النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢٠
ase
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣٠٥ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ
الصَّلاَةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَّيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ
مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح}
الشّرْجُ
١٣٠٥ - قوله: (إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ) أي: أداها، و(ال) للعهد أي:
المكتوبة. (فِي مَسْجِدِهِ) يعني: أدى الفرض في محل الجماعة، ويحتمل أن
المراد: مطلق الصلاة التي يريد أن يصليها في المسجد. قال السندي: يحتمل أن
المراد بالصلاة: جميع ما يريد أن يصلي من الفرائض والنوافل، والمعنى: إذا أراد
أن يقضي ويؤدي تلك الصلاة.
(فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ) أي: فليصَلِّ شيئًا منها في البيت، فـ(مِنْ))
تبعيضية، ويحتمل أن المراد بها الفرائض، والمعنى: إذا فرغ من الفرائض في
المسجد، فليجعل نصيبًا منه في البيت يجعل سنته ومتعلقاته فيه، و((مِنْ)) سببية.
(فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ) أي: خالق أو مصير. (فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ) أي: من أجلها. (خَيْرًا)
يعود على أهله بتوفيقهم، وهدايتهم، ونزول البركة في أرزاقهم وأعمارهم.
قال العلقمي: ((من)) سببية، بمعنى: مِن أجل، والخير الذي يجعل في البيت
بسبب التنفل فيه هو عمارته بذكر الله تعالى وطاعته، وحضور الملائكة
واستغفارهم ودعاؤهم، وما يحصل لأهله من الثواب والبركة، وتستثنى التراويح
لما تقدم من فعله ظلَّلا ولما تقرر عليه عمل الصحابة بعده، فإيراد المصنف هذا
الحديث في هذا الباب تبعًا للبغوي موهم، كما لا يخفى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وكذا أحمد (ج٣ ص٣١٦) والبيهقي (ج٢ ص١٨٩) كلهم من
طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، وأخرجه ابن ماجه
والبيهقي أيضًا من حديث أبي سعيد، كلاهما من طريق سفيان عن الأعمش عن أبي
سفيان عن جابر عن أبي سعيد الخدري. قال البوصيري في ((الزوائد)): رجاله
ثقات. وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في (صحيحه)) من حديث أبي سعيد، كما في
((الترغيب))، وأخرجه الدار قطني في ((الإفراد)) عن أنس.
(١٣٠٥) مُسْلِم (٢١٠/ ٧٧٨) عَنْهُ فِيهَا .

٣٢١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
الفصل الثاني
١٣٠٦ - [٤] عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَ لَ﴿ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا
شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ، حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ
السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا، حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، لَو نَقَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى
مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ)) فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا
حَتَّى بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ، وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ ، فَقَامَ بِنَا
حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَقُوتَنَا الْفَلَاحُ، قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ
بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ، إِلَّ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَذْكُرُ: ((ثُمَّ لَمْ يَقُمْ
بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ))] {صحيحٍ}
الشّرْجُ
١٣٠٦ - قوله: (صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ و ◌َ لِ﴾﴾ أي: في رمضان، كما في رواية
أبي داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي. (فَلَمْ يَقُمْ بِنَا) أي: في لياليه، يعني: لم
يصلِّ لنا التراويح. (شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ) بل كان إذا صلى الفرض دخل حجرته. (حَتَّی
بَقِيَ سَبْعٌ) أي: من الشهر، كما في الترمذي والنسائي، أي: ومضى اثنان
وعشرون. قال الطيبي: أي: سبع ليال نظرًا إلى المتيقن، وهو أن الشهر تسع
وعشرون، فيكون القيام في قوله: (فَقَامَ بِنَا) ليلة الثالثة والعشرين، وهو مصرح في
بعض روايات أحمد، وصرح أيضًا بذلك في حديث النعمان بن بشير عند النسائي.
ولفظ ابن ماجه: ((فقام بنا ليلة السابعة)). قال السندي: وهي الأولى من الباقية،
ودأب العرب أنهم يحسبون الشهر من الآخر، وهذا القيام لم يعلم كيف كان،
(١٣٠٦) أَبُو دَاوُد (١٣٧٥)، والتِّرْمِذِي (٨٠٦)، والنَّسَائِي (٨٤٨٣/٣)، وابن مَاجَهْ (١٣٢٧) فِي
الصَّلَاةِ عَنْهُ.

٣٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفسره كثير من العلماء بالتراويح، انتهى. ورواه البيهقي بلفظ: ((فلم يقم بنا من
الشهر شيئًا حتى كانت ليلة ثلاث وعشرين قام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل)).
(حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ) قال شيخنا: المراد بالقيام: صلاة الليل، والمعنى:
صلى بنا بالجماعة صلاة الليل إلى ثلث الليل، وفيه: ثبوت صلاة التراويح
بالجماعة في المسجد أول الليل، انتهى كلام الشيخ. وهذا يدل على أن المراد
عنده بقيام ليالي رمضان: صلاة التراويح، كما ذهب إليه كثير من العلماء، وادعى
الكرماني الاتفاق عليه. (فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ) أي: مما بقي وهي الليلة الرابعة
والعشرون. (فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ) وهي الليلة الخامسة والعشرون.
(حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ) أي: نصفه (لَوْ نَقَّلْتَنَا) بتشديد الفاء من التنفيل. (قِيَامَ
هَذِهِ اللَّيْلَةِ) وفي رواية الترمذي والنسائي وابن ماجه: ((بقية ليلتنا هذه))، أي: لو
أعطيتنا قيام بقية الليل، وزدتنا إياه كان أحسن وأولى، ويحتمل أن كلمة ((لَوْ))
للتمني، فلا جواب لها. وقال القاري: أي: لو جعلت الليل زيادة لنا على قيام
الشطر. وفي ((النهاية)): لو زدتنا من الصلاة النافلة، سميت بها النوافل؛ لأنها
زائدة على الفرض. قال المظهر: تقديره: لو زدت قيام الليل على نصفه؛ لكان
خيرًا لنا .
(إِنَّ الرَّجُلَ) أي: جنسه. (إِذَا صَلَّى) أي: الفرض. (مَعَ الْإِمَام) أي: وتابعه.
(حَتَّى يَنْصَرِفَ) أي: الإمام. (حُسِبَ) على البناء للمفعول أي: عد وَاعتبر (لَهُ) وفي
رواية النسائي: ((كَتَبَ اللهُ لَهُ))، (قِيَامُ لَيْلَةٍ) قال القاري: أي: حصل له ثواب قيام
ليلة تامة، يعني: الأجر حاصل بالفرض، وزيادة النوافل مبنية على قدر النشاط؛
لأن الله لا يمل حتى تملوا. والظاهر: أن المراد بالفرض العشاء والصبح؛ لحديث
ورد بذلك، يعني: عثمان المتقدم في باب: فضائل الصلاة، بلفظ: ((مَنْ صَلَّى
الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى
اللَّيْلَ كُلَّهُ)). أخرجه مسلم وغيره. وقيل: المراد بالصلاة في قوله: ((إِذَا صَلَّى مَعَ
الإِمَام)) صلاة التراويح، والمعنى: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى أي: التراويح في أول الليل
فِي رَمَضان. مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ أي: يفرغ الإِمام من الصلاة ويرجع. حُسِبَ
لَّهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ أي: كاملةَ. وعلى هذا يكون دليلًا للجمهور على أن صلاة التراويح مع

٣٢٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
الإمام أفضل من الانفراد. وأجاب من خالفهم: بأنه يجوز أن يكتب له بالقيام مع
الإِمام بعض الليل قيام كله، وأن يكون قيامه في بيته أفضل من ذلك، ولا منافاة بين
الأمرين. وأما حديث عثمان الذي أشار إليه القاري، فيقال في معناه: إن من صلى
فريضة العشاء والصبح مع الإمام، أي: بالجماعة، یکون له ثواب ليلة كاملة ثواب
صلاة الفرض، ويقال هاهنا: إنه إذا صلى التراويح مع الإمام حتى ينصرف،
يحصل له ثواب ليلة كاملة ثواب صلاة النفل. قيل: ويؤيد ذلك رواية الترمذي
والنسائي وابن ماجه بلفظ: (مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَام)) بدل ((إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَام))، فإن لفظ
القيام ظاهر في معنى صلاة الليل أي: التراويح، ويؤيده أيضًا أن أبا ذرَ سأله وَل ◌ٍ أن
ينفل بقية الليلة، وهذا يقتضي أن يجيب: بأنه لا يحتاج إلى قيام بقية الليلة؛ لأن
ثواب الليلة التامة قد حصل بالقدر الذي قام بهم، ويؤيده أيضًا أن قوله: ((حَتَّى
يَنْصَرِفَ)) فإنه يشير إلى أن الانصراف قبل أن ينصرف الإمام من جميع صلاته
ممكن، ومن المعلوم أن الانصراف في الفرض في أثناء الصلاة غير ممكن؛ لأنه لا
يحصل إلا بعد ما ينصرف الإمام، بخلاف التراويح، فإن الانصراف فيها قبل
انصراف الإمام ممكن؛ لأنها شفعات متعددة فيمكن أن ينصرف الرجل قبل أن
يفرغ الإمام من جميع صلاة التراويح.
(فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ) أي: من الباقية، وهي السادسة والعشرون. (لَمْ يَقُمْ بِنَا
حَتَى بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ) كذا في جميع النسخ الموجودة، ولم يظهر لي معناه، ولفظ
أبي داود: ((ثم)) على قوله: ((لم يقم))، أي: ليس عنده (بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ)
ولفظ النسائي: ثم لم يصل بنا، ولم يقم بنا حتى بقي ثلث من الشهر. ولفظ
الترمذي: ((ثم لم يصل بنا، حتى بقي ثلث من الشهر))، وذكره الجزري في ((جامع
الأصول)) (ج ١ ص ٨٢) بلفظ: ((ثم لم يقم بنا، حتى بقي ثلث من الشهر)). وذكره
البغوي في ((المصابيح)) بلفظ: ((فلما كانت الرابعة لم يقم بنا حتى بقي ثلاث)).
والظاهر: أن البغوي أخذ قوله: ((فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ)). من أبي داود، وأخذ
قوله: ((بنا حتى بقي ثلاث)). من الترمذي والنسائي، وأسقط لفظ: ((من الشهر))،
فسياق البغوي مجموع ما في أبي داود والنسائي والترمذي. والمراد بقوله:
((ثلاث)) أي: ثلاث من الشهر، كما هو مصرح عند الترمذي والنسائي. وأما ما
وقع في ((المشكاة)) من قوله: ((ثُلُثُ اللَّيْلِ)) فهو خطأ بلا شبهة، والعجب أنه لم يتنبه

٣٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لذلك أحد من الشراح. ولفظ ابن ماجه: «ثم كانت الرابعة التي تليها، فلم يقمها
حتى كانت الثالثة التي تليها)). (فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِئَةُ) أي: من الباقية وهي الليلة
السابعة والعشرون. (جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ) فيه: استحباب ندب الأهل إلى فعل
الطاعات، وإن كانت غير واجبة، وفيه: تأكد مشروعية القيام في الإفراد من ليالي
العشر الآخرة من رمضان؛ لأنها مظنة الظفر بليلة القدر، واهتم وّ في السابعة
والعشرين بجمع أهله وغيرهم؛ لأنها أرجاها. (حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَقُوتَنَا الْفَلَاحُ) قال
في ((القاموس)): الفلاح: الفوز والنجاة، والبقاء في الخير والسحور. (قُلْتُ)
قائله: جبير بن نفير الراوي عن أبي ذر.
(وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ) أي: أبوذر. (السَّحُورُ) أي: المراد بالفلاح: السحور، وهو
بفتح السين ما يتسحر به من الطعام والشراب، أي: ما يؤكل وقت السحر، وهو
بفتحتين آخر الليل قبيل الصبح، وبالضم المصدر والفعل نفسه. قال القاضي:
الفلاح: الفوز بالبغية، سمي السحور به؛ لأنه يعين على إتمام الصوم، وهو الفوز
بما قصده ونواه، والموجب للفلاح في الآخرة. وقال الخطابي: أصل الفلاح:
البقاء، وسمي السحور فلاحًا؛ لكونه سببًا لبقاء الصوم ومعينًا عليه، ومن ذلك:
حي على الفلاح، أي: العمل الذي يخلدكم في الجنة، فهو من تسمية السبب
باسم المسبب. وقيل: سمي به؛ لأنه معين على إتمام الصوم المفضي إلى الفلاح،
وهو الفوز بالزلفى، والبقاء في العقبى.
(ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بِقِيَّهَ الشَّهْرِ) أي: في الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين،
وحديث أبي ذر هذا يخالف ما روته عائشة من قيامه وَّجله في ليالي رمضان بالجماعة
في المسجد عند الشيخين وغيرهما، فإن ظاهره يدل على أن صلاته وَّلَه بالجماعة
كانت في الليالي الموصولة، وفي حديث أبي ذر تصريح بأن صلاته كانت في
الليالي المفصولة، أي: في الأوتار فقط، فأما أن يحمل على تعدد القصة، أو يقال
بأنه ليس في حديث عائشة ذكر الوصل صريحًا، فيحمل على الفصل، كحديث أبي
ذر. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) واللفظ له إلا قوله: ((بنا حتى بقي ثلث الليل)). (والتِّرْمِذِي
والنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص١٥٩ و ١٦٣ و ١٧٢ و ١٨٠) والحاكم
ومحمد بن نصر (ص٨٩) والبيهقي (ج٢ ص٤٩٤). والحديث صححه الترمذي
والحاكم، وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
٣٢٥
(وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ) أي: بمعناه. (إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا
بِقِيَّةَ الشَّهْرِ) وكذا لم يذكره النسائي.
تنبيه: اعلم أنه لم يرو في حديث أبي ذر هذا بيان عدد الركعات التي صلاها
رسول اللّه ◌َليل في تلك الليالي، لكن قد ورد بيانه في حديث جابر بن عبد الله قال:
صلى بنا رسول اللَّه ◌َّل في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر ... الحديث. أخرجه
الطبراني في ((الصغير))، وأبويعلى ومحمد بن نصر في ((قيام الليل))، وابن خزيمة
وابن حبان في ((صحيحيهما)). قال الذهبي في ((الميزان)) (ج٢ ص٣١١) بعد ذكر هذا
الحديث: إسناده وسط، انتهى.
وذكر الحافظ: هذا الحديث في ((الفتح)) في شرح حديث عائشة الذي أشرنا
إليه؛ لبيان عدد الركعات التي صلاها النبي رَّ في شهر رمضان بالجماعة، فهو
صحيح عنده أو حسن، لما ذكر في المقدمة أنه یسوق الباب وحديثه أولًا، ثم يذكر
وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم يستخرج ثانيًا ما يتعلق به غرض صحيح في
ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات، وزيادات، وكشف
غامض، وتصريح مدلس بسماع، ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، كل
ذلك من أمهات المسانيد، والجوامع، والمستخرجات، والأجزاء والفوائد،
بشرط الصحة أو الحسن فيما يورده من ذلك، وذكره أيضًا في ((التلخيص))؛ لبيان
عدد تلك الركعات، وسكت عنه ولم يتكلم فيه، وذكره أيضًا العيني في ((شرح
البخاري))؛ لبيان عدد ركعاته وّل في قيامه بالناس في ليالي رمضان نقلاً عن
((صحيحي ابن خزيمة وابن حبان))، ولم يتكلم فيه. فإن قلت: قال النيموي في ((آثار
السنن)) بعد ذكر حديث جابر المذكور: في إسناده لين، وقال في ((تعليقه)): مداره
على عيسى بن جارية، ثم ذكر جرح ابن معين وأبي داود والنسائي وتوثيق أبي زرعة
وابن حبان، ثم قال: قول الذهبي: ((إسناده وسط)) ليس بصواب، بل اسناده دون
وسط، انتهى.
قلت: قال الحافظ في ((شرح النخبة)): الذهبي من أهل الاستقراء التام في نقد
الرجال، انتهى. فلما حكم الذهبي بأن إسناده وسط بعد ذكر الجرح والتعديل في
عيسى بن جارية، وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال، فحكمه بأن إسناده

٣٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وسط هو الصواب. ويؤيده إخراج ابن خزيمة وابن حبان هذا الحديث في
((صحيحيهما))، فلا يلتفت إلى قول النيموي، ويشهد لحديث جابر هذا حديثُ أبي
سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة: كيف كان صلاة رسول اللَّه ◌َ ليل في رمضان؟
فقالت: ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي
أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن
وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا ... الحديث. أخرجه الشيخان وغيرهما، فهذا الحديث
نص في أنه وُّل إنما صلى التراويح في رمضان ثمان ركعات فقط، ولم يصل بأكثر
منها .
قال في ((العَرْفِ الشذيِّ)) (ص٢٠١): هذه الرواية رواية ((الصحيحين))، وفي
الصحاح صلاة تراويحه التَّل ثمان ركعات. وفي ((السنن الكبرى)) وغيره بسند
ضعيف من جانب أبي شيبة فإنه ضعيفه اتفاقًا عشرون ركعة، وقال في (ص٣٢٩،
٣٣٠): ثم أن حديث: ((يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن))، فيه:
تصريح أنه حال رمضان، فإن السائل سأل عن حال رمضان وغيره، كما عند
الترمذي ومسلم، ولا مناص من تسليم أن تراويحه تُلِّلُ كانت ثمان ركعات، ولم
يثبت في رواية من الروايات أنه ظلّ صلى التراويح والتهجد على حدة في
رمضان، بل طول التراويح وبين التراويح والتهجد في عهده اليّلا لم يكن فرق في
الركعات، بل في الوقت والصفة أي: التراويح تكون بالجماعة في المسجد
بخلاف التهجد، وأن الشروع في التراويح يكون في أول الليل، وفي التهجد في
آخر الليل، ثم مأخوذ الأئمة الأربعة من عشرين ركعة هو عمل الفاروق الأعظم.
وأما النبي ◌َّ فصح عنه ثمان ركعات، وأما عشرون ركعة، فهو عنه تظلّلّ بسند
ضعيف، وعلى ضعفه اتفاق، انتهى.
فإن قلت: قد ثبت في الصحيح من حديث عائشة: أنه وَلو كان إذا دخل العشر
الأواخر يجتهد ما لا يجتهد في غيره، وفي الصحيح أيضًا من حديثها: كان إذا دخل
العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد ميزره، وهذا يدل على أنه كان يزيد في
العشر الأواخر على عادته، وهو مخالف لحديث أبي سلمة عن عائشة المذكور.
قلت: المراد بالاجتهاد تطويل الركعات لا الزيادة في العدد؛ قال العيني: إن

٣٢٧
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
SHEKEE
الزيادة في العشر الأواخر يحمل على التطويل دون الزيادة في العدد، انتهى. وأما
ما روى ابنُ أبي شيبة في ((مصنفه)) والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) والبيهقي
(ج٢ ص ٤٩٦) عن ابن عباس: أن النبي ◌َّ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة
سوی الوتر، فهو ضعيف جدًّا لا يصلح للاستدلال، ولا للاستشهاد ولا للاعتبار،
فإن مداره على أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، وهو متروك الحديث، كما في
((التقريب)). قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢ ص١٥٣): هو معلول بأبي شيبة
إبراهيم بن عثمان، وهو متفق على ضعفه، ولينه ابن عدي في ((الكامل))، ثم إنه
مخالف للحديث الصحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة: كيف
كانت صلاة رسول اللَّهُ وَّل في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان، ولا في
غيره على إحدى عشرة ركعة ... الحديث. انتهى كلام الزيلعي.
وقال ابن الهمام في ((فتح القدير)) بعد ذكر هذا الحديث: هو ضعيف بأبي شيبة
إبراهيم بن عثمان متفق على ضعفه مع مخالفته للصحيح. وقال العيني في ((شرح
البخاري)) (ج١١ ص١٢٨) بعد ذكر هذا الحديث: وأبوشيبة هو إبراهيم بن عثمان
العبسي الكوفي، قاضي واسط، جد أبي بكر بن أبي شيبة، كذبه شعبة، وضعفه
أحمد وابن معين والبخاري والنسائي وغيرهم، وأورد له ابن عدي هذا الحديث في
((الكامل)) في مناكيره، انتهى. وقال البيهقي (ج٢ ص٤٩٦) بعد روايته: تفرد به
أبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، وهو ضعيف، انتهى.
وقال النيموي في تعليق ((آثار السنن)) (ج٢ ص٥٦): وقد أخرجه عبد بن حميد
الكشي في ((مسنده))، والبغوي في ((معجمه))، والبيهقي في ((سننه))، كلهم من طريق
أبي شيبة إبراهيم بن عثمان وهو ضعيف، ثم نقل كلام البيهقي المذكور، وجروح
أئمة الجرح والتعديل عن ((التهذيب)) و((الميزان)) و((التقريب)). وقال الزرقاني في
((شرح الموطأ)»: حديث ابن عباس في عشرين ركعة حديث ضعيف. وهذا كله يدل
على أن حديث ابن عباس هذا ضعيف جدًّا عند جميع العلماء؛ الحنفية والشافعية
والمالكية وغيرهم، ومع ذلك قد تَفَوَّه بعض الحنفية في هذا العصر بأن رواية ابن
عباس إذ هي مؤيدة بآثار الصحابة أولى من رواية جابر المتقدمة - وإن كان فيها
بعض الضعف - فإن جمهور الصحابة متفقة على صلاة التراويح بعشرين ركعة،
انتھی.

٣٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
قلت: قد تقدم أن حديث ابن عباس ضعيف جدًّا، قد أطبق الأئمة على ضعفه،
ومع هذا فهو مخالف لحديث عائشة المتفق عليه، بخلاف حديث جابر؛ فإنه
صحيح أو حسن، ولم يضعفه أحد ممن يعتمد عليه، وله شاهد صحيح، وهو
حديث عائشة، فهو أولى بالقبول وأحق بالعمل. وأما دعوى تأيد حديث ابن عباس
بعمل جمهور الصحابة، فهي مردودة بما سيأتي من حديث السائب بن يزيد قال:
أمر عمر أبيَّ بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وبما
روى سعيد بن منصور في «سننه)) عن السائب بن يزيد قال: كنا نقوم في زمن عمر
ابن الخطاب بإحدى عشرة ركعة.
قال السيوطي: هذا الأثر إسناده في غاية الصحة، هذا وقد حاول بعضهم إثبات
صحة حديث ابن عباس حيث قال في ((تعليقه على المشكاة)): حديث ابن عباس في
عشرين ركعة الذي ضعفه أئمة الحديث هو صحيح عندي؛ لما ذكر السيوطي في
((التدريب)). قال بعضهم: يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول، وإن لم
يكن له إسناد صحيح، يعني: فحديث ابن عباس هذا حقيق بأن يصحح، لما تلقاه
الخلفاء الراشدون، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذي استقر
عليه الأمر في سائر البلدان والأمصار، انتهى كلامه مخلصًا مختصرًا.
قلت: التصدي لإثبات صحة حديث ابن عباس المتفق على ضعفه بمثل هذا
الكلام الواهي - عصبيةٌ باردةٌ، لا يفعل هذا إلا صاحب التقليد الأجوف والعصبية
العمياء؛ لأن الصحيح الثابت عن عمر هو جمعه الناس على إحدى عشرة ركعة لا
عشرين كما تقدم، وسيأتي أيضًا، ولو سلمنا أن طائفة من الصحابة والتابعين كانوا
يصلون عشرين ركعة، فليس هاهنا أثر للتلقي الذي جعله بعض العلماء موجبًا لقبول
الخبر الغير الصحيح؛ لأنه لا دليل على أن حديث ابن عباس هذا قد بلغ هؤلاء
الصحابة، ولا على أنهم تعرضوا للاحتجاج به، واستشهدوا به عند العمل، أو
استأنسوا به، وما لم يثبت ذلك لا تصح دعوى وجود التلقي المصطلح، الذي
يكون فيه غني عن الإسناد، على أنه قال السيوطي في ((التدريب)) (ص١١٥): مما
يدل على صحة الحديث أيضًا كما ذكره أهل الأصول موافقة الإجماع له على
الأصح؛ لجواز أن يكون المستند غيره. وقيل: يدل، انتهى.

٣٢٩
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
والحاصل: أن الثابت عن رسول اللّه وَ ل في قيام رمضان في الجماعة هو إحدى
عشرة ركعة مع الوتر لا غير، فهي السُّنَّهُ لا العشرون، ولله در ابن الهمام حيث
اعترف بضعف حديث ابن عباس ومخالفته لحديث عائشة الصحيح، ولم يتمحل
لتصحيح حديث ابن عباس، وصرح بأن العشرين ليست سنة النبي وَله .
قلت: ويدل أيضًا على كون التراويح ثمان ركعات: ما روي عن جابر بن
عبد الله، قال: جاء أبُّ بن كعب إلى رسول الله ێے، فقال: يا رسول الله، إنه كان
منى الليلة شيء - يعني: في رمضان - قال: ((وَمَا ذَاكَ يَا أَبَيُّ؟)) قال: نسوة في
داري، قلن: إنا لا نقرأ القرآن فنصلي بصلاتك، قال: فصليت بهن ثمان ركعات
وأوترت. فكانت سنة الرضا ولم يقل شيئًا. رواه أبويعلى، والطبراني بنحوه في
((الأوسط)). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢ ص٧٤): إسناده حسن، انتهى.
قلت: وأخرجه أيضًا محمد بن نصر المروزي في ((قيام الليل)) وعبد الله بن
أحمد في ((المسند)) (ج٥ ص١١٥)، وفي إسناده من لم يسم، وسيأتي مزيد الكلام
في هذه المسألة.
١٣٠٧ - [٥] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ لَيْلَةً، فَإِذَا
هُو بِالْبَقِيعِ، فَقَالَ ((أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟)) قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ
لَيْلَةَ النَّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعَرِ غَثَمِ
گَلْب)».
- وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَزَادَ رَزِينٌ: (مَّنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ))] (ضعيف)
الشّرْحُ
١٣٠٧ - قوله: (فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ) أي: غاب عني. قال في ((النهاية)):
فقدت الشيء أفقده إذا غاب عنك. (لَيْلَةً) من ليالي، تعني: الليلة التي كان فيها
(١٣٠٧) التِّرْ مِذِي (٧٣٩)، وَابن مَاجَهْ (١٣٨٩) عَنْهَا فِيهَا، قَالَ التِّرْمِذِي: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يُضَعِّفُهُ.

٣٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عندي. (فَإِذَا هُوَ بِالْبَقِيعِ) أي: فخرجت أطلبه فإذا هو واقف بالبقيع، والمراد
بالبقيع: بقيع الغرقد، وهو موضع بظاهر المدينة، فيه قبور أهلها، كان به شجر
الغرقد، فذهب وبقي اسمه، كذا في ((النهاية)).
(أَنْ يَحِيفَ) الحيف الظلم والجور، أي: أظننت أن قد ظلمتك بجعل نوبتك
لغيرك، وذلك مناف لمنصب الرسالة، وذكر اللَّهَ؛ تعظيمًا لرسوله، ودلالة على أن
فعل الرسول عادة لا يكون إلا بإذنه وأمره. وقال الطيبي: أو تزيينًا للكلام
وتحسينًا، أو حكاية لما وقع في الآية: ﴿َمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور: ٥]،
وإشارة إلى التلازم بينهما كالإِطاعة والمحبة. قال: يعني: ظننت أني ظلمتك بأن
جعلت من نوبتك لغيرك، وذلك مناف لمن تصدى منصب الرسالة، وهذا معنى
العدول عما هو مقتضى ظاهر العبارة، وهو ((ظننت أني أحيف عليك))، فوضع
رسوله موضع الضمير؛ للإشعار بأن الحيف ليس من شيم الرسل، وفيه: أن القسم
كان واجبًا عليه؛ إذ لا يكون تركه جورًا إلا إذا كان واجبًا .
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ) أي: زوجاتك لبعض
مهماتك، فأردت تحقيقها، وحملني على هذا الغيرة الحاصلة للنساء، التي
تخرجهن عن دائرة العقل وحائزة التدبر للعاقبة من المعاتبة أو المعاقبة.
والحاصل: إني ما ظننت أن يحيف الله ورسوله علي أو على غيري، بل ظننت أنك
بأمر من الله، أو باجتهاد منك خرجت من عندي لبعض نسائك؛ لأن عادتك أن
تصلي النوافل في بيتك، كذا في ((المرقاة)). ولفظ ابن ماجه: قالت - أي: عائشة
- قد قلت - أي: في جوابه وَّ - وما بي ذلك - أي: الخوف والظن السوء بالله
ورسوله - ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك.
قال السندي: أي: لكني ظننت أنك فعلت ما أحل الله لك من الإتيان لبعض
نسائك، تريد أنها ما جوزت ذلك، ولا زعمته من جهة كونه حيفًا وجورًا، ولكن
جوزته من جهة أنه في ذاته إتيان بعض النساء، وهو حلال، والمقصود أنها ما
لاحظت ذلك من جهة كونه ظلمًا، ولكن لاحظت من جهة كونه حلالا، فلذلك
جوزته فانظر إلى كمال عقلها، فإنها قد زعمت ذلك للنبي وَالّ وذلك جورًا، وقال:
أتخافين من اللَّه تعالى ورسوله؟ فإن قالت في الجواب: نعم خفت ذلك، يكون
قبيحًا، وإن قالت: ما خفته، يكون كذبًا، فتفطن، انتهى.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
HERE
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
٣٣١
(فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالى يَنْزِلُ) استئناف لبيان موجب خروجه من عندها، يعني:
خرجت للدعاء لأهل البقيع؛ لما رأيت من كثرة الرحمة في هذه الليلة. (فَيَغْفِرُ
لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرٍ غَنَم كَلْبٍ) أي: قبيلة بني كلب وخصمهم؛ لأنهم أكثر غنمًا من
سائر العرب. نقل الأبهري عن ((الأزهار)): أن المراد بغفران أكثر عدد الذنوب
المغفورة لا عدد أصحابها، وهكذا رواه البيهقي، انتهى. وأما الحديث الآتي
فيغفر لجميع خلقه، فالمراد أصحابها، كذا في ((المرقاة)). (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في
الصيام. (وابْنُ مَاجَهْ) في أواخر الصلاة، كلاهما من رواية حجاج بن أرطاة، عن
يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة. قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه،
والحديث منقطع، كما ستعرف. (وَزَادَ رَزِينٌ: مِمَّنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ) قال ابن حجر:
أي: من المؤمنين، كما صرح به قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾. وقيد ذلك في روايات بينتها، ثم بغير المشاحن وقاطع الرحم
ومدمن الخمر ومسبل الإزار وعاق لوالديه. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا -
يَعْنِي: الْبُخَارِيَّ) هو تفسير من المصنف. (يُضَعِّفُ) يعني: البخاري. (هَذَا
الْحَدِيثَ) ويقول: يحيى بن أبي كثير: لم يسمع من عروة، والحجاج لم يسمع من
يحيى بن أبي كثير، انتهى. فالحديث منقطع في موضعين: أحدهما: ما بين
الحجاج ويحيى، والآخر: ما بين يحيى وعروة. والحديث المنقطع من أقسام
الضعيف، لكنه ورد في فضيلة ليلة النصف من شعبان أحاديث أخرى، وقد ذكر
المصنف بعضها في الفصل الثالث، وسنذكر بقيتها هناك إن شاء الله تعالى. وهي
بمجموعها حجة على من زعم أنه لم يثبت في فضيلتها شيء. قيل: في وجه مناسبة
هذا الحديث بالباب: الإيذان بأن ليلة النصف من شعبان لما ورد في إحيائها من
الثواب ما لا يحصى كانت كالمقدمة لقيام رمضان، فاستدعى ذكره ذكرها، قال
القاري: أو لأن الكلام لما كان في القيام، والمراد الأعظم منه: إدراك ليلة القدر
فذكر ليلة البراءة طردًا للباب.

٣٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣٠٨ - [٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((صَلَاةُ
الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّ الْمَكْتُوبَةَ)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ وَالتِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٣٠٨ - قوله: (صَلَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا)؛ لأنه
أبعد من الرياء. والحديث: يدل على استحباب فعل صلاة التطوع في البيوت، وأن
فعلها فيها أفضل من فعلها في المساجد، ولو كانت المساجد فاضلة كالمسجد
الحرام، ومسجده وَّل، ومسجد بيت المقدس، فلو صلى الرجل نافلة في مسجد
المدينة كانت بألف صلاة على القول بدخول النوافل في عموم الحديث، وإذا
صلاها في بيته كانت أفضل من ألف صلاة، وهكذا حكم المسجد الحرام ومسجد
المقدس، وقد تقدم أنه استثنى من عموم حديث الباب ما تشرع فيه الجماعة من
النوافل كالعيدين، والاستسقاء، والكسوف، والتراويح، وما يخص المسجد
كصلاة القدوم من السفر، وتحية المسجد.
(إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ) أي: الصلوات المكتوبات، وهي الصلوات الخمس، وهذا في
حق الرجال دون النساء، فيجب على الرجال أن يصلوا المكتوبات في المساجد
بالجماعة. وأما النساء فصلاتهن في البيوت أفضل، مكتوبة كانت، أو نافلة، وإن
أذن لهن في حضور المكتوبات في المساجد.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) واللفظ لأبي داود، وقد سكت عنه هو، وحسنه
الترمذي، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. والحديث ذكره المجد في
((المنتقى)) في باب: إخفاء التطوع بلفظ: ((أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّ
الْمَكْتُوبَةَ))، وقال: رواه الجماعة إلا ابن ماجه، لكن له معناه من رواية عبد الله بن
سعد، انتهى.
(١٣٠٨) أَبُو دَاوُد (١٠٤٤)، والتِّرْمِذِي (٤٥٠)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٢٩١) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
قُلْتُ: أَصْلُهُ فِي ((الصَّحِيحِ)): البخاري (٧٣١)، مسلم (٧٨١).

كِتَّابُ الصَّلاةِ
٣٣٣
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
الفصل الثالث
١٣٠٩ - [٧] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ
ابْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعْ مُتَفَرَّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ
لِنَفَسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلَِّ بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَوجَمَعْتُ
هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ،
قال: ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَئِلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلَّونَ بِصَلََّةٍ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرَّ:
نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّي تَقُومُونَ - يُرِيدُ آخِرَ
اللَّيْلِ - وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ.
[رَواهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٣٠٩ - قوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ) بالتنوين، أي: بغير إضافة.
(الْقَارِيِّ) بخفة راء وشدة ياء بلا همزة، نسبة إلى القارة بن الديش قبيلة مشهورة،
يقال: إنه ولد على عهد رسول اللَّه ◌َل، وليس له منه سماع ولا رؤية، وقيل: أتي به
إليه وهو صغير. وذكره العجلي في ثقات التابعين. واختلف قول الواقدي فيه، قال
تارة: له صحبة، وتارة: تابعي. والمشهور أنه تابعي من أجلة تابعي المدينة، وكان
عاملًا لعمر على بيت المال. مات سنة (٨٨)، وهو ابن (٧٨) سنة.
(خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً) أي: في رمضان كما في ((البخاري)). (إِلَى
الْمَسْجِدِ) النبوي. (فَإِذَا النَّاسُ) بعد صلاتهم العشاء جماعة واحدة. وكلمة (إِذَا)
للمفاجأة. (أَوْزَاعٌ) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها زاي أي: جماعات متفرقة،
لا واحد له من لفظه. وقوله: (مُتَفَرِّقُونَ) تأكيد لفظي. وقال الطيبي: كعطف
البيان .
(يُصَلِّ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ) هذا وما بعده بيان لما أجمل أولًا بقوله: (أَوْزَاعٌ).
(وَيُصَلَّ الرَّجُلُ) الآخر. (فَيُصَلِّ) أي: مقتديًا (بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ) بسكون الهاء
(١٣٠٩) البُخَارِي (٢٠١٠) عنه في الصَّلاة.

EXDONE
٣٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويحرك، ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقيل: إلى الأربعين، والحاصل: أن بعضهم
كان يصلي منفردًا، وبعضهم يصلي جماعة. (فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَوْ) قال ابن حجر:
وفي نسخة: ((إني أرى لو قلت))، وكذا وقع عند البخاري، وكذا نقله الجزري في
((جامع الأصول)) (ج ٧: ص ٨٣) وفي ((الموطأ)): إني لأراني لو (جَمَعْتُ هَؤُلَاءٍ عَلَى
قَارِئٍ وَاحِدٍ) يأتمون كلهم به، ويسمعون قراءته. (لَكَانَ أَمْثَلَ) أي: أفضل؛ لأنه
أنشط لكثير من المصلين فيكون الثواب أكمل. يقال: هذا أمثل من كذا، أي:
أفضل وأدنى إلى الخير، وأماثل الناس خيارهم.
قال ابن التين وغيره: استنبط عمر ذلك من تقرير النبي وَل﴾ من صلى معه في تلك
الليالي، وإن كان كره ذلك لهم، فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم، فلما مات
النبي ◌َّ حصل الأمن من ذلك، ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق
الكلمة؛ ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين. وإلى قول عمر جنح
الجمهور.
(ثُمَّ عَزَمَ) أي: على ذلك وصمم عليه عمر. (فَجَمَعَهُمْ) أي: الرجال منهم في
سنة أربع عشرة. (عَلَى أَبَّيِّ بْنِ كَعْبٍ) أي: جعله إمامًا لهمٍ يصلي بهم التراويح.
وكأنه اختاره عملاً بقوله بَله: ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ))، وقال عمر: أقرؤنا
أبي. وقيل: اختاره لما قد علم أن أبيًّا كان يصلي بالناس التراويح في عهد
رسول اللَّه ◌َله؛ فقد أخرج أبو داود، ومن طريقه البيهقي عن أبي هريرة قال: خرج
رسول اللّه وَلير، فإذا أناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ((مَا
هَؤُلَاءِ؟)) فقيل: هؤلاء الناس ليس معهم قرآن، وأبيُّ بن كعب يصلي وهم يصلون
بصلاته، فقال النبي وَلِهِ: ((أَصَابُوا، وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا))، لكن قال الحافظ: فيه مسلم
ابن خالد، وهو ضعيف. والمحفوظ أن عمر هو الذي جمع الناس على أبيٌّ،
انتھی .
وأجيب عن هذا: بأن مسلم بن خالد وإن ضعفه ابن المديني والبخاري وابن
معين في رواية وأبو داود، فقد ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من فقهاء
الحجاز، ومنه تعلم الشافعي الفقة قبل أن يلقى مالكًا، وكان مسلم بن خالد يخطئ
أحيانًا. وقال ابن معين في رواية والدارقطني: ثقة، حكاه ابن القطان. وقال ابن
عدي: حسن الحديث، وأرجو أنه لا بأس به. وقال الساجي: صدوق كثير الغلط.

٣٣٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
EcHEk
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
ولحديث أبي هريرة هذا شاهد مرسل عند البيهقي في ((المعرفة)) وفي ((السنن))
(ج ٢ : ص ٤٩٥) من حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي. وكون عمر هو الذي جمع
الناس على أبيٍّ لا ينافي كون أبيُّ قد صلى بالناس في زمنه بَّه؛ لأن صلاة أبي
بالناس في زمنه الَلا لم يكن من أمره ولا من اهتمامه. فالاجتماع على إمام واحد -
أي: أبيّ - والاهتمام بجماعة واحدة إنما كان في زمان عمر، فهو الذي رفع التفرق
والتوزع، وجمعهم على قارئ واحد، واهتم بجماعة واحدة، ثم إنه لا ينافي هذا ما
سيأتي من أن عمر جمعهم على تميم الداري، كما ستعرف. وروى سعيد بن
منصور من طريق عروة، أن عمر جمع الناس على أبيٍّ بن كعب، فكان يصلي
بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء. ورواه محمد بن نصر في ((قيام الليل))
من هذا الوجه، فقال: سليمان بن أبي حثمة بدل تميم الداري.
قال الحافظ: ولعل ذلك كان فيٍ وقتين. (قَالَ) أي: عبد الرحمن. (ثُمَّ خَرَجْتُ
مَعَهُ) أي: مع عمر. (وَالنَّاسُ يُصَلَّونَ) مقتدين. (بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ) أي: إمامهم
المذكور، فالإضافة للعهد. وفيه دليل على أن عمر لم يكن يصلي معهم لشغله
بأمور المسلمين، أو كان يصليها منفردًا في بيته، أو كان يرى أن الصلاة في آخر
الليل أفضل. (نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ) وفي البخاري: ((نعم البدعة)) بغير تاء. قال الحافظ:
في بعض الروايات: ((نعمت البدعة)) بزيادة تاء. (هَذِهِ) أي: الجماعة الكبرى، لا
أصل التراويح، ولا نفس الجماعة، فإنهما ثابتان من فعله وَّله. قال الإمام تقي
الدين ابن تيمية في ((منهاج السنة)): قد ثبت أن الناس كانوا يصلون بالليل جماعة
في رمضان على العهد النبوي، وثبت أنه وَ له صلى ليلتين أو ثلاثًا، انتهى. وفي
وصفها بـ((نِعْمَتْ)) إشارة إلى أن أصلها سنة، وليست ببدعة شرعية حتى تكون
ضلالة، بل بدعة لغوية، وهي حسنة، وقد تعتريها الأحكام الخمسة. والبدعة
الشرعية: ما ليس لها أصل في الشرع، فلا تكون إلا سيئة، وفيه تصريح من عمر
بأنه أول من جمع الناس في التراويح على إمام واحد بالجماعة الكبرى، واهتم
بذلك؛ لأن البدعة لغة ما فعله أحد ابتداء من غير أن يتقدمه غيره، فالمراد بالبدعة
في قوله هي البدعة اللغوية، وهي هاهنا اجتماعهم على إمام واحد، والاهتمام
لذلك، والمواظبة عليه، لا أصل التراويح، أو نفس الجماعة، فإنهما قد ثبتا من
فعل النبي ◌َّ وفعل الصحابة في عهده بحضرته.

٣٣٦
B UBExX
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن تيمية: إنما سماها عمر بدعة؛ لأن ما فعل ابتداء بدعة لغة، وليس ذلك
بدعة شرعية، فإن البدعة الشرعية التي هي ضلالة ما فعل بغير دليل شرعي،
کاستحباب ما لم يحبه الله، وإيجاب ما لم يوجبه الله، وتحريم ما لم يحرمه الله.
وبه يندفع ما يقال إن قول عمر: (نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ) مخالف لحديث: ((كل بدعة
ضلالة))، بأن المراد بالبدعة في الكلية: البدعة الشرعية، وتوصيف الحسن للبدعة
اللغوية .
وقال الشاطبي في ((الاعتصام)): قد قام بصلاة التراويح في رمضان رسول اللّه وَال
في المسجد، واجتمع الناس خلفه، فخرَّج أبو داود عن أبي ذر، قال: صمنا مع
رسول اللّه وَ ليل رمضان، فلم يقم بنا شيئًا من الشهر حتى بقي سبع ... الحديث،
لكنه وَ لّ لما خاف افتراضه على الأمة أمسك عن ذلك، ففي الصحيح عن عائشة:
أن رسول اللّه وَ لَه صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس ... الحديث.
ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة، فإن قيامه أولًا بهم دليلٌ على صحة القيام
في المسجد جماعة في رمضان، وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا
يدل على امتناعه مطلقًا؛ لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع، فيمكن أن يوحى إليه
إذا عمل به الناس بالإلزام، فلما زالت علة التشريع بموت رسول اللّه وَ ل رجع
الأمر إلى أصله، وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له، وإنما لم يقم ذلك أبوبكر رضي اللَّهُ
لأحد أمرين: إما لأنه رأى أن قيام الناس في آخر الليل، وما هم به عليه كان أفضل
عنده من جمعهم على إمام أول الليل، وإما لضيق زمانه عن النظر في هذه الفروع،
مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح، فلما تمهد
الإِسلام في زمن عمر، ورأى الناس في المسجد أوزاعًا كما جاء في الخبر، قال:
لو جمعتُ الناس على قارئ واحد لكان أمثل، فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم في
آخر الليل أفضل. ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره، والأمة لا تجتمع على
ضلالة. وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي، فإن قيل:
فقد سماها عمر بدعة، وحسنها بقوله: ((نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ))، وإذا ثبت بدعة
مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع، فالجواب: إنما سماها بدعة
باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول اللَّه وَ له، واتفق أن لم تقع في زمان أبي
بكر رَضَِّهُ، لا أنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في
الأسامي، انتهى كلام الشاطبي مختصرًا.

٣٣٧
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وقال ابن رجب في ((شرح الخمسين)) (ص١٩١): أما ما وقع في كلام السلف
من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية. فمن ذلك قول
عمر رَوَّّهُ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج
ورآهم يصلون كذلك، فقال: ((نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ)) وروي عنه من طريق نوفل بن
إياس الهذلي عند ابن سعد وجعفر الفريابي في ((السنن))، كما في ((كنز العمال))
(ج٤ ص٢٨٤) أنه قال: إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة، وروي عن أبيّ بن
كعب، أخرجه ابن منيع في ((مسنده))، قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر: قد
علمتُ، ولكنه حسن، ومراده: أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا
الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليها، فمنها: أن النبي ◌َّر كان يحث على
قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة
ووحدانًا، وهو رَّ صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ... إلخ.
(وَالَّتِي تَنَامُونَ) بالفوقية أي: الصلاة، أو الساعة التي تنامون. (عَنْهَا) والمراد
الصلاة في آخر الليل. وعند أبي شيبة عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، قال عمر:
في الساعة التي تنامونِ عنها أعجب إليَّ من الساعة التي يقومون فيها. (أَفْضَلُ مِنَ)
الصلاة، أو الساعة (الَّتِي تَقُومُونَ) بها. (يُرِيدُ) أي: عمر بن الخطاب بهذا الكلام
بيان الفضل في الصلاة. (آخِرَ اللَّيْلِ) وهو قول عبد الرحمن، وكذلك قوله: (وَكَانَ
النَّاسُ) أي: أكثرهم. (يَقُومُونَ) إذ ذاك. (أَوَّلَهُ) وبالضرورة ينامون آخره.
قال الحافظ: هذا تصريح من عمر بأن الصلاة في آخر الليل أفضل من أوله،
لكن ليس فيه أن الصلاة في قيام الليل فرادى أفضل من التجميع. وقال الطيبي: هذا
تنبيه منه على أن صلاة التراويح في آخر الليل أفضل. قال القاري: وفي كلامه رَوَّهُ
إيماء إلى عذره في التخلف عنهم. وفي هامش ((المسوي)): يعني: آخر الليل
أفضل، لكن الصلاة في أول جماعة أفضل كما أن صلاة العشاء في أول جماعة
أفضل، والوقت المفضول قد يختص العمل فيه بما يوجب أن يكون أفضل منه في
غيره، كما أن الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة أفضل من التفريق بسبب
أوجب ذلك، وإن كان الأصل أن فعل الصلاة في وقتها أفضل، والإبراد بالظهر
أفضل، لكن الصلاة يوم الجمعة عقيب الزوال أفضل. قاله ابن تيمية في
((المنهاج))، انتهى. ولم يقع في هذه الرواية عدد الركعات التي كان يصلي بها أبيُّ

Sery
٣٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن كعب. وقد اختلف في ذلك، والصحيح أنها كانت إحدى عشرة ركعة كما
سيأتي. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الصيام، وأخرجه أيضًا مالك والبيهقي (ج٢
ص٤٩٣).
١٣١٠ - [٨] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ
وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ فِي رَمَضَّانَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَكَانَ الْقَارِئُ
يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ، حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَّى الْعَصَا مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ
إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ .
[َرَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٣١٠ - قوله: (الدَّارِيَّ) بتشديد الياء، نسبة إلى جده الأعلى الدار بن هانئ
ابن حبيب. (أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ) أي: يؤماهم. قال الباجي : یصلي بهم أبيُّ ما قدر ثم
يخرج، فيصلي تميم. والصواب: أن يقرأ الثاني من حيث انتهى الأول؛ لأن الثاني
إنما هو بدل عن الأول ونائب عنه، وسنة قراءة القرآن على الترتيب، انتهى. وقال
القاري: أي: يكون هذا إمامًا تارة، والآخر أخرى. وهو يحتمل أن تكون المناوبة
في الركعات أو الليالي. (بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) هذا نص في أن الذي جمع عليه
الناس عمر في قيام رمضان، وأمرهم بإقامته هو إحدى عشرة ركعة مع الوتر، وأن
الصحابة والتابعين على عهده كانوا يصلون التراويح إحدى عشرة ركعة موافقًا لما
تقدم من حديث عائشة: ((ما كان يزيد في رمضان، ولا في غير رمضان على إحدى
عشرة ركعة))، وموافقًا لما تقدم من حديث جابر: ((صلى بنا رسول اللّه وَّل في شهر
رمضان ثمان ركعات)). فإن قلت: قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر أثر عمر هذا:
ورواه عبد الرزاق من وجه آخر، أي: من طريق داود بن قيس عن محمد بن
یوسف، فقال: إحدى وعشرين، انتهى.
وقال ابن عبد البر: روى غير مالك في هذا أحد وعشرون، وهو الصحيح، ولا
أعلم أحدًا قال فيه: إحدى عشرة إلا مالكًا. ويحتمل أن يكون ذلك أولًا، ثم خفف
(١٣١٠) مَالِك (٩٢) عنه .

٣٣٩
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
عنهم طول القيام، ونقلهم إلى أحد وعشرين إلا أن الأغلب عندي أن قوله: إحدى
عشرة وهم، انتهى. قلت: قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): قول ابن عبد البر: إن
الأغلب عندي أن قوله: إحدى عشرة وهم باطل جدًّا. قال الزرقاني في ((شرح
الموطأ)) بعد ذكر قول ابن عبد البر هذا: ما لفظه: ولا وهم، وقوله: إن مالكًا انفرد
به، لیس کما قال، فقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن محمد بن يوسف،
فقال إحدى عشرة، كما قال مالك، انتهى كلام الزرقاني. وقال النيموي في ((تعليق
آثار السنن)) (ج٢ ص٥٢): ما قاله ابن عبد البر من وهم مالك فغلط جدًّا؛ لأن
مالكًا قد تابعه عبد العزيز بن محمد عند سعيد بن منصور في ((سننه))، ويحيى بن
سعيد القطان عند أبي بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه)) كلاهما عن محمد بن يوسف،
وقالا: إحدى عشرة ركعة، كما رواه مالك عن محمد بن يوسف. وأخرج محمد
ابن نصر المروزي في ((قيام الليل)) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن
يوسف عن جده السائب بن يزيد، قال: كنا نصلي في زمن عمر في رمضان ثلاث
عشرة ركعة، انتهى.
قال النيموي: هذا قريب مما رواه مالك عن محمد بن يوسف أي: مع الركعتين
بعد العشاء، انتهى كلام النيموي. قال الشيخ: فلما ثبت أن الإمام مالكًا لم ينفرد
بقوله: إحدى عشرة، بل تابعه عليه عبد العزيز بن محمد، وهو ثقة، ويحيى بن
سعيد القطان إمام الجرح والتعديل، وهو ثقة متقن حافظ إمام على ما قال الحافظ
في ((التقريب))، ظهر لك حق الظهور أن قول ابن عبد البر: إن الأغلب أن قوله:
إحدى عشرة وهم، ليس بصحيح، بل لو تدبرت ظهر لك أن الأمر على خلاف ما
قال ابن عبد البر: أن الأغلب أن قول غير مالك في هذا الأثر: إحدى وعشرون،
كما في رواية عبد الرزاق، وهم، فانه قد انفرد هو بإخراج هذا الأثر بهذا لفظ، ولم
يخرجه به أحد غيره فيما أعلم. وعبد الرزاق، وإن كان ثقة حافظًا لكنه قد عمي في
آخر عمره فتغير، كما صرح به الحافظ في ((التقريب)). وأما الإمام مالك، فقال
الحافظ في ((التقريب)): إمام دار الهجرة رأس المتقنين، وكبير المثبتين، حتى قال
البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر، انتهى. ومع هذا لم
ينفرد هو بإخراج هذا الأثر بلفظ: إحدى عشرة، بل أخرجه أيضًا بهذا اللفظ سعيد
ابن منصور وابن أبي شيبة، كما عرفت. فالحاصل أن لفظ: إحدى عشرة في أثر