النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عمر بن الخطاب المذكور صحيح ثابت محفوظ، ولفظ إحدى وعشرين في هذا
الأثر غير محفوظ، والأغلب إنه وهم، والله تعالى أعلم، انتهى كلام الشيخ.
فإن قلت: قال صاحب ((الأوجز)): الظاهر عندي ما رجحه ابن عبد البر؛ لأن جل
الروايات نص في أنها كانت عشرين ركعة، لكن الوهم عندي فيه عن محمد بن
يوسف؛ لأن نسبة الوهم إلى الإمام أبعد من النسبة إليه. ويؤيده رواية سعيد بن
منصور، وقد روى يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد: أنهم كانوا يقومون في
عهد عمر بن الخطاب بعشرين ركعة، انتهى.
قلت: كلام صاحب ((الأوجز)) باطل جدًّا؛ لأنه لم يثبت الأمر بعشرين عن عمر
بسند صحيح خال عن الكلام، والآثار التي تذكر في ذلك لا يخلو واحد منها عن
مقال؛ فإنها إما مراسيل منقطعة أو موصولة ضعيفة، كما حققه شيخنا في ((شرح
الترمذي))، فكيف تكون هي دليلًا على كون رواية إحدى عشرة الصحيحة وهمًّا؟
وأما نسبة الوهم إلى محمد بن يوسف فهي كنسبة الوهم إلى الإمام مالك مما لا
يلفت إليه؛ لكونها مجرد ادعاء، وأما رواية يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد،
فهي عند البيهقي من وجهين: في أحدهما: أبوعثمان عمرو بن عبد الله البصري،
وفي الآخر: أبو عبد الله الحسين بن فنجويه الدينوري، ولم أقف على ترجمتهما،
ولم يعرف حالهما، وإنهما ثقتان قابلان للاحتجاج أم لا. (فَكَانَ) وفي ((الموطأ)) قال
- أي السائب - وكان (الْقَارِىُّ) أي: الإمام. (يَقْرَأ) في كل ركعة.
(بِالْمِئِينَ) بكسر الميم جمع مائة، أي: السور التي تلي السبع الطول، سميت
بذلك لزيادة كل منها على مائة آية. قال ابن حجر: أي: بالسور التي يزيد كل منها
على مائة آية. قال القاري: وفيه: أنه لا دلالة على الزيادة، ولا على أنها سورة
مستقلة، قال: والظاهر أن المراد بقوله: (بِالْمِئِينَ): التقريب لا التحديد، انتهى.
والظاهر عندي: ما ذكره ابن حجر. (حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصَا) وفي بعض
النسخ: على العصيّ، كما في الموطأ، وهكذا نقله الجزري أي: بكسر العين
والصاد المهملتين وتشديد الياء، جمع عصا، فالأولى للجنس، والثانية من مقابلة
الجمع بالجمع. (مِنْ طُولِ الْقِيَام) أي: من أجل طول القيام؛ لأن الاعتماد في
النافلة لطول القيام على حائط أو عصا جائز، وإن قدر على القيام، بخلاف
٣٤١
** cess
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
weE
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الفرض، قاله الزرقاني والباجي. قلت: ويدل على جواز الاعتماد على العصا عند
العذر حديث أم قيس بنت محصن عند أبي داود.
(فَمَا) وفي ((الموطأ)): و((ما)) (كُنَّا نَنْصَرِفُ) عن التراويح. (إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ)
أي: أوائله وأعاليه، وفرع كل شيء أعلاه، ذكره الطيبي. وفي رواية سعيد ابن
منصور: ((ننقلب عند بزوغ الفجر)). قال في ((النهاية)): البزوغ: الطلوع، والمراد:
أوائل مقدماته، فلا ينافي ما سيأتي أنهم كانوا يتسحرون بعد انصرافهم. قال
القاري: ولعل هذا التطويل كان في آخر الأمر، فلا ينافي ما تقدم من قوله: ((والتي
تنامون عنها أفضل)). (رَوَاهُ مَالِك) عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد،
وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي في ((السنن)) (ج٢
ص٤٩٦) والمعرفة. واعلم أنهم اختلفوا في المختار من عدد الركعات التي يقوم
بها الناس. قال العيني في ((شرح البخاري)) (ج١١ ص١٢٦): قد اختلف العلماء في
العدد المستحب في قيام رمضان على أقوال كثيرة. فقيل: إحدى وأربعون. قال
الترمذي: رأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعين ركعة مع الوتر، وهو قول أهل
المدينة، والعمل على هذا عندهم بالمدينة. قال شيخنا - يعني: العراقي - وهو
أكثر ما قيل فيه. قال العيني: ذكر ابن عبد البر في ((الاستذكار)) عن الأسود بن
يزيد، كان يصلي أربعين ركعة، ويوتر بسبع، هكذا ذكره، ولم يقل: إن الوتر من
الأربعين. وقيل: ثمان وثلاثون، رواه محمد بن نصر من طريق ابن أيمن عن
مالك، قال: يستحب أن يقوم الناس في رمضان بثمان وثلاثين ركعة، ثم يسلم
الإمام والناس، ثم يوتر بهم بواحدة، قال: وهذا العمل بالمدينة قبل الحِرَّةِ منذ
بضع ومائة سنة إلى اليوم. وقيل: ست وثلاثون، وهو الذي عليه عمل أهل
المدينة .
وروى ابن وهب، قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن نافع، قال: لم أدرك
الناس إلا وهم يصلون تسعًا وثلاثين ركعة، ويوترون منها بثلاث. وقيل: أربع
وثلاثون على ما حكي عن زرارة بن أوفي أنه كذلك كان يصلي بهم في العشر
الأخير. وقيل: ثمان وعشرون، وهو المروي عن زرارة بن أوفي في العشرين
الأولين من الشهر، وكان سعيد بن جبير يفعله في العشر الأخير. وقيل: أربع
وعشرون، وهو مروي عن سعيد بن جبير. وقيل: عشرون، وحكاه الترمذي عن
٣٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
***
أكثر أهل العلم؛ فإنه مروي عن عمر وعلي وغيرهما من الصحابة، وهو قول
أصحابنا الحنفية. وقيل: إحدى عشرة ركعة، وهو اختيار مالك لنفسه. واختاره
ابن العربي، انتهى كلام العيني. وقال السيوطي في رسالته ((المصابيح في صلاة
التراويح)): قال ابن الجوزي من أصحابنا عن مالك أنه قال: الذي جمع عليه الناس
عمر بن الخطاب أحب إليَّ، وهي إحدى عشرة ركعة، وهي صلاة رسول اللّه وَل.
قيل له: إحدى عشرة ركعة بالوتر؟ قال: نعم، وثلاث عشرة قريب، قال: ولا
أدري من أين أُحْدِثَ هذا الركوع الكثير، انتهى.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): القول الراجح المختار الأقوى من حيث الدليل
هو هذا القول الأخيرِ الذي اختاره مالك لنفسه، أعني: إحدى عشرة ركعة، وهو
الثابت عن رسول اللّه وَ ليل بالسند الصحيح، وبها أمر عمر بن الخطاب. وأما
الأقوال الباقية فلم يثبت واحد منها عن رسول اللّه وَل بسند صحيح، ولا ثبت الأمر
به عن أحد من الخلفاء الراشدين بسند صحيح خال عن الكلام، ثم ذكر حديث
عائشة المذكور: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة،
وحديث جابر قال: صلى بنا رسول اللّه وَل في شهر رمضان ثمان ركعات، وحديث
جابر عن أبيٍّ في إمامته للنساء في داره بثمان ركعات، ثم ذكر أثر عمر الذي نحن
بصدد شرحه .
قلت: واستدل لمن ذهب إلى أن التراويح عشرون ركعة سوى الوتر بما تقدم من
حديث ابن عباس: أن النبي ◌ُّليّ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة سوی الوتر،
وقد تقدم أنه حديث ضعيف جدًّا، غير صالح للاستدلال، وبما روى عبد الرزاق
عن داود بن قيس عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد، أن عمر بن الخطاب
جمع الناس في رمضان على أبيّ بن كعب وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين
ركعة، وقد تقدم أن قوله: إحدى وعشرين في هذه الرواية وَهْمٌ، على أنه مضر
للحنفية من حيث أنه يستلزم أن يقولوا بكون التراويح ثماني عشرة ركعة، أو بكون
الوتر ركعة واحدة فردة، فافهم، وبما روى البيهقي في ((المعرفة)) من طريق محمد
ابن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال: كنا نقوم في زمان عمر بن
الخطاب بعشرين ركعة والوتر. وصحح إسناده السبكي في ((شرح المنهاج))،
والقاري في ((شرح الموطأ)). وأجيب عنه: بأن في سنده أبا عثمان البصري واسمه
عمرو بن عبد الله.
٣٤٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
قال النيموني في ((تعليق آثار السنن)): لم أقف على من ترجم له. وقال شيخنا في
((شرح الترمذي)): لم أقف أنا أيضًا على ترجمته مع التفحص الكثير، فمن يدعي
صحة هذا الأثر، فعليه أن يثبت كونه ثقة قابلًا للاحتجاج، ومع هذا فهو معارض
بما روى سعيد بن منصور في ((سننه)) قال: حدثنا عبد العزيز حدثني محمد بن
يوسف سمعت السائب بن يزيد يقول: كنا نقوم في زمان عمر بن الخطاب بإحدى
عشرة ركعة .
قال السيوطي في رسالته ((المصابيح)): إسناده في غاية الصحة، انتهى. وأيضًا
هو معارض بما روى أبوبكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن
محمد بن يوسف، أن السائب أخبره: إن عمر جمع الناس على أبيٍّ وتميمٍ، فكانا
يصليان إحدى عشرة ركعة، وإسناده صحيح. وأيضًا هو معارض بما روى محمد
ابن نصر في ((قيام الليل)) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن يوسف عن
جده السائب بن يزيد قال: كنا نصلي في زمن عمر ثلاث عشرة ركعة. وهو أيضًا
معارض بما ذكره المصنف من رواية مالك عن محمد بن يوسف عن السائب بن
يزيد أنه قال: أمر عمر أبيَّ بن كعب وتميمًا الداري إن يقوما للناس بإحدى عشرة
ركعة. فأثر السائب بن يزيد الذي رواه البيهقي لا يصلح للاحتجاج، فإن قلت:
روى البيهقي هذا الأثر في ((السنن)) من طريق ابن أبي ذئب عن يزيد بن خصيفة عن
السائب بن يزيد بلفظ: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان
بعشرین ر کعة، وصحح إسناده النووي وغيره.
قلت: قال شيخنا: في إسناده أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري شيخ البيهقي،
ولم أقف على ترجمته، فمن يدعي صحة هذا الأثر، فعليه أن يثبت كونه ثقة قابلًا
للاحتجاج. وأما قول النيموي: هو من كبار المحدثين في زمانه لا يسأل عن مثله،
فمما لا يلتفت إليه؛ فإن مجرد كونه من كبار المحدثين لا يستلزم كونه ثقة.
تنبيهان: الأول: قال صاحب ((الأوجز)): قال في ((الفتح الرحماني)): قال العلامة
العيني: احتج أصحاب الشافعي وأحمد بما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن السائب
ابن يزيد، قال: كانوا يقومون على عهد عمر بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان،
وعلي مثله، قلت: قال النيموي في ((تعليق آثار السنن)): قوله: وعلى عهد عثمان،
وعلي مثله، قول مدرج لا يوجد في تصانيف البيهقي، انتهى.
٣٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الثاني: قد جمع البيهقي وغيره بين روايتي السائب المختلفتين المذكورتين،
بأنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ركعة، ثم كانوا يقومون بعشرين، ويوترون
بثلاث. قال شيخنا: فيه أنه لقائل أن يقول بأنهم كانوا يقومون أولًا بعشرين ركعة،
ثم كانوا يقومون بإحدى عشرة ركعة، وهذا هو الظاهر؛ لأن هذا كان موافقًا لما هو
الثابت عن رسول اللّه ◌َ ل﴿ وذاك كان مخالفًا له، فتفكر، انتهى.
قال بعض الحنفية: ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر وهو أن يقال: إن رواية
إحدى وعشرين باعتبار مجموع ما صلياه، وإحدى عشرة باعتبار كل واحد منهما،
فكان يصلي كل منهما عشرًا عشرًا، والواحد الوتر يصلي مرة هذا ومرة هذا،
فيصح النسبة إليهما. وفيه: أن هذا الجمع مضر للحنفية؛ لأنه يدل على أن عمر
جمع الصحابة على الإيتار بركعة واحدة فردة، وهو مخالف لمذهب الحنفية، إلا
أن يقولوا بأن التراويح كانت ثماني عشرة ركعة، لكن ليس هذا مذهبهم، فتفكر.
قلت: واستدل أيضًا للحنفية ومن وافقهم بما روى مالك، ومن طريقه البيهقي عن
يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان
بثلاث وعشرين ركعة. وفيه: أن هذا الأثر منقطع غير صالح للاستدلال؛ لأن يزيد
ابن رومان لم يدرك عمر بن الخطاب كما صرح به الزيلعي والعيني وغيرهما، وبما
روى ابن أبي شيبة عن وكيع عن مالك عن يحيى بن سعيد، أن عمر بن الخطاب أمر
رجلًا يصلي بهم عشرين ركعة. وفيه: أن يحيى بن سعيد الأنصاري لم يدرك عمر،
کما اعترف به النيموي.
وقال ابن المديني: لا أعلمه سمع من صحابي غير أنس، فهذا الأثر منقطع لا
يصلح للاحتجاج، ومع هذا فهو مخالف لما ثبت بسند صحيح عن عمر أنه أمر أبيَّ
ابن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وأيضًا هو مخالف
لما ثبت عن رسول اللَّه ◌َ ليل بالحديث الصحيح، وبما روى أيضًا ابن أبي شيبة عن
عبد العزيز بن رفيع قال: كان أبيُّ بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة
عشرين ركعة، ويوتر بثلاث. وفيه: أن هذا أيضًا منقطع غير صالح للاستدلال؛
لأن عبد العزيز بن رفيع لم يدرك أبي بن كعب كما صرح به النيموي، ومع هذا فهو
مخالف لما تقدم أن عمر أمر أبيًّا وتميمًا أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وبما
روى محمد بن نصر في ((قيام الليل)) قال الأعمش: كان - أي: ابن مسعود - يصلي
٣٤٥
5
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
عشرين ركعة ويوتر بثلاث، وهذا أيضًا منقطع؛ فإن الأعمش لم يدرك ابن مسعود،
وبما روى البيهقي في ((السنن)) (ج ٢ ص ٤٩٧) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) عن أبي
الحسناء أن علي بن أبي طالب أمر رجلًا أن يصلي بالناس خمس ترويحات عشرين
ركعة. وفيه: أن مدار هذا الأثر على أبي الحسناء، وهو مجهول، كما قال الحافظ
في ((التقريب)) وقال الذهبي في ((الميزان)): لا يعرف. ورواه أيضًا البيهقي (ج٢
ص٤٩٦) من وجه آخر، أي: من طريق حماد بن شعيب عن عطاء بن السائب عن
أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: دعا القراء في رمضان، فأمر منهم رجلًا
يصلي بالناس عشرين ركعة، قال: وكان علي يوتر بهم. وفيه: أن هذا الأثر أيضًا
ضعيف غير صالح للاحتجاج بل ولا للاستشهاد ولا للاعتبار.
قال النيموي في ((تعليق آثار السنن)) بعد ذكره: حماد بن شعيب ضعيف. قال
الذهبي في ((الميزان)»: ضعفه ابن معين وغيره. وقال يحيى مرة: لا يكتب حديثه.
وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدي: أكثر حديثه مما
لا يتابع عليه، انتهى كلام النيموي. واستدل لهم أيضًا بآثار أخرى ذكرها النيموي
وغيره، لا يخلو واحد منها عن وهن. تنبيه: قد ادعى بعض الناس أنه وقع الإجماع
على عشرين ركعة في عهد عمر، واستقر الأمر على ذلك في الأمصار.
قال شيخنا: دعوى الإجماع على عشرين، واستقرار الأمر على ذلك في
الأمصار باطلة جدًّا، كيف وقد عرفت في كلام العيني أن في هذا أقوالًا كثيرة؟ وأن
الإمام مالكًا قال: وهذا العمل - يعني: القيام في رمضان - بثمان وثلاثين ركعة،
والإيتار بركعة بالمدينة قبل الحرة منذ بضع ومائة سنة إلى اليوم، انتهى. واختار
هذا الإمام إمام دار الهجرة لنفسه إحدى عشرة ركعة، وكان الأسود بن يزيد
النخعي الفقيه يصلي أربعين ركعة، ويوتر بسبع، وتذكر باقي الأقوال التي ذكرها
العيني، فأين الإجماع على عشرين ركعة، وأين الاستقرار على ذلك في الأمصار؟
انتهى كلام الشيخ. هذا ولشيخ مشائخنا العلامة التقي الورع الزاهد الحافظ الشيخ
عبد الله الغازيفوري رسالة بسيطة في مسألة التراويح بالأردية طبعت مرارًا، وهي
نفيسة جدًّا عديم النظير في هذه المسألة، وقد ألف أيضًا بعض أفاضل علمائنا
رسالة حافلة في تنقيد بعض رسائل الحنفية في هذه المسألة سماها: ((تحقيق
التراويح في جواب تنوير المصابيح))، وهي أيضًا نفيسة، فعليك أن تطالعهما.
Erex
٣٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
ixE
١٣١١ - [٩] وَعَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: مَا أَدْرَكْنَا النَّاسَ إِلَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ
الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ، قَالَ: وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةَ فِي ثَمَانِي رَكَعَاتٍ،
وإِذَا قَامَ بِهَا فِي ثِْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشّرْخُ
١٣١١ - قوله: (وَعَنِ الأَعْرَج) هو عبد الرحمن بن هرمز أبو داود المدني،
مولى ربيعة بن الحارث، من مشاهير التابعين وثقاتهم، روى عن أبي هريرة وغيره،
واشتهر بالرواية عن أبي هريرة. قال الحافظ: ثقة ثبت عالم من أوساط التابعين،
مات بالإسكندرية سنة (١١٧). (مَا أَدْرَكْنَا) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا
نقله الجزري (ج ٧ص ٨٣)، وفي ((الموطأ)): ما أدركت الناس، وكذا وقع في رواية
البيهقي من طريق مالك. (النَّاسَ) أي: الصحابة والتابعين.
(إِلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ) بفتحات، جمع الكافر. (فِي رَمَضَانَ) أي: في قنوت
الوتر. قد سبق أن الشافعية والمالكية ذهبوا إلى استحباب قنوت الصبح دائمًا،
وخالفهم الحنفية والحنابلة، فقالوا بعدم مشروعيته في الصبح إلا عند النازلة،
وسبق أيضًا: أن الشافعية ذهبوا إلى استحباب قنوت الوتر في النصف الآخر من
رمضان فقط، أي: لا في جميع السنة، وهي رواية عن مالك خلافًا للحنفية
والحنابلة، فإنهم قالوا باستحباب قنوت الوتر في جميع السنة، والرواية الثانية عن
مالك، وهي المشهورة المعتمدة عند المالكية نفي القنوت في الوتر جملة، كما
سيأتي، وتقدم أيضًا: أن قنوت اللعن عند الحنفية والحنابلة مختص بالنازلة، سواء
كانت في رمضان أو في غيره، والحديث بظاهرة موافق للشافعية. قال ابن حجر:
ولهذا الحديث استحسن أصحابنا للإمام أن يذكر في قنوت الوتر : ((اللهم اهدنا
فيمن هديت .. )) إلخ، و((اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك ... )) إلخ، واللهم
العن كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون عن سبيلك.
قال الطيبي: لعل المراد: أنهم لما لم يعظموا ما عظمه اللّه تعالى من الشهر،
(١٣١١) مَالِك (٩٢) عنه موقوف.
٣٤٧
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ولم يهتدوا بما أنزل فيه من الفرقان، استوجبوا بأن يدعى عليهم، ويطردوا عن
رحمة الله الواسعة، انتهى. وقال بعض الحنفية: لا ذكر للوتر في هذه الرواية،
فيصدق على الصبح أيضًا، قال: وقنوت اللعن المذكور فيها محمول على القنوت
المخصوص الذي فيه لعن الكفرة المسمى بقنوت النوازل، انتهى. وحمله القاري
على قنوت الوتر، وقال: ولعل هذه الزيادة - أي: زيادة اللعن - مخصوصة
بالنصف الأخير من رمضان. وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث، فلا ينافي ما
صح عن عمر رَوَّهُ: السنة إذا انتصف رمضان أن يلعن الكفرة في آخر ركعة من
الوتر بعد ما يقول القارئ: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: اللهم العن الكفرة.
وما رواه أبو داود: أنه لما جمع الناس على أبيٍّ لم يقنت بهم إلا في النصف الثاني
محمول على القنوت المخصوص الذي فيه لعن الكفرة على العموم، انتهى.
قلت: أثر عمر في اللعن على الكفرة ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (ص ١٢٠)،
وقال: إسناده حسن. وأما رواية أبي داود فقد تقدم أنها ضعيفة. وقال في المدونة
بعد ذكر حديث الأعرج هذا: ليس عليه العمل، ولا أرى أن يعمل به ولا يقنت في
رمضان لا في أوله ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلاً، انتهى.
(قَالَ) أي: الأعرج. (فِي ثَمَانِي رَكْعَاتٍ) بفتح الياء. قال القاري: وفي نسخة
صحيحة بحذف الياء. قلت: وهكذا وقع في نسخ ((الموطأ))، وفي ((جامع
الأصول))، وفي ((السنن للبيهقي))، أي: بإسقاط الياء. قيل: وهذا كان بعد إن
خففت الصلاة عن القراءة بالمئين في كل ركعة. (وَإِذَا) وفي الموطأ: ((فإذا)). (قَامَ)
القارئ. (بِهَا) أي: بسورة البقرة. (فِي ثِنْتَيْ) وفي ((الموطأ)): ((في اثنتي)).
(عَشْرَةَ رَكْعَةً) فيه: دليل على أن جماعة من الصحابة ممن أدركهم الأعرج كانوا
يصلون في ليالي رمضان أكثر من ثماني ركعات، ولا بأس بذلك، فإنه تطوع،
وليس فيه ضيق، ولا حد ينتهى إليه؛ لأنها نافلة، فيجوز له أن يكثر الركوع
والسجود، وكان طائفة من السلف يقومون بإحدى وأربعين ركعة، كما روى
محمد بن نصر عن محمد بن سيرين، أن معاذًا أبا حليمة القاري كان يصلي بالناس
في رمضان إحدى وأربعين ركعة، وعن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة قال:
أدركت الناس قبل الحرة يقومون بإحدى وأربعين ركعة يوترون منها بخمس، لكن
٣٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السنة النبوية الفعلية هي إحدى عشرة ركعة مع الوتر؛ لأنها هي الثابت عن
رسول اللّهِ وََّ لا غير.
(رَأَى النَّاسُ) بالرفع فاعل. (أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ) أي: الإمام في الإطالة. قيل: هذا
يدل على أن تطويل القراءة في التراويح أفضل، وهو عندي على قدر نشاط القوم،
فيراعيهم في ذلك؛ لئلا يملوا، فيتركوا التراويح بالجماعة أو جملة. (رَوَاهُ مَالِك)
عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس ... إلخ، وداود بن
الحصين ثقة إلا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج، وأخرجه أيضًا البيهقي
(ص٤٩٧) من طريق مالك.
١٣١٢ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ أُبِيًّا، يَقُولُ:
كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْقِيَامِ، فَتَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ؛ مَخَافَةً فَوْتُ
السَّحُورِ، وَفِي أُخْرَى: مَخَافَةَ الْفَجْرِ.
[ْرَوَاهُ مَالِكٌ]
الشَّرْحُ
١٣١٢ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم
الأنصاري. (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِيًّا) بضم الهمزة وفتح الموحدة تشديد الياء منصوبًا
منونًّا، كذا وقع في جميع النسخ لـ((المشكاة)). في ((الموطأ)) و((قيام الليل))
للمروزي، و((جامع الأصول))، والبيهقي: سمعت أبي. أي: بفتح الهمزة وكسر
الباء وسكون التحتية، يعني: والده أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهذا هو
الصحيح. وأما ما وقع في ((المشكاة)) فهو غلط؛ لأن عبد الله بن أبي بكر المذكور
من صغار التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم
السماع منهم، ومات هو سنة (١٣٥)، وهو ابن (٧٠) سنة، فيكون ولادته سنة
(١٣١٢) مَالِك (٩٢) عن عبد الله بن أبي بكر رَوْتَهُ: سَمِعْتُ أُبيًّا. قلتُ: كذَا فيه! وهو غلطٌّ، كَأَنّه ظَنَّ
أَنَّ الناسخ لَحَنَ في إِسقاط الْأَلِفِ! وَلَيْسَ كَذلك؛ وإِنَّمَا هو بفتح الهمزة وَكَسْرِ الموحَّدَةِ وتخفيف
آخِرِهِ؛ والصواب: سمعتُ أَبِي - وهو أَبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - وَأَمَّا عبدُ الله بنُ أبي
بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ فلم يَلْحَقْ أُبِيَّ بْنَ كَعْبٍ رَشْتَهُ.
٣٤٩
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
(٦٥) بعد وفاة أبيّ بن كعب بأكثر من ثلاثين سنة، فإن أبيًّا توفي سنة (٣٢) في
خلافة عثمان على ما قيل، والأكثر على أنه توفي سنة (٢٢) في خلافة عمر. وأما
والد عبد اللَّه المذكور فهو أبوبكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري
الخزرجي، ثم النجاري بالنون والجيم المدني القاضي اسمه وكنيته واحد. وقيل:
إنه يكنى أبا محمد، ثقة عابد من صغار التابعين، مات سنة (١٢٠)، وقيل غير
ذلك.
(كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْقِيَام) أي: من صلاة التراويح. قال القاري: سمي
بذلك؛ لأنهم كانوا يطيلون القيام فيها. (الْخَدَمَ) بفتحتين جمع خادم. (بِالطَّعَام)
أي: بتهيئته، وإحضاره؛ لنتسحر به. (مَخَافَةَ) بالنصب علة للاستعجال. (فَوْتُ
السَّحُورِ) بالضم والفتح.
(وَفِي أُخْرَى مَخَافَةَ الْفَجْرُ) أي: طلوعه فيفوت السحور، فمآل الروايتين واحد،
لكن ليس في نسخ الموطأ الموجودة عندنا إلا رواية: ((مخافة الفجر))، وهكذا عند
البيهقي. وذكر الجزري الروايتين جميعًا، ولعل الرواية الأولى عند غير يحيى
المصمودي، والله أعلم.
قال الباجي: هذا لمن كان يستديم القيام إلى آخر الليل، أو لمن كان يخص
آخره بالقيام. فأما من قال فيهم عمر: ((والتي ينامون عنها خير))، فلم يكن هذا
حالهم، وهذا يدل على اختلاف أحوال الناس في ذلك، انتهى.
فبعضهم يقوم أول الليل، وبعضهم آخره، وبعضهم يستديم القيام إلى آخره.
(رَوَاهُ مَالِك) عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: سمعت أبي ... إلخ، ورواه
البيهقي (ج٢ ص ٤٩٧) من طريق مالك.
٣٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣١٣ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ قَالَ: ((هَلْ تَدْرِينَ مَافِي هَذِهِ
اللَّيْلَةِ؟)) - يَعْنِي: لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَّعْبَانَ - قَالَتْ: مَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقَالَ: ((فِيهَا أَنْ يُكْتَبَ كُلَّ مَوْلُودٍ بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وفِيهَا أَنْ يُكْتَبَ كُلُّ
هَالِك مِنْ بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ السَّنَّةِ، وفِيهَا تُرْفَعْ أَعْمَالُهُمْ، وفِيهَا تَنْزِلُ أَرْزَاقُهُمْ))
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحمَةِ اللهِ تَعَلَى؟ فَقَالَ:
((مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ بِرَحمَةِ اللهِ تَعَلَى)) ثَلَانَّا، قُلْتُ: وَلَا أَنْتَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟! فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى هَامَتِهِ، فَقَالَ: ((وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ] {ضعيف}
بِرَحْمَتِهِ)) يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
الشّرُْ
١٣١٣ - قوله: (هَلْ تَدْرِينَ مَا) أي: ما يقع. (فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ) قال ابن حجر:
نبه عليَّ بهذا الاستفهام على عظم خطر هذه الليلة وما يقع فيها؛ ليحمل ذلك الأمة
بأبلغ وجه، وآكده على إحيائها بالعبادة والدعاء والفكر والذكر. (يَعْنِي) يريد
النبي وَّه بهذه الليلة. (لَيْلَةَ النَّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ) وقائل يعني: عائشة، أو الراوي
عنها. (قَالَتْ) نقل بالمعنى، وإلا فالظاهر قلت. (مَا فِيهَا) أي: ما يقع فيها. (فِيهَا
أَنْ يُكْتَبَ) أي: كتابة ثانية بعد الكتابة في اللوح المحفوظ. (كُلِّ مَوْلُودٍ بَنِي آدَمَ)
أي: كل من يولد من بني آدم، وخصصهم تشريفًا لهم. (فِي هَذِهِ السَّنَةِ) أي: الآتية
إلى مثل هذه الليلة.
(كُلُّ هَالِكِ) أي: ميت. (وَفِيهَا تُرْفَعُ أَعْمَالُهُمْ) قال الطيبي: أي: تكتب الأعمال
الصالحة التي ترفع في هذه السنة يومًا فيومًا، ولهذا سألت عائشة: ما من أحد
... إلخ أي: كما سيأتي، فيكون رفع الأعمال في كل يوم. وأما كتابتها فتكون في
هذه الليلة، کذا قال. وفيه بُعد؛ فإن المذكور رفع الأعمال فيها لا كتابتها، ويمكن
أن يكون المراد: أن أعمال السنة التي ترفع وتكتب يومًا فيومًا ترفع أيضًا في هذه
الليلة، وتعرض جملة واحدة للمقابلة، كما يفعل أهل الحساب؛ لتكريم هذه
(١٣١٣) روَاهُ البيهقيُّ في ((فضائلِ الأوْفَاتِ)) (٢٦)، وروَاهُ ابنُ الجوزيِّ في ((العِلَل المتناهِيَة)) (٦٧/٢).
٣٥١
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الليلة. قال الطيبي: والاستفهام على سبيل التقرير، يعني: إذا كانت الأعمال
الصالحة الكائنة في تلك السنة تكتب قبل وجودها، يلزم من ذلك أن أحدًا لا يدخل
الجنة إلا برحمة الله، فقرره النبي ◌َّ بما أجاب.
قال ابن حجر: حذف ((في هذه السنة)) من هذا وما بعده، للعلم به مما قبله.
والمعنى: ترفع أعمالهم إلى الملأ الأعلى. ولا ينافيه رفعها كل يوم أعمال الليل
بعد صلاة الصبح، وأعمال النهار بعد صلاة العصر، وكل يوم إثنين وخميس؛ لأن
الأول: رفع عام لجميع ما يقع في السنة، والثاني: رفع خاص لكل يوم وليلة،
والثالث: رفع لجميع ما يقع في الأسبوع، وكان حكمة تكرير هذا الرفع مزيد
تشريف الطائعين وتقبيح العاصين، كذا في ((المرقاة)).
وقال السندي: قد ثبت في ((الصحيحين)): ((يُرْفَعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ
عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ))، فيتحمل أن أعمال العباد تعرض عليه
كل يوم، ثم تعرض عليه أعمال الجمعة في كل اثنين وخميس، ثم تعرض عليه
أعمال السنة في ليلة النصف من شعبان، فتعرض عرضًا بعد عرض، ولكل عرض
حكمة يطلع عليها من يشاء من خلقه، أو يستأثر بها عنده، مع أنه تعالى لا يخفى
عليه من أعمالهم خافية، ويحتمل أن المراد: إنها تعرض كل يوم تفصيلاً، ثم في
الجمعة إجمالا أو بالعكس، انتهى.
(وَفِيهَا تَنْزِلُ) بالبناء الفاعل أو للمفعول مخففًّا ومشددًا. (أَرْزَاقُهُمْ) أي: أسباب
أرزاقهم أو تقديرها، قال ابن حجر: يحتمل أن المراد: تنزيل علم مقاديرها
للموكلين بها أو أسبابها كالمطر بأن ينزل إلى سماء الدنيا، أو من سماء الدنيا إلى
السحاب الذي بينها وبين الأرض. وقيل: المراد بإنزال الأرزاق: كتابتها. قال
﴾﴾ [الدخان: ٤] من
الطيبي: هذا كله مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم إلى السنة الأخرى القابلة، انتهى. قال ابن
حجر: وهو مبني على أن المراد في الآية: هذه الليلة، وهو وإن قال به جماعة من
السلف، إلا أن ظاهر القرآن بل صريحه يرده؛ لإفادته في آية أنه نزل في رمضان،
وفي أخرى أنه نزل ليلة القدر، ولا تخالف بينهما؛ لأن ليلة القدر من جملة
رمضان، والمراد بهذا النزول: نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء
٣٥٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الدنيا، ثم نزل عليه عليه الصلاة والسلام متفرقًا بحسب الحاجة والوقائع. وإذا
ثبت أن هذا النزول ليلة القدر، ثبت أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم في الآية
هي ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان. ولا نزاع في أن ليلة نصف شعبان يقع فيها
فرق، كما صرح به الحديث، وإنما النزاع في أنها المرادة من الآية. والصواب:
أنها ليست مرادة منها. وحينئذٍ يستفاد من الحديث والآية: وقوع ذلك الفرق في
كل من الليلتين؛ إعلامًا بمزيد شرفهما، انتهى.
قال القاري: ويحتمل أن يقع الفرق في إحداهما إجمالًا، وفي الأخرى تفصيلًا،
أو تخص إحداهما: بالأمور الدنيوية، والأخرى: بالأمور الأخروية وغير ذلك من
الاحتمالات العقلية، انتهى. قلت: ذهب الجمهور إلى أن المراد من ليلة مباركة
في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴿٣ فِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
٤
[الدخان: ٣، ٤]: هي ليلة القدر لا ليلة نصف شعبان. وقولهم هو الحق
والصواب. قال الحافظ ابن كثير: من قال: إنها ليلة النصف من شعبان فقد أبعد ؛
فإن نص القرآن أنها رمضان، انتهى.
وقال العلامة الشوكاني في ((فتح القدير)) (ج٤ ص٥٥٤): والحق ما ذهب إليه
الجمهور من أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان؛ لأن
اللَّه سبحانه أجملها هاهنا، وبينها في سورة البقرة بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وبقوله في سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ
[القدر: ١] فلم يبق بعد هذا البيان الواضح ما يوجب الخلاف، ولا ما يقتضي الاشتباه،
انتهى. (مَا مِنْ أَحَدٍ) من زائدة لتأكيد الاستغراق. (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي: أولًا وآخرًا
بدلالة الإطلاق. (إِلَّا بِرَحمَةِ اللهِ تَعَلَى) لا يعارضه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ
أُوَرِثْتُمُوهَا بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٦)﴾ [مريم: ٧٢]؛ لأن العمل سبب صوري، وسببه
الحقيقي هو رحمة اللَّه لا غير، على أنه من جملة الرحمة بالعبد، فلم يدخل إلا
بمحض الرحمة على كل تقدير. وقيل: دخولها بالرحمة، وتفاوت الدرجات
بتفاوت الطاعات، والخلود بالنيات. وقد بسط الحافظ الكلام في توجيه الآية
المذكورة والجواب عنها في ((الفتح)) في شرح حديث أبي هريرةٍ: ((لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا
مِنْكُمْ عَمَلُهُ))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ((وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللـهُ
٣٥٣
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بِرَحْمَتِهِ))، (ثَلَاثًا) أي: قال هذا القول ثلاث مرات للتأكيد. (قُلْتُ) هذا رجوع إلى
الأصل في الكلام أن يكون باللفظ لا بالمعنى. (وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!) أي: ما
تدخل الجنة إلا برحمته تعالى مع كمال مرتبتك في العلم والعمل. (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى
هَامَتِهِ) بتخفيف الميم أي: رأسه. قال الطيبي: في وضع اليد على الرأس - والله
أعلم - إشارة إلى افتقاره كل الافتقار إلى استنزال رحمة الله تعالى وشمول الستر
من رأسه إلى قدمه. (وَلَا أَنَا) أي: ولا أدخلها أنا في زمان من الأزمنة. (إِلَّا أَنْ
يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ) أي: إلا وقت أن يسترني ويحيط بي من جميع جهاتي، مأخوذ من
الغمد وهو غلاف السيف. (مِنْهُ) أي: من عنده، وفضله وكرمه. (بِرَحْمَتِهِ) لا بعلم
وعمل مني، مع أنهما لا يتصوران من غير جهة عنايته. (يَقُولُهَا) أي: هذه الجمل
وهي: ((ولا أنا)) ... إلخ. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) طبق الأول في التأكيد.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ))) لم أقف على سنده ولا على من أخرجه
غيره، فالله أعلم كيف حاله؟
نعم، ورد في رفع الأعمال في شعبان ما رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة عن
أسامة بن زيد قال: قلت: لم أرك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم من شعبان.
قال: ((ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفَلُ عَنْهُ النَّاسُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُو شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى
رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَّا صَائِمٌ)). وفي كتابة الموت في شعبان ما
روى أبويعلى عن عائشة بسند حسن: أن النبي ◌َّ كان يصوم شعبان كله، قالت:
قلت: يا رسول الله أحب الشهور إليك أن تصومه شعبان؟ قال: ((إِنَّ اللهَ يَكْتُبُ فِيهِ
عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مَيَِّةٍ تِلْكَ السَّنَةِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتَِنِ أَجَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)). وفي عدم دخول
أحد الجنة بدّون رحمة الله حديثُ أبي هريرة الذي أشرنا إليه .
٣٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
١٣١٤ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ قَالَ:
((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَطَِّعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّ
لِمُشْرِكِ أَوْمُشَاحِنٍ».
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
١٣١٤ - قوله: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَطَّلِعُ) بتشديد الطاء، أي: يتجلى على خلقه
بمظهر الرحمة العامة، والإكرام الواسع، قاله ابن حجر. وقال الطيبي: بمعنى
ينزل وقد مر، وقيل: أي: ينظر نظر الرحمة السابقة، والمغفرة البالغة. (إِلَّا
لِمُشْرِكٍ) أي: كافر بأي نوع من الكفر؛ فإن الله لا يغفر أن يشرك به. (أَوْ) للتنويع.
(مُشَاحٍِ) أي: مباغض ومعاد لمسلم من غير سبب ديني من الشحناء. وهي
العداوة والبغضاء. قال الأوزاعي: أراد به صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة.
وقال الطيبي: لعل المراد ذم البغضة التي تقع بين المسلمين من قبل النفس
الأمارة بالسوء لا للدين، فلا يأمن أحدهم أذى صاحبه من يده ولسانه؛ لأن ذلك
يؤدي إلى القتل، وربما ينتهي إلى الكفر إذ كثيرًا ما يحمل على استباحة دم العدو
وماله، ومن ثم قرن المشاحن في الرواية الأخرى بقاتل النفس .
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) في أواخر الصلاة من طريق الوليد عن ابن لهيعة عن الضحاك
ابن أيمن عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري. قال في
((الزوائد)): إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة، وتدليس الوليد بن مسلم،
انتھی.
قلت: ولجهالة الضحاك بن أيمن الكلبي، وللانقطاع في الإسناد. قال في
((تهذيب التهذيب)) (ج٤: ص ٤٤٣) في ترجمة الضحاك بن أيمن بعد ذكر الطريق
المذكور: وهو حديث مختلف في إسناده. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: لا
يدرى من هو. وقال السندي: ابن عرزب لم يلق أبا موسى، قاله المنذري، كذا
(١٣١٤) روَاهُ ابْنُ مَاجَه (١٢٩٠)
٣٥٥
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بخطه، وروى ابن ماجه أيضًا نحوه من طريق النضر بن عبد الجبار ثنا ابن لهيعة عن
الزبير بن سليم عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبيه عن أبي موسى.
والزبير بن سليم وعبد الرحمن بن عرزب مجهولان، فالحديث ضعيف بطريقيه،
لكن له شواهد روي بعضها بإسناد حسن. فمنها: حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص، وقد أشار إليه المصنف. ومنها: حديث معاذ بن جبل رواه الطبراني في
((الأوسط) وابن حبان في ((صحيحه)) والبيهقي. قال الزرقاني في ((شرح المواهب))
بعد عزوه إلى ((صحيح ابن حبان)): فيه رد على قول ابن دحية: لم يصح في ليلة
نصف شعبان شيءٌ، إلا أن يريد نفي الصحة الاصطلاحية؛ فإن حديث معاذ هذا
حسن لا صحيح، انتهى. وعزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٨: ص٦٥) إلى
الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وقال: رجالهما ثقات. ومنها: حديث أبي بكر
الصديق رواه البزار والبيهقي. قال المنذري: بإسناد لا بأس به. وقال الهيثمي: فيه
عبد الملك بن عبد الملك، ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ولم يضعفه،
وبقية رجاله ثقات. قلت: ذكر عبد الملك هذا الذهبي في ((الميزان))
(ج ٢: ص ١٥١) قال: عبد الملك بن عبد الملك عن مصعب بن أبي ذئب عن
القاسم، قال البخاري: في حديثه نظر، يريد: حديث عمرو بن الحارث عن عبد
الملك أنه حدثه عن المصعب بن أبي ذئب عن القاسم بن محمد عن أبيه أو عمه عن
جده عن رسول اللَّه وَله: ((يَنْزِلُ اللهُ لَيْلَةَ النَّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ... ))،
الحديث. وقيل: إن مصعبًا جده. وقال ابن حبان وغيره: لا يتابع على حديثه.
قال الحافظ في ((اللسان)) (ج٤: ص٦٧): قال ابن عدي: هو معروف بهذا
الحديث، ولا يروي عنه غير عمرو بن الحارث، وهو حديث منكر بهذا الإسناد.
ومنها: حديث أبي هريرة، رواه البزار. قال الهيثمي: وفيه هشام بن عبد الرحمن،
ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. ومنها: حديث عوف بن مالك، رواه البزار أيضًا،
وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وابن لهيعة. وقد تقدم الكلام فيهما،
وبقية رجاله ثقات. ومنها: حديث مكحول عن كثير بن مرة التابعي، رواه البيهقي،
وقال: هذا مرسل جيد. ومنها: حديث مكحول عن أبي ثعلبة، رواه الطبراني
والبيهقي.
٣٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
e
قال البيهقي: وهو أيضًا بين مكحول وأبي ثعلبة مرسل جيد، يعني: لأنه لم
يدرك مكحول أبا ثعلبة الخشني الصحابي، وعزاه الهيثمي إلى الطبراني، وقال:
فيه الأحوص بن حكيم، وهو ضعيف. ومنها: حديث العلاء بن الحارث عن
عائشة، رواه البيهقي أيضًا، وقال: هذا مرسل جيد. ويحتمل أن يكون العلاء أخذه
من مكحول، كذا في ((الترغيب)). وهذه الأحاديث كلها تدل على عظم خطر ليلة
نصف شعبان، وجلالة شأنها وقدرها، وأنها ليست كالليالي الأخر، فلا ينبغي أن
يغفل عنها، بل يُستحب إحياؤها بالعبادة، والدعاء والذكر والفكر. ويدل على
ندب إحيائها حديث عليٍّ الآتي لكنه ضعيف جدًّا، كما ستعرف، وحديث معاذ بن
جبل مرفوعًا: ((مَنْ أَحْيَا اللَّيَالِي الْخَمْسَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ: لَيْلَةُ التَّرْوِيَةِ، وَلَيْلَةُ عَرَفَةَ،
وَلَيْلَةُ النَّحْرِ ، وَلَيْلَةُ الْفِطْرِ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ))، رواه الأصبهاني في ((ترغيبه))،
وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن المنذري صدره بلفظة: روي، وأهمل الكلام عليه في
آخره، وجعل هذا علامة للإسناد الضعيف. وأما إحياء هذه الليلة خاصة،
والاهتمام لذلك مع ترك بعض الصلوات الخمس، أو جميعها، ومع عدم المبالاة
بالواجبات الأخرى، كما هو حال عامة المسلمين في عصرنا هذا، فلا شك أنه أمر
قبيح، كيف والاشتغال بالمندوب مع إهمال الفرائض ليس من الدين والرأي في
شيء؟! وكذا الاهتمام بزيارة القبور فيها مع تركها جميع السنة ليس بشيء من
السنة .
فإن قلت: قد ورد في ذهابه وَّل إلى البقيع في هذه الليلة حديثان: أحدهما:
حديث عائشة السابق في الفصل الثاني. والثاني: حديثها الذي ذكره المنذري في
باب: الترهيب من التهاجر نقلًا عن البيهقي.
قلت: هذا الحديثان ضعيفان جدًّا؛ أما الأول: فقد تقدم بيانه. وأما الثاني: فقد
صدره المنذري بلفظة: رُوِيَ، وأهمل الكلام عليه في آخره، على أنه لا دليل فيهما
على تخصيص زيارة القبور بهذه الليلة، بل كان ذهابه وَّيّة إلى البقيع على ما اعتاده
في نوبة عائشة. كما يدل عليه ما روى مسلم عنها قالت: كان رسول اللَّه وَلَّ كلما
كان ليلتها من رسول اللّه وَ ل يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: ((السَّلَامُ
عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ... ))، الحديث. فهذا ظاهر في أن ذهابه إلى البقيع في نوبة
٣٥٧
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
عائشة كان عادة له مستمرة، وقد صادف ذلك في بعض الأعوام ليلة نصف شعبان،
فذهب إليه على عادته من غير أن يهتم لذلك. وأما تقسيم أنواع الأطعمة على
الفقراء في هذه الليلة خاصة، فلم يرو فيه حديث مرفوع ولا موقوف لا صحيح ولا
ضعيف. وأما اعتقاد حضور أرواح الأموات في هذه الليلة، وتنظيف البيوت،
وتطيين جدرانها لتكريمها، وزيادة السرج والقناديل على الحاجة فيها، فهي من
البدع والضلالات بلا شك.
قال القاري: أول حدوث الوقيد من البرمكة، وكانوا عبدة النار. فلما أسلموا
أدخلوا في الإسلام ما يموهون أنه من سنن الدين، ومقصودهم عبادة النيران حيث
ركعوا وسجدوا مع المسلمين إلى تلك النيران، ولم يأت في الشرع استحباب زيادة
الوقيد على الحاجة في موضع، وقد أنكر الطرطوسي الاجتماع ليلة الختم في
التراويح ونصب المنابر، وبين أنه بدعة منكرة. وأما صوم يوم ليلة نصف شعبان،
فسيأتي الكلام فيه في شرح حديث علي الآتي.
١٣١٥ - [١٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ، وفِي
رِوَايَتِهِ: ((إِلَّا اثْنَيْنِ: مُشَاحِنٌ، وقَاتِلُ نَفْسٍ))
{ضعيف}
الشّرْجُ
١٣١٥ - قوله: (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص١٧٦). (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
الْعَاصِ) قال المنذري: بإسناد لين. قلت: في سنده ابن لهيعة. قال الهيثمي
(ج٨: ص ٦٥): هو لين الحديث، وبقية رجاله وثقوا. (وَفِي رِوَايَتِهِ) أي: رواية
أحمد (إِلَّا اثْنَيْنِ: مُشَاحِنٌ) بالرفع أي: هما مشاحن. (وقَاتِلُ نَفْسٍ) أي: تَعَمُّدًا بغير
حق. ويجوز جرهما على البدلية.
(١٣١٥) رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَد (١٧٦/٢).
٣٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣١٦ - [١٤] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ
النِّصْفِ مِنَ الشَّعْبَانِ، فَقُومُوا لَيْلَهَا، وصُومُوا يَوْمَهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِيهَا
لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، فَأَغْفِرَ لَّهُ؟ أَلَا
مُسْتَرْزِقٌ، فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلَّى، فَأُعَافِيَهُ؟ أَا كَذَا أَلَا كَذَا؟ حَتَّىَّ يَطْلُعَ الْفَجْرُ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {موضوع}
الشَّرْحُ
١٣١٦ - قوله: (فَقُومُوا لَيْلَهَا) أي: الليلة التي هي تلك الليلة، فالإضافة
بيانية، وليست هي كالتي في قوله: (وَصُومُوا يَوْمَهَا). وقال الطيبي: الظاهر أن
يقال: فقوموا فيها، وإذا ذهب إلى وضع الظاهر موضع المضمر أن يقال: ليلة
النصف، فأنث الضمير اعتبارًا للنصف؛ لأنها عين تلك الليلة، انتهى. قال
القاري: وقد يقال: لعل المراد: أن يقع القيام في جميع ما يطلق عليه اسم الليل من
أجزاء تلك الليلة، وهو أبلغ من القيام فيها، وحسنه أيضًا مقابلة قوله: ((وصُومُوا
يَوْمَهَا)) أي: في نهار تلك الليلة بكماله، ويعاضده قوله: ((فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِيهَا»
أي: في تلك الليلة. (لِغُرُوبِ الشَّمْسِ) أي: أول وقت غروبها. وقال السندي:
أي: في وقت غروبها أو مع غروبها متصلًا به. (أَلَا) للتنبيه والعرض. (مِنْ) زائدة
لتأكيد الاستغراق، وحذفت مما بعده للاكتفاء، قاله القاري. (مُسْتَغْفِرٍ) يستغفر
(فَأَغْفِرَ لَهُ؟) قال الطيبي: بالنصب على جواب العرض و(مِنْ) في ((مستغفر)) زائدة
بشهادة قرينه، والتقدير: ألا مستغفر فأغفر له.
(أَلَا مُسْتَرْزِقٌ) بالرفع. (فَأَرْزُقَهُ؟) بالنصب. (أَلَا مُبْتَلَّى) أي: مستعف يطلب
العافية، وهو مقدر لظهوره. (فَأَعَافِيَهُ؟)، ولا يشكل وجود كثير من المبتلين
يسألون العافية، ولا يجابون لعدم استجماعهم لشروط الدعاء. (أَلَّا كَذَا) من طالب
عطاء فأعطيه. (أَلَا كَذَا) من طالب دفع بلاء فأدفعه. والحديث: يدل على ندب
صوم يوم ليلة النصف من شعبان، لكنه ضعيف جدًّا كما ستعرف، والإباحة والندب
(١٣١٦) رَوَاهُ ابن مَاجَهْ (١٣٨٨)
٣٥٩
B
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
من الأحكام الخمسة الشرعية، ولا يعمل بالضعيف في الأحكام، كما تقرر في
موضعه، وأما في الفضائل فيعمل به، لكن بشروط ثلاثة لا يوجد شيء منها هاهنا،
فإن هذا الحديث شديد الضعف، وليس هو بمندرج تحت أصل معمول به، ولا
يعتقد الاحتياط أحد ممن يعمل به، بل يعتقد ثبوته، كما هو الظاهر من حال من
يصوم ذلك اليوم.
هذا، وقد استدل لذلك بالأحاديث التي فيها الندب إلى صيام أيام البيض. ولا
يخفى بطلانه، فإن المطلوب هو استحباب صوم يوم واحد فقط أي: الخامس عشر
من شعبان خاصة، وأين هذا من الندب إلى صيام ثلاثة أيام، أي: البيض من كل
شهر؟ وقد يستدل لذلك أيضًا بما روى الشيخان عن عمران بن حصين مرفوعًا في
صيام سرر شعبان. وقد قيل في تفسير السرر: أنه وسط الشهر.
وفيه: أن الجمهور على أن المراد بالسرر هنا: آخر الشهر، سميت بذلك؛
لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين. وبه فسر
أبوعبيد، واختاره البخاري حيث بوب عليه باب: الصوم من آخر الشهر، وهذا
لمن كانت له عادة بصيام آخر كل شهر، فإنه مستثنى من النهي عن تقدم رمضان
بيوم أو يومين، ومأمور بأن لا يترك ما كان اعتاده من ذلك. ولو سلمنا أن المراد به
وسط الشهر لا آخره لا يثبت المطلوب؛ لأن الحديث يدل حينئذٍ علی ندب صيام
أيام البيض؛ لأنها وسط الشهر. ويؤيده الأحاديث التي فيها الحض على صيام
البيض. والحاصل: أنه ليس في صوم يوم ليلة النصف من شعبان حديث مرفوع
صحيح أو حسن أو ضعيف خفيف الضعف ولا أثر قوي أو ضعيف.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في أواخر الصلاة، وسنده ضعيف جدًّا؛ لأن فيه أبا بكر بن
عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي العامري المدني، وقد ينسب إلى جده.
قال في ((التقريب)): رموه بالوضع. قلت: ضعفه ابن معين وابن المديني
والجوزجاني والبخاري. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال البخاري وابن
المديني مرة: منكر الحديث. وقال عبد الله وصالح ابنا أحمد عن أبيهما قال: كان
أبوبكر بن أبي سبرة يضع الحديث، ويكذب. وقال ابن عدي: هو في جملة من
يضع الحديث. وقال ابن حبان والحاكم أبو عبد الله: يروي الموضوعات عن
الثقات، زاد ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. كذا في ((تهذيب التهذيب)).