم إياها
والتخلف عنها؛ تهاونًا من غير عذر، من ودع الشيء يدعه إذا تركه. وقول النحاة:
أن العرب أماتوا ماضي يدع ومصدره أعني، ودع ودعا استغناء بترك تركًا معناه: أن
الغالب عدم استعمالها، أي: يحمل على قلة استعمالها استغناء بما هو أخف
منهما، لا أم معناه عدم استعمالهما أصلًا، وإلا نافاه استعمال الودع في هذا
الحديث الفصيح. فالحق ثبوت استعمالهما في فصيح الكلام، وحمل كلام النحاة
على ما مر. وقيل: قولهم مردود، والحديث حجة عليهم قال التوربشتي: لا عبرة
بما قال النحاة، فإن قول النبي ◌َّليل هو الحجة القاضية على كل ذي فصاحة.
وقال السيوطي: والظاهر أن استعماله هاهنا من الرواة المولدين الذين لا
يحسنون العربية، ورده السندي: بأنه لا يخفى على من تتبع كتب العربية أن قواعد
(١٣٨٠)، (١٣٨١) مُسْلِم (٨٦٥/٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ مَعًا .
٥١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العربية مبنية على الاستقراء الناقص دون التام عادة، وهي مع ذلك أكثريات لا
كليات فلا يناسب تغليط الرواة.
(أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي: يطبع عليها ويغطيها بالرين كناية عن إعدام
اللطف، وأسباب الخير، يعني: ليمنعنهم لطفه وفضله. وقال القرطبي: الختم
عبارة عما يخلقه الله تعالى في قلوبهم من الجهل، والجفاء والقسوة. وقال
العراقي: المراد بالطبع على قلبه أنه يصير قلبه قلب منافق، كما روى الطبراني من
حديث عبد الله بن أبي أوفى مرفوعًا بإسناد جيد: ((مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَمْ
يَأْتِهَا، ثُمَّ سَمِعَ الِّدَاءَ وَلَمْ يَأْتِهَا ثَلاَثًا طُبعَ عَلَى قَلْبِهِ، فَجَعَلَهُ قَلْبَ مُنَافِقٍ)) .
قال الهيثمي: وفيه من لم يعرف. قيل: ومن ختم على قلبه بالرين قد يتيقظ
للخير في بعض الأوقات بخلاف الغافل عن مولاه، فلا يتفطن للخير أصلًا، فلهذا
ترقى فقال (ثُمَّ لَيَكُونُنَّ) بضم النون الأولى.
(مِنَ الْغَافِلِينَ) أي: ثم يترقى بهم في الشر إلى هذه المرتبة. قال الطيبي: ثم
التراخي الرتبة، فإن كونهم من جملة الغافلين المشهود عليهم بالغفلة أدعى
لشقائهم، وأنطق لخسرانهم من مطلق كونهم مختومًا عليهم. وقيل: المراد
الدائمين في الغفلة .
قال القاضي: والمعنى أن أحد الأمرين كائن لا محالة، أما الانتهاء عن ترك
الجمعات أو ختم الله على قلوبهم، فإن اعتياد ترك الجمعة يغلب الرين على
القلب، ويزهد النفوس في الطاعة، وذلك يؤدي بهم إلى أن يكونوا من الغافلين،
أي: عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال وعن ترك ما يضرهم منها. والحديث من
أعظم الزواجر عن ترك الجمعة، والتساهل فيها ومن أدلة أنها من فروض الأعيان.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وكذا البيهقي (ج٣ ص١٧١) وأخرجه أحمد والنسائي والبيهقي أيضًا
(ج ٣ ص١٧١ - ١٧٢) من حديث ابن عمر، وابن عباس.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بابُ وُ جُوپھا
٥١٧
*
الفصل الثاني
١٣٨٢ - [٣] عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ:
(مَنْ تَرََكَ ثَلَاثَ جُمَعْ تَهَاوُنَّا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالتَّْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٣٨٢- قوله: (عَنْ أَبِي الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة.
(الضَّمْرِىِّ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم، نسبة إلى ضمرة بن بكر بن
عبد مناة، قاله في (جامع الأصول))، وكذا في ((المغني)) لمحمد طاهر الفتني،
ووقع في بعض نسخ ((المشكاة)): الضميري، بضم الضاد وفتح الميم، وهو خطأ،
وأبو الجعد الضمري، لا يعرف اسمه. قال الترمذي: سألت محمدًا عن اسم أبي
الجعد، فلم يعرف اسمه. وقيل: اسمه كنيته. وقيل: اسمه أدرع. وقيل: عمرو بن
بكر. وقيل: جنادة، صحابي. قال الخزرجي: له أربعة أحاديث، وعند الأربعة
حديث، قال ابن سعد: بعثه النبي ◌َّ بجيش قَوْمِهِ لغزوة الفتح، ولغزوة تبوك.
ويقال: إن عثمان استقضاه، قتل مع عائشة يوم الجمل. (مَنْ تَرَك) أي: ممن تجب
عليه. (ثَلَاثَ جُمَع) بضم الجيم وفتح الميم. قال الباجي: وأما اعتبار العدد في
الحديث، فانتظارً للفيئة، وإمهال منه تعالى عبده للتوبة. قال الشوكاني: يحتمل
أن يراد حصول الترك مطلقًا، سواء توالت الجمعات، أو تفرقت، حتى لو ترك في
كل سنة جمعة لطبع الله على قلبه بعد الثالثة، وهو ظاهر الحديث. ويحتمل أن يراد
ثلاث جمع متوالية، كما في حديث أنس عند الديلمي في ((مسند الفردوس))؛ لأن
موالاة الذنب ومتابعته مشعرة بقلة المبالاة به، انتهى.
قلت: الاحتمال الثاني هو المتعين لما تقرر في الأصول من حمل الروايات
المطلقة على المقيدة، ويؤيد حديث أنس ما رواه أبويعلى برجال الصحيح عن
(١٣٨٢) أَبُو دَاوُد (١٠٥٢)، والترمذي (٥٠٠)، والنَّسَائِي (٣/ ٨٨) عَنْ أَبِي الجَعْدِ الضَّمْرِيِّ.
٥١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن عباس: ((مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ جُمَع مُتَوالِيَاتٍ فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ)،
قال الشوكاني: هكذا ذكره موقوفًا، ولهً حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل
الرأي، كما قال العراقي.
(تَهَاؤُنَّا بِهَا) قيل: المراد بالتهاون الترك من غير عذر، فيكون مفعولًا مطلقًا
للنوع، وقيل: هو مفعول له. وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي: متهاونًا. قال
في ((اللمعات)): الظاهر أن المراد بالتهاون التكاسل، وعدم الجد في أدائه وقلة
الاهتمام به، لا الإهانة والاستخفاف، فإن الاستخفاف بفرائض الله كفر، وفيه أن
الطبع المذكور، إنما يكون على قلب من ترك ذلك تهاونًا، فينبغي أن تحمل
الأحاديث المطلقة على هذا الحديث المقيد بالتهاون، وكذلك تحمل الأحاديث
المطلقة على المقيدة بعدم العذر. (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ) أي: ختم عليه وغشاه ومنعه
الألطاف، أو صير قلبه قلب منافق.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ وأخرجه أيضًا الشافعي وأحمد (ج ٣ص٤٢٤) وابن
خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) والبغوي والدولابي في ((الكنى)) (ج١ ص٢١ -
٢٢) والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (ج٣ ص ١٧٢، ٢٤٧)
وفي رواية لابن خزيمة وابن حبان: ((مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَهُو مُنَافِقٌ))،
والحديث قد حسنه الترمذي، وصححه وابن السكن، وسكت عنه أبو داود.
١٣٨٣ - [٤] وَرَوَاهُ مَالِكْ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَّيْم.
{صحيح}
الشَّرْجُ
١٣٨٣ - قوله: (وَرَوَاهُ مَالِك) في ((الموطأ)). (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم) قال
مالك: لا أدري أعن النبي وَّ أم لا؟ أنه قال: ((مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّنْ غَيْرِ
عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ))، وصفوان بن سليم بضم السين وفتح اللام، المدني
(١٣٨٣) مالك في ((الموطأ)) (٢٠/١١١/١) عن صفوان.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ وُجُوبِهَا
٥١٩
أبو عبد الله القرشي الزهري، مولاهم ثقة، فقيه، تابعي، عابد، زاهد، مات
سنة. (١٣٢) وهو ابن (٧٢) سنة، فالحديث مرسل ومع ذلك قد تردد الإمام مالك
في رفعه. قال ابن عبد البر: هذا يسند من وجوه أحسنها حديث أبي الجعد
الضمري. أخرجه الشافعي وأصحاب السنن الأربعة، انتهى. ذكره السيوطي.
١٣٨٤ - [٥] وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ.
[صحيح]
الشَّرْجُ
١٣٨٤ - (وَأَحْمَدُ) (ج ٥ص ٣٠٠). (عن أبي قتادة) مرفوعًا: ((من ترك
الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع على قلبه))، وإسناده حسن، كما قال
المنذري في ((الترغيب))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج ٢ ص١٩٢) والدار قطني
في ((العلل)). وأخرجه أيضًا الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وفي الباب عن جماعة
من الصحابة، ذكرهم الشوكاني في ((النيل)) والهيثمي في ((مجمع الزوائد)).
١٣٨٥ - [٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَّةِ: ((مَنْ
تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَبِنِصْفِ دِينَارٍ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشّرْخُ
١٣٨٥- قوله: (مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ) أي: صلاتها ممن تلزمه. (فَلْيَتَصَدَّقْ
بِدِينَارٍ) قال في ((المفاتيح)): الأمر للندب لدفع إثم الترك. (بِدِينَارٍ) أي: كفارة.
(١٣٨٤) أَحْمَدُ (٣٠٠/٥) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ.
(١٣٨٥) أَحْمَدُ (١٤/٥)، وَأَبُو دَاوُد (١٠٥٣)، وَالنَّسَائِي (٨٩/٣)، وَابن مَاجَهْ (١١٢٨) عَنْهُ فِي كِتَابِ
الجُمُعَةِ .