النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((الموطأ)): ما تركتهن، أي: بضمير الجمع يعني هذه الركعات؛ فإن لذتها أكثر من
لذة إحيائهما .
(رَوَاهُ مَالِك) عن زيد بن أسلم عن عائشة أم المؤمنين.
١٣٢٩ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ يُصَلِّي
الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا.
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشّرْجُ
١٣٢٩ - قوله: (حَتَّى نَقُولَ) بالنون. (لَا يَدَعُهَا) أي: لا يتركها أبدًا.
(وَيَدَعُهَا) أي: أحيانًا. (حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا) وفي بعض نسخ ((الترمذي)): (لا
يصلي)) بدون الضمير المنصوب، وكان ذلك بحسب مقتضى الأوقات من العمل
بالرخصة والعزيمة، كما يفعل في صوم النفل.
والحديث من أدلة القائلين بأن صلاة الضحى يستحب فعلها تارة، وتركها تارة،
بحيث لا يواظب عليها بل يصلى أحيانًا، ويترك أحيانًا، كما كان عادته وعَظّ من
العمل بالرخصة والعزيمة، وسيأتي شيء من الكلام في ذلك في شرح الحديث
الآتي. وأما ما روي عنه ◌َليل أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه، فضعيف. قال
الحافظ في ((الفتح)): لم يثبت ذلك في خبر صحيح.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣ ص٢١، ٣٦) ونسبه الحافظ في
((الفتح)) للحاكم. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، انتهى. وفي سنده عطية
ابن سعيد بن جنادة العوفي الكوفي، وهو صدوق، يخطىء كثيرًا، وكان شيعيًّا
مدلسًا، قاله الحافظ .
(١٣٢٩) التِّرْمِذِي (٤٧٧) عنه في الصَّلاة.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
SHE
بَابُ صلاةِ الضُّحى
٣٨١
١٣٣٠ - [١٤] وَعَنْ مُوَرِّقِ الْعِجْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِاِبْنِ عُمَرَ: تُصَلِّي
الضُّحَى؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرِ؟ قَالَ: لَا ، قُلْتُ:
فَالنَّبِيُّ ◌َّهِ؟ قَالَ: لَا إِخَالُهُ.
[رواهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٣٣٠- قوله: (وَعَنْ مُوَرِّقٍ) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء
المكسورة، ابن المُشَمْرِج بضم الميم وفتح الشين المعجمة وسكون الميم وفتح
الراء وبكسرها وبالجيم، يكنى أبا المعتمر البصري، ثقة عابد، من كبار الطبقة
الوسطى من التابعين، مات سنة (١٠٣) وقيل: (١٠٥) وقيل: (١٠٨). (الْعِجْلِيّ)
بكسر العين المهملة وسكون الجيم نسبة إلى عجل قبيلة. (تُصَلَّ الضُّحَى؟)
بحذف أداة الاستفهام. وفي البخاري: أتصلي بإثباتها. (قَالَ) ابن عمر. (لا)
أصليها، قال: (قُلْتُ) له. (فَعُمَرُ) كان يصليها. (قَالَ: لَا) أي: لم يصلها. (قُلْتُ:
فَأَبُو بَكْرٍ) كان يصليها. (قَالَ: لَا) أي: لم يصلها، والفاء للترقي من الأدنى إلى
الأعلى. (قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ ◌ََّ) كان يصليها، (قَالَ: لَا إِخَالُهُ) برفع اللام وكسر الهمزة
في الأشهر الأفصح. وقد تفتح والخاء معجمة أي: لا أظنه عليه الصلاة والسلام
صَلَّاها، وكان سبب توقف ابن عمر في ذلك أنه بلغه عن غيره أنه صلاها، ولم يثق
بذلك عمن ذكره، نعم، جاء عنه الجزم بكونها محدثة من رواية سعيد بن منصور
بإسناد صحيح عن مجاهد عنه، وروى البخاري في أول أبواب العمرة من وجه آخر
عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر
جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون الضحى فسألناه عن صلاتهم، فقال:
بدعة .
وروى سعيد بن منصور، أن ابن عمر كان لا يصلي الضحى إلا أن يأتي قباء،
وهذا يحتمل أن يريد به صلاة تحية المسجد في وقت الضحى لا صلاة الضحى،
(١٣٣٠) البُخَارِي (١١٧٥) عنه في الصَّلاة.

٣٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
ويحتمل أن يكون ينويهما معًا، كما قيل في ما روي عنه أنه قال: ما صليت الضحى
منذ أسلمت إلا أن أطوف البيت، أي: فأصلي في ذلك الوقت لا على نية صلاة
الضحى بل على نية الطواف، ويحتمل أنه كان ينويهما معًا. وفي الجملة ليس في
أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى؛ لأن نفيه محمول على عدم
رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصة، كما
تقدم نحوه في الكلام على حديث عائشة في الفصل الأول.
قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها، وإظهارها في المساجد
وصلاتها جماعة، لا أنها مخالفة للسنة. وقيل: لم يبلغ ابن عمر فعل النبي
صَلَى اللّه
وَسِلاً
وأمره بذلك. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) الحديث من أفراد البخاري.
قال الحافظ: وليس لمورق المذكور في البخاري عن ابن عمر سوى هذا
الحدیث، انتهى.
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٣).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّطَوَّعِ
٣٨٣
٣٩ - بَابُ التَّطَوّعِ
(بَابُ التَّطَوُّع) أي: سائر أنواع التطوع من الصلوات الثابتة عن النبي وَخلّ من
صلاة الوضوء، وصلاة الاستخارة، والتوبة، والحاجة، ومنها: صلاة التسبيح،
مأخوذ من الطوع والطاعة، وهو الانقياد، ويطلق التطوع على كل عبادة نافلة مما
لم يفرض ولم يجب فعله على العبد، والمتطوع على كل متنفل بالخير أي: الذي
يأتي من الأعمال الصالحة زيادة على الفرائض والواجبات، وأكثر إطلاق التطوع
في الصلاة على غير سنن الرواتب، وصيغة التفعل للمبالغة من حيث أن العبد يفعله
من غير أن يكلفه الشارع بذلك، ويبالغ في الانقياد له بفعله.
الفصل الأول
١٣٣١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ
الْفَجْرِ: ((يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلِ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ
نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَّ فِي الْجَنَّةِ؟)) قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرَّجَى عِنْدِي، أَنِّي لَمْ
أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلِ وَلَا نَهَارٍ ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطَّهُورِ مَا كُتِبَ
لِي أَنْ أُصَلِّيَ.
[متفق عليه]
الشّرْحُ
١٣٣١ - قوله: (لِبِلَالٍ) هو ابن رباح المؤذن. (عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي: في
الوقت الذي كان ◌َله يقص فيه رؤياه، ويعبر ما رآه غيره من أصحابه. قال الحافظ:
في قوله: ((عند صلاة الفجر)) إشارة إلى أن ذلك وقع المنام؛ لأن عادته ◌َالل أنه كان
(١٣٣١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٤٩)، ومُسْلِم (١٠٨ / ٢٤٥٨) فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ اشْتَهُ.

٣٨٤
ase
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يقص ما رآه، ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر، كما وردت بذلك الأحاديث.
(حَدِّثْنِي) أي: أخبرني (بِأَرْجَى عَمَلِ عَمِلْتَهُ) بلفظ أفعل التفضيل المبني من
المفعول، وهو سماعي مثل أشغل وأعذر، أي: أكثر مشغولية ومعذورية، والعمل
ليس بِرَاج للثواب، وإنما هو مَرْجُوُ الثواب، وأضيف إلى العمل؛ لأنه السبب
الداعي إلَّيه، والمعنى: أخبرني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك.
قال التوربشتي: سأله عن أوثق أعماله وأحقها بالرجاء عنده، وأضاف الرجاء إلى
العمل؛ لأنه هو السبب الداعي إلى الرجاء، والمعنى: أنبئني عن أعمالك بما أنت
أشد رجاء فيه أي: يكون رجاؤك بثوابه أكثر. (فِي الإِسْلام) زاد مسلم في روايته:
((مَنْفَعَةً عِنْدَلَ))، (فَإِنِّي سَمِعْتُ) أي: الليلة، كما في مسلم، وفيه إشارة إلى أن ذلك
وقع في المنام، ويدل على ذلك أيضًا: أن الجنة لا يدخلها أحد - أي: من غير
الأنبياء - إلا بعد الموت، وإن كان النبي وَّ يدخلها يقظة، كما وقع له في
المعراج، إلا أن بلالًا لم يدخل.
وقال التوربشتي: هذا شيء كُوشِفَ به ◌َّ من عالم الغيب في نومه أو يقظته.
وقيل: هذا مبالغة في دخول الجنة، كأنه دخل في حال حياته، قلت: حديث بريدة
الآتي في الفصل الثاني ظاهر في كونه رآه دخل الجنة، ويؤيد كونه وقع في المنام
ما روى البخاري في أول مناقب عمر من حديث جابر مرفوعًا: ((رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ
الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَةً، فَقِيلَ: هَذَا بِلَالٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفَنَائِهِ جَارِيةٌ، فَقِيلَ: هَذَا
لِعُمَرَ))، الحديث. وبعده من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتَنِي فِي
الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوضَّأُ إِلَى جَانِبِ الْقَصْرِ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا لِعُمَرَ .. ))
الحديث. فعرف أن ذلك وقع في المنام ورؤيا الأنبياء وحي ولذلك جزم النبي وَّله
بذلك.
(دَفَّ نَعْلَيْكَ) بفتح الدال المهملة والفاء المشددة أي: حسيسهما عند المشي
فيهما. قال التوربشتي: أراه أخذ من دفيف الطائر إذا أراد النهوض قبل أن يستقل،
وأصله ضربه بجناحيه، وفيه وهما جنباه فيسمع لهما حسيس. وقال الخليل: دف
الطائر إذا حرك جناحيه، وهو قائم على رجليه. وقال الحميدي: الدف الحركة
الخفيفة والسير اللين، والمراد هنا: الصوت اللين الملائم الناشيء من السير،
ووقع في رواية مسلم: ((خشف نعليك)) بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين

٣٨٥
BE
** noneese
بَابُ التّطَوّع
كِتّابُ الصَّلَاةِ
وتخفيف الفاء. قال أبوعبيدة وغيره: الخشف الحركة الخفيفة. (بَيْنَ يَدَيَّ فِي
الْجَنَّةِ) ظرف للسماع، وتقدم بلال بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام في الجنة
على عادته في اليقظة لا يستدعي أفضليته على العشرة المبشرة بالجنة فضلاً عن
رسول اللّه وَ له، بل هو سبق خدمة، كما يسبق العبد سيده، وإنما أخبره ظلَّلا بما
رآه؛ ليطيب قلبه باستحقاقه الجنة، ليداوم عليه، ولإظهار رغبة السامعين. وفيه:
إشارة إلى بقاء بلال على ما هو عليه في حال حياته، واستمراره على قرب منزلته،
وذلك منقبة عظيمة لبلال.
(مَا عَمِلْتُ عَمَلَا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي) بفتح الهمزة. ومن مقدرة قبلها صلة لأفعل
التفضيل، وثبتت في رواية مسلم وللكشمهيني: ((أَنْ)) بنون خفيفة بدل أَنِّي.
(لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا) بضم الطاء، زاد مسلم: ((تامًّا)) أي: لم أتوضأ وضوءًا. (فِي
سَاعَةٍ مِنْ لَيْلِ وَلَا نَهَارٍ) هذا لفظ مسلم، وفي رواية البخاري: في ساعة ليل أو نهار.
قال القسطلاني: بغير تنوين ساعة على الإضافة، كما في بعض الأصول المقابل
على اليونينية، ورأيته بها كذلك، وفي بعضها ساعة بالتنوين، وجر ليل على البدل،
وهو الذي ضبطه به الحافظ ابن حجر والعيني، ولم يتعرض لضبطه البرماوي،
كالكرماني، ونكر ((ساعة)) لإفادة العموم، فيدل على جواز هذه الصلاة في
الأوقات المكروهة، وتعقب: بأن الأخذ بعموم هذا ليس بأولى من الأخذ بعموم
النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، وتعقبه ابن التين: بأنه ليس فيه ما يقتضي
الفورية، فيحمل على تأخير الصلاة قليلًا؛ ليخرج وقت الكراهة، وأنه كان يؤخر
الطهور إلى آخر وقت الكراهة؛ لتقع صلاته في غير وقت الكراهة، وَرُدَّ بأنه في
حديث بريدة عند الترمذي وابن خزيمة في نحو هذه القصة: ما أصابني حدث قط
إلا توضأت عندها، ولأحمد من حديثه: إلا توضأت وصليت ركعتين، فدل على
أنه يعقب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة في أي وقت كان.
(إِلَّا صَلَّيْتُ) زاد الإسماعيلي: لربي. (بِذَلِكَ الطَّهُورِ) بضم الطاء. (مَا كُتِبَ لِي
أَنْ أُصَلِّيَ) أي: ما قدر لي أعم من النوافل والفرائض، وكتب على صيغة
المجهول. والجملة في موضع نصب، وأن أصلي في موضع رفع.

٣٨٦
ER
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن التين: إنما اعتقد بلال ذلك؛ لأنه علم من النبي وَلير أن الصلاة أفضل
الأعمال، وأن عمل السر أفضل من عمل الجهر. قال الحافظ: والذي يظهر أن
المراد بالأعمال التي سأله عن أرجاها: الأعمال المتطوع بها، وإلا فالمفروضة
أفضل قطعًا، انتهى.
والحكمة في فضل الصلاة على هذا الوجه من وجهين:
أحدهما: أن الصلاة عقب الطهور أقرب إلى اليقين منها، إذا تباعدت؛ لكثرة
عوارض الحدث من حيث لا يشعر المكلف.
ثانيهما: ظهور أثر الطهور باستعماله في استباحة الصلاة، وإظهار آثار الأسباب
مؤكد لها ومحقق. وفي الحديث فضيلة الصلاة عقب الوضوء، وإنها سنة، وسؤال
الشيخ عن عمل تلميذه، ليحضه عليه، ويرغبه فيه إن كان حسنًا وإلا فينهاه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في باب: فضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار
قبل أبواب التطوع، ومسلم في الفضائل، واللفظ للبخاري إلا قوله: ((في ساعة من
ليل ولا نهار)) فإنه لمسلم، ولفظ البخاري: ((في ساعة ليل أو نهار))، وسيأتي في
حديث الترمذي أنه ذكر أمورًا متعددة غير ذلك، فأما أن يكون ذكر الكل، فحفظ
بعض الرواة هذا وبعضهم ذاك، أو تكون الواقعة مكررة فذكر هذا في مرة وذاك في
أخرى.

٣٨٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*cINeS #E
بَابُ التَّطَوْعِ
١٣٣٢ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يُعَلِّمُنَا
الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ، كَمَا يُعَلَّمَنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: ((إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ
بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ
بِعِلْمِكَ، وأَسْتَقْدِرَُ بِقُذْرَتِكَ، وأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا
أَقْدِرُ، وتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وأَنْتَ عَلَُّمُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا
الأَمْرَ خَيْرٌ لِ فِي دِينِي، ومَعَاشِيٍ، وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أَوْقَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي
وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي، ويَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِْ لِي فِيهِ، وإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ
شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أَوْقَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ -
فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، واقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ)). قَالَ:
((ويُسَمِّي حَاجَتَهُ)).
[رَواهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٣٣٢ - قوله: (يُعَلِّمُنَا الإِسْتِخَارَةَ) أي: صلاتها ودعاءها، وهو استفعال من
الخير ضد الشر، أو من الخِيرة بكسر أوله وفتح ثانية بوزن العنبة، اسم من قولك:
خار اللَّه له، أي: أعطاه ما هو خير له، واستخار الله، طلب منه الخيرة، والمراد:
طلب خير الأمرين من الفعل والترك لمن احتاج إلى أحدهما. (فِي الأَمُورِ) أي:
التي نريد الإقدام عليها مما يعتني بشأنها مثل السفر والنكاح والعمارة ونحوها، لا
كالأكل والشرب المعتاد، ولأبي ذر والأصيلي زيادة: ((كلها)) أي: جليلها
وحقيرها، كثيرها وقليلها، فإن اللفظ يدل على العموم، وأن المرء لا يحتقر أمرًا
لصغره، وعدم الاهتمام به، فيترك الاستخارة فيه، فرب أمر يستخف بأمره، فيكون
في الإقدام عليه ضرر عظيم، أو في تركه. قال ابن أبي جمرة: هو عام أريد به
الخصوص، فإن الواجب والمستحب لا يستخار في فعلهما، والحرام والمكروه
لا يستخار في تركهما، فانحصر الأمر في المباح وفي المستحب، إذا تعارض منه
(١٣٣٢) الْبُخَارِي (١١٦٢) فِي الدَّعَوَاتِ، والنَّسَائِي (٨٠/٦) فِي النِّكَاحِ، وأَبُو دَاوُد (١٥٣٨)،
والتِّرْمِذِي (٤٨٠)، وابن مَاجَهْ (١٣٨٣) فِي الصَّلَاةِ.

٣٨٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أمران، أيهما يبدأ به، ويقتصر عليه؟ وقال الحافظ: وتدخل الاستخارة فيما عدا
ذلك في الواجب والمستحب المخير، وفيما كان زمنه موسعًا.
(كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) أي: يعتني بشأن تعليمنا الاستخارة، لعظم
نفعها، وعمومه كما يعتني بتعليمنا السورة، ففيه: دليل على الاهتمام بأمر
الاستخارة، وأنه متأكد مرغب فيه. قال الطيبي: فيه: إشارة إلى الاعتناء التام البالغ
بهذا الدعاء، وهذه الصلاة لجعلهما تلوين للفريضة والقرآن. (يَقُولُ) بيان لقوله:
(يُعَلِّمُنَا الإِسْتِخَارَةَ)، (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ) أي: أراده، كما في حديث ابن مسعود
عند الطبراني والحاكم. والأمر يعم المباح، وما يكون عبادة إلا أن الاستخارة في
العبادة بالنسبة إلى إيقاعها في وقت معين، وإلا فهي خير، ويستثنى ما يتعين إيقاعها
في وقت معين؛ إذ لا يتصور فيه الترك. قال القسطلاني: أي: قصد أمرًا مما لا
يعلم وجه الصواب فيه. أما ما هو معروف خيره كالعبادات وصنائع المعروف فلا،
نعم، قد يفعل ذلك؛ لأجل وقتها المخصوص؛ كالحج في هذه السنة لاحتمال
عدو، أو فتنة ونحوهما. (فَلْيَرْكَعْ) أي: ليصل في غير وقت الكراهة عند الأكثرین،
وهو أمر ندب يدل عليه الأحاديث الدالة علىَّ عدم وجوب صلاة زائدة على
الخمس من قوله: هل علي غيرها؟ قال: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ))، وغير ذلك.
(رَكْعَتَيْنِ) بنية الاستخارة، وهما أقل ما يحصل به المقصود. وهل يجزئ في
ذلك، إذا صلى أربعًا بتسليمة؟ يحتمل أن يقال: يجزئ ذلك؛ لحديث أبي أيوب
الأنصاري المروي في ((صحيح ابن حبان)) وغيره: ((ثُمَّ صَلِّ مَا كَتَبَ اللهُ لَكَ))، فهو
دال على أن الزيادة على الركعتين لا تضر. (مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ) فيه: دليل على أنه لا
تحصل سنة صلاة الاستخارة بوقوع الدعاء بعد صلاة الفريضة؛ لتقييد ذلك في
النص بغير الفريضة. وأما السنن الراتبة وغيرها من النوافل المطلقة، فقال
العراقي: إن كان همه بالأمر قبل الشروع في الراتبة ونحوها، ثم صلى من غير نية
الاستخارة، وبدا له بعد الصلاة الإتيان بدعاء الاستخارة، فالظاهر حصول ذلك،
انتهى. والظاهر: أنه لا يجزئ ذلك إلا إذا نوى تلك الصلاة بعينها، وصلاة
الاستخارة معًا. وأفاد النووي أنه يقرأ في الركعتين: ((الكافرون)) و((الإخلاص)) قال
العراقي في ((شرح الترمذي)): لم أقف على دليل ذلك، ولعله ألحقهما بركعتي
الفجر والركعتين بعد المغرب، قال: ولهما مناسبة بالحال لما فيهما من الإخلاص

٣٨٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّطَوْعِ
والتوحيد، والمستخير محتاج لذلك، قال: ومن المناسب أن يقرأ فيهما مثل قوله:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارٌ﴾ الآية [القصص: ٦٨]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا
قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦].
(ثُمَّ لِيَقُلْ) ندبًا. وهذا ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة، فلو دعا به في أثناء
الصلاة احتمل الإجزاء، كما يشير إليه رواية أبي داود بلفظ: ((وَلْيَقُلْ))، (اللَّهُمَّ إِنِّي
أَسْتَخِيرَُ) أي: أطلب منك بيان ما هو خير لي. (بِعِلْمِك) أي: أسألك أن ترشدني
إلى الخير، فيما أريد بسبب أنك عالم. (وَأَسْتَقْدِرَُ) أي: أطلب منك أن تجعل لي
قدرة عليه، أي: تجعلني قادرًا عليه، إن كان فيه خير. ويحتمل أن يكون المعنى
أطلب منك أن تقدره لي، والمراد بالتقدير: التيسير. (بِقُدْرَتِكَ) الباء فيه وفي قوله :
((بِعِلْمِكَ)) للتعليل، أي: لأنك أعلم وأقدر، أو للاستعانة، كقوله: ﴿بِسْمِ اللّهِ
يَجْرِبِهَا وَمُرْسَهَا﴾ [هود: ٤١] أي: أطلب منك الخير والقدرة مستعينًا بعلمك وقدرتك،
أو للاستعطاف كما في قوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾ [القصص: ١٧] أي: بحق علمك،
وقدرتك الشاملين. (وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيم) أي: أسألك ذلك؛ لأجل فضلك
العظيم لا لاستحقاقي لذلك ولا لوجوبه عليك؛ إذ كل عطائك فضل، ليس لأحد
عليك حق في نعمة ولا في شيء، فكل ما تهب فهو زيادة مبتدأة من عندك لم يقابلها
منا عوض فيما مضى، ولا يقابلها فيما يستقبل.
(فَإِنَّكَ تَقْدِرُ) بالقدرة الكاملة على كل شيء ممكن تعلقت به إرادتك. (وَلَا أَقْدِرُ)
على شيء إلا بقدرتك وحولك وقوتك. (وَتَعْلَمُ) بالعلم المحيط بجميع الأشياء
خيرها وشرها، كليها وجزئيها، ممكنها وغيرها. (وَلَا أَعْلَمُ) شيئًا منها إلا
بإعلامك. (وَأَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ) بضم الغين أي: أنت كثير العلم بجميع
المغيبات؛ لأنك تعلم السر وأخفى، فضلًا عن الأمور الحاضرة، والأشياء الظاهرة
في الدنيا والآخرة. قال الحافظ: في قوله: ((فَإِنَّكَ تَقْدِرُ .. )) إلخ. إشارة إلى أن
العلم، والقدرة لله وحده، وليس للعبد من ذلك إلا ما قدر الله له، وكأنه قال:
أنت يا رب تقدر قبل أن تخلق فيَّ القدرة، وعندما تخلقها فيَّ، وبعد ما تخلقها.
(اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) الترديد راجع إلى عدم علم العبد بمتعلق علمه تعالی؛ إذ
يستحيل أن يكون خيرًا، ولا يعلمه العليم الخبير، وهذا ظاهر. قال الكرماني:
الشك في أن العلم متعلق بالخير، أو الشر لا في أصل العلم. (إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ) زاد في

٣٩٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
رواية أبي داود: ((يُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ الَّذِي يُرِيدُ))، وظاهرها أن ينطق به. ويحتمل أن
يكتفي باستحضاره بقلبه عند الدعاء. وعلى الأول تكون التسمية في أثناء الدعاء عند
ذكره بالكناية عنه في قوله: ((أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ))، (خَيْرٌ لِي) أي: أمر الذي أريده أصلح
لي. (فِي دِيني) أي: فيما يتعلق بديني. (وَمَعَاشِي) أي: حياتي. قال العيني:
المعاش والمعيشة واحد يستعملان مصدرًا واسمًا، وفي ((المحكم)): العيش:
الحياة عاش عيشًا وعيشة ومعيشًا ومعاشًا، ثم قال: المعيش والمعاش والعيشة: ما
یعاش به، انتھی.
قال الحافظ: زاد أبو داود: و((معادي))، وهو يؤيد أن المراد بالمعاش: الحياة.
ويحتمل أن يريد بالمعاش ما يعاش فيه، ولذلك وقع في حديث ابن مسعود، في
بعض طرقه عند الطبراني في ((الأوسط)): ((فِي دِينِي وَدُنْيَايَ))، وفي حديث أبي
أيوب عند الطبراني: ((في دنياي وآخرتي)). زاد ابن حبان في روايته: ((وَدِينِي)). وفي
حديث أبي سعيد عند ابن حبان وأبي يعلي: ((فِي دِينِي وَمَعِيْشَتِي))، انتهى.
(وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ -) قال الحافظ: هو شك من
الراوي، واقتصر في حديث أبي سعيد على ((عاقبة أمري)) وكذا في حديث ابن
مسعود. وهو يؤيد أحد الاحتمالين في أن العاجل والآجل مذكوران بدل الألفاظ
الثلاثة، أو بدل الأخيرين فقط. وعلى هذا فقول الكرماني: لا يكون الداعي جازمًا
بما قال رسول اللَّه وَله إلا إن دعا ثلاث مرات يقول مرة: ((في ديني ومعاشي وعاقبة
أمري))، ومرة: ((في عاجل أمري وآجله))، ومرة: ((في ديني وعاجل أمري وآجله)).
قلت: قائله: الحافظ، ولم يقع ذلك - أي: الشك - في حديث أبي أيوب وأبي
هريرة أصلًا، انتهى.
وقال الطيبي: الظاهر أنه شك، أي: لا تخيير، كما توهم بعضهم في أن النبي
رَّه قال: ((فِي عَاقِبَةٍ أَمْرِي - أَوْ قَالَ -: عَاجِلُ أَمْرِي وَآجِلِهِ))، وإليه ذهب القوم حيث
قالوا: هي على أربعة أقسام: خير في دينه دون دنياه، وهو مقصود الإبدال، وخير
في دنياه فقط، وهو حظ حقير، وخير في العاجل دون الآجل، وبالعكس، وهو
أولى، والجمع بين الأربعة أفضل. ويحتمل أن يكون الشك في أنه تُالثّل قال: (فِي
دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي - أو قال بدل الألفاظ الثلاثة - فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ)،
ولفظ في المعادة في قوله: ((فِي عَاجِلٍ أَمْرِي)) ربما يؤكد هذا. وعاجل الأمر يشمل

٣٩١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّطَوّع
الديني، والدنيوي، والآجل يشملهما والعاقبة، كذا في ((المرقاة)). (فَاقْدُرْهُ لِي)
بضم الدال وكسرها، أي: اجعله مقدورًا لي، أي: أدخله تحت قدرتي. وقيل:
اقض لي به، أو أنجزه لي وهيّئه، أو قدره لي أي: يسره، فهو مجاز عن التيسير،
فلا ينافي كون التقدير أزليًّا، ويكون قوله: (وَيَسِّرْهُ لِي) عطفا تفسيريًّا.
(ثُمَّ بَارِلْك ◌ِي فِيهِ) أي: أدمه وضاعفه. (وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ) أي:
المذكور أو المضمر، فاللام للعهد. (شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي) أي:
معادي. قال السندي: ينبغي أن يجعل الواو هاهنا بمعنى ((أو))، بخلاف قوله: خير
لي في كذا وكذا، فإن هناك على بابها؛ لأن المطلوب حين تيسره أن يكون خيرًا من
جميع الوجوه. وأما حين الصرف فيكفي أن يكون شرًّا من بعض الوجوه، انتهى.
(فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ) فلا يتعلق بالي بطلبه. وفي دعاء بعض العارفين:
اللهم لا تتعب بدني في طلب ما لم تقدره لي، ولم يكتف بقوله: ((اصرفه عني))؛
لأنه قد يصرف الله عن المستخير ذلك الأمر، ولا يصرف قلبه عنه، بل يبقى متعلقًا
متطلبًا متشوقًا إلى حصوله، فلا يطيب له خاطره، فإذا صرف كل منهما عن الآخر
كان ذلك أكمل، ولذا قال في آخره: (وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ) أي: يسره علي واجعله
مقدور الفعل.
(حَيْثُ كَانَ) أي: الخير. وفي حديث أبي سعيد: ((أَيْنَمَا كَانَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
بِاللهِ))، (ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ) بهمزة قطع أي: اجعلني راضيًا به؛ لأنه إذا قدر له الخير ولم
يرض به، كان منكد العيش، آثمًا بعدم رضاه بما قدره الله له مع كونه خيرًا له.
وفي رواية: (ثُمَّ رَضَّنِي بِه)) بالتشديد من الترضية، وهو جعل الشيء راضيًا.
وأرضيت ورضيت بالتشديد بمعنى. (قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) أي: في أثناء الدعاء عند
ذكرها بالكناية عنها في أوله: ((إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ)). قال الطيبي: ((وَيُسَمِّي
حَاجَتَهُ)) إما حال من فاعل يقل، أي: فليقل هذا مسميًا حاجته، أو عطف على
((ليقل)) على التأويل؛ لأنه أي: يسمي في معنى الأمر، انتهى.
وفي الحديث: دليل لأهل السنة أن الشر من تقدير اللَّه على العبد؛ لأنه لو كان
يقدر على اختراعه لقدر على صرفه، ولم يحتج إلى طلب صرفه عنه.
وفيه: شفقة النبي ◌َّلل على أمته وتعليمهم جميع ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

٣٩٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفيه: أن العبد لا يكون قادرًا إلا مع الفعل لا قبله والله هو خالق العلم بالشيء
للعبد، وهمه به، واقتداره عليه، فإنه يجب على العبد رد الأمور كلها إلى الله،
والتوكل عليه، والتفويض إليه، والتبري من الحول والقوة إليه، وأن يسأل ربه وفي
أموره كلها .
وفيه: استحباب صلاة الاستخارة، والدعاء المأثور عقيبها، وليس في ذلك
خلاف. واختلف فيماذا يفعل المستخير بعد الاستخارة؟ فقيل: يفعل ما بدا له
ويختار أي جانب شاء من الفعل والترك، وإن لم ينشرح صدره لشيء منهما، فإن
فيما يفعله يكون خيره ونفعه، فلا يوفق إلا لجانب الخير، وهذا لأنه ليس في
الحديث أن الله ينشئ في قلب المستخير بعد الاستخارة انشراحًا لجانب، أو ميلًا
إليه، كما أنه ليس فيه ذكر أن يرى المستخير رؤيا، أو يسمع صوتًا من هاتف، أو
يلقى في روعه شيء، بل ربما لا يجد المستخير في نفسه انشراحًا بعد تكرار
الاستخارة، وهذا يقوي أن الأمر ليس موقوفًا على الانشراح. وفي الجملة:
المذكور في الحديث إنما هو أمر للعبد بالدعاء، بأن يصرف اللّه عنه الشر، ويقدر
له الخير أينما كان، وهذا اختاره ابن عبد السلام حيث قال: يفعل المستخير ما
اتفق، واستدل له بقوله في بعض طرق حديث ابن مسعود في آخره: (ثُمَّ يَعْزِمُ))،
وأول الحديث: ((إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَمْرًا، فَلْيَقُلْ)).
وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني: إذا صلى الإنسان ركعتي الاستخارة لأمر،
فليفعل بعدها ما بدا له، سواء انشرحت نفسه له أم لا، فإن فيه الخير، وإن لم
تنشرح له نفسه. وليس في الحديث اشتراط انشراح النفس. كذا في ((طبقات
الشافعية)) (ج ٥ ص٢٥٨). وقيل: ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له، حتى
أنه يستحب له تكرار الصلاة، والدعاء في الأمر الواحد، إذا لم يظهر له وجه
الصواب في الفعل، أو الترك ما لم ينشرح صدره لما يفعل، واختاره النووي ومن
وافقه، قال النووي في ((الأذكار)) (ص٩٣): يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح به
صدره، واستدل له بحديث أنس عند ابن السني (ص١٩٢): ((إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ
فَاسْتَخِرْ رَبَّكَ فِيهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ))، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك، فإن الخير فيه.
قال الحافظ: وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن سنده واوٍ جدًّا، انتهى.
وبسط العيني والشوكاني الكلام في بيان وجه ضعف الحديث وسقوطه.

٣٩٣
بَابُ التَّطَوّع
كِتَابُ الصَّلَاةِ
قال الشوكاني بعد ذكر كلام النووي: فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان له فيه
هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسًا، وإلا فلا يكون
مستخيرًا لله، بل يكون مستخيرًا لهواه، وقد يكون غير صادق في طلب الخيرة وفي
التبرئ من العلم والقدرة وإثباتهما لله، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة
ومن اختياره لنفسه، انتهى.
قلت: والراجح عندي: قول من ذهب إلى أنه يفعل المستخير بعد الاستخارة ما
بدا له واتفق، فليس الأمر منوطًا عندي على الانشراح أو الرؤيا؛ لأنه ليس في
الحديث اشتراط انشراح النفس، ولا ذكر النوم بعد الاستخارة، وإطلاع ما هو خير
له في رؤياه، والله أعلم. وارجع إلى ((زاد المعاد)) (ج١ ص٢٨٦)، و((مدارج
السالکین» (ج٢ ص٦٨).
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في أبواب التطوع من الصلاة، وفي الدعوات، وفي التوحيد،
وهو من أفراد البخاري. وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وصححه وأبو داود في
أواخر الصلاة، والنسائي في النكاح، وابن ماجه في الصلاة، والبيهقي (ج٣
ص٥٢). والحديث مع كونه في ((صحيح البخاري))، وتصحيح الترمذي وابن
حبان له، قد ضعفه أحمد بن حنبل، وقال: إن حديث عبد الرحمن بن أبي الموال -
يعني: الذي أخرجه هؤلاء الجماعة من طريقه - منكر في الاستخارة، ليس يرويه
غيره. وقال ابن عدي في ((الكامل)): والذي أنكر عليه حديث الاستخارة، وقد رواه
غير واحد من الصحابة كما رواه ابن أبي الموال، انتهى.
قال العراقي: كان ابن عدي أراد بذلك أن لحديثه هذا شاهدًا من حديث غير واحد
من الصحابة، فخرج بذلك أن يكون فردًا مطلقًا، وقد وثقه جمهور أهل العلم،
انتهى. وقد جاء من رواية ابن مسعود عند الطبراني والحاكم، وعن أبي أيوب عند
الطبراني وابن حبان والحاكم، وعن أبي سعيد عند أبي يعلى وابن حبان، وعن أبي
هريرة عند ابن حبان، وعن ابن عباس وابن عمر عند الطبراني، وليس في شيء من
هذه الأحاديث ذكر الصلاة سوى حديث جابر إلا أن لفظ أبي أيوب: ((اكْتُم الْخِطْبَةَ،
وَتَوَضَأَ فَأَحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلِّ مَا كَتَبَ اللهُ لَكَ .. ))، الحديث. فالتقييدَ بركعتين
وبقوله: من غير الفريضة خاص بحديث جابر. وارجع للكلام في هذه الأحاديث
إلى ((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص ٢٨٠، ٢٨١) و((الفتح)) و((العيني)) و((النيل)).

٣٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٣٣٣ - [٣] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوبَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرِ - قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَ يَقُولُ: ((مَا مِنْ رَجُل يُذْنِبُّ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَّطَهَّرُ، ثَمَّ
يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ)) ثُمَّ قُرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ
[آل عمران: ١٣٥].
ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُبِهِمْ﴾.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّ أَنَّ ابْنُ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرِ الْآيَةَ] {حسن}
الشرْخُ
١٣٣٣ - قوله: (وصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ) جملة معترضة بَيَّن بها علي رَوَّةُ جلالة أبي
بكر رَوَّلَهُ، ومبالغته في الصدق حتى سمَّاه رسولُ اللَّهُ بَّه صديقًا. (قَالَ) أي:
أبوبكر. (مَا مِنْ رَجُلٍ) أي: أو امرأة. و((مِنْ)) زائدة؛ لزيادة إفادة الاستغراق.
(يُذْنِبُ ذَنْبًا) أي: أيَّ ذنب كان، صغيرًا أو كبيرًا. (ثُمَّ يَقُومُ) قال الطيبي: (ثُمَّ))
للتراخي في الرتبة. قال القاري: والأظهرُ أنه للتراخي الزماني، يعني: ولو تأخر
القيام بالتوبة عن مباشرة المعصية؛ لأن التعقيب ليس بشرط، فالإتيان بـ(ثُمَّ))
للرجاء. والمعنى: ثم يستيقظ من نوم الغفلة، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ﴾ [سبأ:
٤٦]. (فَيَتَطَهَّرُ) أي: فيتوضأ، كما في رواية ابن السني. وفي رواية أبي داود:
((فَيُحْسِنُ الطَّهُورَ)). (ثَمَّ يُصَلَّي) أي: ركعتين، كما في رواية ابن السني وابن حبان
والبيهقي وأبي داود وابن ماجه. (ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أي: لذلك الذنب، كما في رواية
ابن السني. والمراد بالاستغفار: التوبة بالندامة، والإقلاع، والعزم على أن لا يعود
إليه أبدًا. وأن يتدارك الحقوق، إن كانت هناك. و(ثُمَّ)) في الموضعين لمجرد
العطف التعقيبي. (ثُمَّ قَرَأْ) أي: النبي ◌َّه؛ استشهادًا واعتضادًا، أو قرأ أبوبكر؛
تصديقًا وتوفيقًا. (وَالّذِينَ) مبتدأ خبره سيأتي، ويحتمل وجهين آخرين. (إِذَا فَعَلُوا
فَاحِشَةً) أي: ذنبًا قبيحًا كالزنا.
(١٣٣٣) التِّرْمِذِي (٣٠٠٦)، وابن مَاجَهْ (١٣٩٥) فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَلِيٍّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ.

٣٩٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التّطَوّع
(أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي: بما دونه كالقبلة واللمس. قال الطيبي: أي: أيُّ ذنب
كان مما يؤاخذون به، انتهى، فيكون تعميمًا بعد تخصيص. (ذَكَرُوا اللَّهَ) أي:
ذكروا عقابه، قاله الطيبي. وظاهر الحديث: أن معناه صلوا، لكن العبرة بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب. فالمعنى: ذكروا الله بنوع من أنواع الذكر، قاله
القاري. (فَاسْتَغْفَرُوا) أي: طلبوا المغفرة مع وجود التوبة والندامة.
(لِذُنُوبِهِمْ) اللام معدية، أو تعليلية. وفي الترمذي إلى آخر الآية بعد قوله:
﴿ذَكَرُواْ اللّهَ﴾ وتمامها: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ
أُؤْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتٌ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ
يَعْلَمُونَ (٢٥)
١٣﴾ [آل عمران: ١٣٥، ١٣٦]. والحديث: يدل على استحباب
فِيَهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
الصلاة عند التوبة من الذنب، وتسمى صلاة الاستغفار وصلاة التوبة. (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ) في الصلاة، وفي تفسير سورة آل عمران من طريق قتيبة عن أبي عوانة عن
عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي، وقال:
حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عثمان بن المغيرة، وروى شعبة
وغير واحد فرفعوه مثل أبي عوانة، ورواه سفيان الثوري ومسعر، فأوقفاه ولم
يرفعاه إلى النبي ◌َّ، وقد روي عن مسعر هذا الحديث مرفوعًا أيضًا، انتهى.
قال الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)): وفيه - أي: في كلام الترمذي
- نظر، فإنه جزم بأن الثوري رواه موقوفًا، وأن مسعرًا رواه موقوفًا ومرفوعًا،
ولكن الحديث رواه أيضًا أحمد في ((مسنده)) (ج١ ص٢). (وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ) عن
وكيع عن مسعر وسفيان كلاهما عن عثمان بن المغيرة بهذا الإسناد مرفوعًا. ورواية
شعبة التي أشار إليها رواها عنه أبو داود الطيالسي في ((مسنده))، وهو أول حديث
فيه، ورواها أيضًا ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (ص١١٧). وهذا الحديث
صحيح نسبه المنذري في ((الترغيب))، والسيوطي في ((الدر المنثور)) (ج٢ ص ٧٧)
لابن حبان والبيهقي، ونسبه السيوطي أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد
والدار قطني والبزار وغيرهم. وأطال الكلام عليه الحافظ ابن حجر في ((التهذيب))
في ترجمة أسماء بن الحكم، وقال: هذا الحديث جيد الإسناد، وذكر أن ابن حبان
أخرجه في ((صحيحه))، انتهى. ورواه أبو داود أيضًا في ((سننه)) من طريق مسدد عن
أبي عوانة عن عثمان بنحو ما رواه الترمذي. وكان صاحب ((المشكاة)) لم يقف على
موضع إيراده في ((سننه))، فترك ذكره في التخريج.

٣٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Hees
(إِلَّا أَنْ ابْنُ مَاجَهْ) وضع الظاهر موضع الضمير، وإلا فالظاهر أن يقول: إلا أنه.
(لَمْ يَذْكُرِ الآيَةَ) وكذا لم يذكرها أحمد في روايته. وعند ابن السني (ص١١٧) وتلا
هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا
﴾ [النسا: ١١٠] .
١٣٣٤ - [٤] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَأَنَّ النَّبِيُّ بَّهِ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٣٣٤ - قوله: (إِذَا حَزَبَهُ) بحاء مهملة وزاي فموحدة من باب نصر أي:
أصابه. (أَمْرٌ) أي: شديد. قال في ((النهاية)): أي: إذا نزل به أمر مهم، أو أصابه
غم. وفي بعض النسخ بالنون من الحزن أي: أوقعه في الحزن.
(صَلَّى) أي: بادر إلى الصلاة؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾.
أي: بالصبر على البلايا والالتجاء إلى الصلاة، وذلك؛ لأن الصلاة معينة على دفع
النوائب. ومنه أخذ بعضهم ندب صلاة المصيبة، وهي ركعتان عقيبها. وكان
ابن عباس يفعل ذلك، ويقول: نفعل ما أمرنا الله به بقوله: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥] فينبغي لمن نزل به غم أن يشتغل بالصلاة، فإنه تعالى يفرجه عنه
ببركة الصلاة .
قال القاري: وهذه الصلاة ينبغي أن تسمى بصلاة الحاجات؛ لأنها غير مقيدة
بكيفية من الكيفيات، ولا مختصة بوقت من الأوقات.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) في باب: وقت قيام النبي ◌َّهِ من الليل، وسكت عنه أبو داود.
وقال المنذري: وذكر بعضهم أنه روي مرسلًا، انتهى. وأخرجه أيضًا أحمد اج٥
ص٣٨٨) وإسناده صحيح أو حسن.
(١٣٣٤) أَبُو دَاوُد (١٣١٩) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التّطَوّع
٣٩٧
١٣٣٥ - [٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ فَدَعَا بِلَالًا،
فَقَالَ: ((بِمَا سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ
أَمَامِي)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنٍ، ومَا أَصَابَنِي
حَدَثْ قَطَّ إِلَّ تَوَضَّأْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنٍ، فَقَّالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَالر: ((بِهِمًا)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٣٣٥ - قوله: (أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ) أي: ذات يوم. (فَدَعَا بِلَالًا) أي: بعد
صلاة الصبح كما مر. (بِمَا) وفي ((المصابيح)): ((بم)) بإسقاط الألف، وكذا وقع في
الترمذي أي: بأي شيء. (سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ) قال التوربشتي: نرى ذلك - والله
أعلم - عبارة عن مسارعة بلال إلى العمل الموجب لتلك الفضيلة قبل ورود الأمر
عليه، وقبل بلوغ الندب إليه، وذلك مثل قول القائل لعبده: تسبقني إلى العمل أي:
تعمل قبل ورود أمري عليك. ومن ذهب في معناه إلى ما يقتضيه ظاهر اللفظ فقد
أحال، فإن نبي اللَّه وَ لَّ جل قدره، أن يسبقه أحد من الأنبياء إلى الجنة فضلًا عن
بلال، وهو رجل من أمته، كذا قال. وقد قدمنا أن الواقعة واقعة منام، وأن حديث
بريدة هذا ظاهر في كونه ◌َّلو رأى بلالا دخل الجنة، وأن مشيه بين يدي النبي وَ ل
كان من عادته في اليقظة، فاتفق مثله في المنام. ولا يلزم من ذلك دخول بلال
الجنة قبل النبي ◌َّيّة؛ لأنه في مقام التابع والخادم، وكأنه أشار ◌َله إلى بقاء بلال
على ما كان عليه في حال حياته، واستمراره على قرب منزلته.
(مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطَّ) يدل على دخوله ◌َّ إياها، ورؤيته بلالا كذلك مرات.
(إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَك) بمعجمتين مكررتين، وهي حركة لها صوت كصوت
السلاح خشخش السلاح، أو الحلي خشخشة أي: سمع له صوت عند اصطكاكه.
(أَمَامِي) أي: قدامي. (مَا أَذَّنْتُ قَطَّ إِلَّ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنٍ) أي: قبل الإقامة يعني: بين
الأذان والإقامة. (وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ) بفتحتين. هو لغة الشيء الحادث نقل إلى
ناقضات الوضوء.
(١٣٣٥) التِّرْمِذِي (٣٦٨٩) فِي المَنَاقِبِ عَنْهُ.

BEN
٣٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهُ) أي: بعد حدوث ذلك الحدث. وفي الترمذي: ((عندها))
أي: عند إصابة الحدث، (وَرَأَيْتُ) عطف على (تَوَضَّأْتُ). قال ابن الملك: أي:
ظننت. وقال ابن حجر: أي: اعتقدت. وقال القاري: الأظهر أن يكون من الرأي
أي: اخترت.
(أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنٍ) أي: شكرًا لله تعالى على إزالة الأذية، وتوفيق الطهارة.
قال الطيبي: كناية عن مواظبته عليهما.
(بِهِمَا) أي: بهما نلت ما نلت، أو عليك بهما، قاله الطيبي. ثم الظاهر: أن
ضمير التثنية راجع إلى القريبين المذكورين، وهما دوام الطهارة، وتمامها بأداء
شكر الوضوء، فيوافق الحديث السابق أول الباب. ولا يبعد أن يرجع إلى الصلاة
بين كل أذانين، والصلاة بعد كل طهارة، أو إلى الصلاة بين الأذانين، ومجموع
دوام الوضوء وشكره، قاله القاري. وفي الحديث: استحباب إدامة الطهارة،
ومناسبة المجازاة على ذلك بدخول الجنة؛ لأن من لازم دوام الطهارة أن يبيت
المرء طاهرًا، ومن بات طاهرًا عرجت روحه، فسجدت تحت العرش، كما رواه
البيهقي في ((الشعب)) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والعرش: سقف
الجنة. وظاهره أن هذا الثواب وقع بسبب ذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين
قوله وَجِهِ: ((لَا يُدْخِلُ أَحَدَكُمُ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ))؛ لأن أحد الأجوبة المشهورة بالجمع بينه
وبين قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] أن أصل الدخول إنما
يقع برحمة الله، واقتسام الدرجات بحسب الأعمال، فيأتي مثله في هذا. وفيه: أن
الجنة موجودة الآن خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أي: في مناقب عمر ركزوافته مطولًا، وقال: هذا حديث حسن
صحيح غريب. وذكره المصنف تبعًا للبغوي مقتصرًا على ما يناسب الباب، وهو
إثبات تطوع تحية الوضوء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٣٥٤ - ٣٦٠) وابن
خزيمة في ((صحیحه)).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التّطَوّع
٣٩٩
١٣٣٦ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْ فَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَاتٍ:
(مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ، أَوْ إِلَىَ أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَلْيُحْسِنِ
الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - ولْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ
وَِّ ثُمَّ لِيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلََّ اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكُ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ
مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بٍِّ، والسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْم، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا
غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمَّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضَّأَ إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ
الرَّاحِمِينَ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {موضوع}
الشّرْجُ
١٣٣٦ - قوله: (مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ) دينية أو دنيوية. (فَلْيَتَوَضَّأُ) ظاهره أنه
يجدد الوضوء، إن كان على وضوء. ويحتمل أن المراد: إن لم يكن له وضوء.
(فَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ) باستعمال سننه وآدابه. وفي ((المستدرك)): وليحسن وضوءه،
وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٧ ص١٦٤). (ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ)
وتسمى هذه الصلاة بصلاة الحاجة. (ثُمَّ لِيُثْنِ) منِ الإِثِناء. (وَلْيُصَلُّ عَلَى النَِّّوَّ)
الأصح الأفضل لفظ صلاة التشهد. (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ) الذي لا يعجل
بالعقوبة. (الْكَرِيمُ) الذي يعطي بغير استحقاق وبدون المنة.
(رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم) اختلف في كون العظيم صفة للرب أو العرش، كما في
قوله عليه الصلاة والسلام: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ)). نقل ابن التين عن
الداودي أنه رواه برفع ((العظيم)). على أنه نعت للرب، والذي ثبت في رواية
الجمهور الجر على أنه نعت للعرش. وكذلك قراءة الجمهور في قوله تعالى:
﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩) و﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] بالجر.
والمعنى المراد في المقام: أنه منزه عن العجز. فإن القادر على العرش العظيم. لا
(١٣٣٦) التِّرْ مِذِي (٤٧٩)، وَابن مَاجَهْ (١٣٨٤) فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ التِّرْ مِذِي: غَرِيبٌ؛ وفائد أبو الورقاء
ضعيف .