النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١٣٤٢ - [١] عَنْ أَنَس: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ
[مُتَّفَق عَلَيْهِ]
أَرْبَعًا، وصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْخُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.
الشّرْجُ
١٣٤٢ - قوله: (صَلَّى الظَّهْرَ بِالْمَدِينَةِ) أي: في اليوم الذي أراد فيه الخروج
إلى مكة للحج أو العمرة.
(أَرْبَعًا) أي: أربع ركعات.
(وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) بضم المهملة وفتح اللام، تصغير حلفة. ((وذو
الحليفة)) موضع على ثلاثة أميال من المدينة على الأصح، وهو ميقات أهل المدينة
المشهور الآن ببئر علي.
(رَكْعَتَيْنِ) قصرًا؛ لأنه كان في السفر.
والحديث: دليل على أن من أراد السفر لا يقصر حتى يبرز من البلد؛ لأن
النبي ◌َّ لم يقصر حتى خرج من المدينة. واستدل به: على استباحة قصر الصلاة
في السفر القصير؛ لأن بين المدينة وذي الحليفة ثلاثة أميال. وقيل: ستة أميال.
وقيل: سبعة. وتعقب: بأن ذا الحليفة لم تكن منتهى السفر وغايته، وإنما خرج
إليها حيث كان قاصدًا مكة، فاتفق نزوله بها، وكانت أول صلاة حضرت بها العصر
فقصرها، واستمر يقصر إلى أن رجع.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي (ج ٣ ص١٤٥،
١٤٦) .
(١٣٤٢) البُخَارِي (١٠٨٩)، ومُسْلِم (١٠/ ٦٩٠)، وأبو دَاوُد (١٢٠٢)، والترمِذِي (٥٤٦)، والنَّسَائِي
(١/ ٢٣٥) فِي الصَّلَاةِ.

٤٢١
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٣٤٣ - [٢] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبِ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطَّ وَآمَنُهُ بِمِنَّا رَكْعَتَيْنِ.
[متفق عليه]
الشّرْحُ
١٣٤٣ - قوله: (وَعَنْ حَارِثَةَ) بالحاء المهملة والمثلثة. (بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو
وسكون الهاء. (الْخُزَاعِيِّ) بضم الخاء المعجمة، نسبة إلى خزاعة، وحارثة هذا
أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه، صحابي نزل الكوفة، وكان عمر زوج أمه،
أم كلثوم بنت جرول بن المسيب الخزاعية. (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا
كُنَّا) برفع ((أَكْثَرُ)) على أنه خبر ((نحن))، و((مَا)) مصدرية، ومعناه: الجمع؛ لأن ما
أضيف إليه أفعل التفضيل يكون جمعًا. (قَطَّ) بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة
في أفصح اللغات، ظرف بمعنى الدهر والزمان، متعلق بـ((كُنَّ)). ويختص بالماضي
المنفي في الغالب الشائع، وربما استعمل بدون النفي، كما في هذا الحديث وله
نظائر .
(وَ آمَنُهُ) بالرفع عطف على ((أَكْثَرُ)) وقط مقدر هاهنا، والضمير فيه راجع إلى ((مَا
كُنَّا)). والواو في ((وَنَحْنُ)) للحال المعترضة بين (صَلَّى) ومعموله وهو. (بِمِنَّا) بكسر
الميم والألف، منصرفًا وفي بعض النسخ: بمنى بالياء غير منصرف، وهو یذکر
ويؤنث، فإن قصد الموضع فمذكر، ويكتب بالألف وينصرف، وإن قصد البقعة
فمؤنث، ولا ينصرف ويكتب بالياء، والمختار تذكيره، وسمي بذلك لكثرة ما يمنى
فيه أي: يراق من الدماء.
(رَكْعَتَيْنٍ) أي: في حجة الوداع. والمعنى: صلى بنا رسول اللَّه ◌َل بمنى
ركعتين، والحال أنا في ذلك الوقت أكثر أكواننا في سائر الأوقات عددًا، وأكثر
أكواننا في سائر الأوقات أمنًا. وإسناد الأمن إلى الأوقات مجاز، كذا قاله الطيبي.
ويجوز أن تكون (مَا)) نافيه خبر المبتدأ الذي هو ((نحن)) و((أَكْثَرُ)) منصوبًا على أنه خبر
(١٣٤٣) البُخَارِي (١٠٨٣)، ومُسْلِم (٦٩٦/٢٠)، وأَبُو دَاوُد (١٩٦٥)، والتِّرْ مِذي (٨٨٢)، والنَّسَائِي
(١١٩/٣) فِيهَا عَنْهُ.

aex
٤٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
کان. ويجوز إعمال (ما)) في ما قبلها، إذا كانت بمعنی لیس، فكما يجوز تقديم خبر
ليس عليه يجوز تقديم خبر ((ما)) في معناه عليه. والتقدير: ونحن ما كنا قط أكثر منا
في هذا الوقت ولا آمن منا فيه، وفي الحديث: دليل على جواز القصر في السفر
من غير خوف، ورد على من زعم أن القصر مختص بالخوف. وللحديث شاهد من
حديث ابن عباس عند الترمذي وصححه، والنسائي بلفظ: خرج من المدينة إلى
مكة لا يخاف إلا الله يصلي ركعتين، والذي قال: إن القصر مختص بالخوف
تمسك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيُِّ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمُ
أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]. ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم.
فقيل: لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، والشرط هنا
خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك الخوف في الأسفار.
وقيل: هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب، ثم زال السبب، وبقي الحكم
كالرمل. وقيل: القصر مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر مع الأمن ثابت
بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه وَّ من القصر مع
الأمن. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص٢١١): ليس في قوله: (صَلَّى بِنَا)،
دليل على أن المكي يقصر الصلاة بمنى؛ لأن رسول اللَّه وَ ليل كان مسافرًا بمنى،
فصلى صلاة المسافر، ولعله لو سأل رسول اللّه وَ ل عن صلاته لأمره بالإتمام، وقد
يترك رسول اللّه ◌َ ل بيان بعض المأمور في بعض المواطن؛ اقتصادًا على ما تقدم
من البيان السابق خصوصًا في مثل هذا الأمر، الذي هو من العلم الظاهر العام،
وكان عمر بن الخطاب يصلي بهم فيقصر، فإذا سلم التفت إليهم، وقال: أتموا يا
أهل مكة، فإنا قوم سفر، انتهى.
قلت: اتفق الأئمة على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى وسائر
المشاهد؛ لأنه عندهم في سفر؛ لأن مكة ليست دار إقامة إلا لأهلها أو لمن أراد
الإقامة بها، وكذلك منى وعرفات والمزدلفة. واختلفوا في صلاة المكي بمنى
وغيرها من المشاهد، فقال مالك: يتم بمكة ويقصر بمنى، وكذلك أهل منى يتمون
بمنى ويقصرون بمكة وعرفات، قال: وهذه المواضع مخصوصة بذلك؛ لأن
النبي وَّ لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه، ولا قال لأهل مكة: أتموا، وهذا
موضع بيان، وممن روى عنه أن المكي يقصر بمنى: ابن عمر وسالم والقاسم

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
eastHe
٤٢٣
وطاوس، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، وقالوا: إن القصر سنة الموضع، وإنما يتم
بمنى وعرفات من كان مقيمًا فيها.
وقال أكثر أهل العلم: منهم: عطاء والزهري والثوري والكوفيون وأبو حنيفة
وأصحابه والشافعي وأحمد وأبوثور: ولا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات؛
لانتفاء مسافة القصر. وحاصل مذهب مالك، كما يدل عليه كلامه في ((الموطأ):
أن القصر عنده لأجل النسك بشرط السفر، لكن لا للسفر الشرعي، بل لمطلق
السفر، ولذلك يتم عنده أهل مكة ومنى وعرفة والمزدلفة في أمكنتهم، ويقصرون
في غيرها، وضابطه عنده أن أهل كل مكان يتمون به، ويقصرون فيما سواه، خلافًا
للأئمة الثلاثة، فإن القصر عندهم للسفر الشرعي، فلا يقصر في هذه الأمكنة إلا
من كان مسافرًا شرعيًّا. قال ابن المنير المالكي: السر في القصر في هذه المواضع
المتقاربة إظهارًا لله تعالى تفضله على عباده، حيث اعتد لهم بالحركة القريبة
اعتداده في السفر البعيد، فجعل الوافدين من عرفة إلى مكة كأنهم سافروا إليها
ثلاثة أسفار: سفر إلى مزدلفة، ولهذا يقصر أهل مكة بمنى، فهي على قربها من
عرفة معدودة بثلاث مسافات، كل مسافة منها سفر طويل. وسر ذلك - والله أعلم
- أنهم كلهم وفد، وإن القريب كالبعيد في إسباغ الفضل، ذكره القسطلاني.
وقال الباجي: إن أهل مكة إذا حجوا اقتضى ذلك بلوغًا إلى عرفة، ورجوعًا إلى
مكة، ولو كان منتهى سفرهم عرفة لما قصروا الصلاة، واحتسب في هذا السفر
بالذهاب والمجيء؛ لأن من خرج من مکة إلی عرفة محرمًا بالحج، فلا بد له من
الرجوع إلى مكة بحكم الإحرام الذي دخل فيه؛ لأنه لا يصح أن يتم عمله الذي
دخل فيه إلا بالرجوع إلى مكة. وأما سائر الأسفار، فإن نوى فيه المسير والمجيء
فإنه لا يلزمه الرجوع، وله أن يقيم في منتهى سفره، أو يمضي منه إلى موضع
سواه. فالواجب على أهل مكة، إذا خرجوا للحج أن يصلوا ركعتين حتى ينصرفوا
إلى مكة، وذلك يقتضي أن يصلوا ركعتين في البداءة والعودة، ويصلون كذلك
بعرفة والمزدلفة وغيرهما، انتهى بتغير يسير .
وقال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى، لقال لهم النبي وَله :
((أَتِمُّوا))، وليس بين مكة ومنى مسافة القصر، فدل على أنهم قصروا للنسك.

٤٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
:* 1
وأجيب: بأن الترمذي روى من حديث عمران بن حصين أنه وقّ كان يصلي بمكة
ركعتين، ويقول: ((يَا أَهْلَ مَكَّةَ، أَتِّمُّوا، فَإِنَّا قَوْمُ سَفْرٌ))، وكأنه ترك إعلامهم بذلك
بمنى؛ استغناء بما تقدم بمكة. قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأن الحديث من رواية
علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، ولو صح فالقصة كانت في الفتح، وقصة
منى في حجة الوداع، وكان لا بد من بيان ذلك لبُعد العهد، انتهى.
قلت: روى البيهقي (ج ٣: ص ١٣٥، ١٣٦) من طريق علي بن زيد بن جدعان
عن أبي نضرة قال: سأل شاب عمران بن حصين عن صلاة رسول اللّه وَّل في
السفر. فقال: إن هذا الفتى يسألني عن صلاة رسول اللَّه وَ ل في السفر، فاحفظوهن
عني، ما سافرت مع رسول اللّه وَل سفرًا قط إلا صلى ركعتين حتى يرجع،
وشهدت معه حنين والطائف، فكان يصلي ركعتين، ثم حججت معه، واعتمرت
فصلى ركعتين، ثم قال: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، أَيِّمُّوا الصَّلاةَ، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ ... )) الحديث.
وفيه: نص على أنه وَّ قال ذلك في الحج أيضًا، ورد على ما قيل: إن القصة لم
تكن إلا في ((الفتح)). (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبودواد في الحج
والنسائي في الصلاة والبيهقي (ج٣: ص١٣٤، ١٣٥).
١٣٤٤ - [٣] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّمَا
قَالَ اللَّه تعالى: ﴿أَن نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]
فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، قَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه ،
فَقَالَ: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (صحيح}
الشّرْحُ
١٣٤٤ - قوله: (قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّمَا قَالَ اللَّه تعالى: ﴿أَنْ نَقْصُرُوا﴾)
وفي ((صحيح مسلم)): قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ﴾ أي:
وإذا ضربتم في الأرض أي: سافرتم فليس عليكم جناح، أي: وزر وحرج، أن
(١٣٤٤) مُسْلِمٌ (٦٨٦/٤٨)، وَأَبُو دَاوُد (١١٩٩)، والتِّرْ مِذِيُّ (٣٠٣٤)، والنَّسَائِيُّ (١١٦/٣)، عَنْهُ
فِيهَا .

٤٢٥
بَابُ صَلَاةِ الشَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
تقصروا بضم الصاد أي: في أن تقصروا أي: في القصر، وهو خلاف المد، يقال:
قصرت الشيء أي: جعلته قصيرًا بحذف بعض أجزائه فمتعلق القصر جملة الشيء
لا بعضه، فإن البعض متعلق الحذف دون القصر. فحينئذٍ قوله: (مِنَ الصَّلَاةِ) ينبغي
أن يكون مفعولًا لتقصروا على زيادة من حسب ما رآه الأخفش. وأما على رأي
غيره من عدم زيادتها في الإثبات. فتجعل تبعيضية، ويراد بالصلاة الجنس؛ ليكون
المقصور بعضًا منها، وهو الرباعيات، قاله أبو السعود.
(إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ) أي: ينالكم بمكروه. (الَّذِينَ كَفَرُوا، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ) أي:
وذهب الخوف، فما بالهم يقصرون الصلاة، أو فما وجه القصر؟. (قَالَ عُمَرُ) وفي
((صحيح مسلم): فقال بزيادة الفاء وحذف الفاعل. (عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ) أنت.
(فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ) أي: عن ذلكِ كما في مسلم. (فَقَالَ: صَدَقَةٌ) أي: قصر
الصلاة في السفر صدقة. (تَصَدَّقَ اللَّهُ) أي: تفضل. (بِهَا عَلَيْكُمْ) أي: توسعة
ورحمة. قال السندي: أي: شرع لكم ذلك رحمة عليكم، وإزالة للمشقة؛ نظرًا
إلى ضعفكم وفقركم. وهذا المعنى يقتضي أن ما ذكر فيه من القيد فهو اتفاق، ذكره
على مقتضى ذلك الوقت، وإلا فالحكم عام، والقيد لا مفهوم له. ولا يخفى ما في
الحديث من الدلالة على اعتبار المفهوم في الأدلة الشرعية، وأنهم كانوا يفهمون
ذلك، ويرون أنه الأصل، وأن النبي ◌ّلّ قررهم على ذلك، لكن بيّن أنه قد لا يكون
معتبرًا أيضًا بسبب من الأسباب.
فإن قلت: يمكن التعجب مع عدم اعتبار المفهوم أيضًا بناء على أن الأصل هو
الإتمام لا القصر، وإنما القصر رخصة جاءت مقيدة للضرورة، فعند انتفاء القيد
مقتضى الأدلة هو الأخذ بالأصل، قلت: هذا الأصل إنما يعمل به عند انتفاء
الأدلة. وأما مع وجود فعل النبي ◌َّ بخلافه فلا عبرة به، ولا يتعجب من خلافه،
فليتأمل، انتهى كلام السندي. (فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) أي: سواء حصل الخوف أم لا ،
وإنما قال في الآية: (إِنْ خِفْتُمْ)؛ لأنه قد خرج مخرج الأغلب؛ لكون أغلب أسفار
النبيِ وَلّه وأصحابه لم تَخْلُ من خوف العدو، لكثرة أهل الحرب إذ ذاك، فحينئذٍ لا
تدل الآية على عدم القصر إن لم يكن خوف؛ لأنه بيان للواقع إذ ذاك فلا مفهوم له.
قال ابن القيم: قد أشكلت الآية على عمر وغيره، فسأل عنها رسول اللّه وَّل،
فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من الله، وشرع شرعه للأمة، وكان هذا بيان أن

٤٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف.
وغايته: أنه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له، انتهى. وقد احتج بالحديث لمن
قال: بأن القصر رخصة، والإتمام أفضل.
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص٢٦١): في هذا حجة لمن ذهب إلى أن
الإتمام هو الأصل، ألا ترى أنهما، أي: يعلى بن أمية وعمر قد تعجبا من القصر مع
عدم شرط الخوف، فلو كان أصل صلاة المسافر ركعتين لم يتعجبا من ذلك، فدل
على أن القصر إنما هو عن أصل كامل قد تقدمه، فحذف بعضه، وأبقى بعضه.
وفي قوله: (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ) دليل على أنه رخصة رخص لهم فيها،
والرخصة، إنما تكون إباحة لا عزيمة، انتهى.
وأجيب عن ذلك: بأن الأمر بقبولها يقتضي وجوب القبول، وأنه لا محيص
عنها، فإن أصل الأمر للوجوب، فلا يبقى له خيار الرد شرعًا، وجواز الإتمام رد لها
لا قبول، على أن الصدقة من الله تعالى فيما لا يحتمل التمليك عبارة عن الإسقاط،
فلا يحتمل اختيار القبول وعدمه. وأيضًا العبد فقير فإعراضه عن صدقة ربه يكون
• [العلق: ٧]. وفي رد صدقة أحد عليه من
قبيحًا، ويكون من قبيل ﴿أَنْ رَّدَاهُ أُسْتَغْفَ
التأذى عادة ما لا يخفى فهذه من أمارات الوجوب، ويوافقه حديث: أَنَّهَا («تَمَامٌ غَيْرُ
قَصْرٍ))، واحتج لهم أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ﴾، فإن نفي
الجناح لا يدل على العزيمة، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر
إنما يكون عن شيء أطول منه. وأجيب عنه بوجوه :
منها: أن الآية وردت في قصر صفة الصلاة بترك الركوع والسجود إلى الإيماء،
وترك القيام إلى الركوب في الخوف. فالمراد بالقصر في الآية: إدخال التخفيف
في كيفية أداء الركعات في الخوف دون القصر في عدد الركعات في صلاة السفر.
ومنها: أن المراد بالقصر في الآية القصر في كمية الركعات، وعددها،
وبالصلاة صلاة الخوف لا صلاة المسافر. فالآية نزلت في قصر العدد في صلاة
الخوف لا في صلاة السفر.
ومنها: أنه إنما أتى بهذه العبارة؛ لأن المسلمين، لكمال ولعهم بالعبادة
وتكثيرها، وأدائها بالتمام كأنهم كانوا يتحرجون في القصر، وكانوا يعدونه جناحًا

٤٢٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
فقال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ﴾ ولا حرج، فإن الركعتين في حكم الأربعة كما
قال الذين ذهبوا إلى وجوب السعي بين الصفا والمروة في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].
وقال ابن القيم في ((الهدي)) (ج١ ص١٣١): وقد يقال: إن الآية اقتضت قصر
يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين. وقيد ذلك بأمرين:
الضرب بالأرض، والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصران، فيصلون صلاة
الخوف، مقصورة عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى
القصران، فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره
وحده، فإذا وجد الخوف، والإقامة قصرت الأركان واستوفى العدد، وهذا نوع
قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفر، والأمن قصر العدد،
واستوفى الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق،
وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمی تامة باعتبار تمام
أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية.
والأول: اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني: يدل عليه كلام
الصحابة كعائشة وابن عباس وغيرهما. قالت عائشة: ((فرضت الصلاة ركعتين،
فلما هاجر رسول اللَّه ◌َ لَه إلى المدينة زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر)).
فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع، وإنما هي مفروضة
كذلك، وأن فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان
نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.
وقال عمر بن الخطاب: صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والعيد ركعتان
تمام غير قصر على لسان محمد وَله. وقد خاب من افترى. وهذا ثابت عن عمر
رَوْتَهُ، وهو الذي سأل النبي ◌َّلهُ ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال له رسول اللَّه ◌ِتٍ:
((صَدَقَةٌ تَصَّدَّقُ بِهَا اللهُ عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)). ولا تناقض بين حديثيه، فإن
النبي وَلّ لما أجابه: بأن هذه صدقة اللَّه عليكم، ودينه اليسر السمح، علم عمر،
أنه ليس المراد من الآية قصر العدد، كما فهمه كثير من الناس، فقال: ((صَلَاةُ
السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ)). وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد

٤٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
*
مباح منفي عنه الجناح، فإن شاء المصلي فعله، وإن شاء أتم، وكان رسول اللّه وَيه.
يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين، ولم يربع قط إلا شيئًا فعله في بعض صلاة
الخوف، كما سنذكره هناك ونبين ما فيه، انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا
الشافعي وأحمد والترمذي في تفسيره وأبو داود والنسائي وابن ماجه في الصلاة
والبيهقي (ج ٣ ص ١٣٤ - ١٤١) وغيرهم.
١٣٤٥ - [٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لْهِ مِنَ الْمَدِينَةِ
إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنَّ رَكْعَتَيْنٍ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قِيلَ لَهُ:
أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: ((أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا)).
[متفق عليه]
الشَّرْجُ
١٣٤٥ - قوله: (مِنَ الْمَدِينَةِ) أي: متوجهين (إِلَى مَكَّةَ) أي: للحج كما في
رواية لمسلم. (فَكَانَ يُصَلِّي) أي: الرباعية. (رَكْعَتَيْنٍ رَكْعَتَيْنِ) أي: كل رباعية
ركعتين. (قِيلَ لَهُ) أي: لأنس. والقائل أي: السائل هو يحيى بن أبي إسحاق
الحضرمي الراوي عن أنس كما صرح به في رواية البخاري في الصلاة. (أَقَمْتُمْ)
بحذف همزة الاستفهام وفي رواية أبي داود: هل أقمتم؟ (شَيْئًا) أي: من الأيام.
(قَالَ) أي: أنس. (أَقَمْنَا بِهَا) أي: بمكة وبضواحيها. (عَشْرًا) أي: عشرة أيام،
وإنما حذفت التاء من العشرة مع أن اليوم مذكر؛ لأن المميز إذا لم يذكر جاز في
العدد التذكير والتأنيث. ولا يعارض هذا حديث ابن عباس المذكور بعده،
وحديث عمران الآتي في الفصل الثاني؛ لأنهما في فتح مكة، وهذا في حجة
الوداع .
قال الإمام أحمد: إنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي ◌َّ بمكة ومنى،
وإلا فلا وجه له غير هذا. واحتج بحديث جابر: أن النبي ◌ُّ قدم مكة صبيحة رابعة
من ذي الحجة يوم الأحد، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى
(١٣٤٥) البُخَارِي (١٠٨١)، ومُسْلِم (٦٩٣/١٥)، وأبو داود (١٢٣٣)، والترمذي (٥٤٨)، والنَّسَائِي
(١١٨/٣)، وابنُ مَاجِه (١٠٧٧) فِيهَا عَنْهُ.

٤٢٩
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الصبح في اليوم الثامن يوم الخميس، ثم خرج إلى منى، وخرج من مكة متوجهًا
إلى المدينة بعد أيام التشريق. ومثله حديث ابن عباس عند البخاري بلفظ: ((قدم
النبي وَلّ وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج ... )) الحديث.
قال الحافظ: ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة
بمكة، وضواحيها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة
أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى. وقال المحب
الطبري: أطلق على ذلك إقامة بمكة؛ لأن هذه المواضع مواضع النسك، وهي في
حكم التابع لمكة؛ لأنها المقصود بالأصالة، لا يتجه سوى ذلك، كما قال الإمام
أحمد، انتهى. وقد أشكل الحديث على الشافعية؛ لأنه قد تقرر عندهم أنه لو نوى
المسافر إقامة أربعة أيام بموضع عينه انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع بخلاف ما
لو نوى دونها، وإن زاد عليه. ولا ريب أنه وُّل في حجة الوداع كان جازمًا بالإقامة
بمكة المدة المذكورة.
وأجاب البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٣ ص١٤٩) بما نصه: وإنما أراد أنس
بقوله: ((فأقمنا بها عشرًا)). أي: بمكة ومنى وعرفات، وذلك لأن الأخبار الثابتة
تدل على أن رسول اللَّه ◌َ لل قدم مكة في حجته لأربع خلون من ذي الحجة، فأقام
بها ثلاثًا يقصر، ولم يحسب اليوم الذي قدم فيه مكة؛ لأنه كان فيه سائرًا، ولا يوم
التروية؛ لأنه خارج فيه إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء
والصبح، فلما طلعت الشمس سار منها إلى عرفات، ثم دفع منها حيت غربت
الشمس حتى أتى المزدلفة، فبات بها ليلتئذ حتى أصبح، ثم دفع منها حتى أتى منى
فقضى بها نسكه، ثم أفاض إلى مكة فقضى بها طوافه، ثم رجع إلى منى فأقام بها،
ثم خرج إلى المدينة، فلم يقم ◌ّ في موضع واحد أربعًا يقصر، انتهى كلام
البيهقي. وتعقبه ابن التركماني، وتعقبه متجه عندي، قال: أقام بمكة أربعة أيام
يقصر، فإنه ◌َّير قدم صبح رابعة من ذي الحجة، فأقام الرابع والخامس والسادس
والسابع، وبعض الثامن ناويًا للإقامة بها بلا شك، ثم خرج إلى منى يوم التروية،
وهو الثامن قبل الزوال. وهذا يبطل تقديرهم بأربعة أيام. ولهذا حكى ابن رشد عن
أحمد وداود: أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتم، قال: واحتجوا بمقامه التَّلُ
في حجته بمكة مقصرًا أربعة أيام.

٤٣٠
Settle
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وذكر صاحب ((التمهيد)) عن الأثرم قال أحمد: أقام علَّ اليوم الرابع،
والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الصبح بالأبطح في الثامن، فهذه إحدى
وعشرون صلاة قصر فيها، وقد أجمع على إقامتها، وظهر بهذا بطلان قول
البيهقي: فلم يقم ظلِّل في موضع واحد أربعًا يقصر. وكيف يقول: كان سائرًا في
اليوم الرابع، مع أنه قدم في صبيحته فأقام بمكة؟! او كيف لا يحسب يوم الدخول،
مع أن الأحكام المتعلقة بالسفر لينقطع حكمها يوم الدخول، إذا نوى الإقامة،
ويلحق بما بعده أصله رخصة المسح والإفطار؟! فلا معنى لإخراجه بعد نية الإقامة
بغير دليل شرعي، وكذا يوم الخروج قبل خروجه. وفي (اختلاف العلماء))
للطحاوي روي عن ابن عباس وجابر: أنه تغلَلا قدم مكة صبيحة رابعة من ذي
الحجة، فكان مقامه إلى وقت خروجه أكثر من أربع، وقد كان يقصر الصلاة، فدل
على سقوط الاعتبار بالأربع، انتهى كلام ابن التركماني.
وأجاب بعضهم عن هذا التعقب: بأنه إنما يخالفنا، إذا أقام أربع ليال مع أيامها
التامة. ويمكن أنه وَ * خرج في اليوم الثامن من قبل الوقت الذي دخل فيه في اليوم
الرابع، فما تمت له أيام الأربع، كذا أجاب، ولا يخفى ما فيه، قلت: واستدل
الشافعية والمالكية على مذهبهم بنهيه وَلّ للمهاجر عن إقامة فوق ثلاث بمكة،
فتكون الزيادة عليها إقامة لا قدر الثلاث. قال القسطلاني: الترخيص في الثلاث
يدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة، فالأربع حد الإقامة، وما دونه حد
السفر يقصر فيه. ورد ذلك: بأن الثلاث قدر قضاء الحوائج لا لكونها غير إقامة.
قال ابن حزم في ((المحلی)) (ج ٥ص٢٤): ليس في هذا الخبر نص ولا إشارة إلى
المدة التي إذا أقامها المسافر يتم صلاته، وإنما هو في حكم المهاجر لا يقيم أكثر
من ثلاثة أيام ليحاز شغله، وقضى حاجته في الثلاث، ولا حاجة إلى أكثر منها، ولا
يدل على أنه يصير مقيمًا في الأربعة، ولو احتمل لا يثبت حكم شرعي بالاحتمال،
قال وأيضًا: فإن المسافر مباح له أن يقيم ثلاثًا وأكثر من ثلاث لا كراهية في شيء
من ذلك. وأما المهاجر فمكروه له أن يقيم بمكة بعد انقضاء نسكه أكثر من ثلاث،
فأي نسبة بين إقامة مكروهة وإقامة مباحة؟ وأيضًا: فإن ما زاد على الثلاثة الأيام
للمهاجر داخل عندهم في حكم أن يكون مسافرًا. لا مقيمًا، وما زاد على الثلاثة
للمسافر فإقامة صحيحة. وهذا مانع من أن يقاس أحدهما على الآخر، وأيضًا: فإن

٤٣١
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
إقامة قدر صلاة واحدة زيادة على الثلاثة مكروهة للمهاجر، فينبغي عندهم إذا
قاسوا عليه المسافر أن يتم، وهو خلاف مذهبهم. وقد ظهر بهذا، أنه ليس حديث
مرفوع صريح في ما ذهب إليه المالكية والشافعية. وكذا في ما ذهب إليه الحنفية
كما صرح به ابن رشد في ((البداية)).
وقال صاحب ((العرف الشذى)): لا مرفوع لأحد ولكل واحد آثار. فاستدل
الحنفية بما روى الطحاوي عن ابن عباس وابن عمر قالا: إذا قدمت بلدة وأنت
مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يومًا أكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري
متى تظعن فاقصرها، ذكره الزيلعي في ((نصب الراية))، والحافظ في ((الدراية))،
والعيني في ((البناية)) وابن الهمام في ((فتح القدير)). وروى نحوه محمد بن الحسن
في كتاب الآثار عن ابن عمر وحده. قال الشوكاني: ورد بأنه من مسائل الاجتهاد،
ولا حجة في أقوال الصحابة في المسائل التي للاجتهاد فيها مسرح، قال: والحق :
أن من حط رحله ببلد ونوى الإقامة بها أيامًا من دون تردد لا يقال له: مسافر، فيتم
الصلاة ولا يقصر إلا لدليل ولا دليل هاهنا إلا في ما في حديث الباب من إقامته وَ ل
بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة، والاستدلال به متوقف على ثبوت أنه وَّ عزم على
إقامة أربعة أيام إلا أن يقال: إن تمام أعمال الحج في مكة لا يكون في دون الأربع،
فكان كل من يحج عازمًا على ذلك، فيقتصر على هذا المقدار، ويكون الظاهر،
والأصل في حق من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام هو التمام، وإلا لزم أن يقصر
الصلاة من نوى إقامة سنين متعددة، ولا قائل به. ولا يرد على هذا قوله في إقامته
بمكة في الفتح: ((إِنَّا قَوْمُ سَفْرٌ))؛ لأنه كان إذ ذاك مترددًا، ولم يعزم على إقامة مدة
معينة، انتهى.
قلت: لا شك أنه ولو كان جازمًا بالإقامة أربعة أيام بمكة في حجته؛ لأنه دخل
بها صبيحة رابعة، وخرج منها إلى منى في بعض الثامن أي: بعد صلاة الصبح،
فكان ناويًا لإقامة تلك المدة بلا شك، وقد قصر بها الصلاة. فهذا يدل على مذهب
الإمام أحمد. ولم يثبت من حديث مرفوع قولي أو فعلي، أنه وَّ أز مع على أكثر
من أربعة أيام وقصر الصلاة. فالقول الراجح عندي: هو ما ذهب إليه أحمد، والله
أعلم. وأما حديث ابن عباس فسيأتي الكلام فيه. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا
الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص١٣٦ و١٤٥ و١٤٨
و ١٥٣) وغيرهم.

٤٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣٤٦ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَافَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ سَفَرًّا، فَأَقَامَ تِسْعَةَ
عَشَرَ يَوْمًّا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَحْنُ نُصَلِّي فِيمَا بَيْنَنَا
وَبَيْنَ مَكَّةَ، تِسْعَةَ عَشَرَ، رَكْعَتَيْنٍ رَكْعَتَيْنٍ، فَإِذَا أَقَّمْنَا، أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا
أَرْبَعًا.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٣٤٦ - قوله: (سَافَرَ النَّبِيُّ ◌َّ سَفَرًّا) أي: في فتح مكة، ففي رواية للبخاري
في المغازي: أقام النبي ◌َيّ بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين. وذكره المجد
ابن تيمية في المنتقى بلفظ: لما فتح النبي ◌َّ- مكة أقام فيها تسع عشرة يصلي
ركعتين. (فَأَقَامَ) أي: فلبث. (تِسْعَةَ عَشَرَ) بتقديم الفوقية على السين. (يَوْمًا)
بليلته. (يُصَلِّي) أي: حال كونه يصلي.
(رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ) أي: يقصر الصلاة الرباعية؛ لأنه كان مترددًا متى تهيأ له فراغ
حاجته، وهو انجلاء حرب هوازن ارتحل.
واعلم: أنه اختلفت الروايات في إقامته ◌ّيه بمكة عام الفتح، فروي: تسعة
عشر، كما ذكره المصنف. وروي: عشرون، أخرجه عبد بن حميد في مسنده.
وروي: سبعة عشر بتقديم السين، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه
وابن حبان والبيهقي. وروي: خمسة عشر، أخرجه أبو داود والنسائي كلها عن ابن
عباس. وروي: ثمانية عشر، كما في حديث عمران الآتي.
قال البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٣ ص١٥١): وأصح هذه الروايات في ذلك
عندي رواية من روى: تسع عشرة أي: بتقديم التاء، وهي الرواية التي أودعها
البخاري في ((الجامع الصحيح))، وجمع أيضًا البيهقي بين روايات: تسع عشرة،
وثمان عشرة، وسبع عشرة. بأن من رواها تسع عشرة عد يوم الدخول ويوم
الخروج، ومن روى ثمان عشرة لم يعد أحد اليومين، ومن قال: سبع عشرة لم
يعدهما، قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٢٩): وهو جمع متين، وتبقى رواية
(١٣٤٦) البُخَارِي (١٠٨٠)، وَأَبُو دَاوُد (١٢٣٠)، وَابن مَاجَهْ (١٠٧٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَهُ فِيهَا.

٤٣٣
بَابُ صَلَاةِ السَّفْرِ
X HONEESE
كِتَابُ الصَّلَاةِ
CNN NIESXE
خمسة عشر شاذة لمخالفتها، ورواية عشرين، وهي صحيحة الإسناد إلا أنها شاذة
أيضًا، اللهم إلا أن يحمل على جبر الكسر، ورواية ثمانية عشر ليست بصحيحة من
حيث الإسناد، أي: لما في سنده علي زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وسيأتي
الكلام فيه .
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر الجمع المذكور: وأما رواية: خمسة عشر، فضعفها
النووي في ((الخلاصة))، وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن
إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك. وإذا
ثبت أنها صحيحة، فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة،
فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة. واقتضى ذلك أن
رواية تسع عشرة أرجح الروايات. وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضًا،
إنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة، وأخذ الثوري وأهل الكوفة برواية
خمس عشرة، لكونها أقل ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقًا، انتهى. (قَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ) استنباطًا من هذا الحديث.
(فَتَحْنُ نُصَلِّ فِيْمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكْةَ تِسْعَةَ عَشَرَ) أي: يومًا. ولفظ الترمذي: فنحن
نصلي فيما بيننا وبين تسع عشرة. (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ) وفي رواية للبخاري: ونحن
نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة. وفي رواية للبيهقي (ج٣ ص ١٥٠): فنحن إذا
سافرنا، فأقمنا تسعة عشر صلينا ركعتين ركعتين، ولأبي يعلى: إذا سافرنا فأقمنا
في موضع تسعة عشر.
(فَإِذَا أَقَمْنَا) أي: مكثنا (أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا) وقد أخذ به إسحاق بن راهويه
أيضًا، كما تقدم في كلام الحافظ، فمدة القصر عنده وعند ابن عباس تسعة عشر
يومًا، فإذا أجمع على أكثر من ذلك في موضع أتم. قال الترمذي: أما إسحاق
فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس هذا، قال: لأن ابن عباس روى عن
النبيِ وَ له، ثم تأوله بعد النبي ◌َّ - يعني: أخذ به وعمل عليه بعد وفاته ◌َّل، انتهى.
قلت: الاستدلال بهذا الحديث على أن من يقيم هذه المدة. تسعة عشر، أو
خمسة عشر على اختلاف الروايتين والمذهبين قصدًا يقصر، لا يخلو عن إشكال؛
لأنه موقوف على ثبوت أنه وَّم أز مع في أول الأمر على إقامته بمكة هذه المدة، ولا

٤٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
دلالة في هذه القصة على ذلك أصلاً، بل الظاهر أن النبي وَلّ أقام بمكة هذه المدة
اتفاقًّا لا يدري أول الأمر أن إقامته تمتد إلى متى؛ لأنه كان مترددًا متى تهيأ له فراغ
حاجته يرحل. ومن كان كذلك يقصر أبدًا؛ لأنه لم ينو الإقامة، والأصل بقاء
السفر، ولذا قال الترمذي: أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع
إقامة، وإن أتى عليه سنون، وكذا قال ابن المنذر. وأما الاستدلال بحديث ابن
عباس على أن من يزيد على هذه المدة يتم، كما قال ابن عباس وإسحاق ففي غاية
الخفاء .
هذا وقد أجاب عن الإشكال المذكور الإمام ابن تيمية في أحكام السفر
(ص٨١): بأنه معلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك، لم يكن ينقضي في
ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال: إنه كان يقول: اليوم أسافر، غدًا أسافر، بل فتح
مكة وأهلها، وما حولها كفار محاربون له، وهي أعظم مدينة فتحها، وبفتحها ذلت
الأعداء، وأسلمت العرب. ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا ينقضي في أربعة
أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، وكذلك تبوك إلى آخر
ما قال. ولا يخفى ما فيه على المتأمل. (رَوَاهُ) أي: أصل الحديث. (الْبُخَارِيُّ)
وإلا فالسياق المذكور ليس للبخاري، فإن الحديث رواه البخاري في الصلاة بلفظ
أقام النبي ◌َّل تسعة عشر يقصر الصلاة، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا
أتممنا، ورواه في المغازي من طريقين مختصرًا بلفظ: أقام النبي وَّ بمكة تسعة
عشر يومًا يصلي ركعتين. ومطولًا بلفظ: أقمنا مع النبي ◌َّ في سفر تسع عشرة
نقصر الصلاة .
قال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا أردنا أتممنا.
والسياق الذي ذكره المصنف، إنما هو للترمذي والبيهقي بفرق يسير. والبغوي
إنما ذكر في ((المصابيح)) سياق البخاري المختصر. ولعل المصنف أعرض عنه
لاختصاره، وأورد سياق الترمذي والبيهقي، لكونه واضحًا مطولًا، لكن كان ينبغي
له أن ينبه على تصرفه هذا، فإن صنيعه يدل على أن السياق المذكور للبخاري،
والأمر ليس كذلك، كما عرفت، والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو
داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص١٤٩، ١٥٠، ١٥١).

٤٣٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ ضِلَاةِ السَّفَرِ
١٣٤٧ - [٦] وَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقٍ
مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَّ رَحْلَهُ وَجَلَسَ، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا،
فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوَكُنْتُ مُسَبِّحًا أَتْمَمْتُ
صَلَاتِ، صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا
بَكْرٍ ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ.
[متفق عليه]
الشّرْجُ
١٣٤٧ - قوله: (وَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِم) بن عمر بن الخطاب ثقة من الطبقة
الوسطى من التابعين (صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ) أيّ: رافقت عمي عبد الله بن عمر بن
الخطاب. (فَصَلَّى لَنَا الظَّهْرَ رَكْعَتَيْنٍ) قصرًا ثم أقبل، وأقبلنا معه. (ثُمَّ جَاءَ) وفي
مسلم: ((حتى جاء)). (رَحْلَهُ) أي: منزله ومسكنه. (وَجَلَسَ) وجلسنا معه، فحانت
منه التفاتة نحو حيث صلى. (فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا) بكسر القاف جمع قائم أي: قائمين
للصلاة في المكان الذي صلوا الفرض فيه. (فَقَالَ) إنكارًا: (مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟
قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ) أي: يصلون النافلة، فالسبحة هنا صلاة النفل، (لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا)
أي: مصليًا النافلة في السفر.
(أَتْمَمْتُ صَلَاتِي) أي: المكتوبة. قال السندي: لعل المعنى: لو كنت صليت
النافلة على خلاف ما جاءت به السنة لأتممت الفرض على خلافها، أي: لو تركت
العمل بالسنة لكان تركها لإتمام الفرض أحب، وأولى من تركها لإتيان النفل،
وليس المعنى: لو كانت النافلة مشروعة لكان الإتمام مشروعًا حتى يرد عليه ما
قيل: إن شرع الفرض تامًا يفضي إلى الحرج، إذ يلزم حينئذٍ الإتمام. وأما شرع
النفل، فلا يفضي إلى حرج، لكونها إلى خيرة المصلي، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): مراد ابن عمر بقوله هذا يعني: أنه لو كان مخيرًا بين
الإتمام وصلاة الراتبة، لكان الإتمام أحب إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف،
(١٣٤٧) الْبُخَارِي (١١٠١ - ١١٠٢)، ومُسْلِم (٦٨٩/٨)، وأبو داود (١٢٢٣)، والنَّسَائِي (١٢٣/٣)،
وابنُ ماجه (١٠٧١) عَنْهُ فِيهَا .

٤٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فلذلك كان لا يصلي الراتبة ولا يتم. (فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنٍ) أي: في
غير المغرب، إذ لا يصح ذلك في المغرب قطعًا. والمعنى: لا يزيد نفلاً قبل
الفريضة وبعدها. (وَأَبَا بَكْرٍ) أي: وصحبت أبا بكر. (وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ) أي:
صحبتهم كما صحبته بَّر، وكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين. وفيه: دليل
على أنه وَله واظب على القصر في السفر ولازمه، ولم يصل تمامًا. وذكر الموقوف
بعد المرفوع مع أن الحجة قائمة بالمرفوع، ليبين أن العمل استمر على ذلك، ولم
يطرق إليه نسخ ولا معارض ولا راجح، لكن في ذكر عثمان إشكال؛ لأنه كان في
آخر أمره يتم الصلاة. وأجيب: بما سيأتي في الفصل الثالث من حديث ابن عمر
وعثمان صدرًا من خلافته.
قال في ((المصابيح)): وهو الصواب، ذكره القسطلاني، أو المراد: أنه إنما كان
يتم إذا كان نازلًا. وأما إذا كان سائرًا فيقصر. فلذلك قيده في هذه الرواية بالسفر.
وقال الزركشي: ولعل ابن عمر أراد في هذه الرواية أيام عثمان في سائر أسفاره في
غير منى؛ لأن إتمامه كان بمنى، كما فسره عمران بن الحصين في روايته.
والحديث فيه إشكال آخر، فإنه يدل على أنه مَ له كان لا يتنفل في السفر. وقد روى
ابن عمر نفسه، كما سيأتي في الفصل الثاني، أن النبي ◌ُّ كان يصلي النافلة بعد
الظهر والمغرب.
وورد في حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن صلاة الصبح في السفر:
ثم صلى ركعتين قبل الصبح، ثم صلى الصبح. وقد روي عنه وَ ل أنه صلى صلاة
الضحى في السفر. كما تقدم، وصلاة الليل على الدابة، كما سيأتي من حديث ابن
عمر، وصلاة الزوال أو الراتبة قبل الظهر، كما في حديث البراء عند الترمذي
وأبي داود. وأيضًا: يشكل على إنكار ابن عمر على المتنفلين ما سيأتي في آخر
الباب أن ابن عمر كان يرى ابنه عبيد الله يتنفل في السفر، فلا ينكر عليه، وما روي
عن ابن عمر: أنه كان يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به.
قال العراقي: الجواب: أن النفل المطلق، وصلاة الليل لم يمنعهما ابن عمر ولا
غيره. فأما السنن الرواتب: فيحمل حديث الباب على الغالب من أحواله في أنه لا
يصلى الرواتب، وحديثه في فعل الراتبة على أنه فعله في بعض الأوقات لبيان

٤٣٧
بَابُ صَلَاةِ الَّفْرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
استحبابها، وإن لم يتأكد فعلها فيه كتأكده في الحضر، أو أنه كان نازلاً في وقت
الصلاة، ولا شغل له يشتغل به عن ذلك، أو سائرًا، وهو على راحلته. ولفظ (كَانَ)
في حديث الباب لا يقتضي الدوام ولا التكرار على الصحيح، فلا تعارض بين
حديثيه. وقيل: مذهب ابن عمر الفرق بين الرواتب، والنوافل المطلقة كالتهجد
والوتر والضحى وغير ذلك، فيحمل الإنكار على الأول، والإثبات على الثاني،
ولا يخفى ما فيه. وقيل: نفي التطوع في السفر محمول على ما بعد الصلاة خاصة
أي: الرواتب البعدية، فلا يتناول ما قبلها، ولا ما لا تعلق له بها من النوافل
المطلقة، وإليه مال البخاري، كما يظهر من تبويبة.
قال الحافظ: وهو فيما يظهر أظهر. قلت: بل هو في غاية الخفاء فضلًا عن أن
يكون ظاهرًا، فضلاً عن أن يكون أظهر لما سيأتي من حديث ابن عمر نفسه في
إثبات الرواتب البعدية. وقيل: لعل النبي ◌ّ كان يصلي الرواتب في رحله، فلا
يراه ابن عمر. وقيل: النفي محمول على الصلاة على الأرض، والإثبات على
الدابة. قال الحافظ: وقد جمع ابن بطال بين ما اختلف عن ابن عمر في ذلك: بأنه
كان يمنع التنفل على الأرض، ويقول به على الدابة. وقيل: الأولى أن يحمل
حديث الباب أي: عدم الزيادة على ركعتي الفرض على حالة السير، وحديث
الثبوت على حالة النزول والقرار، وهو المختار من مذهب الحنفية، كما صرح به
في ((الدر المختار)) وفي ((الكبرى))، هو أعدل الأقوال. قلت: قد اختلف العلماء في
التنفل في السفر على ستة أقوال:
أحدها: المنع مطلقًا. الثاني: الجواز مطلقًا، الثالث: الفرق بين الرواتب
والمطلقة، وهو مذهب ابن عمر، كما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح،
الرابع: الفرق بين الليل والنهار في المطلقة، الخامس: الفرق بين الرواتب البعدية
وغيرها، فيحمل النفي على الأولى، فلا يتناول ما قبلها ولا النوافل المطلقة.
السادس: ما اختاره ابن القيم حيث قال في ((الهدي)) (ج١ ص١٣٤): كان من
هديه ◌َّة الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه وَ ل أنه صلى سنة الصلاة قبلها،
ولا بعدها إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر، فإنه لم يكن ليدعهما حضرًا ولا سفرًا،
قال: وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة، ولا بعدها إلا من جوف الليل مع

٤٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبي ◌ََّ، كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة،
ولا بعدها شيئًا، ولم يكن يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها، فهو كالتطوع المطلق لا
أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة. ويؤيد هذا أن الرباعية قد خففت إلى
ركعتين تخفيفًا على المسافر، فكيف يجعل لها سنة راتبة يحافظ عليها، وقد خفف
الفرض ركعتين، فلولا قصد التخفيف على المسافر وإلا كان الإتمام أولى به .
وقال أيضًا (ج١ ص٨٣): وكان أي: النبي ◌َّر في السفر يواظب على سنة
الفجر، والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل في السفر أنه رَ له
صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين، وسئل عن سنة
الظهر في السفر، فقال: لو كنت مسبحًا لأتممت. وهذا من فقهه رَوَّةُ، فإن
اللَّه فَلَ خفف عن المسافر في الرباعية شطرها، فلو شرع له الركعتان قبلها، أو
بعدها لكان الإتمام أولى به. وتعقب قوله: لم يتنفل في السفر: أنه وَ ل صلى سنة
راتبة غير سنة الفجر والوتر، بما سيأتي من حديث ابن عمر في إثبات الراتبة البعدية
للظهر والمغرب. قال الترمذي: اختلف أهل العلم بعد النبي وَّر، فرأى بعض
أصحاب النبي ◌َّ أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد وإسحاق، ولم ترَ
طائفة أن يصلي قبلها ولا بعدها، ومعنى من لم يتطوع في السفر: قبول الرخصة،
ومن تطوع فله في ذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع في
السفر، انتهى.
قلت: والراجح عندي: أن لا يترك في السفر الوتر وسنة الفجر. وأما غيرهما
من الرواتب القبلية والبعدية فهي إلى خيرته، إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء
تركها ولا شيء عليه، أعني: أنها لا تبقى في حقه متأكدة كسنة صلاة الإقامة، والله
أعلم. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه: أن السياق المذكور ليس لهما ولا لأحدهما، بل هو
مجموع من مجموع ما فيهما، فأول الحديث إلى قوله: (أَتْمَمْتُ صَلَاتِي) من أفراد
مسلم، لم يروه البخاري أصلا. وقوله: (صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ اَلّ .... ) إلى آخر
الحديث وهو سياق البخاري.
وعند مسلم: يا بن أخي إني صحبت رسول اللَّه وَ ليل في السفر، فلم يزد على
ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله،
وصحبت عمر فلم یزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على

كِتَابُ الصَّلَاةِ
₪98288
بَابُ صَلَاةِ الشَّفَرِ
eSSHERE
٤٣٩
ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ
حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وسياق (المشكاة)) موافق لما في ((المصابيح)). ولو نبه المصنف
على تصرف البغوي في سياق الحديث لكان أحسن، والحديث أخرجه أيضًا أحمد
والترمذي وأبو داود وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص١٥٨).
١٣٤٨ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَجْمَعُ بَيْنَ
صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، إِذَا كَانَ عَلَّى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ.
[ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٣٤٨ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ) أي:
جمع تأخير، وهو أن يؤخر الظهر إلى أن يدخل وقت العصر، فيصلي الظهر
والعصر جميعًا في وقت العصر. (إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ) قال القسطلاني: بإضافة
ظهر إلى سير. وللأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذر عن الكشمهيني: ظهر
بالتنوين، يسير بلفظ المضارع بتحتانية مفتوحة في أوله أي: حال كونه يسير، وعزا
في ((الفتح)) الأولى للأصيلي، والثانية للكشمهيني. ولفظ ظهر في قوله: (ظَهْرِ
سَيْرٍ) مقحم للتأكيد كقوله: ((الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنَّى))، وقد يزاد في مثل هذا اتساعًا
للكلام، كأن السير مستند إلى ظهر قوي من المطي مثلًا.
وقيل: جعل للسير ظهرًا؛ لأن الراكب ما دام سائرًا فكأنه راكب ظهر، وفيه:
جناس التحريف بين الظهر والعصر. (وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) أي: كذلك.
واستدل به على جواز جمع التأخير في السفر. وأما جمع التقديم فسيأتي الكلام فيه
في شرح حديث معاذ بن جبل الآتي. واحتج بحديث ابن عباس هذا من قال
باختصاص الجمع بالسائر دون النازل. وفي مسألة الجمع بين الصلاتين في السفر
سبعة أقوال :
(١٣٤٨) البُخَارِي (١١٠٧) فِيهَا عَنْهُ.