النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحجاج بن أرطاة، وهو غير ثقة. ومنها: حديث ابن عمر أخرجه الدار قطني في
غرائب مالك. وفيه حميد بن أبي الجون، وهو ضعيف. ومنها: حديث أبي سعيد،
أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)). قال الحافظ في ((الدراية)) (ص١١٢):
بإسناد حسن .
١٢٧٦ - [١٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ نَامَ
عَنْ وِتْرِهِ، فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا] {حسن}
الشّرْجُ
١٢٧٦ - قوله: (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) من ثقات التابعين المشهورين، وهو
مولى عمر. (مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ) أي: عن أدائه. (فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ) أي: فليقض
الوتر بعد الصبح متى اتفق، وكذا من نسي الوتر فليصله إذا ذكر. ففيه دليل على أن
من نام عن وتره، أو نسيه فحكمه حكم من نام عن الفريضة، أو نسيها، أنه يأتي بها
عند الاستيقاظ أو الذكر. وهذا يدل على مشروعية قضاء الوتر. واختلف فيه
العلماء: فذهب مالك: إلى أن الوتر يصلى إلى تمام صلاة الصبح أداء، ولا قضاء له
بعد ذلك، يعني: أنه لا يقضي بعد صلاة الصبح. وذهب الشافعي وأحمد: إلى
سُنِيَّةِ القضاء، وقالا: إنه يُقضى أبدًا ليلًا ونهارًا.
وذهب أبو حنيفة وصاحباه: إلى وجوب القضاء. واستشكل قول الصاحبين؛ لأن
وجوب القضاء فرع لوجوب الأداء، وقد قالا بسنية الوتر لا بوجوبه. وأجيب:
بأنهما لما ثبت عندهما دليل السنية ذهبا إليه، ولما ثبت دليل وجوب القضاء قالا به
اتباعًا للنص، وإن خالف القياس. والراجح عندي: ما ذهب إليه الشافعي وأحمد
من أن الوتر يقضى أبدًا ليلًا ونهارًا، لكن ندبًا لا وجوبًا، خلافًا لمالك، فإنه قال
بعدم مشروعية القضاء، وخلافًا للأئمة الحنفية، فإنهم ذهبوا إلى وجوب القضاء.
وذهب بعض العلماء إلى التفرقة بين أن يتركه نومًا أو نسيانًا، وبين أن يتركه عمدًا،
(١٢٧٦) البَغَوِيُّ (٨٨/٤) عَنْهُ مُرْسَلًا.
٢٦١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
فيقضيه في الأول إذا استيقظ أو إذا ذكر في أي وقت كان ليلاً أو نهارًا.
قال الشوكاني: وهو ظاهر الحديث، واختاره ابن حزم، واستدل بعموم
قوله {َّهِ: (مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ، أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصِلَّهَا إِذَا ذَكَرَهَا))، قال: وهذا عموم
يدخل فيه كل صلاة فرض أو نافلة، وهو في الفرض أمر فرض، وفي النفل أمر
ندب، قال: ومن تعمد تركه حتى دخل الفجر، فلا يقدر على قضائه أبدًا، قال:
فلو نسيه أحببنا له أن يقضيه أبدًا متى ذكره ولو بعد أعوام. وقد استدل بالأمر بقضاء
الوتر على وجوبه. وحمله الجمهور على الندب، ويكون المعنى: أن المندوب
يقضى كالواجب لكن ندبًا لا وجوبًا، وقد جاء قضاء المندوب.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا) من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد بن
أسلم. وأخرجه أيضًا هو وابن ماجه ومحمد بن نصر موصولًا، من طريق
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وسيأتي في
الفصل الثالث. قال الترمذي: والمرسل أصح من الموصول، أي؛ لأن
عبد الرحمن بن زيد ضعيف، وأخوه عبد الله بن زيد أحسن حالاً منه وأمثل
وأثبت، وَثَّقَهُ أحمد ومعن بن عيسى القزاز. وقال أبوحاتم: ليس به بأس. وقال
الحافظ: صدوق فیه لین.
ولكن الحديث صحيح من طريق أخرى، فقد رواه أبو داود في ((السنن))
والدار قطني (ص١٧١) والحاكم (ج١ ص٣٠٢) والبيهقي (ج ٢ ص ٤٨٠) كلهم من
طريق أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد. قال
الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي،
وصححه أيضًا الحافظ العراقي. قال الشوكاني: وإسناد الطريق التي أخرجه منها
أبو داود صحيح، كما قال العراقي.
٢٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٧٧ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجَ قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ: بِأَّ
شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللّهِ وَِّ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقْرَأُّفِي الْأُولَى بـ﴿سَيِّجِ اسْمَ رَبِّكَ
اُلْأَعْلَى﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ بِ﴿قُلْ يَأَيُّهَ اَلْكَفِرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِئَةِ بِ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾
وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٧٧ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْج) بضم الجيم الأولى وفتح الراء
وسكون الياء، تابعي لين. قال العجلي: لم يسمعً من عائشة، وأخطأ خصيف راوي
هذا الحديث عنه، فصرح بسماعه، كذا في ((التقريب)). وقال البخاري والعقيلي:
لا يتابع في حديثه. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). (قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ) هذا لفظ
الترمذي، وفي رواية أبي داود قال: سألت عائشة. (بِأَيِّ شَيْءٍ) أي: من السور.
(كَانَ يُوتِرُ) أي: يصلي الوتر، وقال ابن حجر: أي: بأي شيء من القرآن يقرأ في
وتره؟ (كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى) أي: من الثلاث. ( بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) أي: بعد
الفاتحة .
(وَفِي الثَّالِئَةِ) فيه: إشارة إلى أن الثلاث بسلام واحد. قال الزيلعي في ((نصب
الراية)) (ج٢: ص١١٩): ظاهر الحديث: أن الثالثة متصلة غير منفصلة، وإلا
لقال: وفي ركعة الوتر أو الركعة المفردة أو نحو ذلك. ولكن يعكر عليه في لفظه
للدار قطني (ص١٧٢) والطحاوي (ص١٦٨) والحاكم (ج٢: ص ٣٠٥) والبيهقي
(ج٣: ص٣٧) عن عائشة أيضًا: أن النبي وَ ل كان يقرأ في الركعتين اللتين يوتر
ويقرأ في الوتر
و ﴿قُلْ يَأَتُهَا الْكَفِرُونَ (@)
بعدهما ب﴿َسَيْحِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ?
ب﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
(@)) انتهى.
وقال الحافظ في ((الدراية)) بعد ذكر هذه الرواية: وهو يرد استدلال الطحاوي،
بأنه لو كان مفصولًا لقال: وركعة الوتر، أو الركعة المفردة، أو نحو ذلك، انتهى.
(١٢٧٧) أَبُو دَاوُد (١٤٢٤)، وَالتِّرْ مِذِي (٤٦٣) عَنْ عَائِشَةَ مِّنَا فِي الطَّهَارَةِ.
٢٦٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِثْرِ
وقال الحاكم في ((المستدرك)) بعد روايته: وسعيد بن عفير - يعني: الذي روى عن
يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرٍة عن عائشة - إمام أهل مصر بلا
مدافعة، وقد أتى بالحديث مفسرًا مصلحًا دالا على أن الركعة التي هي الوتر ثانية
غير الركعتين اللتين قبلهما، انتهى. أي: فيحمل ما أجمله غيره كسعيد بن الحكم
ابن أبي مريم وغيره على هذا المفصل. (وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ) بكسر الواو وتفتح. وفي
الحديث: دليل على مشروعية قراءة ثلاث سور الإخلاص والمعوذتين في الركعة
الثالثة من الوتر، لكن اختار أكثر أهل العلم قراءة الإخلاص فقط؛ لأن حديث
عائشة فيه كلام، وحديث أبي بن كعب وابن عباس بإسقاط المعوذتين أصح.
وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد وابن معين زيادة المعوذتين. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه والبيهقي (ج٣: ص٣٨)، وسكت عنه أبو
داود وحسنه الترمذي، لكن قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): في كونه حسنًا نظر،
فإن عبد العزيز بن جريج لم يسمع من عائشة. كما قال العجلي وابن حبان
والدار قطني، وأيضًا فيه خُصَيْف، وهو قد خلط بآخره، ولا يُدْرَى أن محمد بن
سلمة رواه عنه قبل الاختلاط أو بعده، والله أعلم، نعم، يعتضد برواية عمرة عن
عائشة التي أشار إليها الترمذي، يعني: التي تقدم لفظها في كلام الزيلعي.
وقال العلامة أحمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)) متعقبًا على كلام الشيخ ما
لفظه: وليس هذا بشيء؛ أما خصيف فإنه ثقة، تكلم بعضهم في حفظه، كما سبق،
وعبد العزيز بن جريج قديم؛ لأن ابنه عبد الملك مات في أول عشر ذي الحجة سنة
(١٥٠) عن (٧٦) سنة، فكأنه ولد سنة (٧٤)، بل قال بعضهم: إنه جاز المائة،
فكأنه ولد حول سنة (٥٠)، وعائشة ماتت (٥٨)، فأبوه عبد العزيز أدرك عائشة
يقينًا. ثم قد تأيد الحديث برواية عمرة عن عائشة التي أشار إليها الترمذي.
وحديثها رواه الحاكم في ((المستدرك)) (ج ١: ص ٣٠٥) من طريق سعيد بن عفير
وسعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن عمرة، وقال: صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ويحيى بن أيوب الغافقي ثقه حافظ، ولا
حجة لمن تكلم فيه، ورواه أيضًا ابن حبان والدار قطني والطحاوي فيما حكاه
الحافظ في ((التلخيص))، انتهى.
٢٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
BeEN
قلت: ويؤيده أيضًا ما روى الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي هريرة بزيادة
المعوذتين، وفيه: المقدام بن داود، وهو ضعيف، وما روى ابن السكن من حديث
عبد الله بن سرجس بإسناد غريب، كما في ((التلخيص))، فالظاهر: أن حديث
عائشة حسن لشواهده، وأما من جهة سنده ففي كونه حسنًا كلام؛ لما تقدم أن فيه
خصيفًا، وهو سيء الحفظ، وقد خلط بآخره. والله أعلم.
١٢٧٨ - [١٧] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى.
{صحيح}
الشَّرْحُ
١٢٧٨ - (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وكذا أحمد (ج ٣: ص٤٠٦، ٤٠٧) قال الحافظ
في ((التلخيص)) (ص١١٨): وإسناده حسن. (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى) بفتح
الهمزة وسكون الموحدة بعدها زاي مقصور، الخزاعي مولاهم، مختلف في
صحبته، فذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وقال البخاري: له صحبة. وذكره غیر
واحد في الصحابة. وقال أبوحاتم: أدرك النبي ◌َّ وصلى خلفه.
وقال ابن عبد البر: استعمله علي رَضِوُّهُ على خراسان. وذكره ابن سعد فيمن مات
رسول اللّه وَلّه وهم أحداث الأسنان. وممن جزم بأن له صحبة: خليفة بن خياط
والترمذي ويعقوب بن سفيان وأبوعروبة والدارقطني والبرقي وبقي بن مخلد
وغيرهم، كذا في ((تهذيب التهذيب)). وقال في ((التقريب)): إنه صحابي صغير،
وكان في عهد عمر رجلًا، وكان على خراسان لعلي، انتهى.
قلت: ويدل على كونه صحابيًّا أنه روى ابن سعد والطحاوي وأبو داود وأحمد
من حديثه أنه صلى مع النبي وَّر. وفي رواية: خلف النبي ◌َّ، فالراجح: أنه
صحابي. وقد اختلفوا هل هذا الحديث من روايته عن النبي وَّل، أو من روايته عن
أبيِّ بن كعب عن النبي ◌َّ؟ قال الترمذي: روى عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبي
(١٢٧٨) النَّسَائِي (٢٤٤/٣) عَنْ عبد الرحمن بْنِ أَبزى.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
٢٦٥
ابن كعب، ويروى أيضًا عن عبد الرحمن بن أبزى عن النبي وَلَّ، هكذا روى بعضهم
فلم يذكر عن أبي، وذكر بعضهم عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبي، انتهى.
والظاهر أن له في القراءة في الوتر روايتين: إحداهما: روايته عن أبي بن كعب
عن النبي وَّر. وثانيتهما: روايته عن النبي ◌َّ من غير واسطة، وقد قال العراقي:
كلاهما عند النسائي بإسناد صحيح، كما في ((النيل)).
١٢٧٩ - [١٨] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
{صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٧٩ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي
وابن ماجه والطحاوي وابن حبان والحاكم والبيهقي. وزاد النسائي في رواية: ((ولا
يسلم إلا في آخرهن)).
١٢٨٠ - [١٩] وَالدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرًا: ((وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ)).
{صحيح}
الشَّرُْ
مـ
١٢٨٠ - (وَالدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي
وابن ماجه والطحاوي والبيهقي (ج٣: ص٣٨). (وَلَمْ يَذْكُرًا) أي: أحمد
والدارمي، أو أبيُّ بن كعب وابن عباس. (وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ) وتقدم حديث أبيٍّ وابن
عباس بإسقاط المعوذتين أصح؛ ولذلك اختاره أكثر أهل العلم.
(١٢٧٩) وَأَحْمَد (١٢٣/٥) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
(١٢٨٠) الدَّارِمِي (١/ ٣٧٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِّ، وَلَمْ يَذْكُرُوا: ((المُعَوَّذَتَيْنَ)).
٢٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٨١ - [٢٠] وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَل
كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الَّوِتْرِ: ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِي فِيمَنْ
عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ،
فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلَّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا
وَتَعَالَيْتَ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشّرُ
١٢٨١ - قوله: (وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب الهاشمي، سبط
رسول اللّه وَّهِ، وريحانته من الدنيا، وأحد سيدَيْ شباب أهل الجنة، أمير
المؤمنين أبو محمد، ولد في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وهو
أصح ما قيل في ولادته، ومات سنة (٤٩)، وهو ابن سبع وأربعين. وقيل: مات
سنة (٥٠). وقيل: بعدها، ودفن بالبقيع، ويقال: إنه مات مسمومًا، وقد صحب
النبي ◌َّ، وحفظ عنه. قال الخرزجي: له ثلاثة عشر حديثًا. وقال البرقي: جاء عنه
نحو من عشرة أحاديث، روى عنه ابنه الحسن وأبوهريرة وعائشة أم المؤمنين
وجماعة كثيرة. ولما قتل أبوه علي بن أبي طالب بالكوفة بايعه الناس على الموت
أكثر من أربعين ألفًا، ثم كره سفك الدماء، فسلم الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان
وانخلع، وبايعه في النصف من جمادى الأولى سنة ٤١، فكانت ولا يته سبعة أشهر
وأحد عشر يومًا، ويقال: أربعة أشهر. ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا.
(أَقُولُهُنَّ) أي: أدعو بهن. (فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ) وفي رواية: في الوتر. والقنوت
يطلق على معان، والمراد به هاهنا: الدعاء في صلاة الوتر في محل مخصوص من
القيام. قال السندي في ((حاشية النسائي)): الظاهر أن المراد: علمني أن أقولهن في
الوتر بتقدير أن، أو باستعمال الفعل موضع المصدر مجازًّا، ثم جعله بدلًا من
((كلمات))، إذ يستبعد أنه علمه الكلمات مطلقًا، ثم هو من نفسه وضعهن في الوتر.
ويحتمل أن قوله: ((أقولهن)) صفة ((كلمات))، كما هو الظاهر، لكن يؤخذ منه أنه
(١٢٨١) أَبُو دَاوُد (١٤٢٥)، والتِّرْمِذي (٤٦٤)، والنَّسَائِي (٢٤٨/٣)، وابن مَاجَهْ (١١٧٨) عَنْهُ فِيهِ.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
*
٢٦٧
علمه أن يقول تلك الكلمات في الوتر، لا أنه علمه نفس تلك الكلمات مطلقًا،
انتھی .
قلت: ويؤيد ذلك ما وقع في بعض روايات أحمد: ((وعلمه أن يقول في الوتر))،
وما في رواية للنسائي: ((علمني رسول اللَّه ◌َ يَل هؤلاء الكلمات في الوتر))، وما في
رواية ابن الجارود: ((علمه هذه الكلمات ليقول في قنوت الوتر)). ثم ظاهر الحديث
الإطلاق في جميع السنة، كما هو مذهب الحنفية والحنابلة وهو وجه للشافعية،
والمشهور من مذهبهم تخصيص القنوت في الوتر بالنصف الأخير من رمضان،
وهو رواية عن مالك، والمشهور المعتمد عند المالكية نفي القنوت في الوتر
جملة، وهي رواية ابن القاسم، قال في ((المدونة)): لا يقنت في رمضان لا في
أوله، ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلاً، انتهى.
والراجح عندنا: هو أن القنوت في الوتر مستحب في جميع السنة؛ لأنه ذكر
يشرع في الوتر فيشرع في جميع السنة كسائر الأذكار، ولإطلاق لفظ الوتر في هذا
الحديث، وإليه ذهب ابن مسعود وغيره من أصحاب النبي وَّل.
قال السندي: ثم قد أطلق الوتر، فيشمل الوتر طول السنة، فصار الحديث دليلًا
قويًّا لمن يقول بالقنوت في الوتر طول السنة، انتهى.
(اللَّهُمَّ اهْدِنِي) أي: ثبتني على الهداية، أو زدني من أسباب الهداية. (فِيمَنْ
هَدَيْتَ) أي: في جملة من هديتهم أو هديته من الأنبياء والأولياء، كما قال سليمان:
﴿وَأَدِْى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. وقال ابن الملك: أي: اجعلني
ممن هديتهم إلى الصراط المستقيم. وقال الطيبي: أي: اجعل لي نصيبًا وافرًا من
الاهتداء معدودًا في زمرةَ المهتدين من الأنبياء والأولياء، وقيل: ((فِي)) فيه وفيما
بعده بمعنى ((مع)) قال تعالى: ﴿فَأُؤْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩].
(وَعَافِي) أمر منِ المعافاة التي هي دفع السوء. (وَتَوَلَّنِي) أي: تول أمري
وأصلحه. (فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ) أمورهم، ولا تكلني إلى نفسي. وقال المظهر: أمر
مخاطب من تولى إذا أحب عبدًا وقام بحفظه وحفظ أموره. (وَبَارِْ) أي: أكثر
الخير. (لي) أي: لمنفعتي. (فِيمَا أَعْطَيْتَ) أي: فيما أعطيتني من العمر والمال،
والعلوم والأعمال. وقال الطيبي: أي: أوقع البركة فيما أعطيتني من خير الدارين.
ESCHE
٢٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَقِينِي) أي: احفظني. (شَرَّ مَا قَضَيْتَ) أي: شر ما قضيته، أي: قدرته لي، أو شر
قضائك. قيل: سؤال الوقاية، وطلب الحفظ، عما قضاه الله وقدره للعبد مما
يسوءه، إنما هو باعتبار ظاهر الأسباب والآلات التي يرتبط بها وقوع المقضيات،
ويجري فيها المحو والإثبات فيما لا يزال. (فَإِنَّكَ) وفي رواية: ((إنك)) بغير فاء.
(تَقْضِي) أي: تقدر أو تحكم بكل ما أردت. (وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ) بصيغة المجهول،
أي: لا يقع حكم أحد عليك، فلا معقب لحكمك، ولا يجب عليك شيء إلا ما
أوجبته عليك بمقتضى وعدك. (إِنَّهُ) أي: الشأن. وفي بعض الروايات: ((وَإِنَّهُ))
بزيادة الواو. (لَا يَذِلَّ) بفتح فكسر، أي: لا يصير ذليلًا. (مَنْ وَالَيْتَ) الموالاة ضد
المعاداة. وهذا في مقابلة ((لا يعز من عاديت))، كما جاء في بعض الروايات.
قال ابن حجر: أي: لا يذل من واليت من عبادك في الآخرة أو مطلقًا، وإن ابتلي
بما ابتلي به، وسلط عليه من أهانه وأذله باعتبار الظاهر؛ لأن ذلك غاية الرفعة
والعزة عند الله، وعند أوليائه، ولا عبرة إلا بهم، ومن ثم وقع للأنبياء عليهم
الصلاة والسلام من الامتحانات العجيبة ما هو مشهور، وزاد البيهقي وكذا
الطبراني من عدة طرق: ((وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ))، أي: لا يعز في الآخر، أو مطلقًا،
وإن أعطي من نعيم الدنيا وملكها ما أعطي؛ لكونه لم يمتثل أوامرك، ولم يجتنب
نواهيك. (تَبَارَكْتَ) أي: تكاثر خيرك في الدارين. (رَبَّنَا) بالنصب أي: يا ربنا،
(وَتَعَالَيْتَ) أي: ارتفع عظمتك وظهر قهرك وقدرتك على من في الكونين. وقال
ابن الملك: أي: ارتفعت عن مشابهة كل شيء. وزاد النسائي في رواية: ((وصلى
اللَّه على النبي)). قال النووي في ((شرح المهذب)): إنها زيادة بسند صحيح أو
حسن. وتعقبه الحافظ: بأنه منقطع، فإن عبد الله بن علي، وهو ابن الحسين بن
علي، لم يلحق الحسن بن علي، انتهى.
ورواه ابن أبي عاصم وزاد : ((وَنَسْتَغْفِرَُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ)). وقال القاري في ((شرح
الحصن)): وفي رواية ابن حبان زيادة: ((نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ))، وهو موجود في
أصل الأصيل، انتهى. والظاهر أن هذه الزيادة قبل زيادة الصلاة على ما يفهم من
((الحصن)). والحديث يدل على مشروعية القنوت بهذا الدعاء، وهو مختار
الشافعية والحنابلة، واختار الحنفية القنوت في الوتر بسورة الخلع وسورة الحفد،
أي: ((اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِيْنُكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَخْضَعُ لَكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ
٢٦٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بابُ الْوِثْرِ
يَكْفُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيََّ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ
وَنَخَافُ عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقْ)). أخرجه أبو داود في ((المراسيل))
والبيهقي في ((السنن)) (ج٢ ص٢١٠) عن خالد بن أبي عمران مرفوعًا مرسلًا،
وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا على ابن مسعود، وابن السني موقوفًا على ابن عمر،
وأخرجه محمد بن نصر والطحاوي والبيهقي في ((السنن)) عن عمر بن الخطاب.
قال الحنفية: هما سورتان من القرآن في مصحف أبيٍّ، كما ذكر السيوطي في
((الدر المنثور))، وابن قدامة في ((المغني)) (ج٢ ص١٥٣) قلت: الأولى عندي أن
يدعو في الوتر بالقنوت المروي في حديث الحسن بن علي؛ لأنه حديث صحيح أو
حسن مرفوع متصل، ولو قرأ ما هو مختار الحنفية جاز من غير شك، ومن لا
يحسن شيئًا من ذلك يدعو بما يحفظ من الدعاء المأثور، أو يستغفر من ذنوبه ويكرر
ذلك. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه، وقال: لا نعرف عن النبي ◌َّ في القنوت في الوتر
شيئًا أحسن من هذا. (وَأَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص١٩٩ و٢٠٠)
وابن الجارود (ص١٤٢) ومحمد بن نصر المروزي والحاكم في ((المستدرك)) (ج٣
ص١٧٢) والبيهقي (ج٢ ص٢٠٩ و٤٩٨) وإسحاق بن راهويه والبزار وأبو داود
الطيالسي (ص١٦٣) وابن حبان وابن خزيمة والدار قطني وأبويعلى والطبراني في
((الكبير))، وسعيد بن منصور في ((سننه)). وقد أطال الكلام عليه الحافظ في
((التلخيص)) (ص٩٤ و٩٥) وأخرجه ابن حزم في ((المحلى)) (ج٤ ص ١٤٧) من
طريق أبي داود، وضعفه حيث قال بعد روايته: وهذا الأثر وإن لم يكن مما يحتج
بمثله فلم نجد فيه عن رسول اللّه وَ ل غيره، وقد قال أحمد: ضعيف الحديث أحب
إلينا من الرأي، انتهى. ونقل الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج٣ ص٢٥٦) كلام
ابن حزم هذا، ولم يتعقبه بشيء، وضعفه أيضًا ابن حبان، كما قال الشوكاني في
((النيل))، وقال في ((تحفة الذاكرين)) (ص١٢٨): قد ضعفه بعض الحفاظ، وصححه
آخرون. وأقل أحوله إذا لم يكن صحيحًا أن يكون حسنًا، انتهى.
قلت: الحق أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، بل هو صحيح، ولا
حجة لمن ضعفه، وقد رجح أيضًا صحته العلامة أحمد شاكر في ((تعليقه على
المحلى)) (ج ٤ ص١٤٧، ١٤٨). تنبيه: حديث الحسن هذا رواه الحاكم (ج٣
ص١٧٢) والبيهقي (ج ٣ ص٣٩) من طريق أبي بكر بن شيبة الحزامي، عن ابن أبي
٢٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فديك عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن الحسن بن علي، قال: علمني رسول اللّه وَلّ في
وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود: ((اللهم اهدني فيمن هديت ... )) إلى
آخره .
قال البيهقي: تفرد بهذا اللفظ أبوبكر بن شيبة الحزامي. وقال الحاكم: صحيح
على شرط الشيخين إلا أن إسماعيل بن إبراهيم خالفه، محمد بن جعفر بن أبي كثير
في إسناده، ثم أخرجه عن محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي
إسحاق عن يزيد بن أبي مريم به، بسند السنن ومتنه وسكت عنه. قال الحافظ في
((الدراية)): هو - أي: طريق محمد بن جعفر - الصواب، انتهى.
وقال في ((التلخيص)) (ص٩٤): ينبغي أن يتأمل قوله في هذا الطريق: ((إذا
رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود))، فقد رأيت في الجزء الثاني من فوائد أبي بكر
أحمد بن الحسين بن مهران الأصبهاني تخريج الحاكم له، قال: ثنا محمد بن
يونس المقري، قال: ثنا الفضل بن محمد البيهقي، ثنا أبوبكر بن شيبة المدني
الحزامي، ثنا ابن أبي فديك، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة بسنده. ولفظه:
((علمني رسول اللّه وَ ليل أن أقول في الوتر قبل الركوع ... فذكره، انتهى. وهذا كله
يدل على أن رواية الحاكم بلفظ: ((إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود))، ليست
بمحفوظة عند الحافظ والبيهقي؛ ولذلك لم يعتمد عليها البيهقي في محل قنوت
الوتر بعد الركوع، بل اعتمد على قياس قنوت الوتر على قنوت الصبح، ومال
الشوكاني إلى تقويتها حيث قال بعد ذكر كلام البيهقي: وقد روى عنه - أي: عن
أبي بكر بن شيبة الحزامي - البخاري في (صحيحه)). وذكره ابن حبان في
((الثقات))، فلا يضر تفرده. وقواها أيضًا الشيخ أحمد محمد شاكر حيث قال في
تعليقه على ((المحلى)) (ج٤ ص١٤٨) بعد ذكر الاختلاف في السند على موسى بن
عقبة: ويظهر أن موسى روى عن هؤلاء الثلاثة - أي: علي بن عبد الله عند النسائي
وهشام بن عروة عند الحاكم وأبي إسحاق عند الحاكم وغيره - وابن أخيه إسماعيل
ابن إبراهيم بن عقبة ثقة، روى له البخاري، وبهذه الطرق كلها ظهر أن الحديث
صحيح، انتهى. وعندي: في كون رواية الحاكم المذكورة محفوظة تأمل، ولا
يطمئن قلبي بما ذكره الشوكاني والشيخ أحمد شاكر لتقويتها، وأبوبكر بن شيبة وإن
٢٧١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
روى عنه البخاري لكن لم يحتج به، كما صرح به الحافظ في مقدمة ((الفتح)).
واعلم: أنه اختلف في أن القنوت في الوتر قبل الركوع أو بعده، فاختار الحنفية
الأول، والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه الثاني، واستدل لهم بما روى محمد
ابن نصر عن أنس: أن رسول اللّه وَ ل كان يقنت بعد الركعة وأبوبكر وعمر حتى
كان عثمان، فقنت قبل الركعة ليدرك الناس.
قال العراقي: إسناده جيد. وبما ذكرنا من حديث الحسن بن علي برواية الحاكم
بلفظ: إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود، وقد عرفت حالها، واستدل لهم أيضًا
بآثار بعض الصحابة، وبالقياس على قنوت صلاة الصبح بعد الركوع، واستدل
الحنفية بما روى البخاري (ج١ ص١٣٦) من طريق عاصم الأحول، عن أنس، أن
القنوت قبل الركوع، ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (ص٩٤)، وبما روى النسائي
وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٣٩، ٤٠) عن أبي بن كعب: ((أن رسول اللَّه ◌َ ل﴾. كان
يوتر، فيقنت قبل الركوع». لفظ ابن ماجه. وللنسائي: ((كان يوتر بثلاث يقرأ في
الأولى: ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾، وفي
الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ ويقنت قبل الركوع)). وذكره أبو داود معلقًا
مختصرًا، وضعف ذكر القنوت فيه، وتبعه البيهقي حيث حكى كلامه ولم يتعقب
عليه. وقد أجاب عنه ابن التركماني في ((الجوهر النقي))، وحقق كون ذكر القنوت
فيه محفوظًا. وهذا هو الصواب عندي. فحديث أبي بذكر القنوت صحيح أو حسن
حجة .
قال الشوكاني: وضعف أبو داود ذكر القنوت فيه - أي: في حديث أبي - ولكنه
ثابت عند النسائي وابن ماجه من حديثه: أن النبي ◌ّ كان يقنت قبل الركوع.
واستدل لهم أيضًا بما روى ابن أبي شيبة والدار قطني (ص١٧٥) والبيهقي (ج٣
ص٤١) عن ابن مسعود، أن النبي وّ قنت في الوتر قبل الركوع. وفيه: أبان بن
عياش وهو متروك، قاله الدار قطني. وبما روى الخطيب في كتاب القنوت عن ابن
مسعود أيضًا بنحوه. قال الحافظ في ((الدراية)): حديث ضعيف، وبما روى أبو نعيم
في ((الحلية)) عن عطاء بن مسلم عن العلاء بن المسيب عن حبيب بن أبي ثابت، عن
ابن عباس، قال: ((أوتر النبي وَ لّ بثلاث، فقنت فيها قبل الركوع)).
٢٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال أبو نعيم: غريب من حديث حبيب، والعلاء تفرد به عطاء بن مسلم. وقال
البيهقي: تفرد به عطاء وهو ضعيف. وبما روى الطبراني في ((الأوسط)) عن ابن
عمر: أن النبي وَلخير كان يوتر بثلاث ركعات، ويجعل القنوت قبل الركوع. قال
الحافظ في ((الدراية)) (ص١١٥): إسناده ضعيف. وبما روى ابن أبي شيبة، عن
علقمة، أن ابن مسعود وأصحاب النبي ◌َّ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع. قال
الحافظ في ((الدراية)) (ص١١٥): إسناده حسن.
قلت: يجوز القنوت في الوتر قبل الركوع وبعده. والأولى عندي: أن يكون قبل
الركوع؛ لكثرة الأحاديث في ذلك، وبعضها جيد الإسناد، ولا حاجة إلى قياس
قنوت الوتر على قنوت الصبح مع وجود الأحاديث المروية في الوتر من الطرق
المصرحة بكون القنوت فيه قبل الركوع، وكيف يقاس الوتر على الصبح وليس
بينهما معنى مؤثر يجمع به بينهما؟! وسيأتي شيء من الكلام فيه في باب القنوت.
١٢٨٢ - [٢١] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَجِهِ إِذَا سَلَّمَ
فِي الْوِتْرِ قَالَ: ((سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ] {صحيح}
الشَّرُْ
١٢٨٢ - قوله: (إِذَا سَلَّمَ فِي الْوِتْرِ) أي: في آخره. (قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ
الْقُدُّوسِ) أي: البالغ أقصى النزاهة عن كل وصف ليس فيه غاية الكمال المطلق.
قال الطيبي: هو الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص، وفعول بالضم من أبنية
المبالغة. فيه مشروعية هذا التسبيح بعد الفراغ من الوتر. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ومن
طريقة البيهقي (ج٣ ص٤١، ٤٢). (وَالنَّسَائِيُّ) واللفظ لأبي داود، وهو حديث
مختصر. ولفظ النسائي: ((أن رسول اللَّه وَ له كان يوتر بثلاث ركعات، كان يقرأ في
الأولى ب﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾ وفي الثانية ب﴿قُلْ يَكَأَيُهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ وفي
﴾ ويقنت قبل الركوع، فإذا فرغ قال: عند فراغه.
الثالثة ب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
(١٢٨٢) أَبُو دَاوُد (١٤٣٠)
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
٢٧٣
a
((سُبَحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ)) ثلاث مرات، يطيل في آخرهن)). والحديث أخرجه
أيضًا أحمد وابن أبي شيبة والدار قطني، وإسناده صحيح. (وَزَادَ) أي: النسائي في
روايته، (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ) أي: في آخرهن. والمعنى: يمد في المرة الثالثة
صوته. وزاد الدار قطني (ص ١٧٤) والبيهقي (ج٣ ص ٤٠) في روايتهما: ((رَبُّ
الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ)).
١٢٨٣ - [٢٢] وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ
أَبِيهِ قَالَ: كَانَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: ((سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ)) ثَلَاثًا، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ
بِالثَّالِثَةِ.
{صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٨٣ - قوله: (وَفِ رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ) هذا
خطأ، والصواب عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، هكذا وقع في ((مسند
أحمد)) و((النسائي))؛ ولأن أبزى الخزاعي والد عبد الرحمن لم يرو عنه إلا حديث
واحد، وهو غير هذا الحديث. قال ابن السكن: ذكره البخاري في الواحدان،
وروی عنه حدیث واحد إسناده صالح، فذكره.
وقال ابن منده وأبونعيم وابن الأثير: لا تصح لأبزى رؤية ولا رواية. وقال
الذهبي في ((التجريد)): أبزى والد عبد الرحمن خزاعي، لا يصح له صحبة إلا من
طريق ضعيفة. وابنه - أي: عبد الرحمن - صحابي، انتهى. وابن عبد الرحمن بن
أبزى هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الكوفي تابعي، وثقه
النسائي وابن حبان.
وقال أحمد: هو حسن الحديث، روى عن أبيه وابن عباس وواثلة. (قَالَ: كَانَ)
أي: النبي ◌َّر: (ويرفع صوته بالثالثة) أي: في المرتبة الثالثة، وأخرجه أيضًا
الطحاوي وأحمد (٣ ص٤٠٦، ٤٠٧) وعبد بن حميد والبيهقي (ج٣ ص٤١)
وإسناده صحيح. قال العراقي: حديث أبي بن كعب وعبد الرحمن بن أبزى كلاهما
(١٢٨٣) النَّسَائِي (٢٣٥/٣) عَنْهُ فِيهِ.
٢٧٤
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عند النسائي بإسناد صحيح. والحديث فيه: سنية الجهر بهذا الذكر في المرة
الثالثة، هكذا في كل ما ثبت عنه ◌َّ الجهر فيه، نعم، الإسرار أفضل حيث لم ينقل
عنه الجهر فيه. قال المظهر: هذا يدل على جواز الذكر برفع الصوت، بل على
الاستحباب، إذا اجتنب الرياء إظهارًا للدين، وتعليمًا للسامعين، وإيقاظًا لهم من
رقدة الغفلة، وإيصالًا لبركة الذكر إلى مقدار ما يبلغ الصوت إليه من الحيوان،
والشجر، والحجر والمدر، وطلبا لاقتداء الغير بالخير، وليشهد له كل رطب
ويابس سمع صوته.
١٢٨٤ - [٢٣] وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرٍ وِتْرِهِ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاَكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بَِك
مِنْكَ لَا أَحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢٨٤ - قوله: (كَانَ يَقُولُ فِي آخِرٍ وِتْرِهِ) أي: بعد السلام منه، كما في
رواية، ففي الحديث بيان الذكر المشروع بعد الفراغ من صلاة الوتر. قال ميرك:
وفي إحدى روايات النسائي كان يقول ذلك إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه، ذكره
القاري وكذا قال ابن القيم في ((زاد المعاد)) (ج١ ص٨٩) والشوكاني في ((تحفة
الذاكرين)) (ص١٢٩)، وهذا يرد ما قال السندي في ((حاشية النسائي)): يحتمل أنه
كان يقول في آخر القيام، فصار هو من القنوت، كما هو مقتضى كلام المصنف.
(النَّسَائِيُّ) ويحتمل أنه كان يقول في قعود التشهد، انتهى. وكأنه لم يقف على
رواية النسائي التي ذكرها ميرك وابن القيم والشوكاني، ولعلها في ((السنن
الكبرى)). وقد تقدم في باب السجود من حديث عائشة أنه قال ذلك في السجود.
قال ابن القيم: فلعله قاله في الصلاة وبعدها. (لَا أَحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ
(١٢٨٤) أَبُو دَاوُد (١٤٢٧)، والترمذي (٣٥٦٦)، وابن ماجه (١١٧٩)، والنَّسَائِى (٢٤٨/٣) عَنْهُ فِيهِ.
٢٧٥
بَابُ الْوُثْرِ
كِتَابُ الصَّلاةِ
عَلَى نَفْسِكَ) وفي رواية النسائي التي ذكرها ميرك وغيره: ((لَا أَحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ وَهُوَ
وَلَوْ حَرَصْتَ، وَلَكِنْ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)). وقد قدمنا شرح ألفاظ الحديث
في باب السجود.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في باب: القنوت في الوتر من الصلاة. (والتِّرْمِذِيُّ) في باب:
الدعاء الوتر من أبواب الدعوات وحسنه. (وَالنَّسَائِيُّ) في باب: الدعاء في الوتر
من الصلاة. (وابْنُ مَاجَهْ) في باب: ما جاء في القنوت في الوتر. وأخرجه أيضًا
أحمد والحاكم (ج١ ص٣٠٦) وصححه، والبيهقي (ج٣ ص٤٢) والطبراني في
((الأوسط)) وابن أبي شيبة مقيدًا بالوتر.
قال الشوكاني: وأخرجه الدارمي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان، وليس
فيه ذكر الوتر.
٢٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٢٨٥ - [٢٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قِيلَ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
مُعَاوِيَةَ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: أَضَأَبَ إِنَّهُ فَقِهٌ، وَ فِي رِوَايَةٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي
مُلَيْكَةَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَّةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ، وَعِنْدَهُ مَوْلَّى لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَّى ابْنَ
عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: دَعْهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيِّ ◌َِّ.
[رَواهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٨٥ - قوله: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قِيلَ لَهُ) وفي البخاري عن ابن أبي مليكة،
((قيل لابن عباس ... )) إلخ. ولا أدري ما وجه تغيير هذا السياق مع كون ابن أبي
مليكة قد شهد القصة، وهو الراوي لها، والقائل هو: كريب مولى ابن عباس.
وقيل: علي بن عبد الله بن عباس. (هَلْ لَكَ) أي: جواب أو إفتاء. (فِي أَمِيرِ
الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةً) أي: في فعله. وقال الطيبي: يقال: هل لك في كذا، وهل لك
إلى كذا؟ أي: هل ترغب فيه، وهل ترغب إليه؟ فالاستفهام في الحديث بمعنى
الإنكار، أي: هل لك رغبة في معاوية وهو مرتكب هذا المنكر؟ ومن ثم أجاب:
دعه؛ فإنه قد صحب النبي ◌َّسير، فلا يفعل إلا ما رآه منه، وهو فقيه أصاب في
اجتهاده، انتهى. وقال الشيخ عبد الحق: أي: هل لك رغبة، وميل، ومحبة
لمعاوية مع صدور أمر غير مشروع منه؟ (مَا أَوْتَرَ) وفي رواية: فإنه ما أوتر.
(إِلَّا بِوَاحِدَةٍ) أي: اكتفى بركعة واحدة فَرْدَةٍ بعد صلاة العشاء من غير أن يقدم
عليها شفعًا. هذا هو الظاهر. قال الشيخ عبد الحق: ظاهره أن هذا القائل لم يكن
يعلم بمشروعية الإِيتار بركعة واحدة. (قَالَ) أي: ابن عباس. (أَصَابَ) أي: فعل
الحق، وأتى بالصواب. (إِنَّهُ فَقِيهُ) أي: عالم بالشريعة مجتهد، فيمكن أن يكون
الذي فعله قد استنبطه من موارد السنة. (وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضم
(١٢٨٥) البُخَارِي (٣٧٦٤)، (٣٧٦٥) عنه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
٢٧٧
الميم مصغرًا، هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ملكية بن عبد الله بن
جدعان. يقال: اسم أبي ملكية: زهير التيمي القرشي، من مشاهير ثقات التابعين
وعلمائهم. قال الحافظ: أدرك ثلاثين من أصحاب النبي وَّ، ثقة فقيه من أوساط
التابعين. وقال ابن حبان في ((الثقات)): رأى ثمانين من الصحابة، روى عن العبادلة
الأربعة وغيرهم، وكان قاضيًا لابن الزبير على الطائف، مات سنة (١١٧)، وقيل:
(١١٨). (أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ) صلاة. (الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ) واحدة. (وَعِنْدَهُ مَوْلَّى لِاِبْنِ
عَبَّاسٍ) هو کریب، روى ذلك محمد بن نصر المرزوي في كتاب الوتر له من طريق
ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن كريب، وأخرج من طريق علي بن عبد الله
ابن عباس، قال: بت مع أبي عند معاوية، فرأيته أوتر بركعة، فذكرت ذلك لأبي.
فقال: يا بني، هو أعلم. (فَأَتَّى) أي: مولاه كريب. (فَأَخْبَرَهُ) بذلك. (فَقَالَ) ابن
عباس. (دَعْهُ) وفي البخاري: ((فأتى ابن عباس))، فقال: ((دعه)) أي: ليس عنده لفظ
((فأخبره)). قال الحافظ: قوله: ((دَعْهُ)) فيه حذف يدل عليه السياق، تقديره: فأتى
ابن عباس، فحكى له ذلك، فقال له: دعه، أي: أترك القول في معاوية والإنكار
عليه. ونقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٧ ص ٣٥) عن البخاري بذكر لفظ:
((فأخبره))، وكذا رواه البيهقي (ج٣ ص٢٧). (فَإِنّ) عارف بالفقه عالم بالشريعة؛
لأنه (قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ نََّ) وتعلم منه، أي: فلم يفعل شيئًا إلا بمستند.
وقال الطيبي: أي: فلا يفعل إلا ما رآه. وفي فعل معاوية، واستصواب ابن
عباس له دليل على مشروعية الإِيتار بركعة واحدة، وأنه لا يجب تقدم نفل قبلها .
وقد ورد فيه عدة أحاديث كما سبق، وفعله أيضًا كثير من الصحابة: منهم: سعد بن
أبي وقاص، أخرجه البخاري في ((الدعوات))، والبيهقي في ((المعرفة))
والطحاوي. ومنهم: عثمان بن عفان، أخرجه الطحاوي والدار قطني ومحمد بن
نصر المروزي، ومنهم: عمر بن الخطاب، أخرجه البيهقي في ((المعرفة)) وفي
((السنن))، ومنهم: أبو الدرداء وفضالة بن عبيد ومعاذ بن جبل، أخرجه الطحاوي،
ومنهم: أبو أمامة، أخرجه الدار قطني. وفي كل ذلك رد على من لم يقل بمشروعية
الإيتار بركعة، أو قال بوجوب تقدم الشفع عليها .
قال الحافظ: ولا التفات إلى قول ابن التين: إن الوتر بركعة لم يقل به الفقهاء؛
لأن الذي نفاه قول الأكثر، وثبت فيه عدة أحاديث، نعم الأفضل أن يتقدمها شفع،
Be
٢٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأقله ركعتان. واختلف أيهما الأفضل، وصلهما بها أو فصلهما. وذهب الكوفيون
إلى شرطية وصلهما، وأن الوتر بركعة لا تجزئ، انتهى. وقد تقدم الكلام في ذلك
مفصلاً. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في ذكر معاوية من أبواب المناقب.
١٢٨٦ - [٢٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ: ((الْوِتْرُ
حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ،
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا)).
الشّرُ
١٢٨٦ - قوله: (الْوِتْرُ حَقٌّ) أي: ثابت في الشرع ومؤكد. (فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ
فَلَيْسَ مِنَّا) أي: ليس على سنتنا وطريقتنا. قال الطيبي: ((مِنْ)) فيه اتصالية، كما في
قوله تعالى: ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وقوله عليَّلاَ: ((فَإِنَّي
لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي))، والمعنى: فمن لم يوتر فليس بمتصل بنا، وبهدينا
وبطريقتنا، أي: إنه ثابت في الشرع، وسنة مؤكدة، والتكرير لمزيد تقرير حقيقته،
وإثباته، انتهى. واستدل به الحنفية: على وجوب الوتر بناء على أن الحق هو
الواجب الثابت على الذمة، ويؤيد ذلك كونه مقرونًا بالوعيد على تاركه.
وأجيب عنه: بأن الحق بمعنى الثابت في الشرع كما تقدم في كلام الطيبي.
ومعنى: ((لَيْسَ مِنَّا)»، أي: ليس من سنتنا، وعلى طريقتنا، أو المراد: من لم يوتر
رغبة عن السنة فليس منا. فالحديث محمول على تأكيد السنية للوتر جمعًا بينه وبين
الأحاديث الدالة على عدم الوجوب. وقال الحافظ في ((الفتح)): يحتاج من احتج به
على الوجوب إلى أن يثبت أن لفظ ((حق)) بمعنى واجب في عرف الشارع، وأن لفظ
واجب بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قال الحافظ في ((الدراية)) و((بلوغ المرام)): بسند لين، وسكت
عنه أبو داود. وقال الحافظ في ((الفتح)): في سنده أبوالمنيب، وفيه ضعف، وقال
(١٢٨٦) أَبُو دَاوُد (١٤١٩) عنه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
Her
٢٧٩
المنذري: في إسناده عبيد الله بن عبد الله أبو المنيب العتكي المروزي، وقد وثقه
ابن معين. وقال أبوحاتم الرازي: صالح الحديث. وتكلم فيه البخاري والنسائي
وغيرهما، انتهى. قلت: أراد بغيرهما ابن حبان والعقيلي، فإنهما أيضًا تكلما فيه.
وأخرجه الحاكم (ج١ ص٣٠٦) والبيهقي (ج٢ ص ٤٧٠) ولم يكررا لفظه. قال
الحاكم: حديث صحيح، وأبو المنيب ثقة. وقال الذهبي في ((التلخيص)): قلت:
قال البخاري: عنده مناکیر، انتهى.
وقال الحاكم أبوأحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال البيهقي: لا يحتج به. وهذا
كله يدل على أن فيه ضعفًا، ولذلك لين الحافظ سند حديثه، وقد أصاب.
وللحديث شاهد ضعيف أخرجه أحمد (ج٣ ص٤٤٣) من طريق خليل بن مرة عن
معاوية بن قرة عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ لَمْ يُؤْتِرْ فَلَيْسَ مِنَّ))، وهو منقطع؛
لأن معاوية بن قرة لم يسمع من أبي هريرة شيئًا ولا لقيه. قاله أحمد. والخليل بن
مرة ضعفه يحيى والنسائي. وقال البخاري: منكر الحديث.
١٢٨٧ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((مَنْ نَامَ عَنِ
الْوِتْرِ أَونَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢٨٧ - قوله: (مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ) أي: عن أدائه. (أَوْ نَسِيَهُ) فلم يصله.
(فَلْيُصَلِّ) أي: قضاء. (إِذَا ذَكَرَ) راجع إلى النسيان. (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ) راجع إلى
النوم، فالواو بمعنى أو، والترتيب مفوض إلى رأي السامع. وفيه: دليل على
مشروعية قضاء الوتر إذا فات. وأما ما روى ابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم
(ج١ ص ٣٠١، ٣٠٢) والبيهقي (ج ٢ ص ٤٧٨) من طريق قتادة عن أبي نضرة عن
أبي سعيد مرفوعًا: ((مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبَحَ وَلَمْ يُؤْتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ))، فمحمول على التعمد،
أو على أنه لا يقع أداء جمعًا بين الحديثين، لا أنه لا يجوز له القضاء، وقد تقدم
(١٢٨٧) أَبُو دَاوُد (١٤٣١)، والتِّرْ مِذِي (٤٦٥)، وابن مَاجَهْ (١١٨٨) عنه.