النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَرَجُلٍ) بالوجهين. (غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: مخلصًا لوجه اللـه. (فَانْهَزَمَ) أي:
غُلِب وهرَّب.
(فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ) أي: من الإثم أو من العذاب. (فِي الانْهِزَام) إذا كان بغير عذر له
في المقام. (وَمَا لَهُ) أي: وعلم ما له من الثواب والجزاء. (فِي الرُّجُوعِ) أي: في
الإقبال على محاربة الكفار، ولو كانوا أكثر منه في العدد، وأقوى عنه في العُدد.
(فَرَجَعَ) أي: حسبة لله وجاهد. (حَتَّى هُرِيقَ) أي: صب، والهاء يدل من الهمزة.
(دَمُهُ) يعني : قتل واستشهد.
والحديث: من أدلة استحباب قيام الليل، وفضيلته. (رَوَاهُ) صاحب
((المصابيح)) (فِي شَرْح السُّنَّةِ) أي: بإسناده. وأخرجه أيضًا أحمد وأبويعلى
والطبراني وابن حبان في ((صحيحه)). قال العراقي: وإسناده جيد. وقال الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص ٢٥٥): إسناده حسن، ونقل القاري عن الجزري أنه
قال: رواه أحمد بإسناد صحيح، فيه عطاء بن السائب، وروى له الأربعة،
والبخاري متابعة، ورواه الطبراني، انتهى.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
HER
٢٢١
الفصل الثالث
١٢٦٠ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَى اللّهِ
قَالَ: ((صَلَةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَّةِ)) قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي
وسلم
جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِيَ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: ((مَالَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟))
قُلْتُ: حُدَّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قُلْتَ: ((صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصَّفٍ
الصَّلَاةِ) وأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا، قَالَ: ((أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْخُ
١٢٦٠ - قوله: (حُدِّثْتُ) بصيغة المجهول أي: حدثني ناس من الصحابة.
(صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ) أي: قائمًا، والمعنى: صلاة القاعد لغير عذر
فيها نصف ثواب صلاة القائم، فيتضمن صحة صلاة القاعد، ونقصان أجرها. قال
النووي: هذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، فهذا
له نصف ثواب القائم. وأما إذا صلى النفل قاعدًا لعجزه عن القيام، فلا ينقص ثوابه
بل يكون كثوابه قائمًا. وأما الفرض، فإن صلاته قاعدًا مع القدرة على القيام لم
يصح، فلا يكون فيه ثواب بل يأثم، وإن صلى الفرض قاعدًا لعجزه عن القيام، أو
مضطجعًا لعجزه عن القيام والقعود، فثوابه كثوابه قائمًا لا ينقص، فيتعين حمل
الحديث في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدًا مع قدرته على القيام، هذا
تفصيل مذهبنا، وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث، وحكاه عياض عن
جماعة منهم: الثوري وابن الماجشون، انتهى مختصرًا.
(فَوَضَعْتُ يَدِي) الظاهر: أنه فعل ذلك بعد فراغه صلى الله عليه وآله وسلم من
الصلاة، إذ ما يظن به ذلك قبله. (عَلَى رَأْسِهِ) أي: ليتوجه إليه، وكأنه كان هناك
مانع من أن يحضر بين يديه، ومثل هذا لا يسمى خلاف الأدب عند طائفة العرب؛
(١٢٦٠) مُسْلِم (٧٣٥) عنه في الصَّلاة.
=DEXE
٢٢٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*:
**
لعدم تكلفهم، وكمال تألفهم، قاله القاري. وقيل: هذا على عادة العرب، فيما
يعتنون به. وقيل: كان ذلك في عادتهم فيما يستغربونه ويتعجبون منه، كفعل
المستغرب للشيء المتعجب من وقوعه مع من استغرب منه. ونظيره: أن بعض
العرب كان ربما لمس لحيته الشريفة عند مفاوضته معه. وقيل: صدر ذلك عنه من
غير قصد منه استغرابًا، وتعجبًا. (فَقَالَ: مَا لَكَ) أي: ما شأنك وما عرض لك.
(عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ)، أي: يقاس صلاة الرجل قاعدًا على نصف صلاته قائمًا في
الثواب. (وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا) أي: فكيف اخترت نقصان الأجر مع شدة حرصك
على تكثيره؟ (قَالَ: أَجَلْ) أي: نعم قد قلت ذلك. (وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ) أي:
ذلك الذي ذكرت من أن صلاة الرجل قاعدًا على نصف صلاته قائمًا، هو حكم
غيري من الأمة فهو مختص بهم. وأما أنا فخارج عن هذا الحكم، ويقبل ربي مني
صلاتي قاعدًا مقدار صلاتي قائمًا، فصلاتي النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام في
تمام الأجر وكمال الثواب كصلاتي قائمًا، أو ذلك من خصائصي لما اختص به من
غاية التوجه، والحضور، والمعرفة، والقرب، فلا تقيسوني على أحد، ولا تقيسوا
أحدًا عليَّ. قال النووي: هذا من خصائصه ◌َّ فجعلت نافلته قاعدًا مع القدرة على
القيام كنافلته قائمًا تشريفًا له، كما خص بأشياء معروفة في كتب أصحابنا وغيرهم
وقد استقصيتها في أول كتاب ((تهذيب الأسماء واللغات)). (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه
أيضًا أبو داود والنسائي.
١٢٦١ - [١٣] وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ:
لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ، فَكَأَنَّهُمَّ عَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَ يَقُولُ: ((أَقِمِ الصَّلاَةَ يَا بِلَالُ أَرِحْنَا بِهَا)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٢٦١ - قوله: (وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) الغطفاني الأشجعي، مولاهم
الكوفي، ثقة من أوساط التابعين، مات سنة سبع، أو ثمان وتسعين ، وقيل: مائة أو
(١٢٦١) أَبُو دَاوُد (٤٩٨٥) عن سالمٍ بنِ أبي الجعد؛ عن رجلٍ من خزاعة فيه.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
٢٢٣
بعد ذلك. (مِنْ خُزَاعَةَ) بضم الخاء المعجمة وبالزاي، قبيلة، وهو صفة رجل.
(لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ) أي: بالاشتغال بالصلاة؛ لكونها مناجاة مع الرب
تعالى، أو بالفراغ منها؛ لاشتغال الذمة بها قبل الفراغ عنها. (فَكَأَنَّهُمْ) أي: بعض
الحاضرين. (عَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ)؛ لأن ظاهر كلامه يدل على أن الصلاة ثقيلة، وشاقة
عليه، فيطلب الاستراحة بعد رفعها.
قال في ((اللمعات)): عابوا ذلك عليه لما تبادر إلى أفهامهم من طريان الكسل،
والثقل، كأنه قال: يا ليتني صليت، فاسترحت ونمت، فإني لم أطق انتظارها .
وقال الطيبي: أي: عابوا تمنيه الاستراحة في الصلاة، وهي شاقة على النفس،
وثقيلة عليها، ولعلهم نسوا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]،
(فَقَالَ) أي: الرجل الخزاعي.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلّهِ يَقُولُ: أَقِمِ الصَّلَاةَ يَا بِلَالُ أَرِحْنَا بِهَا) أي: ليست أريد ما
فهمتم حاشا ذلك، بل أردت ما أرادَه رسول اللّه وَ له بقوله: (يَا بِلَالُ أَرِحْنَا بِهَا)
فسكتوا .
واعلم أنه ذكر في معنى قوله ◌َّهِ: ((أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ)) وجهان: أحدهما: أن أذن
بالصلاة حتى نستريح بأدائها من شغل القلب فيها. وثانيهما: أنه كان اشتغاله وكّله
بالصلاة راحة له، فإنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا، فكان يستريح
بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالى، ولذا قال: ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي فِي
الصَّلَاةِ))، وما أقرب الراحة من قرة العين. وهذان المعنيان مذكوران في
((النهاية))، والفرق بينهما: أن الراحة في الأول: بخلاص الذمة بالأداء عن تعب
الاشتغال بالصلاة، وتعلق القلب بها. وفي الثاني: الراحة بوجود الصلاة، ولذة
المناجاة وشهود الحق الذي كان يحصل فيها، ولا شك أن الحمل على المعنى
الثاني أنسب وأليق بمقامه وَالـ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في كتاب الأدب، وسکت عليه هو
والمنذري.
٢٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٥ - بَابُ الْوِتْرِ
(بَابُ الْوِتْرِ) أي: صلاة الوتر، وبیان وقته، وعدد ر کعاته، وقراءته، وقضائه،
وقنوته، وكونه واجبًا، أو سنة وغير ذلك مما يشتمل عليه أحاديث الباب من الأمور
المتعلقة بالوتر، كمشروعية الركعتين بعده جالسًا، وما يقال بعد الفراغ منه من
التسبيح، والوتر بكسر الواو: الفرد، أو ما لم يتشفع من العدد وبفتحها: الثأر،
وفي لغة مترادفان.
قال ابن التين: أخلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط
النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في
السفر على الدابة.
قال الحافظ: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محل القنوت منه، وفيما يقال فيه
وفي فصله ووصله، وهل تسن ركعتان بعده؟ وفي صلاته من قعود، وفي أول وقته،
وفي كونه أفضل صلاة التطوع، أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي
الفجر، انتهى.
وقد ذكر المصنف من الأحاديث ما يجيء في شرحها بيان أكثر هذه الأشياء.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
٢٢٥
الفصل الأول
١٢٦٢ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((صَلَاةُ
اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ
[متفق عليه]
صَلَى)).
الشَّرُْ
١٢٦٢ - قوله: (صَلَاةُ اللَّيْلِ) الحديث خرج جوابًا لسؤال، ففي رواية
للبخاري: أن رجلًا جاء إلى النبي وَّ وهو يخطب، فقال: كيف صلاة الليل؟
فقال: ((مَثْنَى مَثْنَى))، قال الحافظ: وقد تبين من الجواب، أن السؤال وقع عن
عددها، أو عن الفصل والوصل. وفي رواية محمد بن نصر قال: قال رجل: يا
رسول الله، كيف تأمرنا أن نصلي من الليل؟ وقيل: جوابه بقوله: ((مَثْنَى)) يدل على
أنه فهم من السائل طلب كيفية العدد لا مطلق الكيفية. قال الحافظ: فيه نظر،
وأولى ما فسر به الحديث من الحديث.
(مَثْنَى) بلا تنوين؛ لأنه غير منصرف لتكرار العدل فيه، قاله صاحب ((الكشاف)).
وقال آخرون ومنهم سيبويه: للعدل والوصف وهو يفيد التكرار؛ لأنه بمعنى اثنتين
اثنتين، وأما إعادة مثنى الثاني، فللمبالغة في التأكيد، وإلا فالتكرار يكفي في إفادته
مثنى الأول، وهو خبر لفظًا، لكن معناه: الأمر والندب. والمقصود: أنه ينبغي
للمصلي أن يصليها ركعتين ركعتين. قال الحافظ: وقد فسره ابن عمر راوي
الحديث، فعند مسلم من طريق عقبة بن حريث، قال: قلت لابن عمر: ما معنى
مثنى مثنى؟ قال: تسلم من كل ركعتين. وفيه: رد على من زعم من الحنفية أن
معنى مثنى: أن يتشهد بين كل ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما
فسره به هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه لا يقال في الرباعية مثلًا: إنها مثنى، انتهى.
(١٢٦٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٩٩٠)، مُسْلِم (١٤٥ /٧٤٩) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، وأَبُو دَاوُد (١٣٢٦)،
والنَّسَائِي (٢٣٣/٣).
٢٢٦
ese
٤*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلت: ويؤيد حمله على الفصل بالسلام بين كل ركعتين حديث المطلب بن
ربيعة مرفوعًا عند أحمد بلفظ: ((الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، وَتَشَهَّدُ وَتُسَلِّمُ فِي كُلِّ
رَكْعَتَيْنِ ... )) إلخ، ويؤيده أيضًا ما تقدم من حديث عائشة في باب صلاة الليل،
((كان يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم
من كل ركعتين)). ويؤيده أيضًا حديث ابن عباس عند ابن خزيمة في قصة مبيته في
بيت خالته ميمونة، حيث وقع فيه التصريح بالفصل، ولفظه: ((يسلم من كل
ركعتين)). وحديث أبي أيوب عند أحمد: ((إن رسول اللَّه ◌َ له كان إذا قام يصلي من
الليل صلى أربع ركعات، لا يتكلم، ولا يأمر بشيء، ويسلم بين كل ركعتين)).
وأما حديث عائشة عند البخاري وغيره: ((يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن
وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسهن وطولهن))، فليس فيه دليل على
الوصل، وقد اعترف بذلك الشيخ محمد أنور حيث قال: لا دليل فيه للحنفية في
مسألة أفضلية الأربع، فإن الإنصاف خير الأوصاف، وذلك لأن الأربع هذه لم تكن
بسلام واحد، بل جمع الراوي بين الشفعين؛ لتناسب بينهما نحو كونهما في سلسلة
واحدة بدون جلسة في البين كالترويحة في التراويح، فإنها تكون بعد أربع
ركعات، هكذا شرح به أبوعمر في ((التمهيد))، انتهى.
واستدل بالحديث على تعين الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل. قال ابن
دقيق العيد في ((شرح العمدة)) (ج ٢ ص٨٣): أخذ به مالك في أنه لا يزاد في صلاة
النفل على ركعتين، هو ظاهر هذا اللفظ في صلاة الليل، وقد ورد حديث آخر:
((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى))، وإنما قلنا: إنه ظاهر اللفظ؛ لأن المبتدأ محصور
في الخبر، فيقتضي ذلك حصر صلاة الليل فيما هو مثنى، وذلك هو المقصود؛ إذ
هو ينافي الزيادة، لما انحصرت صلاة الليل في المثنى، انتهى .
وقال الأمير اليماني: قال مالك: لا تجوز الزيادة على اثنين؛ لأن مفهوم
الحديث الحصر؛ لأنه في قوة ما صلاة الليل إلا مثنى مثنى؛ لأن تعريف المبتدأ قد
يفيد ذلك على الأغلب، انتهى. ويجوز الزيادة على الركعتين عند الشافعي وأحمد
وأبي حنيفة، لما صح وثبت عن النبي وَّر: أنه صلى النافلة أكثر من ركعتين،
ومحمل الحديث عند الشافعي وأحمد على أنه لبيان الأفضل، لما صح من فعله وَل
كِتَابُ الصَّلَاةِ
eryle
بَابُ الْوِتْرِ
٢٢٧
PRICE
يخالف ذلك، ويحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف؛ إذ السلام بين كل ركعتين
أخف على المصلي من الأربع، فما فوقها لما فيه من الراحة غالبًا، وقضاء ما
يعرض من أمر مهم، ومحمله عند الحنفية الحصر في الإشفاع، يعني: لا يجوز
الجلوس على الأكثر أو الأقل من ركعتين.
قال في ((الهداية)): ومعنى ما رواه: شفعًا لا وترًا، وقد تقدم الرد عليه في كلام
الحافظ. واستدل به أيضًا على عدم النقصان عن ركعتين في النافلة ما عدا الوتر،
واختلفوا فيه أيضًا، فقال مالك وأبو حنيفة: التطوع بركعة واحدة باطل، إلا أنهما
اختلفا في الوتر، فقال مالك: بالجواز، وأبو حنيفة: بالمنع. وذهب الشافعي
وأحمد: إلى جواز التطوع بركعة فردة. واستدل بعض الشافعية للجواز بعموم
قوله: ((الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، فَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ، وَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ)»، صححه ابن حبان
وقد اختلف من رأى الزيادة على الركعتين في النافلة في الفصل والوصل، أيهما
أفضل؟ فذهب الشافعي وأحمد: إلى أن الفصل في صلاة الليل والنهار أفضل
واستدل لهما بما رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عمر
مرفوعًا: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى))، وتعقب: بأن أكثر أئمة الحديث أعلوا
زيادة قوله: ((وَالنَّهَارِ)) وضعفوها؛ لأنها من طريق علي الأزدي البارقي عن ابن
عمر، وهو ضعيف عند ابن معين. روى محمد بن نصر في ((سؤالاته))، وابن عبد
البر في ((التمهيد)) عن يحيى بن معين، أنه قال: صلاة النهار أربع لا تفصل بينهن،
فقيل له: إن ابن حنبل يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فقال: بِأَيِّ حديث؟
فقيل له: بحديث الأزدي عن ابن عمر، فقال: ومن علي الأزدي؟ حتى أقبل هذا
منه وأدع يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يتطوع بالنهار
أربعًا لا يفصل بينهن، لو كان حديث الأذري صحيحًا لم يخالفه ابن عمر، يعني :
مع شدة اتباعه. وقال الترمذي: وروى الثقات، عن ابن عمر، عن النبي وَّل، ولم
يذكروا فيه صلاة النهار، وحكم النسائي على راويها: بأنه أخطأ فيها. وقال
الدار قطني في ((العلل)): إنها وهم.
وقال الحافظ: روى ابن وهب بإسناد قوي عن ابن عمر قال: صلاة الليل والنهار
مثنى مثنى موقوف. أخرجه ابن عبد البر من طريقه، فلعل الأزدي اختلط عليه
الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة من يشترط في
٢٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصحيح أن لا يكون شَاذًّا، انتهى. قلت: قد صححها ابن خزيمة، وابن حبان،
والحاكم في ((المستدرك))، وقال: رواتها ثقات. وقال الخطابي: إن سبيل الزيادة
من الثقة أن تقبل. وقال البيهقي: هذا حديث صحيح، وقد صححه البخاري لما
سئل عنه، ثم روی ذلك بسنده إليه قال: وقد روي عن محمد بن سیرین، عن ابن
عمر مرفوعًا بإسناد كلهم ثقات، انتهى كلام البيهقي، وله طرق وشواهد، وقد ذكر
بعض ذلك الحافظ في ((التلخيص)).
وذهب أبو حنيفة: إلى أن الأفضل فيهما أربع أربع، ولم أر حديثًا صحيحًا
صريحًا يدل على أفضلية ذلك في الليل والنهار. وذهب بعضهم: إلى أن الأفضل
في صلاة الليل مثنى مثنى، وأما في صلاة النهار فأربع أربع، وهو قول الثوري
وابن المبارك، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد، واستدل لهم بمفهوم حديث ابن
عمر: ((صلاة الليل مثنى مثنى))، قالوا: إنه يدل بمفهومه على أن الأفضل في صلاة
النهار، أن تكون أربعًا، وتعقب: بأنه مفهوم لقب، وليس بحجة على الراجح،
وعلى تقدير الأخذ به، فليس بمنحصر في أربع، وبأنه خرج جوابًا للسؤال عن
صلاة الليل، فقيد الجواب بذلك مطابقة للسؤال، واستدلوا أيضًا، بما تقدم من
حديث أبي أيوب مرفوعًا: ((أَرْبَعٌ قَبْلَ الظَّهْرِ لَيْسَ فِيْهِنَّ تَسْلِيمٌ))، وقد أسلفنا الكلام
فيه مع الجواب عن هذا الاستدلال، والأولى عندي: أن تكون صلاة الليل مثنى
مثنى؛ لكونه أجاب به السائل؛ ولكون أحاديث الفصل أثبت، وأكثر طرقًا، وأما
صلاة النهار، فإن شاء صلى أربعًا بسلام واحد، أو بسلامين لحديث علي الأزدي،
ولحديث أبي أيوب وقد عرفت ما فيهما من الكلام.
(فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ) أي: فوت الوتر بطلوع الفجر وظهوره. (صَلَّى رَكْعَةً
وَاحِدَةً تُوْتِرُ) أي: هذه الركعة الفردة. (لَهُ) أي: لأحدكم. (مَا قَدْ صَلَّى) أي: تجعل
تمام ما صلى وترًا، فإن تلك الواحدة كما أنها بذاتها وتر، كذلك يصير بها جميع
صلاة الليل وترًا، قال ابن الملك: أي: تجعل هذه الركعة الصلاة التي صلاها في
الليل وترًا بعد أن كانت شفعًا، والحديث حجة للشافعي في قوله: الوتر ركعة
واحدة، وتعقبه القاري بما نقله عن ابن الهمام: أن نحو هذا كان قبل أن يستقر أمر
الوتر، وفيه: أنه لا دليل على أن هذا كان قبل استقرار أمر الوتر، ولا على أن الوتر
محصور في ثلاث ركعات، فهو مردود على ابن الهمام.
٢٢٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بابُ الْوِتْرِ
قال السِّنْدِيُّ في ((حاشية النسائي)): قوله: ((فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَوَاحِدَةً))، ظاهر
الحديث مع أحاديث أخر يفيد جواز الوتر بركعة واحدة، كما هو مذهب
الجمهور، والقول بأنه كان، ثم نسخ إثباته مشكل، انتهى. ووقع في رواية
للبخاري: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا
صَلَيْتَ))، وفيه: رد على من ادعى من الحنفية، أن الوتر بواحدة مختص بمن خشي
طلوع الفجر؛ لأنه علقه بإرادة الإنصراف، وهو أعم من أن يكون لخشية طلوع
الفجر، أو غير ذلك. واعلم: أنه ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى
صحة الإيتار بركعة واحدة، إلا أن مالكًا اشترط تقدم الشفع قبلها، فكان الوتر عنده
ثلاث ركعات بتسليمتين وجوبًا، ففي ((المدونة)): قال مالك: لا ينبغي لأحد أن
يوتر بواحدة ليس قبلها شيء لا في حضر، ولا سفر، لكن يصلي ركعتين، ثم
یسلم، ثم یوتر بواحدة، انتهى.
قال الحافظ: واستدل بقوله ((تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى)): على تعين الشفع قبل الوتر،
وهو عن المالكية بناء على أن قوله: (مَا قَدْ صَلَّى)) أي: من النفل، وحمله من لا
يشترط سبق الشفع على ما هو أعم من النفل والفرض، وقالوا: إن سبق الشفع
شرط في الكمال لا في الصحة، ويؤيده حديث أبي أيوب مرفوعًا: ((الْوِتَرُ حَقٌّ،
فَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ، وَمَنْ شَاءَ بِثَلَاثٍ، وَمَنْ شَاءَ بِوَاحِدَةٍ))، أخرجه أبو داود
والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، وصح عن جماعة من الصحابة، أنهم
أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها، ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد
صحيح عن السائب بن يزيد: أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يُصَلِّ غيرها،
وسيأتي في الدعوات أي: عند البخاري حديث عبد الله بن ثعلبة أن سعدًا أوتر
بركعة، وسيأتي في المناقب عن معاوية أنه أوتر بركعة، وأن ابن عباس استصوبه،
وفي كل ذلك رد على ابن التين في قوله: إن الفقهاء لم يأخذوا بعمل معاوية في
ذلك، وكأنه أراد فقهاءهم، انتهى كلام الحافظ. وقد ذكر محمد بن نصر في ((قيام
الليل)) آثارًا كثيرة عن السلف من الصحابة، والتابعين، وغيرهم في الوتر بركعة
من أحب الوقوف عليها رجع إليه.
قال الشوكاني في ((النيل)) نقلًا عن الحافظ العراقي: وممن كان يوتر بركعة من
الصحابة: الخلفاء الأربعة، وسعد بن أبي وقاص، ومعاذ بن جبل، وأبي بن
٢٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كعب، وأبوموسى الأشعري، وأبوالدرداء، وحذيفة، وابن مسعود، وابن عمر،
وابن عباس، ومعاوية، وتميم الداري، وأبوأيوب الأنصاري، وأبوهريرة،
وفضالة بن عبيد، وعبد الله بن الزبير، ومعاذ بن الحارث القاري، وهو مختلف في
صحبته. وقد روي عن عمر، وعلي، وأبيّ، وابن مسعود الإیتار بثلاث متصلة،
وممن أوتر بركعة: سالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة،
والحسن البصري ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي أرباح، وعقبة بن عبد الغافر،
وسعيد بن جبير، ونافع بن جبير بن مطعم، وجابر بن زيد، والزهري، وربيعة بن
أبي عبد الرحمن وغيرهم، ومن الأئمة: مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد،
وإسحاق، وأبوثور، وداود، وابن حزم، انتهى.
واستدل لهم فيما قالوا من جواز الإيتار بركعة واحدة فردة: بحديث ابن عمر
هذا، وبحديثه الآتي بعد ذلك، وبحديث عائشة السابق في باب: صلاة الليل يسلم
من كل ركعتين ويوتر بواحدة، فإنه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو
كالنص في موضع النزاع، وبحديث أبي أيوبٍ الآتي في الفصل الثاني، وبحديث
ابن عباس عند مسلم: ((الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)»، وبحديث القاسم بن محمد عن
عائشة: أن النبي وَّ أوتر بركعة، رواه الدار قطني وإسناده صحيح، وبما روى
الطحاوي من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أنه كان يفصل بين شفعه،
ووتره بتسليمة، وأخبر أن النبي ◌َّ كان يفعله. قال الحافظ في ((الفتح)): وإسناده
قوي، وذكره في ((التلخيص)) (ص١١٧) بلفظ: أن النبي ◌َّكان يفصل بين الشفع
والوتر، ثم قال: رواه أحمد وابن حبان وابن السكن في ((صحيحهما))، والطبراني
من حديث إبراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر به، وقواه أحمد.
قال في ((الفتح)): ولم يعتذر الطحاوي عنه إلا باحتمال أن يكون المراد بقوله:
بتسليمة، أي: التسليمة التي في التشهد، ولا يخفى بُعْدُ هذا التأويل، انتهى.
وحديث ابن عباس أن النبي ◌َّ أوتر بركعة، رواه ابن حبان من طريق كريب، ذكره
في ((التلخيص))، وفي هذه الأحاديث رد على ابن الصلاح فيما قال: لا نعلم في
روايات الوتر مع كثرتها، أنه ظلَّا أوتر بواحدة فحسب.
وذهب أبو حنيفة: إلى أن الوتر ثلاث ركعات موصولة بتشهدين، وتسليمة
واحدة لا أقل منها، ولا أكثر، فالوتر عنده كصلاة المغرب يجلس في الثانية، ثم
٢٣١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
يقوم دون تسليم، ويأتي بالثالثة، ثم يجلس ويتشهد ويسلم. واستدل له بالأحاديث
التي تدل على الإِيتار بثلاث ركعات، كحديث عائشة: أن رسول اللَّهُ وَّجله كان لا
يسلم في ركعتي الوتر. أخرجه النسائي والحاكم (ج١ ص٣٠٤) والدار قطني
والبيهقي (ج ٣ ص٣١) بإسناد حسن، وكحديث أبي بن كعب عند النسائي بلفظ:
((يوتر ب﴿َسَيْحٍ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، لا
يسلم إلا في آخرهن)). وقد بين في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات،
وكحديث ابن أبزى عند النسائي أيضًا نحوه. وفيه: أن هذه الأحاديث ليس فيها ما
يدل على الحصر في الإيتار بالثلاث، وأنه لا يجوز أقل منها ولا أكثر، وليس فيها
تصريح الجلوس في الركعة الثانية، بل في رواية عائشة عند الحاكم (ج١ ص٣٠٤)
على ما نقله الحافظ في ((الفتح)) و((التلخيص))، والزرقاني في ((شرح المواهب
اللدنية))، والذهبي في ((تلخيص المستدرك))، وقد صوب ذكرها النيموني في
((تعليق التعليق))، وذكرها أيضًا البيهقي (ج ٣ ص٣١) نفي الجلوس في الثانية،
ولفظها: ((كان النبي ◌َّ- يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن))، وكذا ينفيه حديث
النهي عن التشبه بصلاة المغرب، ولم أجد حديثًا مرفوعًا صحيحًا صريحًا في إثبات
الجلوس في الركعة الثانية عند الإِيتار بثلاث. واستدل له أيضًا بحديث النهي عن
البتیراء، وسيأتي الجواب عنه.
قال الحافظ في ((الفتح)): وحمل الطحاوي قول عائشة: ((يسلم من كل
ركعتين))، و((يوتر ركعتين، ويوتر بواحدة))، ومثله على أن الركعة مضمومة إلى
الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء. أخرجه ابن
عبد البر في ((التمهيد)) عن عبد الله بن محمد بن يوسف، نا أحمد بن محمد بن
إسماعيل بن الفرج، نا أبي، نا الحسن بن سليمان قبطية، نا عثمان بن محمد بن
ربيعة بن أبي عبد الرحمن، نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن
يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد أن النبي وََّ نهى عن البتيراء، أن يصلي الرجل
واحدة یوتر بها.
وأجيب عنه بوجوه: أحدها: أنه حديث ضعيف، فإن في سنده عثمان بن
محمد. قال عبد الحق في ((أحكامه)) بعد ذكره من جهة ابن عبد البر: الغالب على
حديث عثمان بن محمد بن ربيعة الوهم. وقال ابن قطان في كتاب ((الوهم
٢٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والإيهام)): هذا حديث شاذ لا يعرج عليه ما لم يعرف العدالة رواته، وعثمان بن
محمد بن ربيعة الغالب على حديثه الوهم.
والثاني: أنه معارض بما رواه ابن ماجه والطحاوي ومحمد بن نصر من طريق
الأوزاعي عن المطلب بن عبد الله المخزومي أن رجلاً سأل ابن عمر عن الوتر،
فأمره بثلاث، يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة، فقال الرجل: إني أخاف أن يقول:
الناس هي البتيراء، فقال ابن عمر: هذه سنة الله ورسوله، فهذا يدل على أن الوتر
بركعة بعد ركعتين قد وجد من النبي وَله .
والثالث: أنه معارض بحديث أبي أيوب الآتي بلفظ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤْتِرَ بِخَمْسٍ
فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤْتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤْتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ)).
والرابع: أن البتيراء فسره ابن عمر بعدم إتمام الركوع والسجود، هكذا أخرجه
البيهقي في المعرفة بسنده، عن محمد بن إسحاق، عن زيد بن أبي حبيب، عن أبي
منصور - مولى سعد بن أبي وقاص - قال: سألت عبد الله بن عمر عن وتر الليل
فقال: يا بني هل تعرف وتر النهار؟ قلت: نعم، هو المغرب، قال: صدقت، ووتر
الليل بواحدة، بذلك أمر رسول اللّه وَ ل فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن الناس
يقولون: هي البتيراء؟ قال: يا بني، ليست تلك البتيراء، إنما البتيراء أن يصلي
الرجل الركعة، يتم ركوعها، وسجودها، وقيامها، ثم يقوم في الأخرى، ولا يتم
لها ركوعًا، ولا سجودًا، ولا قيامًا، فتلك البتیراء، انتهى.
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٣ ص٤٨): ولم يصح عن النبي بَّ نهي عن
البتيراء، ولا في الحديث على سقوطه بيان ماهي البتيراء، وقد روينا من طريق
عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس:
الثلاث بتيراء، يعني: في الوتر، فعادت البتيراء على المحتج بالخبر الكاذب فيها،
انتھی .
وقال النووي في ((الخلاصة)): حديث محمد بن كعب القرظي في النهي عن
البتیراء ضعيف ومرسل، انتهى.
والحق عندي: أن الأمر في ذلك واسع، فيجوز الإيتار بركعة واحدة فردة،
وبثلاث مفصولة وموصولة، لكن بقعدة واحدة، وبخمس وبسبع وبتسع، وكل
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
ae
٢٣٣
ذلك ثابت بالأحاديث الصحيحة الثابتة، وارجع إلى ((المحلى)) (ج ٣ ص ٤٢ -
٤٨). (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه والبيهقي (ج٣ ص٢١، ٢٢) وغيرهم.
١٢٦٣ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ
اللَّيْلِ)».
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْخُ
١٢٦٣ - قوله: (الْوِتْرُ رَكْعَةٌ) هذا نَصٌّ في مشروعية الإيتار بركعة واحدة،
وأن أقل الوتر ركعة. قال الطيبي: أي: منشأة. (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) يعني: آخر وقتها
آخر الليل، أو وقتها المختار: بعض أجزاء آخر الليل. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا
أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٢٢) وأخرجه ابن ماجه بلفظ: ((رَكْعَةٌ
قَبْلَ الصُّنْحِ)).
١٢٦٤ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصِّلِّي مِنَ اللَّيْلِ
ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُوِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ،لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلّا فِي آخِرِهَاَ.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٢٦٤ - قوله: (يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) أي: بعضه، كما قاله الطيبي. (ثَلَاثَ عَشْرَةَ
رَكْعَةً) ثمان ركعات منها: بأربع تسليمات. (يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ) أي: من مجموع ثلاث
عشرة، أو من ذلك العدد المذكور. (بِخَمْسٍ) أي: يصلي خمس ركعات بنية
الوتر. (لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ) أي: للتشهد. (إِلَّ فِي آخِرِهَا) أي: لا يجلس في ركعة
من الركعات الخمس إلا في آخرهن، وفيه: دليل على مشروعية الإِيتار بخمس
(١٢٦٣) مُسْلِم (٧٤٢/١٥٣)، وَأَبُو دَاوُد (١٤٢١)، وَالنَّسَائِي (٢٣٢/٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ.
(١٢٦٤) مُسْلِم (١٢٣ / ٧٣٧) عَنْهَا فِيهِ .
٢٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ركعات بقعدة واحدة، وهذا أحد أنواع إيتاره وَليو، كما أن الإيتار بواحدة، أحدها:
كما أفاده حديثها السابق في باب صلاة الليل، وعلى أن القعود على آخر كل
ركعتين غير واجب، ففيه رد على من قال بتعيين الثلاث، وبوجوب القعود بعد كل
من الركعتين .
قال الترمذي: وقد رأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَلّ وغيرهم الوتر
بخمس، وقالوا: لا يجلس في شيء منهن إلا في آخرهن، وروی محمد بن نصر
في قيام الليل، عن إسماعيل بن زيد: أن زيد بن ثابت كان يوتر بخمس ركعات لا
ينصرف فيها، أي: لا يسلم. وقال الشيخ سراج أحمد السرهندي في ((شرح
الترمذي)): وهو مذهب سفيان الثوري، وبعض الأئمة، انتهى.
قال الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)): وهو الظاهر من كلام الشافعي
ومذهبه، فقد حكى الربيع بن سليمان في اختلاف مالك والشافعي الملحق بكتاب
((الأم)) (ج ٧ ص١٨٩): أنه سأل الشافعي عن الوتر بواحدة ليس قبلها شيء، فقال
الشافعي: نعم، والذي أختار أن أصلي عشر ركعات، ثم أوتر بواحدة. ثم حكى
الحجة عنه في ذلك، ثم قال: قال الشافعي: وقد أخبرنا عبد المجيد، عن ابن
جريج عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ◌َّ كان يوتر بخمس
ركعات لا يجلس ولا يسلم إلا في الآخرة منهن، فقلت للشافعي: فما معنى هذا؟
قال: هذه نافلة يسع أن يوتر بواحدة وأكثر، ونختار ما وصفت من غير أن نضيق
غيره، وانظر ((المجموع)) للنووي (ج ٤ ص١٢، ١٣): فقد رجح جواز هذا الدلالة
الأحاديث الصحيحة عليه، انتهى. والحديث مشكل على الحنفية جدًّا، فإنهم
قالوا: بوجوب القعود، والتشهد بعد كل من الركعتين في الفرض والنفل جميعًا.
أجابوا عنه بوجوه كلها مردودة باطلة: أحدها: أن المعنى لا يجلس في شيء للسلام
بخلاف ما قبله من الركعات، ذكره القاري. وقد رده صاحب ((البذل)) حيث قال:
وفيه نظر؛ لأن الحنفية قائلون: بأن الوتر ثلاث لا يجوز الزيادة عليها، فإذا صلى
خمس ركعات، فإن نوى الوتر في أول التحريمة لا يجوز ذلك؛ لأن الزيادة على
الثلاث ممنوعة، وإن نوى النفل في أول التحريمة لا يؤدي الوتر بنية النفل، وإن
قيل: إنها كانت في ابتداء الإسلام، ثم استقر الأمر على أن الوتر ثلاث ركعات،
٢٣٥
بَابُ الْوِتْرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
فينافيه ما سيأتي من حديث زرارة بن أوفي عند داود: فلم تزل تلك صلاة رسول الله
وَلخلّ حتى بدن، فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الست والسبع وركعتيه وهو
قاعد حتى قبض على ذلك.
وثانيها: أن المنفي جلسة الفراغ والاستراحة أي: لا يجلس في شيء من
الخمس جلسة الفراغ، والاستراحة إلا في آخرها أي: بعد الركعة الآخرة، يعني:
بعد الفراغ منها، وكانت الركعتان نافلتي الوضوء، أو غيرها والثلاثة وترًا. وفيه:
أن تخصيص الجلوس المنفي بجلوس الاستراحة، والفراغ يحتاج إلى دليل؛ وإذلا
دليل على ذلك فهو مردود على قائله، على أن قوله: إلا في آخرهن يدل على وجود
الجلوس في آخر الركعات الخمس، بناء على أن ((في)) للظرفية، وهي تقتضي
تحقق الجلوس داخل الصلاة لا خارجها، وعلى أن الأصل في الاستثناء الاتصال،
وهذا ينافي كون المراد بالجلوس المنفي جلسة الفراغ.
وثالثها: أن المعنى لم يكن يصلي شيئًا من تلك الخمس جالسًا؛ إذ قد ورد أنه
كان يصلي قائمًا وقاعدًا، وعلى هذا فالمنفي من الجلوس هو الجلوس مقام القيام،
والاستثناء في قوله: ((إلا في آخرهن)) منقطع، كما في الوجه الثاني، والمعنى: لا
يصلي جالسًا إلا بعد أن يفرغ من الخمس. وهذا أيضًا مردود لما تقدم آنفًا.
ورابعها: أن المراد بقوله: آخرهن الركعتان الأخيرتان، فالثلاثة الأول من
الخمس وتر والركعتان بعده هما اللتان كان يصليهما النبي وقّ جالسًا بعد الوتر،
والمعنى: لم يكن يصلي شيئًا من تلك الخمس جالسًا إلا الركعتين الأخيرتين منها،
وعلى هذا فالاستثناء متصل. وفيه: أن هذا يرده قوله: يوتر من ذلك بخمس؛ لأنه
يدل على أن الركعات الخمس كلها ركعات الوتر، ويبطله أيضًا رواية الشافعي
بلفظ: ((كان يوتر بخمس ركعات لا يجلس، ولا يسلم إلا في الآخرة منها))،
ورواية أبي داود: ((يوتر منها بخمس لا يجلس في شيء من الخمس، حتى يجلس
في الآخرة فيسلم))، وهذا ظاهر.
وخامسها: أن المراد بـ((آخرهن)): الركعة الأخيرة والمنفي بالجلوس الجلوس
الخاص، وهو الذي فيه تشهد بلا تسليم، فالمعنى: لا يجلس بهذه المثابة إلا في
٢٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
ابتداء الركعة الأخيرة. وأما الجلوس بعد الركعتين، فهو على المعروف المتبادر
يعني: مع التسليم. وهذا أيضًا مردود يرده رواية الشافعي وأبي داود، كما لا
يخفي، وهذه الوجوه كلها تحريف للحديث الصحيح وإبطال لمؤاده، واستهزاء
بالسنة الثابتة الظاهرة، وتحيل لدفعها، وهي تدل: على شدة تعصب أصحابها،
وغلوهم في تقليد غير المعصوم، بل على بغضهم للسنة، ذكرناها مع كونها
أضاحيك؛ ليعتبر بها أولوا الألباب والبصائر.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) فيه نظر؛ لأن قوله: ((يُؤْتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي
آخِرِهَا))، ليس عند البخاري، بل هو من أفراد مسلم، وكأن المصنف قلد في ذلك
الجزري، وصاحب المنتقى، والمنذري، حيث نسبوا هذا السياق إلى الشيخين،
والعجب من الحافظ أنه قال بعد ذكره في ((بلوغ المرام)): متفق عليه، مع أنه عزاه
في ((التلخيص)) (ص١١٦) لمسلم فقط، اللهم إلا أن يقال: إنهم أرادوا بذلك أن
أصل الحديث متفق عليه لا السياق المذكور بتمامه، ولا يخفى ما فيه، والحديث
أخرجه أيضًا الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي (ج٣ ص٢٧، ٢٨)
وغيرهم، وفي الإيتار بخمس أحاديث كثيرة، ذكرها الشوكاني في ((النيل)).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
٢٣٧
١٢٦٥ - [٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ:
يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِنِي عَنْ خُلُقٍ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟
قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللّهِ وَلِ كَانَ الْقُرْآنَ، قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْبِنِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللّهِ بَّهِ، فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ، وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ
اللَّهُ مَا شَاءَ أَنَّ يَبْعَنَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّ تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا
يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَّذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ، وَلَا
يُسَلَّمُ، فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ
تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ بَعْدِمَا يُسَلِّمُ وَهُو قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةً
رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ بِّهِ وَأَخَذَ اللَّحْمَ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ
مِثْلَ صَنِيعِهِ فِي الْأُولَى، فَتْلِكَ تِسْعَ يَا بُنَيَّ، وَكَانَ نَبِيُّ اَللَّهِ وَ إِذَا صَلَّى صَلَّةً
أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ
النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ بَِّ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِيَ لَيْلَةٍ، وَلَا
صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢٦٥ - قوله: (وَعَنْ سَعْدٍ) بسكون عين مهملة. (بْنِ هِشَام) بن عامر
الأنصاري المدني، ابن عم أنس، ثقة من أوساط التابعين. قال في ◌َّالتقريب)):
استشهد بأرض الهند. وفي ((تهذيب التهذيب)) ذكر البخاري: أنه قتل بأرض مكران
على أحسن أحواله. قال أبوبكر الحازمي: مكران بضم الميم، بلدة بالهند. وذكره
ابن حبان في ((الثقات)): وقال: قتلٍ بأرض مكران غازيًا. (أَنْبِئِني) وفي رواية:
((حدثيني))، يعني: أخبريني. (عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ) بضمتين، وقد يسكن الثاني
أي: أخلاقه، وشمائله، وعاداته. (فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللّهِ وَ كَانَ الْقُرْآنَ) أي: كان
متمسكًا بآدابه، وأوامره، ونواهيه، ومحاسنه، ويوضحه أن جميع ما فصل في
(١٢٦٥) مُسْلِم (٧٤٦/١٣٩)، وَأَبُو دَاوُد (١٣٤٩)، وَالنَّسَائِي (٢٤١/٣) فِيهِ عَنْهُ بِطُولِهِ.
٢٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كتاب الله من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب مما قصه الله عن نبي، أو ولي، أو
حث عليه، أو ندب إليه، أو ذكر بالوصف الأتم والنعت الأكمل، كان ◌َال ◌ّل متحليًا
به، ومتوليًّا له، ومتخلقًّا به، وبالغًا فيه من المراتب أقصاها، حتى جمع له من ذلك
ما تفرق في سائر الخلائق، وكل ما نهى اللَّه تعالى عنه فيه وَنَزَّهَ كان ◌َل ◌َوَ لا يحوم
حوله، ويبين ذلك قوله وَ له: (بُعِثْتُ لِأَتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ))، قال النووي: معناه:
العمل بالقرآن، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله، وقصصه
وتدبره، وحسن تلاوته، انتهى. وفيه: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
﴾﴾ [القلم: ٤]، (عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ) أي: عن وقته وكيفيته، وعدد ركعاته.
(كُنَّا نُعِدُّ) من الإعداد، أي: نهيئ. (لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ) بالفتح أي: ماء
وضوئه، وفيه: استحباب ذلك، والتأهب بأسباب العبادة قبل وقتها، والاعتناء بها .
(فَيَبْعَنُّهُ اللَّهُ) أي: يوقظه. (مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ) أي: في الوقت المقدر الذي شاء بعثه
فيه. وفي رواية: ((فيبعثه اللَّه متى شاء أن يبعثه من الليل)). (مِنَ اللَّيْلِ) أي: من
ساعات الليل وأوقاته، فـ((مِنْ)) تبعيضية، وقيل: بيانيه. (فَيَتَسَوَّلُك) أولًا. (وَيَتَوَضَّأُ)
فيه: استحباب السواك عند القيام من النوم. (وَيُصَلَّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا
فِي الثَّامِنَةِ ... ) إلخ. فيه: مشروعية الإِيتار بتسع ركعات متصلة لا يسلم إلا في
آخرها، ويقعد في الثامنة ولا يسلم. (فَيَذْكُرُ اللَّهَ) أي: يقرأ التشهد. (وَيَحْمَدُهُ)
أي: يثني عليه. قال الطيبي: أي: يتشهد، فالحمد إذًا لمطلق الثناء؛ إذ ليس في
التحيات لفظ الحمد. (وَيَدْعُوهُ) أي: الدعاء المتعارف. (ثُمَّ يَنْهَضُ) أي: يقوم.
(ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا) من الإسماع، أي: يرفع صوته بالتسليم بحيث
نسمعه، وفيه دليل على عدم وجوب الجلسة عند الركعتين؛ لأنه ◌َّلو كان يصلي
ثمانيًا متصلًا بلا تخلل جلسات بينها على الشفعات، وهذا مخالف للحنفية، لما
تقدم أنهم قالوا: بوجوب الجلسة للتشهد عند كل ركعتين، وأجابوا: بأن المراد
بالجلسة المنفية الجلسة الخالية عن السلام، قالوا: فالوتر منها ثلاث ركعات ست
قبله من النفل. قال العيني: وهذا اقتصار منها على بيان جلوس الوتر وسلامه؛ لأن
السائل إنما سأل عن حقيقة الوتر، ولم يسأل عن غيره، فأجابت مبينة بما في الوتر
من الجلوس على الثانية بدون سلام، والجلوس أيضًا، على الثالثة بسلام،
وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها، وعن السلام فيها، كما أن السؤال لم يقع
كِتَابُ الصَّلَاةِ
HERE
بَابُ الْوِتْرِ
٢٣٩
عنها، فجوابها قد طابق سؤال السائل، انتهى. ولا يخفى ما فيه، فإنه لا دليل على
حمل الجلوس المنفي على الجلسة الخالية عن السلام، فالحديث ظاهر بل هو
كالنص في نفي الجلوس قبل الثامنة، ونفي السلام قبل التاسعة مطلقًا، وأنها كانت
كلها بجلستين وسلام واحد، وهذا أحد أنواع إيتاره وَلَّه.
(ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ) فيه مشروعية ركعتين بعد الوتر عن
جلوس، ويدل عليه أيضًا: حديث أم سلمة وحديث أبي أمامة الآتيان في الفصل
الثالث. وقد ذهب إليه بعض أهل العلم: وجعل الأمر في قوله الآتي: ((اجْعَلُوا
آخِرَ صَلَائِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا)»، مختصًّا بمن أوتر آخر الليل، وحمله النووي على
أنه وَ لّ فعل ذلك؛ لبيان جواز النفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسًا، يعني: أن
الأمر فيه أمر ندب لا إيجاب، فلا تعارض بينهما. وقال الشوكاني: لا يحتاج إلى
الجمع بينهما باعتبار الأمة؛ لأن الأمر بجعل آخر صلاة الليل وترًا مختص بهم،
وأن فعله وَلّ لا يعارض القول الخاص بالأمة؛ لاختصاص فعله للركعتين بعد الوتر
بذاته وَّلخير، وأما الجمع باعتباره وَ له فهو أن يقال: إنه كان يصلي الركعتين بعد الوتر
تارة، ويدعهما تارة، انتهى. والراجح عندي: ما ذهب إليه النووي أن الأمر في
قوله: ((اجْعَلُوا ... )) إلخ. للندب لا للإيجاب. (فَلَمَّا أَسَنَّ) أي: كبر. (وَأَخَذَ
اللَّحْمَ) وفي بعض نسخ مسلم: ((أخذه اللحم)). قيل: أي: السمن. وقال ابن
الملك: أي: ضعف، قال ابن حجر: إنما كان في آخر حياته قبل موته بنحو سنة.
(أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِه فِي الْأُولَى) يعني: صلاهما قاعدًا،
كما كان يصنَّع قبل أن يسن. وفي رواية: ((فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع
ركعات، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة)). (فَتِلْكَ
تِسْعٌ) فنقص ركعتين من التسع؛ لأجل الضعف. (وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ بِّهِ إِذَا صَلَّى صَلَةً)
أي: من النوافل. (أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا)؛ لأن أحب الأعمال عنده وَّ أدومها.
(وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعٌ) أي: منعه مرض أو ألم. (عَنِ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ
النَّهَارِ) أي: في أوله ما بين طلوع الشمس إلى الزوال. (ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) قيل:
ثمان منها صلاة الليل، وأربع صلاة الضحى، وفيه: استحباب المحافظة على
الأوراد، وإنها إذا فاتت تقضى.