النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وابن ماجه بنحوه أتم منه. وفي حديث الترمذي وحده: والسجود أخفض من
الركوع. وقال: حسن صحيح.
قلت: أصل الحديث عند البخاري، ولفظ ابن حبان: ((رأيت النبي وَل يصلي
النوافل على راحلته في كل وجه يومئ إيماء، ولكنه يخفض السجدتين من
الركعتين))، وبنحوه أخرج أحمد في ((مسنده).
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلَاةِ السَّفْرِ
٤٦١
xxae
الفصل الثالث
١٣٥٦ - [١٥] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ بِمِنَّى
رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُوِ بَكْرِ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ ، وعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ
إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَغَّدُ أَرْبَعًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا،
وإِذَا صَلَّهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
[متفق عليه]
الشّرُْ
١٣٥٦ - قوله: (بِمِنَّى) أي: في حجة الوداع. وزاد مسلم في رواية سالم عن
أبيه: بمنى وغيره. (رَكْعَتَيْنٍ) أي: في الفرائض الرباعية للسفر. (وَأَبُو بَكْرِ بَعْدَهُ)
أي: كذلك. (وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ) كذلك. (وَعُثْمَانُ) كذلك (صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ)
أي: زمانًا أولًا منها نحو ست سنين. قال النووي: هذا هو المشهور أن عثمان أتم
بعد ست سنین من خلافته .
(ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ) أي: بعد مضى الصدر الأول من خلافته. (أَرْبَعًا)
اعلم: أنه اختلف في ذكر السبب لإتمام عثمان بمنى على أقوال: فقيل: لأنه تأهل
بمكة على ما روى أحمد (ج١ ص٦٢) من حديثه: أنه صلى بمنى أربع ركعات،
فأنكره الناس عليه، فقال: يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت
رسول اللَّه ◌َلَّ يقول: ((من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم))، لكن إسناد هذا
الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عكرمة بن إبراهيم الباهلي، وهو مجهول الحال.
فقد نقل الحافظ في ((التعجيل)) (ص٢٩٠) في ترجمته عن الحسيني أنه قال:
ليس بالمشهور. ونقل عن ابن شيخه أنه قال: لا أعرف حاله. وقيل: رأى عثمان
القصر والإتمام جائزين، فأخذ بأحد الجائزين، ورأى ترجيح طرف الإتمام لما فيه
من المشقة. قال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان
(١٣٥٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٨٢)، ومُسْلِم (٦٩٤) عنه في الصَّلاة.
٤٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أن النبي وَّ إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخذا لأنفسهما
بالشدة، انتهى. وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي. وقيل: إن عثمان يرى
القصر مختصًّا بمن كان شاخصًا سائرًا. وأما من كان قائمًا في مكان في أثناء السفر
فله حكم المقیم.
قال الحافظ: والمنقول أن سبب إتمام عثمان، أنه كان يرى القصر مختصًّا بمن
كان شاخصًا سائرًا. وأما من أقام بمكان في أثناء سفرِه فله حكم المقيم فيتم،
والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: لما قدم
علينا معاوية حاجًّا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل
عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك؛ لأنه كان قد أتم
الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة، إذا قدم مكة صلى بها الظهر،
والعصر، والعشاء، أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا
فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة، قال الحافظ: وهذا الوجه أولى، أي: من
الوجه الثاني؛ لتصريح الراوي بالسبب، وإن رجح الوجه الثاني جماعة.
وقيل: إنما صلى عثمان بمنى أربعًا؛ لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام،
فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع، ذكره الطحاوي عن أيوب عن الزهري. وروى
البيهقي من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عوف عن أبيه عن عثمان أنه أتم بمنى،
ثم خطب، فقال: إن القصر سنة رسول اللَّه وَله وصاحبيه، ولكنه حدث طغام -
يعني: بفتح الطاء والمعجمة - فخفت أن يستنوا. وعن ابن جريج: أن أعرابيًّا ناداه
في منى: يا أمير المؤمنين، ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين!
قال الحافظ: وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب
الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل يقويه من حيث أن حالة الإقامة
في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، وهذا ما أدى
إليه اجتهاد عثمان، انتهى. وهاهنا أقوال أخرى في بيان السبب في إتمام عثمان
بمنى، لكنها لا دليل عليها، بل هي ظنون ممن قالها، فلا حاجة إلى ذكرها. (فَكَانَ
ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَام) الظاهر أنه عثمان، ويحتمل أنه أراد إمامًا يتم. (صَلَّى
أَرْبَعًا)؛ لأنه يجب على المسافر المقتدي أن يتبع إمامه قصر أو أتم، كما تقدم.
٤٦٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
(وَإِذَا صَلَّهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْن) أي: قصر الرباعية؛ لأنه مسافر، والقصر
أفضل وأحوط بلا خلاف. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، بل ما ذكر من فعل ابن عمر
- أي: قوله: ((فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى)) ... إلخ - لم يروه البخاري أصلًا،
والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص ٥٥ - ٥٨) والترمذي والنسائي كلهم من
طريق عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن عبد الله بن عمر. وأخرجه مسلم أيضًا
من طريق سالم عن أبيه عبد الله بن عمر، وأخرجه البخاري والنسائي أيضًا من
طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
١٣٥٧ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَّةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: قُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٣٥٧ - قوله: (فُرِضَتِ الصَّلَاةُ) أي: أولًا بمكة ليلة الإسراء. (رَكْعَتَيْنِ)
وفي رواية: ((ركعتين ركعتين)) بالتكرير؛ لإفادة عموم التثنية لكل صلاة في الحضر
والسفر. زاد أحمد في ((مسنده): إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا. (ثُمَّ هَاجَرَ رَسُولُ
اللّهِ وَّهِ﴾ أي: إلى المدينة. وفي البخاري: ((النَّبِيُّ)). بدل ((رَسُولُ اللَّهِ)). (فَفُرِضَتِ
أَرْبَعًا) أربعًا أي: في الحضر إلا الصبح. قال الدولابي: نزل إتمام صلاة المقيم في
الظهر يوم الثلاثاء اثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر بعد مقدمه ◌َ ل بشهر،
وأقرت صلاة السفر، ذكره العيني. وقال السهيلي: بعد الهجرة بعام أو نحوه، زيد
في صلاة الحضر. (وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) ركعتين ركعتين. (عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُوْلَى)
ليس في البخاري لفظ: (الْفَرِيضَةِ)، وإنما وقع ذلك في رواية مسلم من طريق
يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها
ركعتين، ثم أتمها في الحضر، فأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى.
(١٣٥٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٣٥٠)، ومُسْلِم (٦٨٥) عنها فيها .
٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
e
قال القسطلاني: الأولى - بضم الهمزة - لأبي ذر على الأول أي: من عدم
الزيادة بخلاف صلاة الحضر، فإنه زيد في ثلاث منها ركعتان. وفي رواية
للبخاري: فرض الله الصلاة حين فرضها في الحضر والسفر، فأقرت صلاة
السفر، وزيد في صلاة الحضر، أي: لما قدم رسول اللَّه وَّل المدينة، وقد تمسك
بظاهر الحديث الحنفية: على أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، فلا يجوز
الإتمام إذ ظاهر قولها: ((أقرت)) يقتضيه. وأجيب عنه بوجوه:
منها: المعارضة بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛
لأنه يدل على أن الأصل الإتمام؛ لأن القصر إنما يكون عن تمام سابق، ونفي
الجناح يدل على جوازه دون وجوبه. وأجاب الحنفية عن هذه الآية بوجوه، كما
تقدم في شرح حديث يعلى بن أمية في الفصل الأول من هذا الباب. وقال بعضهم:
إن إطلاق القصر عليه باعتبار ما زيد في الصلاة لا باعتبار أصل الصلاة، فإنها تدل
على أن إطلاق القصر عليه باعتبار ما زيد فيها في الحضر لا باعتبار مطلق الصلاة،
فإنه كان زيد فيه بإطلاق اللفظ لا بخصوصية الحضر، وكان في علم الله مخصوصة
بالحضر، فأطلق القصر عليه باعتبار إطلاق ظاهر اللفظ، انتهى. وزاد بعضهم
موضحًا ومبينًا لهذا الجواب يعني: فإطلاق القصر مجاز باعتبار الزيادة، انتهى.
ولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف والتعسف.
ومنها: أن حديث عائشة من قولها غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض
الصلاة. وتعقب: بأنه مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، وعلى تقدير تسلیم
أنها لم تشهد فرض الصلاة يكون مرسل صحابي، وهو حجة؛ لأنه يحتمل أن تكون
أخذته عن النبي وَله، أو عن صحابي آخر أدرك ذلك. ومنها: أن عائشة أتمت في
السفر، والعبرة عند الحنفية برأي الصحابي لا بمرويه.
قال الحافظ: ألزموا الحنفية على قاعدتهم فيما إذا عارض رأي الصحابي روايته
بأنهم يقولون: العبرة بما رأى لا بما روى، وخالفوا ذلك هنا، فقد ثبت عن عائشة
أنها كانت تتم في السفر، فدل ذلك على أن المروي عنها غير ثابت. وأجيب: بأن
هذا الإلزام مدفوع بما في آخر هذا الحديث من قول عروة: تأولت - أي: عائشة -
كما تأول عثمان، فإنه يدل على أن الأصل في السفر ركعتان عندها أيضًا، ولكنها
٤٦٥
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلاةِ
أتمت بالتأويل. كما أتم عثمان بالتأويل. قال الحافظ: والجواب عن الحنفية: أن
عروة الراوي عنها قد قال لما سئل عن إتمامها في السفر: أنها تأولت، كما تأول
عثمان، فعلى هذا لا تعارض بين روايتها وبين رأيها، فروايتها صحيحة، ورأيها
مبني على ما تأولت، انتهى.
ومنها: المعارضة بحديث ابن عباس الذي بعد هذا: فرض الله الصلاة في
الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وأجاب عنه الحافظ: بأنه يمكن الجمع بين
حديث عائشة وابن عباس بأن يقال: إن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين
ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلا الصبح، كما روى ابن
خزيمة وابن حبان والبيهقي من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة؛ قالت:
فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول اللَّه وَل المدينة،
واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة،
وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار، انتهى. ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف
منها في السفر عند نزول الآية السابقة، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في ((شرح
المسند»: أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره
غيره أن نزول آية الخوف كان فيها. وقيل: كان قصر الصلاة في السفر في الربيع
الآخر من السنة الثانية.
وقيل: بعد الهجرة بعام أو نحوه. وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا، فعلى هذا
فالمراد بقول عائشة: فأقرت صلاة السفر أي: باعتبار ما آل إليه الأمر من
التخفيف، لا أنها استمرت منذ فرضت، فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة،
انتهى. وقال السندي: قوله: فأقرت أي: رجعت بعد نزول القصر في السفر إلى
الحالة الأولى، بحيث كأنها كانت مقررة على الحالة الأصلية، وما ظهرت الزيادة
فيها أصلًا، انتهى.
(قَالَ الزُّهْرِيُّ: قُلْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزبير. (تُتِمُّ) بضم أوله الصلاة. (قَالَ) عروة:
(تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانٌ) كذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: ((تأولت ما
تأول عثمان)). قال الحافظ: يمكن أن يكون مراد عروة التشبيه بعثمان في الإتمام
بتأويل لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان، فتكاثرت
٤٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بخلاف تأويل عائشة، انتهى. وقد سبق الكلام في تأويل عثمان. وأما عائشة فقد
جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما أخرجه البيهقي (ج٣ ص ١٤٣) من طريق
هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت
ركعتين، فقالت: يا بن أختي، إنه لا يشق علي. إسناده صحيح، وهو دال على أنها
تأولت أن القصر رخصة وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل، ويدل على اختيار
الجمهور ما رواه أبويعلى والطبراني بإسناد جيد عن أبي هريرة: أنه سافر مع النبي
وَّ ومع أبي بكر وعمر، فكلهم كان يصلي ركعتين من حين يخرج من المدينة إلى
مكة، حتى يرجع إلى المدينة في السير، وفي المقام بمكة، كذا في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب: التاريخ من كتاب الهجرة، إلا لفظ
((الْفَرِيضَةِ))، فإنه ليس للبخاري، بل هو لمسلم وحده، كما تقدم، وإلا قوله: قال
الزهري ... إلخ. فإن هذه الزيادة عند البخاري، إنما هي في آخر حديث عائشة
في أبواب تقصير الصلاة. والحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي
والبيهقي (ج٣ ص١٣٥، ١٤٣) بألفاظ متقاربة.
١٣٥٨ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانِ
نَبِّكُمْ وَّهِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًّا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً.
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح}.
الشّرْحُ
١٣٥٨ - قوله: (فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ) أي: الرباعية. (عَلَى لِسَانٍ نَبِّكُمْ وََّ) قال
(٣)﴾ [النجم: ٣]، (فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا)
الطيبي: هو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَعَّ
أي: بعد ما كانت ركعتين، ثم قصرت في السفر، فكانت صلاة السفر، كأنها ما
زيد فيها، وهذا معنى قوله. (وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) فلا يعارض هذا الحديث ما روي
عن عائشة: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين في الحضر والسفر، وقد تقدم
وجه الجمع مفصلًا في كلام الحافظ.
(١٣٥٨) مُسْلِم (٦٨٧) عنه فيها .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ الشَّفَرِ
Be
٤٦٧
(وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً) فيه: أن اللازم في الخوف ركعة ولو اقتصر عليها جاز. قال
النووي: هذا الحديث قد عمل بظاهره طائفة من السلف، منهم الحسن البصري
والضحاك وإسحاق بن راهويه، وعطاء وطاووس ومجاهد والحكم بن عتيبة وقتادة
والثوري من التابعين، وابن عباس وأبوهريرة وأبوموسى الأشعري من الصحابة.
وقال الشافعي ومالك والجمهور، وفيهم أبو حنيفة وأحمد: إن صلاة الخوف
كصلاة الأمن في عدد الركعات، فإن كانت في الحضر وجب أربع ركعات، وإن
كانت في السفر وجب ركعتان. ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في حال من
الأحوال، وتأولوا حديث ابن عباس هذا على أن المراد ركعة مع الإمام وركعة
أخرى يأتي بها منفردًا، كما جاءت الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي وَال
وأصحابه في الخوف، وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين الأدلة، انتهى.
قال السندي: لا منافاة بين وجوب واحد والعمل باثنتين حتى يحتاج إلى التأويل
للتوفيق، لجواز أنهم عملوا بالأحب والأولى، انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في
ذلك في صلاة الخوف. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص ٢٣٧، ٣٥٥)
وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج ٤ ص ١٣٥) وفي الباب عن أبي هريرة
أخرجه أحمد.
١٣٥٩، ١٣٦٠ - [١٨، ١٩] وَعَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَا: سَنَّ
رَسُولُ اللّهِ بِّهِ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وهُمَا تَمَامُ غَيْرُ قَصْرٍ ، والْوِتْرُ فِي السَّفَرِ
سُنَّةٌ.
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف جدًّا}
الشّرْحُ
١٣٦٠ - قوله: (سَنَّ) أي: شرع رسول اللَّه ◌َيِّ (صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) أي:
ثبت على لسانه، وإلا فالقصر ثابت بالكتاب، أو المراد: أنه بين بالقول والفعل ما
في الكتاب، قاله القاري. وقال ابن حجر: أي: بين أنها كذلك لمن أراد القصر.
(١٣٥٩)، (١٣٦٠) ابن مَاجَهْ (١١٩٤) فيها عن ابن عباس وعن ابن عُمَرَ.
٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَهُمَا تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ) أي: في الثواب، أو المراد: أنهما المشروع في السفر، كما
نطق به حديث عائشة وإن أطلق عليها القصر في كتاب الله تعالى، قاله في
((اللمعات)). وقال القاري: ((وهما تمام)) أي: تمام المفروض غير قصر أي: غير
نقصان عن أصل الفرض، فإطلاق القصر في الآية مجاز أو إضافي، انتهى.
وقال السندي: تمام غير قصر، أي: لا ينبغي الزيادة فيها فصارت كالتمام، فلا
يرد أن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ﴾ [النساء: ١٠١] ظاهر في
القصر، فكيف يصح القول بأنها تمام غير قصر؟ وقال ابن حجر: أي: تمام بالنسبة
للثواب، فثواب القصر يقارب ثواب الإتمام.
(وَالْوِتْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ) أي: مشروع بالسنة، أو المراد بالسنة: الطريقة
المسلوكة في الدين أعم من السنة المصطلح عليها عند الفقهاء، كما يدل عليه
السوق أي: الوتر في السفر طريقة مسلوكة مستمرة لا تترك في السفر، كما تترك
النوافل والرواتب، وإلا فالوتر إن كان واجبًا فليس سنة، وإن كان سنة فهو سنة في
الحضر والسفر كليهما، فما وجه التخصيص بالسفر؟
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في باب الوتر في السفر. وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٢٤١)
وفي سنده عندهما جابر الجعفي، وهو ضعيف، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(ج٢ ص ١٥٥) وقال: رواه البزار، وفيه جابر الجعفي، وثقه شعبة والثوري، وضعفه
آخرون، فنسي أن ينسبه إلى ((مسند الإمام أحمد))، وأنه في ((سنن ابن ماجه)).
١٣٦١ - [١٩] وَعَنْ مَالِكِ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي
مِثْلِ مَا يَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةً وَعُسْفَانَ، وَفِي مِثْلِ مَا
بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ، قَالَ مَالِكَ: وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُدٍ.
[رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأ] (ضعيف}
الشَّرْحُ
١٣٦١ - قوله: (وَعَنْ مَالِكِ) أنه. (بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) قال ابن عبد البر: وما
(١٣٦١) مَالِك (١١٠) عنه موقوف.
٤٦٩
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
رواه مالك عن ابن عباس هذا معروف من نقل الثقات متصل الإسناد عنهم من
وجوه، ثم رواها في ((الاستذكار)) عن عبد الرزاق وغيره. (كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ)
الرباعية. (فِي مِثْلِ مَا يَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ) وفي ((الموطأ)): في مثل ما بين مكة
والطائف بالهمزة بعد الألف، وبينهما ثلاثة مراحل أو اثنان، قاله الزرقاني. وقال
ياقوت في ((معجمه)): هي مسيرة يوم للطالع من مكة ونصف يوم للهابط إلى مكة،
وقال أيضًا: الطائف: هو وادي وج، وهو بلاد ثقيف بينها وبين مكة اثنا عشر
فرسخا، انتهى.
وقيل: بينهما من طريق السيل مائة وخمسة وثلاثون كيلو مترًا، أي: نحو
خمسة وثمانين ميلًا، ومن طريق عرفة تسعة وتسعون كيلو مترًا، أي: نحو اثنين
وستين ميلًا. (وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ) بضم العين كعثمان، والنون زائدة.
موضع على مرحلتين من مكة، قاله المجد. وقال الزرقاني: بين مكة وعسفان
ثلاثة مراحل. وفي ((المعجم)) لياقوت الحموي: قال أبومنصور: منهلة من مناهل
الطريق بين الجحفة ومكة. وقيل: قرية جامعة بها منبر ونخيل ومزارع على ستة
وثلاثين ميلًا من مكة، وهي حد تهامة.
(وفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ) بضم الجيم وتشديد الدال، بلد على ساحل بحر
اليمن، وهي فرضة مكة، بينها وبين مكة ثلاث ليال. وقيل: بينهما يوم وليلة.
وقيل: هي على مرحلتين شاقتين من مكة. وقيل: بينهما ثلاثة وسبعون كيلو مترًا،
أي: نحو ستة وأربعين ميلًا. (قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ) أي: أقل ما بين ما ذكر من
المواضع، أو كل واحد من هذه الأماكن. (أَرْبَعَةُ بُدٍ) بضمتين جمع برید، و کل
بريد أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال، فهي ثمانية وأربعون ميلًا. قال مالك:
وذلك أحب ما يقصر فيه الصلاة إليَّ. وقد سبق بيان اختلاف العلماء في قدر
المسافة التي يجوز فيها القصر، وتعيين القول الراجح في ذلك.
وقد روى مالك في ((الموطأ)): عن ابن عمر أنه ركب من المدينة إلى ريم فقصر
الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد، وروي عنه أيضًا: أنه
ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة، قال مالك: بين ذات النصب والمدينة أربعة
برد، وروي عنه أيضًا: كان يقصر الصلاة في مسيرة اليوم التام. قال ابن عبد البر في
٤٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((الاستذكار)): مسيرة اليوم التام بالسير الحثيث أربعة برد أو نحوها.
قال الباجي: أكثر مالك من ذكر أفعال الصحابة لما لم يصح عنده في ذلك
توقيف عن النبي وَّل، انتهى. قلت: وروى البيهقي (ج ٣ ص ١٣٧) عن عطاء بن أبي
رباح أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كانا يصليان ركعتين ركعتين، ويفطران
في أربعة برد فما فوق ذلك. قال ابن حجر: ومثل ذلك لا يكون إلا بتوقيف، وروى
عبد الرزاق عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال: لا تقصروا الصلاة إلا في
اليوم، ولا تقصر فیما دون اليوم، ولابن أبي شيبة من وجه آخر صحيح عنه، قال:
تقصر الصلاة في مسيرة يوم وليلة. (رَوَاهُ) أي: مالك (فِي الْمُوَطَّأ) أي: عن مالك
أنه بلغه، وهذا كما ترى غير ملائم، فكان على المؤلف أن يقول: وعن ابن عباس
أنه كان يقصر الصلاة ... إلخ. ثم يقول: رواه مالك في ((الموطأ)) بلاغًا، ثم
يقول: وقال: وذلك ... إلخ. على طبق سائر الأحاديث، حيث يبدأ بالصحابي
ويختم بالمخرج، كذا في ((المرقاة))، وقد تقدم أن هذا البلاغ رواه ابن عبد البر في
((الاستذكار)) موصولًا، ووصله الشافعي أيضًا، قال: أنا سفيان عن عمرو عن عطاء
عن ابن عباس: أنه سئل: أنقصر الصلاة إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى عسفان
وإلى جدة وإلى الطائف.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٢٩): وإسناده صحيح، وذكره مالك في
((الموطأ)) عن ابن عباس بلاغًا، انتهى. وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن عطاء بن أبي
رباح، قلت لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ قال: لا، قلت: أقصر إلى الطائف وإلى
عسفان؟ قال: نعم، وذلك ثمانية وأربعون ميلًا، وعقد بيده. وقد روي عن ابن
عباس مرفوعًا، أخرجه الدار قطني (ص١٤٨) والبيهقي (ج ٣ص ١٣٧ - ١٣٨)،
وابن أبي شيبة والطبراني في ((الكبير)) من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه،
وعطاء عن ابن عباس أن رسول اللَّه ◌ِوَّلَه قال: ((يَا أَهْلَ مَكَّةَ لاَ تَقْصُرُوا الصَّلاَةَ فِى أَدْنَى
مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ)). قال الحافظ: وإسناده ضعيف من أجل عبد
الوهاب فإنه متروك، رواه عنه إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين
ضعيفة، والصحيح عن ابن عباس من قوله، كما سبق ذكره.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ السَّفْرِ
٤٧١
١٣٦٢ - [٢١] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَجِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ
سَفَرًا، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنٍ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ.
[رَواهُ أَبُو دَاودَ وَالتِّْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٣٦٢ - قوله: (وَعَنِ الْبَرَاءِ) أي: ابن عازب. (ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا) بفتح
السين المهملة والفاء. (فَمَا رَأَيْتُهُ تَرََكَ رَكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظَّهْرِ) ظرف
((ترك))، الظاهر: أن هاتين الركعتين هما سنة الظهر القبلية. فهذا الحديث دليل
لمن قال بجواز الإتيان بالرواتب في السفر، وقد حمله من لم يقل بذلك على سنة
الزوال لا على الراتبة قبل الظهر، وقد تقدم الكلام في ذلك مفصلًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَالتِّرْمِذِيُّ) كلاهما عن قتيبة عن الليث بن سعد عن صفوان بن سليم عن أبي بسرة
الغفاري عن البراء بن عازب. (وَقَالَ) أي: الترمذي. (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وقال
أيضًا: سألت محمدًا عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم
أبي بسرة الغفاري ورآه حسنًا، انتهى. وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري كلام
الترمذي وأقره. وأخرجه البيهقي (ج ٣ص١٥٨) من طريق ابن وهب عن الليث بن
سعد وأبي يحيى بن سليمان عن صفوان بن سليم عن أبي بسرة عن البراء.
١٣٦٣ - [٢٢] وَعَنْ نَافِعِ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ
عُبَيْدِ اللَّهِ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ ، فَلَا يُّنْكِرُ عَلَيْهِ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
١٣٦٣ - قوله: (كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين المهملة ابن عبد الله بن
عمر بن الخطاب. (يَتَتَفَّلُ في السَّفَرِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ) هذا بظاهره مشكل؛ لما سبق في
(١٣٦٢) أَبُو دَاوُد (١٢٢٢)، والتِّرْ مِذِي (٥٥٠)، وقال: غريب.
(١٣٦٣) رَوَاهُ مَالِك (١١٢) عن نافع عنه رَوَّهُ.
٤٧٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
*ee
*
حديث حفص بن عاصم من إنكاره على المسبحين، أي: المنتفلين، فقيل: مذهب
ابن عمر الفرق بين الرواتب والمطلقة كالتهجد والوتر والضحى، وغير ذلك،
فيحمل إنكاره على الأول وسكوته على الثاني، فلعله رأى ابنه عبيد اللَّه ينتفل بغير
الرواتب فسكت ولم ينكر عليه، وقيل غير ذلك، كما تقدم.
(رَوَاهُ مَالِك) في ((الموطأ)) قال: بلغني عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يرى ابنه
... إلخ، كذا وقع في نسخ ((الموطأ)) المطبوعة بالهند، وكذا ذكره الجزري في
((جامع الأصول)) (ج ٦ ص٤٦٣). ووقع في النسخ المصرية، قال: بلغني أن
عبد الله بن عمر كان يرى ابنه ... إلخ أي: بدون قوله: عن نافع. قال الزرقاني:
زاد ابن وضاح: عن نافع، انتهى. وهذه الزيادة موجودة في جميع النسخ الهندية
الموجودة عندنا، وقوله: بلغني عن نافع، يدل على أن مالكًا لم يأخذه عن نافع
مباشرة، والله أعلم.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الجمعةِ
٤٧٣
٤٢ - بَابُ الْجُمعَةِ
(بَابُ الْجُمُعَةِ) بضم الميم على المشهور إتباعًا لضمه الجيم، كعسر في عسر،
اسم من الاجتماع، أضيف إليه اليوم والصلاة، ثم كثر الاستعمال حتى حذف منه
الصلاة، وهي لغة الحجاز، وجوز إسكان الميم على الأصل لمفعول كهزأة، وهي
لغة تميم أي: اليوم المجموع فيه، وفتحها بمعنى فاعل أي: اليوم الجامع، فهو
كهزة، فتاؤها للمبالغة، كضحكة للمكثر من ذلك لا للتأنيث، وإلا لما وصف بها
اليوم. والمراد هنا: بيان فضل يوم الجمعة وشرفه.
قال النووي: يقال: بضم الجيم والميم وإسكانها وفتحها، حكاهن الفراء
والواحدي وغيرهما، ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناس ويكثرون فيها، كما يقال:
هُمَزة ولُمَزة لكثرة الهمز واللمز، ونحو ذلك، سميت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها
أي: للصلاة، وكان يوم الجمعة في الجاهلية يسمى: ((العروبة))، انتهى.
وبهذا جزم ابن حزم، فقال: إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية، وإنما كان
يسمى في الجاهلية: ((العروبة))، فسميت في الإسلام الجمعة للاجتماع إلى
الصلاة، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن ابن سيرين بسند
صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة، وكانوا يسمون يوم
الجمعة يوم العروبة فصلى بهم وذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه،
انتھی.
وقيل: سميت بذلك؛ لأن كم الخلائق جمع فيها.
وقيل: لأن خلق آدم جمع فيها، ورد ذلك من حديث سلمان. أخرجه أحمد
وابن خزيمة وغيرهما في أثناء حديث، وله شاهد عن أبي هريرة، ذكره ابن أبي
حاتم موقوفًا بإسناد قوي، وأحمد مرفوعًا بإسناد ضعيف.
قال الحافظ: وهذا أصح الأقوال: وقيل: لأن كعب بن لؤي كان يجمع فيه قومه
فيذكرهم، ويأمرهم بتعظيم الحرم.
٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
e
وقيل: إن قصيًّا هو الذي كان يجمعهم في دار الندوة.
وذكر ابن القيم في ((الهدي)) (ج ١ ص١٠٢ - ١١٨): ليوم الجمعة ثلاثًا وثلاثين
خصوصية ذكر بعضها الحافظ في ((الفتح)) ملخصًا، من أحب الوقوف عليها رجع
إليهما .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
* ***
*
بابُ الجُمعَةِ
٤٧٥
الفصل الأول
١٣٦٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: «نَحْنُ
الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِنَاهُ مِنْ
بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ - يَعْنِي: يَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَاخْتَفُوا
فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، والنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعِ، الْيَهُودُ غَدًّا، والنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ)).
[متفق عليه]
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ
أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَيَّدَ أَنَّهُمْ ... )). وَذَكَرَ نَحْوُهُ إِلَى آخِرِهِ (*).
الشّرْحُ
١٣٦٤ - قوله: (نَحْنُ) أي: أنا وأمتي. (الْآخِرُونَ) أي: زمانًا في الدنيا.
(السَّابِقُونَ) أي: أهل الكتاب وغيرهم منزلة وكرامة. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) في الحشر،
والحساب، والقضاء لهم قبل الخلائق، وفي دخول الجنة. قال الحافظ: أي:
الآخرون زمانًا الأولون منزلةً يوم القيامة، والمراد: أن هذه الأمة وإن تأخر
وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة، وبأنهم أول من
يحشر، وأول من يحاسب، وأول من يقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة. وقيل:
المراد بالسبق هنا: إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل، وهو يوم الجمعة. ويوم
الجمعة وإن كان مسبوقًا بسبت قبله أو أحد، لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة
متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقًا. وقيل: المراد بالسبق أي: إلى القبول
والطاعة التي حرمها أهل الكتاب، فقالوا: سمعنا وعصينا، والأول أقوى، انتهى.
(بَيْدَ) بموحدة مفتوحة ثم تحتية ساكنة مثل ((غَيْرَ)) وزنًا ومعنّى وإعرابًا. وبه جزم
الخليل والكسائي، ورجحه ابن سيدة. وروي عن الشافعي أن معنى بيد: من
(١٣٦٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٨٧٦)، ومُسْلِم (١٩ / ٨٥٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَشْتَهُ .
(*) مُسْلِم (٨٥٥/٢٠) (٨٥٦/٢٢) عَنْهُ.
٤٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
e
*3
أجل، واستبعده عياض ولا بُعد فيه، والمعنى: إنا سبقنا بالفضل، إذ هدينا للجمعة
مع تأخرنا في الزمان؛ بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم، ويشهد له ما في فوائد
ابن المقري بلفظ: نحن الآخرون في الدنيا ونحن السابقون أول من يدخل الجنة؛
لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وفي ((موطأ)) سعيد بن عفير عن مالك عن أبي الزناد
بلفظ: ذلك بأنهم أوتوا الكتاب. وقيل: في معناه على أنهم أوتوا الكتاب من
قبلنا. وقيل: مع أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. قال القرطبي: إن كانت بمعنى: غير
فنصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى: مع فنصب على الظرف.
وقال الطيبي: هي للاستثناء، وهو من باب: تأكيد المدح بما يشبه الذم، فإنه
يؤكد مدح السابقين بما عقب من قوله: (وَأَوْتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ)؛ لأنه أدمج فيه معنى
النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان متأخرًا في الوجود،
وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: (نَحْنُ الآخِرُونَ) مع كونه أمرًا واضحًا، والمعنى:
نحن السابقون في الفضل غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ... إلخ. فهو من باب:
بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
وأرجع لمزيد التفصيل في تفسير لفظ: ((بيد))، وضبطه إلى تعليق ((مسند الإمام
أحمد)) (ج ٣ ص ٣٤) للعلامة الشيخ أحمد شاكر.
(أُوتُوا الْكِتَابَ) اللام للجنس، والمراد: التوراة والإنجيل. والضمير في أوتيناه
للقرآن، قاله الحافظ. وقال السندي: اللام للجنس، فيحمل بالنسبة إليهم على
كتابهم، وبالنسبة إلينا على كتابنا، وهذا بيان زيادة شرف آخر لنا، أي: فصار كتابنا
ناسخًّا لكتابهم، وشريعتنا ناسخة لشريعتهم، وللناسخ فضل على المنسوخ، أو
المراد: بيان أن هذا يرجع إلى مجرد تقدمهم علينا في الوجود، وتأخرنا عنهم فيه،
ولا شرف لهم فيه، أو شرف لنا أيضًا من حيث قلة انتظارنا أمواتًا في البرزخ، ومن
حيث حيازة المتأخر علوم المتقدم دون العكس، فقولهم: الفضل للمتقدم ليس
بكلي، انتهى. (ثُمَّ) أتى بها إشعارًا بأن ما قبلها كالتوطئة والتأسيس لما بعدها.
(هَذَا) أي: هذا اليوم، وهو يوم الجمعة، (يَوْمُهُمْ الّذِي فُرِضَ) بصيغة المجهول.
قال الحافظ: كذا للأكثر، وللحموي: فرض الله. (عَلَيْهِمْ) أي: وعلينا تعظيمه
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الجمعةِ
HeNE
٤٧٧
بعينه، أو الاجتماع فيه .
قال الحافظ: المراد باليوم: يوم الجمعة، والمراد بفرضه: فرض تعظيمه.
وأشير إليه بهذا؛ لكونه ذكر في أول الكلام، كما عند مسلم من طريق آخر عن
أبي هريرة، ومن حديث حذيفة قالا: قال رسول اللَّه وَّة: ((أَضَلَّ اللَّهُ عَنْ الْجُمُعَةِ
مَنْ كَانَ قَبْلَنَا ... )) الحديث. (يَعْنِي: يَوْمَ الْجُمُعَةِ) كذا في جميع النسخ من طبعات
الهند. ووقع متن ((المرقاة)) يعني: الجمعة أي: بحذف لفظ يوم. قال القاري:
تفسير من الراوي لهذا يومهم. وفي نسخة صحيحة: ((يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ - أَي:
يُرِيْدُ النَّبِيَّ وَّهَ بِهَذَا الْيَوْمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ -))، انتهى. قلت: ليس هذا التفسير في
((الصحيحين)) ولا عند النسائي، فالله أعلم من أين أخذه البغوي، أو هو الذي فسره
بذلك.
قال القسطلاني: روى ابن أبي حاتم عن السدي: أن اللَّه فرض على اليهود
الجمعة فأبوا وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئًا فاجعله لنا، فجعل
عليهم. وفي بعض الآثار مما نقله أبوعبد اللَّه الآبي: أن موسى عليه الصلاة
والسلام عين لهم يوم الجمعة، وأخبرهم بفضيلته، فناظروه بأن السبت أفضل،
فأوحى الله تعالى إليهم: دعهم وما اختاروا، والظاهر: أنه عينه لهم؛ لأن السياق
دل على ذمهم في العدول عنه، فيجب أن يكون قد عينه لهم؛ لأنه لو لم يعينه لهم،
ووكل التعيين إلى اجتهادهم؛ لكان الواجب عليهم تعظيم يوم لا بعينه، فإذا أدى
الاجتهاد إلى أنه السبت أو الأحد لزم المجتهد ما أدى الاجتهاد إليه ولا يأثم،
ويشهد له قوله هذا: ((يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ))، فإنه ظاهر أو نص في
التعيين، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿وَآَدْخُلُواْ
الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وغير ذلك، وكيف لا، وهم القائلون: سمعنا
وعصینا؟! انتهى.
(فَاخْتَلَفُوا فِيهِ) هل يلزم تعيينه، أم يسوغ لهم أبدًا له بغيره من الأيام، وأبدلوه،
وغلطوا في إبداله؟ قاله النووي. وقال القسطلاني: اختلفوا فيه بعد أن عين لهم،
وأمروا بتعظيمه فتركوه، وغلبوا القياس، فعظمت اليهود السبت للفراغ فيه من
الخلق، وظنت ذلك فضيلة توجب عظم اليوم وقالت: نحن نستريح فيه من العمل،
٤٧٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جم
*E
ونشتغل بالعبادة والشكر، وعظمت النصارى الأحد؛ لأنه أول يوم بدأ اللَّه فيه
بخلق الخلق فاستحق التعظيم.
(فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ) أي: لهذا اليوم بالوحي الوارد في تعظيمه، بأن نص لنا عليه ولم
يكلنا إلى اجتهادنا، ثم ثبتنا على قوله، والقيام بحقوقه، أو هدانا الله له بالاجتهاد
الموافق للمراد، يعني: وفقنا للإصابة حتى عينا الجمعة، ويشهد للثاني ما رواه
عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن
يقدمها رسول اللّه وَّه، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا
يجتمعون فیه کل سبعة أيام وللنصارى کذلك، فهلم فلنجعل يومًا نجتمع فيه فنذكر
اللَّه تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة
فصلى بهم يومئذٍ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ
اُلْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية، وهذا وإن كان مرسلًا، فله شاهد بإسناد حسن. أخرجه
أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وغير واحد من حديث كعب بن
مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول اللّه وَل المدينة أسعد بن
زرارة ... الحديث. فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم
الجمعة بالاجتهاد. ولا يمنع ذلك أن يكون النبي وَل علمه بالوحي، وهو بمكة فلم
يتمكن من إقامتها ثّم، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس عند الدار قطني. ولذلك
جمع بهم أول ما قدم المدينة. كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا فقد
حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق.
وقيل: في الحكمة في اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما
خلق للعبادة فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات،
وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه، كذا في
((الفتح)). (وَالنَّاسُ) وفي ((الصحيحين) فالناس أي: أهل الكتابين. (لَنَا) متعلق
بتبع. وقيل: متعلقة محذوف، واللام تعليلية مشيرة إلى النفع. (فِيهِ) أي: في
اختيار هذا اليوم للعبادة.
(تَبَعٌ) فإنهم إنما اختاروا ما يعقبه؛ لأنه لما كان يوم الجمعة مبدأ خلق الإنسان
وأول أيامه كان المتعبد فيه باعتبار العادة متبوعًا، والمتعبد فيه في اليومين اللذين
٤٧٩
كِتَابُ الصَّلاةِ
بابُ الجُمعَةِ
بعده تابعًا، ويحتمل أن يقال: إن الأيام الثلاثة بتواليها، مع قطع النظر عن اعتبار
الأسبوع لا شك في تقدم يوم الجمعة وجودًا، فضلاً عن الرتبة، و((تبع)) بفتح التاء
المثناة والباء الموحدة جمع تابع .
(الْيَهُودُ غَدًا) أي: يوم السبت. (وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) أي: يوم الأحد. قيل:
التقدير تعييد اليهود غدًا، وتعييد النصارى بعد غد، كذا قدره ابن مالك ليسلم من
الإخبار بظرف الزمان عن الجثة. وقال القرطبي: ((غدًّا)) هنا منصوب على الظرف،
وهو متعلق بمحذوف، وتقديره اليهود يعظمون غدًا، وكذا قوله بعد غد ولا بد من
هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الجثة. وفي الحديث: دليل على
فرضية الجمعة، كما قاله النووي لقوله: فرض عليهم فهدانا الله له، فإن التقدير:
فرض عليهم فضلوا وهدينا. وفي رواية لمسلم: كتب علينا، وفيه: أن القياس مع
وجود النص ساقط، وذلك أن كلًّا منهما قال بالقياس مع وجود النص على قول
التعيين فضلًا، وأن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، ويدل على ذلك تسمية الأسبوع
كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سبتًا، كما وقع في حديث أنس عند البخاري
في الاستسقاء، وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود فتبعوهم في ذلك، وفيه: بيان
واضح لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السالفة .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٤٣، ٢٤٩، ٣٧٤)
والنسائي والبيهقي (ج٣ ص ١٧٠ - ١٧١). (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ نَحْنُ الْآخِرُونَ) أي:
وجودًا وخلقة في الدنيا. (الْأَوَّلُونَ) أي: بعثًا ومرتبة. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) والعبرة بذلك
اليوم ومواقفه. (وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) يعني: نبينا قبل سائر الأنبياء، وأمته
قبل سائر الأمم. (بَيْدَ أَنَّهُمْ) قال العيني: هو مثل غير وزنًا ومعنَّى وإعرابًا، ويقال:
ميد بالميم، وهو اسم ملازم للإضافة إلى أن وصلتها، وله معنيان: أحدهما: غير
إلا أنه لا يقع مرفوعًا ولا مجرورًا بل منصوبًا ولا يقع صفة ولا استثناء متصلًا، وإنما
يستثنى به في الانقطاع خاصة. (وَذَكَرَ) أي: مسلم. (نَحْوَهُ) أي: معنى ما تقدم من
المتفق عليه. (إِلَى آخِرِهِ) يعني: أن الخلاف إنما هو في صدر الحديث بوضع
((الأولون)) موضع السابقون ويكون أحدهما نقلًا بالمعنى وبزيادة: ((وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ)) في رواية مسلم هذه.