النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) اللام للجنس، ويحتمل العهد، ويراد به صلاة الليل، أو
المكتوبة أي: العشاء، أو الصبح. ويدل لكون المراد: المكتوبة، قول سفيان فيما
أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)): هذا عندنا نام عن الفريضة، وظاهر صنيع مسلم
والنسائي وابن ماجه يدل على كون المراد: صلاة الليل.
قال الطيبي: يحتمل أن يكون ((أصبح)) تامة، و((ما قام)) في محل النصب حالًا
من الفاعل، أي: أصبح وحاله أنه غير قائم إلى الصلاة، ويحتمل أن تكون ناقصة،
و((ما قام)) خبرها، ويحتمل أن تكون ((ما قام)) جملة مستأنفة مُبينة للجملة الأولى،
أو مؤكدة مقررة لها. (قَالَ) صلى الله عليه وآله وسلم. (ذَلِكَ رَجُلٌ) وفي
الصحيحين: ((ذَاكَ رَجُلٌ)). وكذا نقله الجزري. (بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أَذُنِهِ) بالإفراد
للجنس، وهو بضم الهمزة والذال وسكونها. (أَوَ قَالَ: فِي أَذُنَيْهِ) بالتثنية للمبالغة،
و((أو)) للشك من الراوي، وهي رواية جرير عن منصور عن أبي وائل عن ابن
مسعود. وفي رواية أبي الأحوص عن منصور، عند البخاري: ((بَالَ فِي أَذُنِهِ)) أي:
بالإِفراد فقط، واختلف في بول الشيطان، فقيل: هو على حقيقته. قال القرطبي
وغيره: لا مانع من ذلك؛ إذ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب،
ویضرط وینکح، فلا مانع من أن يبول.
وقد يتأول بتأويلات مناسبة: منها: أنه تمثيل شبه تثاقل نومه وإغفاله عن
الصلاة، وعدم سماعه صوت المؤذن، وعدم انتباهه بصياح الديك ونحوه، بحال
من وقع البول في أذنه فثقل سمعه، وأفسد حسه، والبول ضار مفسد قاله الخطابي :
قال الحافظ: والعرب تكنى عن الفساد بالبول. قال الراجز: بال سهيل في الفضيخ
ففسد. وكنى بذلك عن طلوعه؛ لأنه وقت إفساد الفضيخ، فعبر عنه بالبول.
ومنها: أن المراد: أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، وبأحاديث اللغو، فأحدث
ذلك في أذنه وقرًا عن استماعه دعوة الحق، قاله التوربشتي.
ومنها: أنه كناية عن استهانة الشيطان، والاستخفاف، والازدراء به، يعني: أن
الشيطان استولى عليه، واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول؛ إذ من عادة
المستخف بالشيء غاية الاستخفاف أن يبول عليه.
ومنها: أنه كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ الَّيْلِ
١٦١
ومنها: أنه استعارة عن تحكمه فيه، وجعله مسخرًا، ومطيعًا، ومنقادًا للشيطان،
يقبل ما يأمره من ترك الصلاة وغيرها. قال الطيبي: خص الأذن بالذكر، والعين
أنسب بالنوم إشارة إلى ثقل النوم؛ فإن المسامع هي موارد الانتباه بالأصوات،
ونداء حي على الصلاة؛ قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَىَ ءَاذَانِهِمْ فِ اَلْكَهْفِ﴾ [الكهف:
١١] أي: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، وخص البول من الأخبثين؛
لأنه مع خبائته أسهل مدخلًا في تجاويف الخروق، وأوسع نفوذًا في العروق،
فيورث الكسل في جميع الأعضاء.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في التهجد من طريق أبي الأحوص. وفي صفة
إبليس من بدء الخلق من طريق جرير. وأخرجه مسلم من طريق جرير فقط،
والسياق المذكور إلى قوله: ((ما قام إلى الصلاة)) لأبي الأحوص، وما بعده من
رواية جرير. والحديث أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي
(ج ٣ : ص١٥).
١٢٢٩ - [٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ لَيْلَةً فَزِعًا
يَقُولُ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلُ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ؟ مَنْ
يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ - يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ - لِكَيْ يُصَلِّينَ؟ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي
الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ».
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٢٢٩ - قوله: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أم المؤمنين. (اسْتَيْقَظَ) أي: تيقظ، فالسين
ليست هنا للطلب، أي: انتبه من النوم. (لَيْلَةً) أي: من لياليها. (فَزِعًا) بكسر الزاى
حال أي: خائفًا مضطربًا مما شاهده. (يَقُولُ) حال أيضًا. (سُبْحَانَ اللَّهِ) وفي
رواية: ((فقال: سُبْحَانَ اللهِ))، وفي أخرى: استيقظ من الليل وهو يقول: ((لَا إِلَهَ إِلَّ
اللهُ))، وقوله: (سُبْحَانَ اللهِ) بالنصب على المصدرية بفعل لازم الحذف، قاله
تعجبًا واستعظامًا، والعرب قد تستعمله في مقام التعجب والتعظيم. وقوله: (مَاذَا
(١٢٢٩) البُخَارِي (١١٢٦) عَنْهَا فِيهِ .

١٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ) كالتقرير والبيان؛ لأن ما استفهامية متضمنة لمعنى التعجب،
والتعظيم. و((أنزل)) بضم الهمزة وكسر الزاي، و((الليلة)) بالنصب على الظرفية.
وهذه رواية أبي ذر عن الكشمهيني. وفي رواية غيره: ((مَاذَا أَنْزَلَ اللهُ)) بإظهار
الفاعل .
(مِنَ الْخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ؟) عبر عن الرحمة بالخزائن كقوله تعالى:
خَزَائِنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ﴾، وقوله: ﴿خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبٍِّ﴾، وعبر عن العذاب بالفتن؛ لأنها
أسباب مؤدية إلى العذاب، وجمعهما لسعتهما وكثرتهما، واستعمل المجاز في
الإنزال، والمراد: إعلام الملائكة بالأمر المقدور، وكأنه ◌َّ رأى في المنام أنه.
سيقع بعده فتن. وتفتح لهم الخزائن، أو أوحى الله تعالى إليه ذلك قبل النوم، فعبر
عنه بالإنزال، وهو من المعجزات، فقد فتحت خزائن فارس والروم، وغيرهما كما
أخبر ◌َالنَ، ووقعت الفتن بعده كما هو المشهور.
(مَنْ يُوقِظُ) أي: من ينتدب فيوقظ. قال ابن الملك: استفهام أي: هل أحد
يوقظ؟ قال الحافظ: أراد بقوله: ((مَنْ يُوقِظُ)) بعض خدمه، كما قال يوم الخندق:
((من يأتيني بخبر القوم؟)) وأراد أصحابه، لكن هناك عَرَّف الذي انتدب، وهنا لم
يذكر. (صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ) كلام إضافي مفعول لقوله: ((يوقظ)). و((صواحب))
جمع صاحبة. و((الحجرات)) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم - قال القسطلاني:
والذي في اليونينية بضم الجيم أيضًا - جمع حجرة، وهي منازل أزواج النبي وَل .
(يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ) أي: يعني ◌ِّ بصواحب الحجرات: أزواجه الطاهرات. (لِكَيْ
يُصَلِّينَ) ويستعذن مما أراه اللَّهُ من الفتن النازلة؛ كي يوافقن المرجو فيه الإجابة.
وفي رواية: ((حَتَّى يُصَلِّينَ))، وإنما خصهن بالإيقاظ؛ لأنهن الحاضرات حينئذٍ،
أو من باب: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول. وهذا يدل على أن المراد بالإيقاظ: الإيقاظ
لصلاة الليل، لا لمجرد الإخبار بما أنزل؛ لأنه لو كان لمجرد الإخبار، لكان يمكن
تأخيره إلى النهار؛ لأنه لا يفوت. وبهذا ظهرت مطابقة الحديث للباب، وأن فيه
التحريض على صلاة الليل. ويؤخذ منه أنها ليست بواجبة؛ لأنه ترك إلزامهن
بذلك، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث: باب: تحريض النبي وَّ على قيام الليل
من غير إيجاب.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٦٣
*
(رُبَّ كَاسِيَةٍ) وفي رواية: ((فَرُبَّ)) بزيادة فاء في أوله. وفي رواية ((يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ))
بزيادة حرف النداء في أوله، أي: يا قوم أو يا سامعين، فالمنادى فيه محذوف.
وفي رواية: ((كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وهي تدل على أن رُبَّ
هاهنا للتكثير؛ لأن معنى كم الخبرية التكثير بلا خلاف؛ ولأنه ليس مراده أن ذلك
قليل، بل المتصف بذلك من النساء كثير. (عَارِيَةٍ) بتخفيف الياء. قال الحافظ:
وهي مجرورة في أكثر الروايات على النعت. قال السهيلي: إنه الأحسن عند
سيبويه؛ لأن ((رب)) عنده حرف جر يلزم صدر الكلام، قال: ويجوز الرفع على
إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت أي: هي عارية، والفعل الذي تتعلق به
رب محذوف، أي: رب كاسية هي عارية عرفتها، انتهى. واختار الكسائي أن
تكون رب اسمًا مبتدأ، والمرفوع خبرها.
واختلف في المراد بقوله: (كَاسِيَةٍ) و(عَارِيَةٍ) على أوجه: أحدها: رب امرأة،
أو نسمة، أو نفس كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية في الآخرة من
الثواب لعدم العمل في الدنيا. ثانيها: كاسية بالثياب، لكنها رقيقة لا تمنع إدراك
البشرة، شفافة لا تستر العورة، عارية في الآخرة جزاء على ذلك، أي: معاقبة في
الآخرة بفضيحة التعري، ففيه نهي عن لبس ما يشف من الثياب. ثالثها: كاسية من
نعم الله، عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب. رابعها: كاسية
جسدها، لكنها تشد به خمارها من ورائها، فيبدو صدرها، فتصير عارية، فتعاقب
في الآخرة. خامسها: كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح، عارية في الآخرة
من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها، كما قال تعالى: ﴿فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ .
قال الطيبي: قوله: ((رُبَّ كَاسِيَةٍ)) كالبيان لموجب استيقاظ الأزواج للصلاةِ،
أي: لا ينبغي لهن أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهن أهالي رسول الله
وَله، كاسيات خلعة نسبة أزواجه، متشرفات في الدنيا بها، فهي عاريات في
الآخرة؛ إذ لا أنساب فيها، وهذا وإن ورد في أمهات المؤمنين، لكن الحكم عام
لهن ولغيرهن؛ فإن العبرة بعموم اللفظ، لا لخصوص السبب والمورد.
قال ابن بطال: في هذا الحديث أن المفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال،
بأن يتنافس فيه، فيقع القتال بسببه، وأن يبخل به فيمنع الحق، أو يبطر صاحبه
فيسرف، فأراد يلي تحذير أزواجه من ذلك كله وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك. وفي

١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الحديث: الندب إلى الدعاء، والتضرع عند نزول الفتنة، ولا سيما في الليل؛
لرجاء وقت الإجابة، فتكشف أو يسلم الداعي، أو من دعا له. وفيه: جواز قول:
سبحان الله عند التعجب، وندبية ذكر اللَّه بعد الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله
بالليل للعبادة، لا سيما عند آية تحدث. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في مواضع بألفاظ
متقاربة، واللفظ المذكور له في الفتن. وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٢٩٧)
ومالك في كتاب الجامع من ((الموطأ)) مرسلًا، والترمذي في الفتن.
١٢٣٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا
تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ،
يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي، فَأَعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي،
فَأَغْفِرَ لَهُ؟»
[متفق عليه]
- وفي رواية لمسلم: ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ، وَيَقُولُ: ((مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ وَلَّا
ظَلُومٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))(*).
الشَّرْجُ
١٢٣٠ - قوله: (يَنْزِلُ رَبُّنَا) أي: نزولًا يليق بجنابه المقدس. والحاصل: أن
التفويض والتسليم أسلم، والقدر الذي قصد إفهامه معلوم، وهو أن الثلث الأخير
وقت استجابة وعموم رحمة ووفور مغفرة، فينبغي لطالب الخير أن يدركه، ولا
يفوته، فعلى الإنسان أن يقتصر على هذا القدر، ولا يتجاوز عنه؛ إذ لا يتعلق بأزيد
منه غرض، قاله السندي.
واعلم أنه اختلف في ضبط قوله: ((يَنْزِلُ))، فقيل: بضم الياء من الإنزال. قال
أبوبكر بن فورك: ضبط لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبي وَّ بضم الياء من
(يُنْزِل)) يعني: من الإنزال، وذكر أنه ضبط عمن سمع منه من الثقات الضابطين.
(١٢٣٠) الجَمَاعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ: البُخَارِي (١١٤٥)، ومُسْلِم (٧٥٨.١٦٨).
(1) مُسْلِم (١٧١ /٧٥٨) عَنْه فِهِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٦٥
وكذا قال القرطبي: قد قيده بعض الناس بذلك، فيكون متعديًا إلى مفعول
محذوف، أي: ينزل الله ملكًا، قال: ويقويه ما رواه النسائي من حديث الأغر عن
أبي سعيد وأبي هريرة بلفظ: ((إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِي شَطْرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًّا
يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعِ فُيُسْتَجَابُ لَهُ؟ ... )) الحديث. وصححه عبد الحق. وفي حديث
عثمان بن أبي العاص عند أحمد: ((يُنَادِي مُنَادٍ، هَلْ مِنْ دَاعِ يُسْتَجَابُ لَهُ ... ))،
الحديث. وعلى هذا فلا إشكال في الحديث. وأما على ما هو الَّمشهور في ضبطه،
وهو فتح الياء من النزول، فالحديث مشكل؛ لأن النزول انتقال الجسم من فوق
إلى تحت، والله تعالى منزه عن ذلك. ويؤيد هذا الضبط رواية مسلم بلفظ: (يَتَتَزَّلُ
رَبُّنَا)) بزيادة تاء بعد ياء المضارعة، وعلى هذا فالحديث من المتشابهات.
والعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة أجروه على ما ورد مؤمنين به على
طريق الإجمال، منزهين الله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف،
ونقله البيهقي، وغيره عن الأئمة الأربعة، والسفيانين والحَمَّادين، والأوزاعي،
والليث، وابن المبارك، والزهري، ومكحول وغيرهم.
والثاني: المؤولة فأولوه بتأويلين: أحدهما: أن معنى: ((ينزل ربنا)) ينزل أمره
لبعض ملائكته، أو ينزل ملكه بأمره، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والثاني: أنه استعارة، ومعناه: الإقبال على الداعي بالإجابة، واللطف والرحمة،
وقبول المعذرة، كما هو ديدن الملوك الكرماء والسادة الرحماء، إذا نزلوا بقرب
قوم محتاجين ملهوفين فقراء مستضعفين.
قال البيضاوي: لما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز، امتنع
عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، فالمراد:
وفور رحمته أي: ينتقل من مقتضي صفات الجلال، التي تقتضي الأزفة من
الأرذال، وقهر الأعداء، والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام، التي
تقتضي الرأفة، والرحمة والعفو، انتهى.
هذا، وقد أفرط بعضهم في التأويل، حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف،
وحمله بعضهم على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة - تعالى الله عن قولهم - وأنكر
بعضهم صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو

١٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مكابرة. والعجب أنهم أوَّلوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث
إما جهلاً، وإما عنادًا.
قلت: الحق عندنا: هو قول جمهور السف، فنؤمن بما ورد في الكتاب والسنة
الصحيحة على طريق الإجمال، وننزه اللَّه ◌َالَ عن الكيف والشبه بخلقه، ونذهب
إلى ما وسع سلفنا الصالح من السكوت عن التأويل، ونقول ما قال البيهقي:
وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد، إلا أن يرد ذلك عن الصادق
فيصار إليه، نقله الحافظ في ((الفتح))، وقال: من الدليل على ذلك اتفاقهم على أن
التأويل المعين غير واجب، فحينئذٍ التفويض أسلم، هذا وقد أطال الكلام في
مسألة النزول وأشباهها من أحاديث الصفات الأئمةُ المتقدمون؛ كشيخ الإسلام
والمسلمين الإمام ابن تيمية، وتلميذيه الإمام ابن القيم، والحافظ الذهبي
وغيرهم، فعليك أن ترجع إلى ما ألفوا في ذلك من الكتب. (تَبَارَلَكَ وَتَعَالَى) جملتان
معترضتان بين الفعل وظرفه وهو قوله: ((كُلَّ لَيْلَةٍ)) أي: في وقت خاص. (إِلَى
السَّمَاءِ الدُّنْيَا) وفي حديث أبي الخطاب، رجل من أصحاب النبيٍ وَّرَ: ((إِنَّ اللّهَ
يَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا)»، الحديث. أخرجه عبد الله بن أحمد في
کتاب (السنة)) بإسناده.
(حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ) بضم لام وسكونه. (اللَّيْلِ) بالجر. (الْآخِرُ) بكسر الخاء
المعجمة وضم الراء المهملة صفة ((ثُلُثُ))، وتخصيصه بالليل وبالثلث الأخير منه؛
لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله تعالى، وعند ذلك
تكون النية خالصة، والرغبة إلى الله وافرة. وذلك مظنة القبول والإجابة، ولكن
اختلفت الروايات في تعيين الوقت على ستة أقوال: الأولى: هي التي هاهنا، وهي
حين يبقى ثلث الليل الآخر، قال الترمذي: هذا أصح الروايات في ذلك. وقال
العراقي: أصحها ما صححه الترمذي. وقال الحافظ: ويقوي ذلك أن الروايات
المخالفة له اختلف فيها على رواتها. والثانية: ((حين يمضي الثلث الأول))، وهي
عند الترمذي ومسلم. والثالثة: ((حين يبقى نصف الليل الآخر)). وفي لفظ: ((إذا
كان شطر الليل)). وفي آخر: ((إذا مضى شطر الليل)). الرابعة: ((ينزل الله تعالى
شطر الليل))، أو ((ثلث الليل الآخر)) على الشك، أو التنويع. الخامسة: إذا ((مضى
نصف الليل))، أو ((ثلث الليل)) أي: الأول. وفي لفظ: ((إذا ذهب ثلث الليل)) أو

١٦٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
نصفه. والسادسة: الإطلاق، ولا تعارض بين رواية من عين الوقت ومن لم يعين،
كما هو ظاهر جلي، فالروايات المطلقة تحمل على المقيدة. وأما من عين الوقت،
واختلفت ظواهر رواياتهم، فقد صار بعض العلماء إلى الترجيح كالترمذي على ما
تقدم، إلا أنه عبر بالأصح، فلا يقتضي تضعيف غير تلك الرواية. وأما القاضي
عياض فعبر في الترجيح بالصحيح، فاقتضى ضعف الرواية الأخرى، ورده النووي
بأن مسلمًا رواها في ((صحيحه)) بإسناد لا يطعن فيه عن صحابيين، فكيف يضعفها؟
وإذا أمكن الجمع ولو على وجه فلا يصار إلى التضعيف. قال النووي: ويحتمل أن
يكون النبي ◌َ لو أعلم بأحد الأمرين في وقت فأخبر به، ثم أعلم بالآخر في وقت
آخر فأعلم به، وسمع أبوهريرة الخبرين جميعًا فنقلهما، وسمع أبوسعيد الخدري
خبر الثلث الأول فقط فأخبر به، انتهى.
وقال الحافظ: أما الرواية التي بـ(أو))، فإن كانت ((أو)) للشك فالمجزوم به مقدم
على المشكوك فيه، وإن كانت للتردد بین حالین، فیجمع بین الروايات بأن ذلك
يقع بحسب اختلاف الأحوال، لكون أوقات الليل تختلف في الزمان، وفي الآفاق
باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم، وتأخره عند قوم. وقال بعضهم: يحتمل أن
يكون النزول يقع في الثلث الأول، والقول: يقع في النصف وفي الثلث الثاني.
وقيل: يحتمل على أن ذلك يقع في جميع الأوقات التي وردت بها الأخبار، ويحمل
على أن النبي ◌َّليل أعلم بأحد الأمور في وقت فأخبر به، ثم أعلم به في وقت آخر
فأخبر به، فنقل الصحابة ذلك عنه، انتهى كلام الحافظ. وقال القاري: لا تنافي بين
الروايات؛ لأنه يحتمل أن يكون النزول في بعض الليالي هكذا وفي بعضها هكذا،
كذا قاله ابن حبانظ، وقال ابن حجر: ويحتمل أن يتكرر النزول عند الثلث الأول،
والنصف والثلث الأخير، واختص بزيادة الفضل لحثه على الاستغفار بالأسحار،
ولاتفاق ((الصحيحين)) على روايته، انتهى. (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ) بالنصب
على جواب الاستفهام، وبالرفع على تقدير مبتدأ، أي: فأنا أستجيب له، وكذلك
حكم ((فأعطيه))، ((فأغفر له)). وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في ((تعليقه على
الترمذي)) (ج ٢: ص٣٠٨): ضبطت هي وما بعدها في النسخة اليونينية من البخاري
(ج٢: ص٥٣) بالنصب فقط، ولكن قال الحافظ في ((الفتح)): بالنصب على جواب
الاستفهام، وبالرفع على الاستئناف. وكذا قوله: ((فَأَعْطِيَهُ))، وَ((أَغْفِرُلَهُ)). وقد قرئ

١٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بهما في قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ﴾ [الحديد: ١١] الآية
وليست السين في قوله تعالى: ((فَأَسْتَجِيبَ)) للطلب بل أستجيب بمعنى: أجيب.
(مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟) بفتح الياء وضم الهاء وبسكون الياء وكسر الهاء. (مَنْ
يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟) قيل: الثلاثة المذكورة - وهي الدعاء والسؤال والاستغفار -
بمعنى واحد، وإن اختلف اللفظ، يعني أن المقصود واحد، واختلاف العبارات
لتحقيق القضية وتأكيدها. وقيل: الفرق بين الثلاثة أن المطلوب، إما لدفع
المضار، أو جلب المسار، والثاني، إما ديني، وإما دنيوي، ففي الاستغفار إشارة
إلى الأول، وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث. وزاد في
رواية عند النسائي: ((هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟)) وزادٍ في رواية عنده أيضًا: ((مَنْ ذَا
الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ؟ مَنْ ذَاًّ الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ؟». وزاد في
رواية: ((أَلَا سَقِيمٌ يَسْتَشْفِي فَيُشْفَى؟)) ومعانيها داخلة في ما تقدم. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)
وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي في الصلاة، وفي الدعوات، وأبو داود في
الصلاة، والنسائي في النعوت، وفي ((اليوم والليلة))، وابن ماجه في الصلاة،
والبيهقي (ج٣: ص٢). وفي الباب، عن علي بن أبي طالب وأبي سعيد ورفاعة
الجهني وجبير بن مطعم وابن مسعود وأبي الدرداء وعثمان ابن أبي العاص وجابر
ابن عبد الله وعبادة بن الصامت وعقبة بن عامر وعمرو بن عبسة وأبي الخطاب،
وأبي بكر الصديق، وأنس بن مالك، وأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل،
وأبي ثعلبة الخشني وعائشة، وابن عباس ونواس بن سمعان، وأم سلمة وجد
عبد الحميد بن سلمة، سرد أسماءهم العيني في ((شرح البخاري)) (ج ٧: ص ١٩٧ ،
١٩٨) مع تخريج أحاديثهم، وإنما أشرت إلى كثرة الروايات في ذلك؛ لأن بعض
الناس يستنكفون عن مثل هذا، وينكرون صحة الأحاديث الواردة في هذا الباب؛
لقلة فهمهم، وكثرة جهلهم، أو لعنادهم، كما تقدم عن الخوارج والمعتزلة، وذكر
ابن حبان في كتاب السنة عن أبي زرعة، قال: هذه الأحاديث المتواترة عن
رسول اللَّهِ وَ لَ ((أَنَّ اللهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا)). قد رواه عدة من أصحاب
رسول اللَّه ◌َ له وهي عندنا صحاح قوية، قال رسول اللّهِوَ له: ((ينزل)) ولم يقل كيف
ينزل، فلا نقول: كيف ينزل؟ نقول كما قال رسول اللّه وَ له؛ وروى البيهقي في
كتاب ((الأسماء والصفات)) عن أبي محمد أحمد بن عبد الله المزني يقول: حديث

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٦٩
النزول قد ثبت عن رسول الله وي اله من وجوه صحيحة، وورد في التنزيل ما يصدقه،
وهو قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَقّاً
(٣)﴾ [الفجر: ٢٢] انتهى. وذكر البيهقي عنه
مثل هذا في ((السنن الكبرى)) (ج ٣: ص٣) أيضًا.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ) قال النووي: هو إشارة إلى نشر رحمته،
وكثرة عطائه، وإجابتهً، وإسباغ نعمته. (وَيَقُولُ) أي: بذاته، أو على لسان ملك من
خواص ملائكته. (مَنْ يُقْرِضُ) بضم الياء من الإقراض. والمراد بالقرض: عمل
الطاعة، سواء فيه الصدقة، والصلاة، والصوم، والذكر، وغيرها من الطاعات،
وسماه قرضًا؛ ملاطفة للعباد، وتحريضًا لهم على المبادرة إلى الطاعة، فإن
القرض، إنما يكون ممن يعرفه المقترض، وبينه وبينه مؤانسة ومحبة، فحين
يتعرض للقرض يبادر المطلوب منه بإجابته؛ لفرحه بتأهيله للاقتراض منه، وإدلاله
عليه، وذكره له. والمعنى: من يعطي العبادة البدنية والمالية على سبيل القرض
وأخذ العوض. (غَيْرَ عَدُوم) أي: ربًّا غنيًّا غير فقير عاجز عن العطاء. (وَلَا ظَلُوم)
بعدم وفاء دينه، أو بنقصةً، أو بتأخير أدائه عن وقته. وإنما خص نفي هاتيَّن
الصفتين؛ لأنهما المانعان غالبًا عن الإقراض، فوصف الله تعالى ذاته بنفي هذا
المانع. وحاصل المعنى: من يعمل خيرًا في الدنيا يجد جزاءه كاملًا في العقبى،
فشبه هذا المعنى بالإقراض. وفيه: تحريض على عمل الطاعة، وإشارة إلى جزيل
الثواب عليها. (حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ) أي: ينشق، أو يطلع، ويظهر الصبح وهي غاية
للبسط والقول، أي: لا يزال يقول ذلك، حتى يضيء الفجر. وفيه دليل على امتداد
وقت الرحمة، واللطف التام إلى إضاءة الفجر. وزاد في رواية للدار قطني في آخر
الحديث: ولذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله، وله من رواية ابن
سمعان عن الزهري ما يشير إلى أن قائل ذلك: هو الزهري. وبهذه الزيادة تظهر
وتتضح مناسبة ذكر الحديث في باب: التحريض على قيام الليل.
وفي الحديث من الفوائد: تفضيل صلاة آخر الليل على أوله، وتفضيل تأخير
الوتر، لكن ذلك في حق من طمع أن ينتبه، وأن آخر الليل أفضل للدعاء
والاستغفار. ويشهد له قوله تعالى. وإن الدعاء في ذلك الوقت مجاب. ولا
يعترض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين؛ لأن سبب التخلف وقوع الخلل في
شرط من شروط الدعاء، كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو لاستعجال

١٧٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الداعي، أو بأن يكون الدعاء بإثم أو قطعية رحم، أو تحصل الإجابة ويتأخر وجود
المطلوب لمصلحة العبد، أو لأمر يريده الله تعالى.
١٢٣١ - [٦] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيّ ◌َِّ يَقُولُ: ((إِنَّ فِي اللَّيْلِ
لَسَاعَةً لَا يُوَاِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا
أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح }
الشَّرُْ
١٢٣١- قوله: (إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً) بلام التأكيد، أي: مبهمة كساعة
الجمعة، وليلة القدر، وأبهمت لأجل أن يجتهد الشخص جميع الليل، ولا يقتصر
على العبادة في وقت دون وقت، وسيأتي مزيد الكلام فيه. (لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ)
وكذا امرأة مسلمة. وهذه الجملة صفة لساعة أي: ساعة من شأنها أن يترقب لها،
ويغتنم الفرصة لإدراكها؛ لأنها من نفحات رب رؤوف رحيم، وهي كالبرق
الخاطف، فمن وافقها أي: تعرض لها، واستغرق أوقاته مترقبًا للمعانها فوافقها
قضى وطره. (يَسْأَلُ اللَّهَ) أي: فيها، والجملة صفة ثانية أو حال. (خَيْرًا مِنْ أَمْرِ
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) أي: حقيقة أو حكمًا.
(وَذَلِكَ) أي: المذكور من ساعة الإجابة. (كُلَّ لَيْلَةٍ) بالنصب على الظرفية،
وهو خبر ذلك أي: ثابت في كل ليلة، يعني: وجود تلك الساعة، لا يتقيد بليلة
مخصوصة، أي: لا يختص ببعض الليالي دون بعض، فينبغي تحري تلك الساعة
ما أمكن كل ليلة .
قال النووي: فيه إثبات ساعة الإجابة في كل ليلة، ويتضمن الحث على الدعاء
في جميع ساعات الليل؛ رجاء مصادفتها، انتهى.
وقال العزيزي: قال الشيخ: ظاهر الرواية التعميم في كل الليل، لكن من
المعلوم أن الجوف أفضله، فعلى كل حال ساعة أول النصف الثاني والتي بعدها
(١٢٣١) مُسْلِم (١٦٦ / ٧٥٧) عَنْهُ فِيهِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْل
re
١٧١
أفضل، نعم من لم يقم فيهما فالأخيرة لرواية الحاكم: ((أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُنَادِي إِلَّا إِلَّا
إِلَّا))، وفي أخرى: ((هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ ... )) إلخ. حتى يطلع الفجر،
انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضا أحمد.
١٢٣٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ:
((أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الَّصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ
يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُنَّهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا)).
[متفق عليه]
الشّرْجُ
١٢٣٢ - قوله: (أَحَبُّ الصَّلَاةِ) أي: أكثر ما يكون محبوبًا من جهة شرف
الوقت، وزيادة المشقة على النفس. (إِلَى اللَّهِ) أي: من النوافل. (صَلَاةُ دَاوُدَ)
◌َالَُّ. (وَأَحَبُّ الصِّيَام) أي: أكثر ما يكون محبوبًا. (إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ) وفي
رواية: ((وَأَحَبُّ الصَّوَمَ إِلَى اللِهِ صَوْمُ دَاوُدَ)). واستعمال ((أحب)) بمعنى محبوب
قليل؛ لأن الأكثر في أفعل التفضيل أن يكون بمعنى الفاعل. ونسبة المحبة فيهما
إلى الله تعالى على معنى إرادة الخير لفاعلهما. (كَانَ) استئناف مبين للجملتين
السابقتين. وفي بعض النسخ: ((وكان)) بزيادة الواو. (يَنَامُ) أي: داود. (نِصْفَ
اللَّيْلِ) أي: نصفه الأول، والظاهر: أن المراد كان ينام من الوقت الذي يعتاد فيه
النوم إلى نصف الليل، أو المراد بالليل: ما سوى الوقت الذي لا يعتاد فيه النوم من
أول. والقول: بأنه ينام من أول الغروب لا يخلو عن بُعد.
(وَيَقُومُ) أي: بعد ذلك، ففي رواية لمسلم: ((كَانَ يَرْقُدُ شَطْرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ ثُلُثَ
اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ))، (ثُلُثَّهُ) أي: في الوقت الذي ينادي فيه الرب تعالى هل من سائل؟
هل من مستغفر؟ (وَيَنَامُ سُدُسَهُ) بضم الدال ويسكن، أي: سدسه الأخير، ثم يقوم
عند الصبح، وكان ينام السدس الأخير؛ ليستريح من نصب القيام في بقية الليل،
(١٢٣٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٣١)، ومُسْلِم (١١٥٩/١٨٩) عنه فِيهِ، والنَّسَائِي (٣١٤/٣)، وابن
مَاجَهْ (١٧١٢).

١٧٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وإنما صارت هذه الطريقة أحب إلى الله تعالى؛ لأنه أخذ بالرفق للنفس التي يخشى
منها السآمة، التي هي سبب ترك العبادة، والله تعالى يحب أن يديم فضله ويوالى
إحسانه، قاله الكرماني. وإنما كان ذلك أرفق؛ لأن النوم بعد القيام يريح البدن،
ويذهب ضرر السهر، وذبول الجسم، بخلاف السهر إلى الصباح. وفيه من
المصلحة أيضًا: استقبال صلاة الصبح، وأذكار النهار بنشاط وإقبال؛ ولأنه أقرب
إلى عدم الرياء؛ لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون، سليم القوى، فهو
أقرب إلى أن يخفى عمله الماضي على من يراه، أشار إليه ابن دقيق العيد. قال في
((اللمعات)): قيل: الحديث يشكل بأنه لم يكن عمل نبينا محمد لو دائمًا على هذا الوجه،
فالجواب: أن صيغة التفضيل إما بمعنى أصل الفعل، أو الأحبية إضافية محمولة
على بعض الوجوه؛ لكونه أقرب إلى الاعتدال، وحفظ صحته، ولما قيل في نوم
السدس الأخير من دفع الكلفة والملال، انتهى.
وقال القاري: ولعله وَلّر ما التزم هذا النوم؛ ليكون قيامه جامعًا لمقام سائر
الأنبياء، وليهون على أمته في القيام بوظيفة الإحياء. (وَيَصُومُ) أي: داود. (يَوْمًا
وَيُفْطِرُ يَوْمًا) قال ابن المنير: كان داود ◌ُلِِّ يقسم ليله ونهاره لِحَقِّ ربه، وحق نفسه،
فأما الليل فاستقام له ذلك في كل ليلة، وأما النهار فلما تعذر عليه أن يجزئه
بالصيام؛ لأنه لا يتبعض، جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فيتنزل
ذلك منزلة التجزئه في شخص اليوم، قيل: وهو أشد الصيام على النفس، فإنه لا
يعتاد الصوم ولا الإفطار، فيصعب عليه كل منهما.
وظاهر قوله: ((أَحَبُّ الصِّيَام)» يقتضي ثبوت الأفضلية مطلقًا، ووقع في بعض
الروايات أفضل الصيام صيام داود. ومقتضاه: أن تكون الزيادة عليه كصوم يومين
وإفطار يوم، وكصيام الدهر بلا صيام أيام الكراهة مفضولة، وإنما كان ذلك أعدل
الصيام وأحبه إلى الله؛ لأن فاعله يؤدي حق نفسه، وأهله، وزائره أيام فطره،
بخلاف من يصوم الدهر أي: يتابع الصوم ويسرده، فإنه قد يفوت بعض الحقوق،
وقد لا يشق باعتياده، فلا يحصل المقصود من قمع النفس، نظير ما قاله الأطباء:
من أن المرض إذا تعود عليه البدن لم يحتج إلى دواء، ولم يلتزم النبي وَلّ الوصف
المذكور في صيامه لما قيل: إن فعله كان مختلفًا يتضمن مصالح راجعة إلى أمته
أقويائهم، وضعفائهم، وكان يفعل العبادات بحسب ما يظهر له من الحكمة في

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٧٣
أوقات الطاعات دون الحالات المألوفات، والعادات. وقد روى البخاري وغيره
عن عائشة قالت: ((كان رسول اللّه ◌َ لّ ليدع العمل بالشيء، وهو يحب أن يعمل به؛
خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم))، زاد في رواية قالت: ((وكان يحب ما خف
على الناس)). قال الشوكاني: الحديث يدل على أن صوم يوم، وإفطار يوم أحب
إلى الله من غيره، وإن كان أكثر منه، وما كان أحب إلى الله من فهو أفضل،
والاشتغال به أولى، وفي رواية لمسلم: أن عبد الله بن عمرو قال للنبي بَّ: إني
أطيق أفضل من ذلك فقال ◌َله: (لَا أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ)). ويدل: على أفضليته قيام ثلث
الليل بعد نوم نصفه، وتعقيب قيام ذلك الثلث بنوم السدس الآخر.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في قيام الليل، وفي كتاب الأنبياء، ومسلم في
الصيام، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود في الصوم، والنسائي فيه وفي الصلاة،
وابن ماجه في الصوم، والبيهقي. (ج ٣ ص٣) وأخرج الترمذي فضل الصوم فقط.
١٢٣٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ - تَعْنِي: رَسُولَ اللّهِ وَ - يَنَامُ
أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيُحْيِي آخِرَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ
يَنَامُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ جُنُبًا، وَثَبَ فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ
جُنُبًا تَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
[متفق عليه]
الشّرْحُ
١٢٣٣ - قوله: (تَعْنِي) تفسير لضمير كان. قال ابن الملك: أي: ترید عائشة
بذلك. (رَسُولَ اللَّهِ و ◌َلَّ) بالنصب، وهو مفعول تعني في الظاهر، واسم كان في
المعنى. (يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ) أي: إلى تمام نصفه الأول، ومعلوم أنه كان لا ينام إلا بعد
فعل العشاء؛ لأنه يكره النوم قبلها. (وَيُحْيِي آخِرَهُ) أي: بالصلاة. قال السندي:
من الإحياء، وإحياء الليل تعميره بالعبادة، وجعله من الحياة على تشبيه النوم
بالموت، وضده بالحياة لا يخلو عن سوء أدب، انتهى. وهذا لفظ مسلم. ولفظ
البخاري: ((كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلي))، أي: في السدس الرابع والخامس،
(١٢٣٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٤٦)، ومُسْلِم (٧٣٩/١٢٩) عنها فِيهِ، والنَّسَائِي (٢١٨/٣).

١٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثم يرجع إلى فراشه، أي: لينام السدس السادس؛ ليقوم لصلاة الصبح بنشاط.
(ثُمَّ) أي: بعد صلاته، وفراغه من ورده. (إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) المراد
مباشرة زوجته.
(قَضَى حَاجَتَهُ) أي: فعلها، وفي رواية النسائي: ((فإذا كان له حاجة ألمّ بأهله))
أي: قرب من زوجته، وهو كناية عن الجماع. وكلمة ثم على بابها، كما تقدمت
الإشارة إليه، فيؤخذ منه: أنه ولو كان يقدم التهجد، ثم يقضي أي: بعد إحياء الليل
حاجته من نسائه، فإن الجدير به أداء العبادة قبل قضاء الشهوة. وقيل: يمكن أن
(ثُمَّ)) هاهنا لتراخي الإخبار، أخبرت أولًا: أن عادته وَلّ كانت مستمرة بنوم أول
الليل، وإحياء آخره. ثم إن اتفق له احتياج إلى أهله يقضي حاجته، ثم ينام في كلتا
الحالتين. قال ابن حجر: وتأخير الوطء إلى آخر الليل أولى؛ لأن أول الليل قد
يكون ممتلئًا، والجماع على الامتلاء مضر بالإجماع. (ثُمَّ يَنَامُ) أي: السدس
الأخير ليستريح. (فَإِنْ كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ) تعني: الأذان المتعارف عند تبيين
الصبح. (جُنُبًا وَثَبَ) بواو ومثلثة وموحدة مفتوحات أي: قام بنهجة وشدة
وسرعة .
(فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) أي: أسال على جميع بدنه الماء، يعني: اغتسل. هكذا في
جميع النسخ ((المشكاة))، وكذا في ((المصابيح)) أي: فإن كان عند النداء الأول
جنبًا وثب، فأفاض عليه الماء. ولفظ مسلم: ((فإذا كانت عند النداء الأول قالت
وثب ولا واللَّه ما قالت: قام فأفاض عليه الماء، ولا والله ما قالت: اغتسل وأنا
أعلم ما تريد))، ولفظ البخاري: ((فإذا أذن المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة - أي:
أثر حاجة، أو المراد بالحاجة هي: الجنابة؛ لكونها أثرًا لها، أو المراد: حاجة
الاغتسال بقرينة الجزاء اغتسل - وإلا توضأ وخرج. وهذا يدل على أن بعض الرواة
ذكره بالمعنى، وحافظ بعضهم على اللفظ. ولفظ النسائي: ((فإذا سمع الأذان
وثب، فإن كان جنبًا أفاض عليه من الماء، وإلا توضأ، ثم خرج إلى الصلاة)) أي:
بعد أن صلى ركعتي الفجر.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ) وفي مسلم: توضأ وضوء الرجل للصلاة أي :
إما للتجديد؛ لأن نومه وَاليه لا ينقض الوضوء، أو لحصول ناقض آخر غير النوم.

١٧٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْل
(ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ) وفي مسلم: ثم صلى الركعتين، أي: سنة الصبح في بيته، ثم
خرج إلى المسجد لصلاة الصبح.
ويؤخذ من الحديث: أنه ينبغي الاهتمام بالعبادة، وعدم التكاسل بالنوم،
والإِقبال عليها بنشاط. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ولفظه لمسلم. وأخرجه أيضًا النسائي
والترمذي في الشمائل، وأخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه مختصرًا بلفظ: ((كان
ينام أول الليل ويحيي آخره)) .

١٧٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٢٣٤ - [٩] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّلِ: ((عَلَيْكُمْ بِقِيَام
اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُو قُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ
[حسن بشواهده، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
لِلسَََّّاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْم)).
الشّرْجُ
١٢٣٤ - قوله: (عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ) أي: التهجد فيه. (فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ
قَبْلَكُمْ) بسكون الهمزة ويحرك أي: عادتهم. قال الطيبي: الدأب: العادة والشأن،
وقد يحرك، وأصله من دأب في العمل، إذا جد وتعب، أي: هي عادة قديمة
واظب عليها الأنبياء، والأولياء السابقون. (وَهُوَ) أي: مع كونه اقتداء بسيرة
الصالحين. (قُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ) أي: مما تتقربون به إلى الله تعالى. (وَمَكْفَرَةٌ)
بفتح الميم وسكون الكاف مصدر ميمي بمعنى اسم فاعل من الكفر وهو الستر.
(لِلسَّيِّئَاتِ) أي: خصلة ساترة ماحية لذنوبكم، والحسنات كلها تكفير
للسيئات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقيام الليل
يزيد عليها لكونه (مَنْهَاةٌ) بفتح الميم وسكون النون مصدر ميمي أيضًا بمعنى اسم
فاعل من النهي (عَنِ الإِثْم) كذا في جميع النسخ، وكذا في ((المصابيح))، وهكذا
عند البيهقي، وكذا نقله الجزري (ج١٠ ص٢٦٦). ولفظ الترمذي في حديث أبي
أمامة: ((لِلِإِثْم)) أي: بلام الجر بدل ((عن))، نعم، وقع في رواية بلال عند الترمذي:
((عَنِ الْإِثْم))، والمعنى: ناهية عن ارتكاب ما يوجب الإثم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ
اُلْضَّلَوَةَ تُنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَّرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال الجزري في ((النهاية)):
منهاة عن الإثم؛ أي: حالة من شأنها أن تنهى الإثم، أو هي مكان مختص بذلك،
(١٢٣٤) التِّرْ مِذِي (٣٥٤٩) مِنْ طَرِيقٍ أَبِي إِدْرِيسَ الخَوَلَانِيِّ عَنْ بِلَالٍ، وَضَعَّفَهُ، وَعَلَّقَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةٍ
أَبِي إِدْرِيسَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَرَجَّحَهَا، وَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ (٧٤٦٦) مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي
أُمَامَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا (٦١٥٤) مِنْ حَدِيثٍ سلمَانَ الفَارِسِيِّ، وَزَادَ: وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٧٧
وهي مفعلة من النهي، والميم زائدة. زاد في رواية بلال عند الترمذي والبيهقي،
وفي رواية سلمان الفارسي عند الطبراني في الكبير: ((وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ))
أي: طارد ومبعد للداء عن البدن، أو حالة من شأنها إبعاد الداء، أو مكان مختص
به، ومعنى الحديث: أن قيام الليل قربة تقربكم إلى ربكم، وخصلة تكفر
سيئاتكم، وتنهاكم عن المحرمات، وتطرد الداء عن أجسادكم. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)
في الدعوات، وأخرجه أيضًا ابن أبي الدنيا في كتاب التهجد، وابن خزيمة في
(صحيحه))، والحاكم وابن عدي في ((الكامل))، والطبراني في ((الكبير))
و((الأوسط)) والبيهقي في ((السنن)) (ج٢ ص٥٠٢) كلهم من رواية عبد الله بن
صالح كاتب الليث. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. قال الشوكاني:
عبد الله بن صالح كاتب الليث مختلف فيه، انتهى.
وقال الهيثمي في ((مجمع الزائد)) (ج٢ ص٢٥١): قال عبد الملك بن شعيب بن
الليث: ثقة مأمون، وضعفه جماعة من الأئمة. وقال في ((التقريب)) في ترجمته:
صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة، انتهى. وفي الباب عن بلال
عند الترمذي وغيره بإسناد ضعيف، وعن سلمان الفارسي عند الطبراني وغيره.
وفيه عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون، وثقة دحيم وابن حبان وابن عدي،
وضعفه أبو داود وأبوحاتم.
١٢٣٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ:
(ثَلَاثَةٌ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ: الرَّجُلُ إِذَا قَامَ بِاللَّيْلِ يُصَلِّي، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفّوا فِي
[َرَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ] {ضعيف}
الصَّلَاةِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفَّوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ)).
الشَّرْجُ
١٢٣٥ - قوله: (ثَلاثَةُ) أي: ثلاث رجال، قاله الطيبي. والأولى أشخاص،
ويراد بها: الأنواع؛ ليلائم القوم، ولذا قال ابن حجر: أصناف. وقيل: ثلاثة نفر.
(١٢٣٥) ابن مَاجَهْ (٢٠٠)، وَالبَغَوِيُّ (٩٢٩) فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) عَنْهُ فِيهِ.

١٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(يَضْحَكُ اللَّهُ) قيل: الضحك من اللَّه الرضا، وإرادة الخير. وقيل: بسط الرحمة
بالإقبال وبالإحسان، أو بمعنى: يأمر الملائكة بالضحك، ويأذن لهم فيه، كما
يقال: السلطان قتله، إذا أمر بقتله. قال ابن حبان في ((صحيحه)): هو من نسبة
الفعل إلى الآمر. وهو في كلام العرب كثير. وقيل: إن الضحك وأمثاله مما هو من
قبيل الانفعال، إذا نسب إلى الله يراد به غايته. وقيل: بل المراد: إيجاد الانفعال
في الغير، فالمراد هاهنا: الإضحاك. ومذهب أهل التحقيق: أنه صفة سمعية يلزم
إثباتها مع نفي التشبيه وكمال التنزيه، كما أشار إلى ذلك مالك، وقد سئل عن
الاستواء فقال: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب،
والسؤال عنه بدعة. (إِلَيْهِمْ) قيل: عُدِّي الضحك بإلى لتضمينه معنى الإقبال.
وقال الطيبي: الضحك مستعار للرضى، وفي ((إلى)) معنى الدنو، كأنه قيل: إن
الله يرضى عنهم، ويدنو إليهم برحمته ورأفته، ويجوز أن يضمن الضحك معنى
النظر، ويعدى بإلى. فالمعنى: أنه تعالى ينظر إليهم ضاحكًا، أي: راضيًا عنهم
مستعطفًا عليهم؛ لأن الملك إذا نظر إلى رعيته بعين الرضى لا يدع شيئًا من الإِنعام
إلا فعله، وفي عكسه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل
عمران ٧٧]، أنتهى. قلت: قد تقدم أن مذهب أهل التحقيق إثبات الضحك لله تعالى
من غير تأويل، ولا تكييف، ولا تشبيه، وهو الحق عندنا، فالتفويض، والتسليم
أسلم وأصوب (الرَّجُلُ) خص ذكره نظرًا الغالب الأحوال. (إِذَا قَامَ بِاللَّيْلِ يُصَلِّي)
نفلًا وهو التهجد، ولعله لم يقل: القوم إذا قاموا مع أنه المطابق لما بعده من
المتعاطفين؛ لئلا يوهم قيد الجماعةِ والاجتماع. قال الطيبي: إذا لمجرد الظرفية،
وهو بدل عن الرجل، كقوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ اُنْتَّبَذَتْ﴾ [مريم: ١٦]
أي: ثلاثة رجال يضحك الله منهم وقت قيام الرجل بالليل. وفي إبدال الظرف
مبالغة، كما في قوله: أخطب ما يكون الأمير قائمًا، انتهى.
(وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا) يحتمل البناء للفاعل وللمفعول. (لِلصَّلَاةِ) وسووا صفوفهم
على سمت واحد، وتراصوا كما أمروا به. (وَالْقَوْمُ) المسلمون (إِذَا صَفُوا فِي قِتَالِ
الْعَدُوِّ) أي: لقتال الكفار بقصد إعلاء كلمة الله تعالى. (رَوَاهُ) أي: البغوي. (فِي
شَرْحِ السُّنَّةِ) ونسبه السيوطي في ((الجامع الصغير)) إلى أحمد وأبي يعلى، وأخرجه
ابن ماجه في باب: ما أنكرت الجهمية من كتاب السنة بلفظ: ((إِنَّ اللهَ لَيَضْحَكُ

كِتَابُ الصَّلَاةِ
HoMee
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٧٩
عَلَى ثَلَاثَةٍ : لِلصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ، وَلِلرَّجُلِ يُصَلِّ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَلِلرَّجُلِ يُقَاتِلُ)) أُرَاهُ
قَالَ: خَلْفَ الْكَتِيْبَةِ، وفي سنده عبد الله بن إسماعيل، عن مجالد بن سعيد،
وعبد الله بن إسماعيل هذا قال فيه أبوحاتم والذهبي في ((الكاشف)): مجهول،
ومجالد قال في ((التقريب)) في ترجمته: ليس بالقوى، وقد تغير في آخر عمره،
انتهى. وأخرج له مسلم في ((صحيحه))، لكن مقرونًا بغيره، وأخرجه البزار بغير
هذين السياقين، وفيه محمد بن أبي ليلى، وفيه كلام كثير لسوء حفظه لا لكذبه.
١٢٣٦ - [١١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله:
(أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ
تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا] {صحيحٍ}
الشَّرْحُ
١٢٣٦ - قوله: (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ) بفتح العين المهملة والباء الموحدة.
(أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ) أي: الإنسان حرًّا كان، أو رقيقًا. (فِي جَوْفٍ
اللَّيْلِ) خبر أقرب، أي: أقربيته تعالى من عباده كائنة في الليل. قال الطيبي: إما
حال من الرب، أي: قائلًا في جوف الليل: ((مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ ... ))
الحديث. سدت مسد الخبر، أو من العبد أي: قائمًا في جوف الليل داعيًا
مستغفرًا، ويحتمل أن يكون خبر الأقرب، ومعناه سبق في باب: السجود
مستقصى. فإن قلت: المذكور هاهنا ((أقرب ما يكون الرب من العبد))، وهناك:
((أقرب ما يكون العبد من ربه))، فما الفرق؟ أجيب: بأنه قد علم مما سبق في حديث
أبي هريرة من قوله: (يَنْزِلُ رَبُنَا ... )) إلخ. أي: رحمته سابقة، فقرب رحمة الله من
المحسنين سابق على إحسانهم، فإذا سجدوا قربوا من ربهم بإحسانهم، كما قال
تعالى: ﴿وَأُسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾ [العلق: ١٩] وفيه: أن لطف الله، وتوفيقه سابق على عمل
العبد وسبب له، ولولاه لم يصدر من العبد خير قط، انتهى.
(١٢٣٦) التِّرْ مِذِي (٥٦٩/٥ - ٥٧٠) عَنْهُ فِيهِ.