النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يعجز عن إعطاء مسئول عبده المتوجه إلى ربه الكريم. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) وفي الترمذي
وابن ماجه و((المستدرك)) بدون العاطف، وهكذا في ((جامع الأصول)).
(مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ) بكسر الجيم أي: أسبابها، يعني: أفعالًا، وخصالًا، أو
كلمات تتسبب لرحمتك، وتقتضيها بوعدك، فإنه لا يجوز التخلف فيه، وإلا
فالحق سبحانه لا يجب عليه شيء. وقال الطيبي: جمع موجبة، وهي الكلمة
الموجبة لقائلها الجنة. (وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ) أي: موجباتها جمع عزيمة، قاله
السيوطي. وقال الطيبي: أي: أعمالًا، وخصالًا تتعزم، وتتأكد بها مغفرتك.
(وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِّ) بكسر الباء أي: طاعة وعبادة، فإنهما غنيمة مأخوذة بغلبة
دواعي عسكر الروح على جند النفس، فإن الحرب قائم بينهما على الدوام، ولهذا
يسمى الجهاد الأكبر؛ لأن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، قاله القاري.
(وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْم) وعند الحاكم: والعصمة من كل ذنب والسلامة من كل
إثم، وأسقط قوله: ((وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلُّ بٍِّ)). قال العراقي: فيه: جواز سؤال العصمة
من كل الذنوب، وقد أنكر بعضهم جواز ذلك؛ إذ العصمة إنما هي للأنبياء
والملائكة، قال: والجواب أنها في حق الأنبياء والملائكة واجبة، وفي حق غيرهم
جائزة، وسؤال الجائز جائز، إلا أن الأدب سؤال الحفظ في حقنا لا العصمة، وقد
يكون هذا هو المراد هنا، انتهى. (لَا تَدَعْ) بفتح الدال وسكون العين أي: لا تترك.
(إِلَّا غَفَرْتَهُ) أي: إلا موصوفًا بوصف الغفران، فالاستثناء فيه، وفيما يليه مفرغ من
أعم الأحوال. (وَلَا هَمَّا) أي: غمًّا. (فَرَّجْتَهُ) بالتشديد ويخفف أي: أزلته وكشفته.
(وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًّا) أي: مرضية لك. والحديث: يدل على مشروعية
الصلاة عند الحاجة أي: حاجة كانت بشرط أن تكون مباحة. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ
مَاجَهْ) كلاهما من رواية فائد بن عبد الرحمن بن أبي الورقاء، وزاد ابن ماجه بعد
قوله: ((قَضَيْتَهَا))، ((ثُمَّ يَسْألُ اللهَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وِالْآخِرَةِ مَا شَاءَ، فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ)). وأخرجه
الحاكم في ((المستدرك)) (ج١ ص٣٢٠) باختصاره، ثم قال: إنما أخرجته شاهدًا،
وفائد مستقيم الحديث. وتعقبه الذهبي بأنه متروك، فالحديث ضعيف. قال
الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) (ص١٣٨): وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد عن
غیر فائد.
٤٠١
بَابُ التّطَوّع
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
قال ابن حجر العسقلاني في ((أمالية)): والحديث له شاهد من حديث أنس،
وسنده ضعيف. وأخرجه أيضًا الأصبهاني من حديث أنس فذكر لفظه، قال:
وأخرجه الطبراني، وفي إسناده أبو معمر عباد بن عبد الصمد ضعيف جدًّا، وأخرج
لهذا الحديث في ((مسند الفردوس)) طريقًا أخرى من حديث أنس، وفي إسناده
أبوهاشم، واسمه عبد الرحمن، وهو ضعيف، وأخرجه أحمد بإسناد صحيحٍ عن
أبي الدرداء مختصرًا، قال: سمعت رسول اللّه وَلَه يقول: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ
الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُتِمُّهُمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ رَتْ مَا سَأَلَ مُعَجِّلَا أَوْ مُؤَخِّرًا)) .
قال الشوكاني: وذكرت ما قيل فيه أي: في حديث ابن أبي أوفي الذي نحن
بصدد شرحه بأطول من هذا في ((الفوائد المجموعة)) (ص١٦)، استدركت على من
قال: إنه موضوع. والحاصل: أن جميع طرق أحاديث هذه الصلاة لا تخلو عن
ضعف إلا حديث أبي الدرداء، وبعده حديث ابن أبي أوفى.
ESIGNE
٤٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤٠ - بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ
(بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ) أي: هذا بيانها وسميت بذلك؛ لكثرة ما يقرأ فيها من
التسبيحات.
١٣٣٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: ((يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّاهُ أَلَا أَعْطِيكَ؟ أَلَا أَمْنَحُكَ؟ أَلَا أَحْبُوَكَ؟ أَلَا
أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ، إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ،
قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ
رَكَعَاتٍ، تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي
أَوَِّ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ
أَكْبَرُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ
مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ
تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ
رَأُسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذَلِكَكَ فِي
أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلٍ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي
كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرٍلَكَ مَرَّةً)) .
[رواهُ أَبُو دَاودَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيراً (ضعيف}
الشَّرْحُ
١٣٣٧- قوله: (يَا عَمَّاهُ) بسكون الهاء إشارة إلى مزيد استحقاقه بالعطية
الآتية، وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم قلبت ياؤه ألفا، وألحقت بها هاء السكت
(١٣٣٧) أَبُو دَاوُد (١٢٩٧)، وَابن مَاجَهْ (١٣٨٦) فِي الصَّلاَةِ عَنْهُ، وَالتِّرْ مِذِي (٤٨٢) عَنْ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَ
ذَلِكَ .
٤٠٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ التَّسْبيح
كـ((يا غلاماه)). (أَلَا) الهمزة للاستفهام. (أُعْطِيكَ؟) بضم همزة وكسر طاء من
الإعطاء أي: عطية رفيعة. (أَلَا أَمْتَحُكَ؟) بفتح همزة ونون أي: أعطيك منحة
سنية، وأصل المنح: أن يعطي الرجل الرجل شاة أو ناقة ليشرب لبنها، ثم يردها إذا
ذهب درها، هذا أصله، ثم كثر استعماله حتى قيل: في كل عطاء. (أَلَا أَحْبُوَكَ؟)
بفتح همزة وسكون حاء مهملة وضم موحدة، من حباه كذا وبكذا، إذا أعطاه
والحباء: العطية، فهما تأكيد بعد تأكيد، وكذا أفعل بك، فإنه بمعنى: أعطيك، أو
أعلمك. (أَلَا أَفْعَلُ بِك) بالباء موافقًا لما في أبي داود ووقع عند ابن ماجه باللام.
(عَشْرَ خِصَالٍ) منصوب تنازعت فيه الأفعال قبله. وقيل: بالرفع على تقدير هي.
والمراد بعشر خصال: الأنواع العشرة للذنوب المعدودة بقوله: ((أوله وآخره)) إلى
قوله: ((سره وعلانيته))، أي: فهو على حذف المضاف أي: ألا أعطيك مكفر عشرة
أنواع ذنوبك؟ أو المراد: التسبيحات، فإنهما فيما سوى القيام عشر عشر، وعلى
هذا يراد الصلاة المشتملة على التسبيحات العشر بالنظر إلى غالب الأركان. وأما
جملة: (إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ... ) إلخ فهي في محل النصب على أنها نعت للمضاف
المقدر على الأول، أو لنفس عشر خصال على الثاني، وعلى الثاني لا يكون إلا نعتًا
مخصصًا، باعتبار أن المكفر يحتمل أن يكون علمه مكفرًا، فبين بالنعت أن يكون
عمله مكفرًا لا علمه. (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ) أي: ذنوبك بقرينة قوله: (أَوَّلَهُ ... ) إلخ.
على وجه الإبدال أو على وجه التفسير، (أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) بالنصب .
قال التوربشتي: أي: مبدأه ومنتهاه. وذلك أن من الذنب ما لا يواقعه الإنسان
دفعة واحدة، وإنما يتأتى منه شيئًا فشيئًا، ويحتمل أن يكون معناه: ما تقدم من ذنبه
وما تأخر. (وَحَدِيثَهُ) أي: جديده. (وَخَطَأَُ) بفتحتين وهمزة. قيل: يشكل بأن
الخطأ لا إثم فيه لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي، الْخَطَأَ
وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ))، فكيف يجعل من الذنب؟ وأجيب بأن المراد
بالذنب: ما فيه نقصٍ، وإن لم يكن فيه إثم. ويؤيده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ
إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ويحتمل أن يراد: مغفرة ما يترتب على الخطأ من
نحو الإتلاف من ثبوت بدلها في الذمة، ومعنى المغفرة حينئذٍ: إرضاء الخصوم،
وفك النفس عن مقامها الكريم، المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: ((نَفْسُ
الْمُؤْمِنِ مَرْهُونَةٌ حَتَّى يُقْضَى عَنْهَ دَيْنُهُ))، كذا في ((المرقاة)).
٤٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَعَمْدَهُ) بفتح أوله وسكون ثانيه ضد الخطأ. (صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ) قيل: المراد
بالكبير: ما هو من أفراد الصغائر، فإن الصغائر متفاوتة بعضها أكبر من بعض،
والكبائر لا تغفر إلا بالتوبة.
(سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ) بفتح الياء المخففة والضمير في هذه كلها عائد إلى قوله:
(ذَنْبَكَ) فإن قلت: (أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) يندرج تحته ما يليه، وكذا باقيه فما الحاجة إلى
تعدد أنواع الذنوب؟ قلت: ذكره قطعًا لوهم أن ذلك الأول والآخر، ربما يكون
عمدًا أو خطَّأ. وعلى هذا في أقرانه، وأيضًا في التنصيص على الأقسام حث
للمخاطب على المحثوث عليه بأبلغ الوجوه، ذكره القاري نقلًا عن ((الأزهار)).
وسقط من ((المشكاة)) كـ((المصابيح)) هنا لفظ: ((عَشْرَ خِصَالٍ)) وهو موجود في
الأصول. (أَنْ تُصَلِّيَ) خبر مبتدأ محذوف، والمقدر عائد إلى ذلك أي: هو يعني:
المأمور به أن تصلي. وقيل: التقدير هي، وهي راجعة إلى الخصال العشر. وأما
على ما في الأصول من وجود لفظ عشر خصال قبل قوله: ((أَنْ تُصَلِّيَ)) فيقال: إن
قوله: ((عَشْرَ خِصَالٍ)) على الأول، أي: على حذف المضاف، وهو المكفر من
قوله: ((عَشْرَ خِصَالٍ)) في الموضع الأول بالرفع بتقدير مبتدأ، أي: هي، أي: أنواع
الذنوب عشر خصال، أو بالنصب على أنه بدل من مجموع ((أوله وآخره ... )) إلخ،
وعلى الثاني، أي: على كون المراد من الخصال العشر: الصلاة المشتملة على
التسبيحات العشر مبتدأ وما بعده خبره، أو خبر مقدم وما بعده مبتدأ؛ لئلا يلزم
تنكير المبتدأ مع تعريف الخبر.
(أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) قيل: أي: بتسليمة واحدة على ما هو الظاهر من الإطلاق ليلًا
كان أو نهارًا. وقيل: يصلي في النهار بتسليمة، وفي الليل بتسليمتين. وقيل:
يصلي مرة بتسليمة وأخرى بتسليمتين. واعلم: أن الأولى أن يصلي صلاة التسبيح
بعد زوال الشمس قبل صلاة الظهر، لما روى أبو داود في ((سننه)) من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: ((إِذَا زَالَ النَّهَارُ فَقُمْ فَصَلُّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ... ))،
الحديث. وقد سكت عنه أبو داود والمنذري. (وَسُورَةً) قيل: يقرأ فيها تارة
بـ((الزلزلة)) و((العاديات)) و((الفتح)) و((الإخلاص))، وتارة بـ((ألهاكم التكاثر))
و((العصر)) و(الكافرون)) و((الإخلاص)) وقيل: الأفضل أن يقرأ أربعًا من
٤٠٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ
المسبحات. ((الحديد) و((الحشر)) و((الصف)) و((التغابن)) لمناسبة بينها وبين
الصلاة، لكن لم أقف على ما يدل على شيء من ذلك من سنة ولا أثر. (فِي أَوَّلِ
رَكْعَةٍ) أي: قبل الركوع.
(خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً) فيه: أن التسبيح بعد القراءة، وبه أخذ أكثر الأئمة. وأما ما
كان يفعله عبد الله بن المبارك من جعله الخمس عشرة قبل القراءة وبعد القراءة
عشرًا، ولا يسبح في الاعتدال فهو مخالف لهذا الحديث. قال المنذري: إن
جمهور الرواة على الصفة المذكورة في حديث ابن عباس وأبي رافع والعمل بها
أولى، إذ لا يصح رفع غيرها، انتهى. قال الشيخ: الأمر كما قال المنذري. (ثُمَّ
تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا) أي: بعد تسبيح الركوع كذا في ((شرح السنة))، وقد
روى الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: ((يبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم))،
وفي السجود ((بسبحان ربي الأعلى ثلاثًا))، ثم يسبح التسبيحات. وقيل له: إن سها
فيها أيسبح في سجدتي السهو عشرًا عشرًا؟ قال: لا، إنما هي ثلاثمائة تسبيحة. (ثُمَّ
تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنْ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا) أي: بعد التسميع والتحميد. (ثُمَّ تَهْوِي)
أي: تنخفض وتنحط حال كونك. (سَاجِدًا) أي: مريدًا للسجود من هوى بالفتح
يهوي بالكسر الشيء إذا سقط من علو إلى سفل. (فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا) أي:
بعد تسبيح السجود.
(ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا) أي: بعد رب اغفرلي ونحوه. (ثُمَّ
تَسْجُدُ) ثانيا. (ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ) أي: من السجدة الثانية. (فَتَقُولُهَا عَشْرًا) أي: قبل
أن تقوم على ما في حديث أبي رافع عند الترمذي وابن ماجه. ففيه: ثبوت جلسة
الاستراحة في صلاة التسبيح، وهو المختار عند الشافعية وأهل الحديث خلافًا
للحنفية. (فَذَلِكَ) أي: مجموع ما ذكر من التسبيحات. (خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) أي:
مرة، كما في رواية البيهقي. (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) أي: ثابتة فيها. (تَفْعَلُ ذَلِكَ) أي: ما
ذكر في هذه الركعة. (فِي أَرْبَعْ رَكَعَاتٍ) أي: في مجموعها بلا مخالفة بين الأولى
والثلاث، فتصير ثلاثمائة تسبيحة. (إِنِ اسْتَطَعْتَ) استئناف أي: إن قدرت. (أَنْ
تُصَلِّيهَا) أي: هذه الصلاة.
aCE
٤٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) أي: في كل يوم لعدم القدرة، أو مع وجودها لعائق. (فَفِي كُلِّ
جُمُعَةٍ) أي: في كل أسبوع. (مَرَّةً) وفي التعبير بها إشارة إلى أنها أفضل أيام
الأسبوع. (فَفِي عُمُرٍلَكَ) بضم الميم وتسكن. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي
الدَّعَواتِ الْكَبِيرِ) أي: عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان في
((صحيحيهما))، والحاكم في ((المستدرك)) (ج١: ص٣١٨ - ٣٢٠) والبيهقي في
((السنن الكبرى)) (ج ٣: ص٥١ - ٥٢)، والبخاري في ((جزء القراءة)) كلهم من طريق
عكرمة عن ابن عباس، وإسناده حسن. وفي الباب عن جماعة من الصحابة:
الفضل بن عباس، وأبيه العباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعلي بن
أبي طالب، وأخيه جعفر، وابنه عبد الله بن جعفر، وأبي رافع، وأم سلمة،
والأنصاري غير مسمى. وقد قيل: إنه جابر بن عبد الله. وقد ساق الحافظ في
((أمالي الأذكار)) تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة جميعًا. ونقلها السيوطي في
تعقباته على ابن الجوزي (ص١٦، ١٧) و((اللآلي المصنوعة)) (ج ٢: ص ٢٠ - ٢٤)
من أحب الوقوف عليها رجع إلى هذين الكتابين.
واعلم: أنه اختلف كلام العلماء في حديث صلاة التسبيح، فضعفه جماعة،
منهم العقيلي وابن العربي، والنووي في ((شرح المهذب))، وابن تيمية وابن عبد
الهادي والمزي والحافظ في ((التلخيص))، وبالغ ابن الجوزي فأورده في
((الموضوعات))، وقال: فيه موسى بن عبد العزيز مجهول. وصححه أو حسنه
جماعة منهم أبوبكر الآجري وأبو محمد عبد الرحيم المصري والحافظ أبو الحسن
المقدسي وأبو داود صاحب ((السنن)) ومسلم صاحب ((الصحيح)) والحافظ صلاح
الدين العلائي والخطيب وابن الصلاح والسبكي وسراج الدين البلقيني وابن منده
والحاكم والمنذري وأبو موسى المديني والزركشي والنووي في ((تهذيب الأسماء
واللغات))، وأبوسعد السمعاني والحافظ في الخصال المكفرة، وفي ((أمالي
الأذكار))، وأبو منصور الديلمي والبيهقي والدار قطني وآخرون.
والحق عندي: أن حديث ابن عباس ليس بضعيف، فضلًا عن أن يكون موضوعًا
أو كذبًا، بل هو حسن لا شك في ذلك عندي، فسنده لا ينحط عن درجة الحسن،
بل لا يبعد أن يقال: إنه صحيح لغيره لما ورد من شواهده، وبعضها لا بأس
٤٠٧
بَابُ صَلَاةِ التّسْبيح
كِتَابُ الصَّلاةِ
se
بإسناده، كما ستعرف. وقد أكثر الحفاظ من الرد على ابن الجوزي بذكره حديث
ابن عباس في الموضوع. وأما ما قال الحافظ في ((التلخيص)): والحق أن طرقه
كلها ضعيفة، وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن، إلا أنه شاذ لشدة
الفردية فيه، وعدم المتابع، والشاهد من وجه معتبر، ومخالفة هيئتها لهيئة باقي
الصلوات. وموسى بن عبد العزيز وإن كان صادقًا صالحًا، فلا يحتمل منه هذا
التفرد، فجوابه ظاهر من كلامه في الخصال المكفرة حيث قال: رجال إسناد
حديث ابن عباس لا بأس بهم، عكرمة احتج به البخاري، والحكم بن أبان
صدوق، وموسى بن عبد العزيز، قال ابن معين: لا أرى فيه بأسًا. وقال النسائي
نحو ذلك.
وقال ابن المديني: فهذا الإسناد من شرط الحسن، فإن له شواهد تقويه، وقد
أساء ابن الجوزي بذكره في ((الموضوعات)). وقوله: إن موسى مجهول، لم يصب
فيه؛ لأن من يوثقه ابن معين والنسائي، فلا يضره أن يجهل حاله من جاء بعدهما .
وشاهده ما رواه الدار قطني من حديث العباس والترمذي وابن ماجه من حديث أبي
رافع. ورواه أبو داود من حديث ابن عمرو بإسناد لا بأس به. ورواه الحاكم من
طريق ابن عمر وله طرق أخرى، انتهى.
وقال في ((أمالي الأذكار)) بعد ذكر من روى حديث صلاة التسبيح من الصحابة:
أما حديث ابن عباس فأخرجه أبو داود وابن ماجه والحسن بن علي المعمري، في
كتاب ((اليوم والليلة)) عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن موسى بن عبد العزيز
عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، وهذا إسناد حسن، وقال بعد بسط
الكلام في سند حديث الأنصاري الذي لم يسم عند أبي داود: فسند الحديث لا
ينحط عن درجة الحسن، فكيف إذا ضم إلى رواية أبي الجوزاء عن عبد الله بن
عمرو التي أخرجها أبو داود، وقد حسنها المنذري. ثم ذكر جماعة ممن صحح
حديث ابن عباس أو حسنه، ومن شاء الاطلاع على تمام كلامه، فليرجع إلى
((اللآلي المصنوعة.)) وأما مخالفة هيئة صلاة التسبيح لهيئة باقي الصلوات، فلا
يدل على ضعف الحديث وشذوذه بعد ما صح وثبت بطرق قوية، كذا أفاد شيخنا
في ((شرح الترمذي)).
٤٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣٣٨ - [٢] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي رَافِعْ نَحْوَهُ.
{ضعيف}
الشّرْجُ
١٣٣٨ - قوله: (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ) وكذا ابن ماجه والدار قطني.
(عَنْ أَبِي رَافِعِ نَحْوَهُ) قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي رافع.
قال السيوطي في ((قوت المغتذي)): بالغ ابن الجوزي، فأورد هذا الحديث في
((الموضوعات))، وأعله بموسى بن عبيدة الربذي، وليس كما قال، فإن الحديث
وإن كان ضعيفًا، لم ينته إلى درجة الوضع. وموسى ضعفوه.
وقال فيه ابن سعد: ثقة وليس بحجة. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ضعيف
الحديث جدًّا. وشيخه سعيد بن أبي سعيد ليس له عند المصنف أي: الترمذي إلا
هذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال الذهبي في ((الميزان)): ما روى عنه إلا موسى بن عبيدة، انتهى ما في ((قوت
المغتذي)) .
ونقل السيوطي في ((التعقبات)) عن الحافظ أنه قال: وقول ابن الجوزي: إن
موسى بن عبيدة علة الحديث، مردود، فإنه ليس بكذاب مع ماله من الشواهد
فذ کرها .
(١٣٣٨) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقبلهما أبو بكر ابن أبي شيبة.
٤٠٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ
١٣٣٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ
أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ، فَقَدْ أَفْلَحَ
وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ، فَقَدْ خَابَ وخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ
الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّع؟ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ
الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِك)).
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبٍ
ذَلِكَ))(*).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشّرُْ
١٣٣٩ - قوله: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ) بالرفع على نيابة الفاعل. (يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ) أي: المفروضة. قال العراقي في ((شرح الترمذي)): لا
تعارض بينه وبين الحديث الصحيح ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِي
الدِّمَاءِ))، فحديث الباب محمول على حق اللَّه تعالى، وحديث الصحيح محمول
على حقوق الآدميين فيما بينهم. فإن قيل: فأينما يقدم محاسبة العباد على حق الله
تعالى، أو محاسبتهم على حقوقهم؟ فالجواب: أن هذا أمرٍ توقيفي، وظواهر
الأحاديث دالة على أن الذي يقع أولًا: المحاسبة على حقوق الله تعالى قبل حقوق
العباد، انتهى.
وقيل: حديث الباب من ترك العبادات، وحديث الصحيح من فعل السيئات.
وقيل: المحاسبة غير القضاء، فيكون المحاسبة أولًا: في الصلاة، ويكون القضاء
أولًا في الدماء. وقيل: حديث الباب مضطرب الإسناد، كما يظهر من كلام
الحافظ في ترجمة أنس بن حكيم الضبي من ((التهذيب))، فلا يقاوم حديث
الصحيح. (فَإِنْ صَلَحَتْ) بضم اللام وفتحها. قال ابن الملك: صلاحها بأدائها
صحيحة، انتهى. أو بوقوعها مقبولة. (فَقَدْ أَقْلَحَ وَأَنْجَحَ) الفلاح بالفوز، والظفر،
(١٣٣٩) أَبُو دَاوُد (٨٦٤)، وَالتِّرْ مِذِي (٤١٣)، وَابن مَاجَهْ (١٤٢٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.
(*) أَبُو دَاوُد (٨٦٦)، وَابن مَاجَهْ (١٤٢٦) عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ.
٤١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والإنجاح بتقديم الجيم على الحاء، يقال: أنجح فلان، إذا أصاب مطلوبه. قال
القاري: (فَقَدْ أَفْلَحَ) أي: فاز بمقصوده، (وَأَنْجَحَ) أي: ظفر بمطلوبه، فيكون فيه
تأكيدًا، وفاز بمعنى: خلص من العقاب، وأنجح أي: حصل له الثواب.
(وَإِنْ فَسَدَتْ) بأن لم تُؤَدَّ، أو أديت غير صحيحة، أو غير مقبولة. (فَقَدْ خَابَ)
بحر مان المثوبة. (وَخَسِرَ) بوقوع العقوبة. وقيل: معنى (خَابَ): ندم وخسر أي:
صار محرومًا من الفوز والخلاص قبل العذاب. (فَإِنِ انْتَقَصَ) بمعنى نقص اللازم.
(مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ) أي: من الفرائض، وفي بعض نسخ الترمذي: ((شيئًا)) وفعلًا
نقص وانتقص بمعنى، ويستعملان لازمين ومتعديين. (انْظُرُوا) يا ملائكتي. (هَلْ
لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّع؟) أي: في صحيفته سنة، أو نافلة من صلاة على ما هو ظاهر من
السياق قبل الفرَّض، أو بعده أو مطلقًا. (فَيُكَمَّلَ) بالتشديد ويخفف على بناء الفاعل
أو المفعول وهو الأظهر، وبالنصب، ويرفع على الاستئناف. (بِهَا) قال ابن
الملك: أي: بالتطوع، وتأنيث الضمير باعتبار النافلة.
قال الطيبي: الظاهر نصب (فَيُكَمَّلَ) على أنه من كلام الله تعالى جوابًا
للاستفهام. ويؤيده رواية أحمد: ((فَكَمَّلُوا بِهَا فَرِيضَتَهُ))، وإنما أنث ضمير التطوع
في (بِهَا) نظرًا إلى الصلاة. (مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ) ضمير (انْتَقَصَ) راجع إلى
الموصول على أنه لازم، أو إلى العبد، فيكون متعديًا أي: ما نقصه العبد من
الفريضة. وظاهر الحديث: أن من فاتته الصلاة المفروضة، وصلى تطوعًا يحسب
عنه التطوع موضع الفريضة. وقيل: بل ما نقص من خشوع الفريضة، ورواتها
يجبر بالتطوع. ورد بأن قوله: (ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِك)) لا يناسبه، إذ ليس في
الزكاة إلا فرض أو فضل، فكما تكمل فرض الزكاة بفضلها كذلك في الصلاة،
وفضل الله أوسع.
قال العراقي في ((شرح الترمذي)): يحتمل أن يراد به ما انتقصه من السنن،
والهيئات المشروعة فيها من الخشوع، والأذكار، والأدعية، وإنه يحصل له ثواب
ذلك في الفريضة، وإن لم يفعله فيها، وإنما فعله في التطوع. ويحتمل أن يراد به:
ما انتقص أيضًا من فروضها وشروطها. ويحتمل أن يراد: ما ترك من الفرائض رأسًا
فلم يصله، فيعوض عنه من التطوع، والله تعالى يقبل من التطوعات الصحيحة
عوضًا عن الصلوات المفروضة، انتهى.
٤
١١
بَابُ صلَاةِ التَّسْبِيحِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وقال ابن العربي: الأظهر عندي: أنه يكمل بفضل التطوع ما نقص من فرض
الصلاة وإعدادها؛ لقوله: ثم الزكاة كذلك وسائر الأعمال، وليس في الزكاة إلا
فرض أو فضل، فكما يكمل فرض الزكاة بفضلها كذلك الصلاة، وفضل الله
أوسع، وكرمه أعم وأتم. (ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ) من الصوم والزكاة وغيرهما.
(عَلَى ذَلِكَ) أي: إن انتقص فريضة من سائر الأعمال المفروضة تكمل بالتطوع.
(وَفِي رِوَايَةٍ) ظاهره أن الألفاظ الآتية في طريق من طرق حديث أبي هريرة، وليس
كذلك، فإن هذه الألفاظ إنما هي في حديث تميم الداري عند أبي داود (ثُمَّ الزَّكَاةُ
مِثْلُ ذَلِكَ) أي: مثل ما في الصلاة. (ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ) أي: المفروضة، ففي
حديث أبي هريرة عند ابن ماجه: ((ثُمَّ يُفْعَلُ بِسَائِرِ الأَعْمَالِ الْمَفْرُوضَةِ مِثْلُ ذَلِكَ)).
(عَلَى حَسَبٍ ذَلِكَ) أي: على حسب ذلك المثال المذكور في الصلاة من تكميل
الفريضة بالتطوع.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص ٢٩٠، ٤٢٥) والترمذي وابن ماجه
والحاكم (ج١ ص٢٦٢) كلهم من حديث أبي هريرة. واللفظ المذكور للترمذي لا
لأبي داود إلا قوله: (ثُمَّ الزَّكَاةُ ... ) إلخ. فإنه من حديث تميم الداري عند أبي
داود. ففي قول المصنف: رواه أبو داود، تسامح ظاهر، إلا أن يقال: إنه أراد أصل
الحديث لا السياق المذكور بعينه. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري،
وحسنه الترمذي وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وما ذكر من الاضطراب في
سنده .
فيمكن أن يدفع بما قال الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)): لعل
الحسن البصري سمعه من ناس متعددين: حريث بن قتيبة عند الترمذي، وأنس بن
حكيم عند أحمد وأبي داود والحاكم، ورجل من بني سليط عند أحمد (ج٤
ص١٠٣) وأبي داود وابن ماجه والحاكم، أو يكون هذا الرجل المبهم أحدهما،
وليس هذا اضطرابًا فيه يوجب ضعفه، بل هي طرق يؤيد بعضها بعضًا. ورواه
أحمد، وابن ماجه أيضًا، بإسناد آخر (ج٢ ص ٢٩٠) عن يزيد بن هارون عن سفيان
ابن حسين الواسطي عن علي بن زيد بن جدعان عن أنس بن حكيم الضبي، قال :
قال لي أبوهريرة ... فذكر الحديث بتمامه، وقال: وهذا إسناد صحيح، وعلى زيد
بن جدعان ثقة، انتهى.
٤١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
theseeing
قلت: علي بن زيد هذا ضعفه الأكثرون، ولعله لسوء حفظه واختلاطه، قيل:
وكان يتشيع. ووثقه يعقوب بن شيبة.
وقال العجلي: كان يتشيع لا بأس به. وقال الساجي: كان من أهل الصدق.
ويحتمل لرواية الجلة عنه، وليس يجري مجرى من أجمع على ثبته.
وقال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره، كذا في
((التهذيب))، وحديث تميم الداري أخرجه أحمد (ج٤ ص١٠٣) وأبو داود وابن
ماجه والحاكم (ج١ ص٢٦٢، ٢٦٣).
١٣٤٠ - [٤] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ.
{صحيح}
الشّرْحُ
١٣٤٠ - قوله: (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُل) (ج ٤ ص١٠٣) قال: حدثنا الحسن
ابن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن يحيى بن يعمر عن
رجل من أصحاب النبي وَلَّ، قال: قال رسول اللَّه ◌َلَهِ: ((أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ
الْعَبْدُ ... )) إلخ. وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١ ص ٢٦٣) من طريق الربيع بن يحيى عن
حماد بن سلمة، وذكر الاختلاف فيه على حماد بن سلمة، وأشار إلى تقوية رواية
حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري.
٤١٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ
١٣٤١ - [٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ
لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا، وإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ
مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ، ومَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ)) يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٣٤١ - قوله: (مَا أَذِنَ اللَّهُ) أي: ما استمع، في ((القاموس)): أذن له وإليه
كفرح استمع معجبًا أو عام. والمراد هنا: الإقبال من اللَّه بالرأفة، والرحمة على
العبد. وذلك أن العبد، إذا كان في الصلاة، وقد فرغ من الشواغل متوجهًا إلى
مولاه، مناجيًّا بقلبه ولسانه، فالله سبحانه أيضًا يقبل عليه بلطفه، وإحسانه إقبالًا لا
يقبل في غيره من العبادات، ولعله ذكر الاستماع، وإن كانت الصلاة من جملة
الأفعال؛ لكونها مشتملة على الكلام من القرآن، والتسبيحات، والتكبيرات.
(لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ) أي: في شيء من العبادات. (أَفْضَلَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ) في ((مسند
الإمام أحمد)) و((الجامع)) للترمذي و((الجامع الصغير)) للسيوطي و((الترغيب))
للمنذري من ركعتين. (يُصَلَّيهِمَا) يعني: أفضل العبادات الصلاة، كما ورد في
((الصحيح)): ((الصَّلاةُ خَيْرُ مَوْضُوع))، أي: خير من كل ما وضعه الله لعباده؛
ليتقربوا إليه، قاله القاري.
(وَإِنَّ الْبِرَّ) بكسر الباء بمعنى: الخير والإحسان. (لَيُذَرُّ) بالذال المعجمة والراء
المشددة على بناء المجهول، أي: ينثر ويفرق من قولهم: ذررت الحب والملح
أي: فرقته. (عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ) أي: ينزل الرحمة والثواب هو أثر البر على
المصلي. (مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ) أي: مدة دوام كونه مصليًا. (وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللهِ
بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ) أي: بأفضل من كلامه. قال في ((مجمع البحار)): أي: ما ظهر
من اللَّه ونزل على نبيه فضمير (مِنْهُ) راجع إلى الله، و(خَرَجَ) بمعنى: ظهر. وقيل:
(١٣٤١) أَحْمَد (٢٦٨/٥)، وَالتِّرْمِذِي (٢٩١١) فِي فَضْلِ القُرْآنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةً.
٤١٤
#
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
ما خرج من العبد بوجوده على لسانه محفوظًا في صدره، مكتوبًا بيده. وقيل: ما
ظهر من شرائعه وكلامه، أو خرج من كتابة المبين، وهو اللوح المحفوظ. و((مَا))
استفهامية للإنكار. ويجوز كونه نافية، وهو أقرب أي: ما تقرب بشيء مثل، انتهى
ما في ((المجمع)).
(يَعْنِي: الْقُرْآنَ) هذا تفسير من بعض الرواة، لقوله: ((مَا خَرَجَ مِنْهُ)) وهو
أبو النضر هاشم بن القاسم الليثي، شيخ أحمد وشيخ شيخ الترمذي. قال شيخنا:
وهذا التفسير أولِى عندي، يعني ضمير (مِنْهُ): يرجع إلى الله. والمراد بما خرج
منه: ما أنزل الله على نبيه وَله، وهو القرآن. قال الطيبي: أطلق المصنف هذا
التفسير، ولم يقيده بما يفهم منه أن المفسر من هو. والحديث نقله المؤلف من
كتاب الترمذي. وفي روايته، قال أبو النضر: يعني: القرآن. ومثل لا يتسامح فيه
أهل الحديث، فإنه يوهم أن التفسير من فعل الصحابي، فيجعل متن الحديث،
انتھی .
قلت: أطلق صاحب ((المشكاة)) هذا التفسير تبعًا للبغوي في ((المصابيح)).
والحديث رواه أحمد، ولم يذكر في روايته ما يفهم منه أن المفسر من هو، ولعل
المؤلف نقله من ((مسند الإمام أحمد))، فهو معذور في الإطلاق، وعدم بيان من
فسره بذلك. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٥ ص٢٦٨) عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن بكر
ابن خنيس عن ليث بن أبي سليم عن زيد بن أرطاة عن أبي أمامة. (والتِّرْمِذِيُّ) في
فضائل القرآن عن أحمد بن منيع عن أبي النضر هاشم بن القاسم، قال الترمذي:
هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خنيس قد تكلم فيه ابن
المبارك، وتركه في آخر أمره، انتهى.
وقال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمة بكر بن خنيس: إنه عابد صدوق له أغلاط
أفرط فيه ابن حبان، انتهى. واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة: ليس بشيء،
وقال مرة: ضعيف، وقال مرة: شيخ صالح لا بأس به. وقال أبوحاتم: صالح غزاء
ليس بالقوى. وقال العجلي: كوفي ثقة. وضعفه غير واحد، كما في ((التهذيب)).
وليث بن أبي سليم صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك، قاله في
((التقريب)). فالحديث لا يخلو عن ضعف.
٤١۵
بَابُ صَلَاةِ السَّفْرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
٤١ - بَابُ صَلَاةِ السَّفرِ
(بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ) قال في ((حجة الله)) (ج٢ ص١٧): لما كان من تمام
التشريع، أن يبين لهم الرخص عند الأعذار ليأتي المكلفون من الطاعة بما
يستطيعون، ويكون قدر ذلك مفوضًا إلى الشارع؛ ليراعى فيه التوسط لا إليهم
فيفرطوا أو يفرطوا، اعتنى رسول اللّه وَل بضبط الرخص والأعذار. ومن أصول
الرخص، أن ينظر إلى أصل الطاعة حسبما تأمر به حكمة البر، فيعض عليها
بالنواجذ على كل حال، وينظر إلى حدود وضوابط شرعها الشارع؛ ليتيسر لهم
الأخذ بالبر، فيتصرف فيها إسقاطًا وإبدالًا حسبما تؤدي إليه الضرورة، فمن
الأعذار السفر، وفيه من الحرج ما لا يحتاج إلى بيان، فشرع رسول اللَّه وَليل له
رخصا: منها: القصر، ومنها: الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء،
ومنها: ترك السنن، ومنها: الصلاة على الراحلة حيث توجهت به یومیء إيماء،
وذلك في النوافل وسنة الفجر والوتر لا الفرائض، انتهى مختصرًا.
والسفر لغة: قطع المسافة، وليس كل قطع تتغير به الأحكام من جواز الإفطار
وقصر الرباعية وغيرهما، فاختلف العلماء فيه شرعًا، كما ستعرف.
قال ابن رشد في ((البداية)) (ج١ ص ١٣٠): السفر له تأثير في القصر باتفاق، فقد
اتفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر إلا قول شاذ: أن القصر لا يجوز إلا
للخائف لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾ [النساء: ١٠١]. واختلفوا من ذلك في خمسة
مواضع :
أحدها: في حكم القصر، والثاني: في المسافة التي يجب فيها القصر،
والثالث: في السفر الذي يجب فيه القصر. والرابع: في الموضع الذي يبدأ منه
المسافر بالتقصير. والخامس: في مقدار الزمان الذي يجوز للمسافر فيه، إذا قام
في موضع أن يقصر الصلاة. فأما حكم القصر، فاختلفوا فيه على أقوال: فمنهم:
من رأى أن القصر هو فرض المسافر المتعين عليه. ومنهم: من رأى أن القصر
٤١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
سنة. ومنهم: من رأى أنه رخصة، والإتمام أفضل، بالقول الأول: قال أبو حنيفة
وأصحابه والكوفيون بأسرهم أعني: أنه فرض متعين. وبالثاني: أعنى: سنة قال
مالك في أشهر الروايات عنه. وبالثالث: أعنى: رخصة. قال الشافعي في أشهر
الروايات عنه: وهو المنصور عند أصحابه، انتهى باختصار يسير. ويكون القصر
أولى وأفضل قاله أحمد.
قال ابن قدامة: المشهور عن أحمد أن المسافر على الاختيار، إن شاء صلى
ركعتين، وإن شاء أتم، والقصر عنده أفضل وأعجب، انتهى. والراجح عندي: أن
لا يتم المسافر الصلاة، بل يلازم القصر كما لازمه وَّر، فالقصر في السفر
كالعزيمة عندي، لكن لو خالف ذلك، وأتم الصلاة أجزأ، سواء قعد القعدة
الأولى، أو نسيها ولم يقعد، فلا تلزم الإعادة، فيكون الإتمام مجزئًا، والله أعلم.
وأما المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر، ولا يسوغ له في
أقل منها، فاختلف العلماء في مقدارها اختلافًا كثيرًا، فحكى ابن المنذر وغيره فيها
نحوا من عشرين قولًا. وأقل ما قيل في ذلك: الميل كما رواه ابن أبي شيبة بإسناد
صحيح عن ابن عمر، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري. واحتج له بإطلاق السفر في
كتاب الله وسنة رسوله وَ له، فلم يخص الله ولا رسوله سفرًا دون سفر، واحتج على
ترك القصر فيما دون الميل بأنه و ير قد خرج إلى الفضاء للغائط فلم يقصر. وذهب
الظاهرية - كما قال النووي - إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم
احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود من حديث أنس قال: كان رسول الله
مَخير، إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو فراسخ، قصر الصلاة.
قال الحافظ: وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه. وقد حمله من
خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر، يعني: أنه أراد
به إذا سافر سفرًا طويلًا قصر إذا بلغ ثلاثة أميال، كما قال في لفظه الآخر: إن النبي
وَله، صلى بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين. ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أن
البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت
أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة يعني: من البصرة، فأصلي
ركعتين ركعتين حتى أرجع. فقال أنس ... فذكر الحديث. فظهر أنه سأله عن
جواز القصر في السفر لا عن الموضع، الذي يبتدأ منه القصر، ثم إن الصحيح في
٤١٧
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها. ورده القرطبي: بأنه
مشكوك فيه فلا يحتج به، فإن كان المراد به: أنه لا يحتج به في التحديد بثلاثة
أميال فمسلّم، لكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ، فإن الثلاثة
أميال مندرجة فيها، فيؤخذ بالأكثر احتياطًا. وقد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن
إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة قال: قلت لسعيد بن المسيب: أ أقصر
الصلاة، وأفطر في بريد من المدينة؟ قال: نعم. انتهى. وقيل: مذهب الظاهرية
القصر في كل سفر، قريبًا كان أو بعيدًا. وقال مالك والشافعي وأحمد وفقهاء
أصحاب الحديث وغيرهم: إنه لا تقصر الصلاة إلا في مسيرة اليوم التام بالسير
الوسط، وهي أربعة برد وهو ستة عشر فرسخًا أي: ثمانية وأربعون ميلًا بالهاشمي؛
لأن البريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. قال النووي: والميل ستة آلاف
ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة ومعتدلة، والإصبع ست شعيرات
معترضة معتدلة. قال الحافظ: وهذا الذي قاله هو الأشهر. ومنهم من عبر ذلك
باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان. وقيل: هو أربعة آلاف ذراع. وقيل: بل ثلاثة
آلاف ذراع. وقيل: وخمسمائة، صححه ابن عبد البر. وقيل: غير ذلك، وقد عقد
البخاري في ((صحيحة)) ترجمة أورد فيها ما يدل على أن اختياره أن أقل مسافة
القصر يوم وليلة، كما هو مختار الأئمة الثلاثة، واختاره أيضًا الشاه ولي الله
الدهلوي، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر.
وقال أبو حنيفة: أقل مسافة القصر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها، ولا يشترط السفر
كل يوم، بل إلى الزوال؛ لأنهم جعلوا النهار للسير والليل للاستراحة، ولا اعتبار
بالفراسخ على أصل مذهبه، لكن المتأخرين قدروا ذلك بالفراسخ تسهيلاً، ففي
((البحر)) عن ((النهاية)) الفتوى على ثمانية عشر فرسخًا. وفي ((المجتبى)) فتوى أكثر
أئمة خوارزم على خمسة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل عند القدماء
منهم ثلاثة آلاف ذراع، وعند المتأخرين أربعة آلاف ذراع، والذراع عند الأولين
اثنان وثلاثون إصبعًا، وعند الآخرين أربع وعشرون إصبعًا، والإصبع عند الكل
ست شعيرات مضمومة البطون إلى الظهور، وكل شعيرة مقدار ست شعور من
ذنب الفرس التركي .
والراجح عندي: ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة أنه لا يقصر الصلاة في أقل من
٤١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثمانية وأربعين ميلاً بالهاشمي. وذلك أربعة برد أي: ستة عشر فرسخًا، وهي
مسيرة يوم وليلة بالسير الحثيث. وذهب أكثر علماء أهل الحديث في عصرنا إلى أن
مسافة القصر ثلاثة فراسخ مستدلين لذلك بحديث أنس المتقدم في كلام الحافظ،
ومال ابن قدامة إلى قول الظاهرية: أنه يجوز القصر في كل سفر، قصيرًا كان أو
طويلًا، حيث قال بعد الرد على أقوال الأئمة الأربعة: والحجة مع من أباح القصر
لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. وأما السفر الذي يجوز فيه القصر،
فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه تقصر في كل سفر من غير تفصيل طاعة، أو معصية. مباح أو قربة،
مكروه أو مندوب، قاله أبو حنيفة وأصحابه: باعتبار الإطلاق ظاهر لفظ السفر.
والثاني: لا يجوز إلا في سفر قربة اختاره أحمد في أحد قوليه. والثالث: لا يجوز
إلا في مباح، قاله مالك في المشهور من قوليه والشافعي قولًا واحدًا، وهو
المنصوص عن أحمد، كما في ((المغني))، وكره مالك القصر لمن خرج متصيدًا
للھو .
وأما من كان معاشه فيقصر، والراجح عندي: هو القول الثاني أنه لا يقصر
المسافر، إلا أن يكون سفره في طاعة وقربة، أو فيما أباح الله له، قال ابن قدامة:
لأن الترخص شرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح توصلا إلى المصلحة، فلو
شرع هاهنا لشرع إعانة على المحرم تحصيلًا للمفسدة، والشرع منزه عن هذا،
والنصوص وردت في حق الصحابة، وكانت أسفارهم مباحة، فلا يثبت الحكم
فيمن سفره مخالف لسفرهم، ويتعين حمله على ذلك جمعًا بين النصين. وقياس
المعصية على الطاعة بعيد لتضادهما. وأما الموضع الذي يبدأ منه المسافر بقصر
الصلاة. فقال ابن قدامة: ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت
مِصْرِهِ، أو قريته، ويخلفها وراء ظهره، قال: وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد
والشافعي وأبو إسحاق وأبوثور. وعن عطاء: أنه كان يبيح القصر في البلد لمن نوى
السفر. وعن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا، فصلى بالجماعة في منزله
ركعتين وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله، وعن عطاء أنه
قال: إذا دخل عليه وقت صلاة بعد خروجه من منزله قبل أن يفارق بيوت المصر
یباح له القصر، انتهى مختصرًا.
٤١٩
كِتَابُ الصَّلاةِ
*
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
وفي رواية عن مالك أنه قال: لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها
بنحو ثلاثة أميال، وبقول الجمهور قال أبو حنيفة وأصحابه وهو الراجح؛ لأن
النبي وَّ لم يقصر في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة، ولأن الرجل لا
يكون ضاربًا في الأرض حتى يخرج. وأما الزمان الذي يجوز للمسافر، إذا أقام فيه
في بلد أن يقصر فاختلفوا فيه جدًّا، إلا أن الأشهر منها أربعة أقوال:
أحدها: مذهب مالك والشافعي: أنه إذا أزمع المسافر على إقامته أربعة أيام
أتم، والثاني: مذهب أبي حنيفة والثوري: أنه إذا أزمع على إقامته خمسة عشر يومًا
أتم. والثالث: مذهب أحمد وداود: أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتم.
والرابع: مذهب إسحاق بن راهويه: إنه إذا أزمع على أكثر من تسعة عشر يومًا
أتم. فمدة القصر عند مالك والشافعي ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج،
وعند أبي حنيفة أربعة عشر يومًا، وعند أحمد أربعة أيام، وعند إسحاق تسعة عشر
يومًا. والراجح عندي: ما ذهب إليه أحمد والله تعالى أعلم.