النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أنه حاكم عليها إيجادًا وإعدامًا، يفعل ما يشاء كل ذلك من نعم الله تعالى على
عباده، فلهذا قرن كلَّ منها بالحمد، وخصص الحمد به، ثم قوله: (أَنْتَ الْحَقُّ)
إشارة إلى أنه المبدئ للفعل والقول ونحوهما إلى المعاش والساعة، ونحوها
إشارة إلى المعاد، وفيه: الإشارة إلى النبوة، وإلى الجزاء ثوابًا وعقابًا، ووجوب
الإسلام، والإيمان، والتوكل، والإنابة، والتضرع إلى الله تعالى والخضوع له،
انتهى. وفيه زيادة معرفة النبي مُقَلّ بعظمة ربه، وعظيم قدرته، ومواظبته في الليل
على الذكر والدعاء، والاعتراف له بحقوقه، والإقرار بصدق وعده ووعيده وغير
ذلك. وفيه: استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب اقتداء به وَله . (لَا
إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُلَكَ) قال القاري: وفي نسخة ((أَوْ)) بدل الواو. قال ميرك: كذا
في البخاري بلفظ: ((أَوْ))، انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب: التهجد بالليل إلا قوله: (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ
بِهِ مِنِّي)، فإنه أخرج الحديث بهذه الزيادة في التوحيد، وزاد في الدعوات: ((أَنْتَ
إِلَهِي لَا إِلَّهَ غَيْرُكَ)). والحديث أخرجه أيضًا مالك في الصلاة، والترمذي في
الدعوات، وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي في الصلاة.
١٢١٩ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ رَِّا قَالَتْ: كَأَنَّ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
اقْتَتَحَ صَلَاتَهُ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَئِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادَِ فِيمَا
كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِ لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ
تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم».
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢١٩ - قوله: (اقْتَتَحَ صَلَاتَهُ) أي: التهجد. (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَئِيلَ) منصوب
على أنه منادى بتقدير حرف النداء، أو بدل من ((اللَّهُمَّ)) لا وصف له؛ لأن لحوق
الميم المشددة مانع من التوصيف عند سيبويه، نعم جوز الزجاج التوصيف أيضًا.
(١٢١٩) مُسْلِم (٢٠٠/ ٧٧٠) عَنْ عَائِشَةَ فِيهِ.
١٤١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
قال القاري: قيل: لا يجوز نصب ((رَبِّ)) على الصفة؛ لأن الميم المشددة بمنزلة
الأصوات، فلا يوصف بما اتصل به، فالتقدير: يا رب جبرئيل. قال الزجاج: هذا
قول سيبويه. وعندي: أنه صفة فكما لا تمتنع الصفة مع ياء لا تمتنع مع الميم. قال
أبوعلي: قول سيبويه عندي أصح، لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد
اللهم، ولذلك خالف سائر الأسماء، ودخل في حيز ما لا يوصف، نحو حيهل،
فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم، فلم يوصف، ذكر الطيبي ((جِبْرَئِيلَ))
بالهمزة، وكذا وقع في ((جامع الترمذي)) والنسائي وابن ماجه بالهمز.
قال ابن ماجه: قال عبد الرحمن بن عمر، يعني شيخه: أحفظوه جبرئيل
مهموزة، فإنه كذا عن النبي وَّ انتهى. وفي بعض نسخ ((المشكاة)): ((جِبْرِيلَ)) أي:
بغير الهمزة، وكذا وقع في نسخ ((مسلم)) و((أبي داود))، وفي ((المصابيح)) و((السنن
البيهقي)) و((جامع الأصول)). (وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ) تخصيص هؤلاء الثلاثة
بالإضافة مع أنه تعالى رب كل شيء، لتشريفهم، وتفضيلهم على غيرهم، والمقام
مقام وصفه تعالى بالملك، والبقاء، والإيجاد. وهذه الصفات لا تعلق لها
بعزرائيل، فلم يتعرض له بالذكر مع كونه أحد الملائكة العظام. قال النووي: قال
العلماء: خصهم بالذكر وإن كان الله تعالى رب كل المخلوقات، كما تقرر في
القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة، وكبير الشأن دون ما
يستحقر، ويستصغر، فيقال له تعالى: رب السماوات ورب الأرض، رب العرش
الكريم، ورب الملائكة، والروح، رب المشرقين، ورب المغربين، رب الناس،
ملك الناس، إله الناس، رب العالمين. فكل ذلك وشبهه وصف له سبحانه بدلا ئل
العظمة، وعظيم القدرة والملك، ولم يستعمل ذلك فيما يحتقر ويستصغر، فلا
يقال: رب الحشرات، وخالق القردة والخنازير. وشبه ذلك على الأفراد، وإنما
يقال: خالق المخلوقات، وخالق كل شيء. وحينئذٍ تدخل هذه في العموم،
انتهى. (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: مبدعهما ومخترعهما. (عَالِمَ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: بما غاب وظهر عند غيره. (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادَِكَ) يوم القيامة
بالتمييز بين المحق والمبطل بالثواب والعقاب. (فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي: من
أمر الدين. (اهْدِنِي) أي: زدني هدى أو ثبتني، فليس المطلوب تحصيل الحاصل.
(لِمَا اخْتُلِفَ) على بناء المفعول. (فِيهِ) أي: للذي اختلف فيه عند مجيء الأنبياء،
١٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
وهو الطريق المستقيم الذي دعوا إليه، فاختلفوا فيه. (مِنَ الْحَقِّ) بيان ((لما)).
(بِإِذْنِكَ) أي: بتوفيقك وتيسيرك. (إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) جملة
استئنافية متضمنة للتعليل. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي في الدعواتَّ، وأبو
داود والنسائي وابن ماجه في الصلاة وابن حبان والبيهقي (ج٣ ص٥).
١٢٢٠ - [٣] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ
تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلََّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ
الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِ - أَوْ قَالَ:
(ثُمَّ دَعَا - اسْتَجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ) [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (صحيح}
الشَّرُْ
١٢٢٠ - قوله: (مَنْ تَعَارَّ) بفتح المثناة الفوقية والعين المهملة وبعد الألف راء
مشددة، أي: انتبه، واستيقظ من النوم. (مِنْ اللَّيْلِ) أي: في الليل. قال
التوربشتي: أنَّ تعار يتعار يستعمل في انتباه معه صوت، يقال: تعار الرجل، إذا
هب من نومه مع صوت، وأرى استعمال هذا اللفظ في هذا الموضع دون الهبوب
والانتباه والاستيقاظ، وما في معناه لزيادة معنى، وهو أنه أراد أن يخبر بأن من هب
من نومه ذاكرًا لله تعالى مع الهبوب، فيسأل الله خيرًا أعطاه إياه، فأوجز في
اللفظ، وأعرض في المعنى، وأتى من جوامع الكلم التي أوتيها بقوله: ((تعار))،
ليدل على المعنيين وأراه مثل قوله تعالى: ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْفَنِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] فإن
معنى خر: سقط سقوطًا يسمع منه خرير، ففي استعمال الخرور في هذا الموضع
تنبيه على اجتماع الأمرين: السقوط، وحصول الصوت منهم بالتسبيح، وكذلك
في قوله: (تَعَارَّ) تنبيه على الجمع بين الانتباه والذكر، وإنما يوجد ذلك عند من
تعود الذكر، فاستأنس به، وغلب عليه حتى صار حديث نفسه في نومه ويقظته،
انتهى. وقال ابن التين: ظاهر الحديث أن معنى (تَعَارَّ)): استيقظ؛ لأنه قال: ((مَنْ
تَعَارَّ فَقَالَ)) فعطف القول على التعار، انتهى. قال الحافظ: يحتمل أن يكون الفاء
(١٢٢٠) البُخَارِي (١١٥٤) عَنْهُ فِهِ.
١٤٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
تفسيرية لما صوت به المستيقظ؛ لأنه قد يصوت بغير ذكر، فخص الفضل المذكور
لمن صوت بما ذكر من ذكر الله تعالى وهذا هو السر في اختيار ((تعار)) دون استيقظ
وانتبه. (لَهُ الْمُلْلُكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ) زاد أبونعيم في ((الحلية)): ((يحيى ويميت)).
(وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) كذا وقع بتقديم التسبيح على الحمد في جميع النسخ
موافقًا لما في ((المصابيح))، وكذا وقع عند الترمذي وأبي داود وابن ماجه، ووقع
في البخاري بتقديم الحمد على التسبيح، وكذا نقله الجزري (ج٥ ص ٧٩).
قال الحافظ: لم تختلف الروايات في البخاري على تقديم الحمد على التسبيح،
لكن عند الإسماعيلي بالعكس، والظاهر: أنه من تصرف الرواة؛ لأن الواو لا
تستلزم الترتيب، انتهى.
(وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ) زاد النسائي وابن ماجه وابن السني: ((الْعَلِيِّ
الْعَظِيمِ))، (ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي) قال القاري: وفي نسخة: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيٍ)).
قلتِ: وهكذا وقع في ((جامع الأصول)). (أَوْ قَالَ: ثُمَّ دَعَا) في البخاري: ((ثُمَّ قَالَ:
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْدَعَا)). قال الحافظ: ((أَوْ)) للشك، ويحتمل أن تكون للتنويع، ويؤيد
الأول ما عند الإسماعيلي بلفظ: (ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي غَفَرَ لَهُ)) أَوْ قَالَ: ((فَدَعَا
اسْتُجِيبَ لَهُ)) شك الوليد راوي الحديث، واقتصر النسائي على الشق الأول.
(اسْتُجِيبَ لَهُ) قال ابن الملك: المراد بها الاستجابة اليقينية؛ لأن الاحتمالية ثابتة
في غير هذا الدعاء. وقال بعض أهل العلم: استجابة الدعاء في هذا الموطن، وكذا
مقبولية الصلاة فيه أرجى منهما في غيره. (فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى) قال الطيبي: الفاء
للعطف على ((دَعَا)) أو على قوله: (فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، والأول أظهر. وقال
القاري: الظاهر هو الثاني. (قُبِلَتْ صَلَاتُهُ) قال ابن الملك: وهذه المقبولية اليقينية
على الصلاة المتعقبة على الدعوة الحقيقية، كما قبلها. قال ابن بطال: وعد الله
على لسان نبيه أن من استيقظ من نومه لهجًا لسانه بتوحيد ربه، والإذعان له
بالملك، والاعتراف بنعمه یحمده عليها، وینزهه عما لا يليق به بتسبيحه والخضوع
له بالتكبير، والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه، أنه إذا دعاه أجابه وإذا صلى
قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به ويخلص نيته
لربه ال .
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا الترمذي في الدعوات وأبو داود في ((الأدب))
والنسائي في ((اليوم والليلة)) وابن ماجه في الدعاء والبيهقي (ج٣ ص٥).
١٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
الفصل الثاني
١٢٢١ - [٤] عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ إِذَا اسْتَيْقَظَ
مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَسْتَغْفِرَُ لِذَنْبِي،
وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِعْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي
مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٢٢١ - قوله: (إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ) أي: انتبه من نومه. (وَبِحَمْدِكَ) لم
أجد هذا اللفظ في نسخ أبي داود، ولا في ((المصابيح))، نعم نقله الجزري في
((جامع الأصول)) (ج٥ ص٧٨) والظاهر أن المصنف ذكره تبعًا للجزري، والله
أعلم. (أَسْتَغْفِرَُكَ لِذَنْبِي) أراد تعليم أمته، أو تعظيم ربه وجلالته، أَوْ سمي تِرك
الأفضل؛ لضرورة بيان الجواز، أو غير ذلك ذنبًا على مقتضى كمال طاعته. (اللَّهُمَّ
زِدْنِي عِلْمًا) التنكير للتفخيم. (وَلَا تُزِعْ قَلْبِي) أي: لا تجعل قلبي مائلًا عن الحق إلى
الباطل، من أزاغ أي: أمال عن الحق إلى الباطل، وزاغ عن الطريق عدل عنه. قال
الطيبي: أي: لا تبلني ببلاء يزيغ فيه قلبي. (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي) أي: أرشدتني إلى الحق
وأقمتني عليه بل ثبتني عليه، و(بَعْدَ) منصوب بـ(لَا تُزِغْ)) على الظرف، و(إِذْ) في
محل الجرِّ بإضافة ((بعد)) إليه خارج عن الظرفية، أي: بعد وقت هدايتك إيانا.
وقيل: إنها بمعنى أن.
(وَهَبْ لِي مِنْ لَدُتْك) متعلق بـ((هب))، ولدن ظرف، وهي لأول غاية زمان أو
مكان، أو غيرهما من الذوات نحو من لدن زيد، فليست مرادفة لعند، بل قد تكون
بمعناها، وأكثر ما تضاف إلى المفردات، وقد تضاف إلى أن وصلتها؛ لأنها في
تأويل المفرد، وقد تضاف إلى الجملة الاسمية أو الفعلية و(مِنْ) لابتداء الغاية أي:
أعطني رحمة كائنة من عندك فضلاً وكرمًا منك.
(١٢٢١) أَبُو دَاوُد (٥٠٦١)، والنَّسَائِي في الكبرى (١٠٧٠١) عَنْهَا فِيهِ.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل
١٤٥
(رَحْمَةً) التنكير للتعظيم أي: رحمة عظيمة واسعة تزلفني إليك، وأفوز بها
عندك، أو توفيقًا للثبات على الإيمان والحق. (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) أي: لكل
مسئول، تعليل للسؤال، أو لإعطاء المسئول. قال ابن الملك: وهذا تعليم للأمة
ليعلموا أن لا يجوز لهم الأمن من مكر الله، وزوال نعمته. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في
((الأدب)). وأخرجه أيضًا النسائي وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه وابن
السني في ((عمل اليوم والليلة)).
١٢٢٢ - [٥] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرٍ طَاهِرًا، فَيَتَعَارُّ مِنَ ◌ّاللَّيْلِ، فَيَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ
إِيَّاهُ))ً.
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٢٢٢ - قوله: (يَبِيتُ) أي: يرقد في الليل. (عَلَى ذِكْرٍ) من الأذكار
المستحبة عند النوم، أو مطلق الأذكار حال كونه (طَاهِرًا) أي: متَوَّضئًا. (فَيَتَعَارُّ)
بتشديد الراء أي: يستيقظ من النوم.
(فَيَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا) كذا في جميع النسخ، وكذا في ((المصابيح)). ولفظ أحمد:
(فَيَسَأَلُ اللهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ))، وفي رواية له: ((خَيْرًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ))، وفي أخرى له أيضًا ولأبي داود: ((خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، ولابن
ماجه: ((فَسَأَلَ اللهَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، أَوْ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ)).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ ص٢٣٥، ٢٤١، ٢٤٤). (وَأَبُو دَاوُدَ) في ((الأدب)) وسكت
عليه هو والمنذري. وأخرجه أيضًا النسائي في ((اليوم والليلة)) وابن ماجه في
((الدعاء))، وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس وأبي أمامة، ذكر أحاديثهم المنذري
في باب: الترغيب في أن ينام الإنسان طاهرًا.
(١٢٢٢) أَحْمَد (٥/ ٢٤١)، وَأَبُو دَاوُد في ((الأدب)) (٥٠٤٢)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٦٤٢)، وَابن
مَاجَهْ (٣٨٨١) عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ.
SCENE
١٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٢٣ - [٦] وَعَنْ شَرِيقِ الْهَوْزَنِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَا
فَسَأَلْتُهَا: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللهِ،ِ يَفْتَتِحُ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: سَأَلْتَنِي
عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كَانَ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلَ كَبَّرَ عَشْرًا، وَحَمِدَ
اللَّهَ عَشْرًا، وقَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)) عَشْرًا، وقَالَ: ((سُبْحَانَ الْمَلِكِ
الْقُدُّوسِ)) عَشْرًا، وَاسْتَغْفَرَ اللهَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ اللهَ عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا، وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) عَشْرًا، ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ.
[رواهُ أَبُو دَاوِدَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٢٢٣ - قوله: (وَعَنْ شَرِيقٍ) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء المهملة بعدها
قاف. (الْهَوْزَنِيّ) بفتح الهاء والزاي نسبة إلى هوزن بن عوف حي من اليمن،
وشريق هذا تابعي حمصي. قال في ((التقريب)): مقبول. وذكره ابن حبان في
((الثقات)). (بِمَ كَانَ) أي: بأي شيء كان. (يَفْتَتِحُ) أي: يبتدئ من الأذكار. (إِذَا
هَبَّ) أي: استيقظ. (مِنَ اللَّيْلِ) قال الطيبي: أي: من نوم الليل والإضافة بمعنى
في. (فَقَالَتْ: سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ) كأنها رضَّا حمدت السائل
على سؤاله. (كَبَّرَ عَشْرًا) أي: قال: الله أكبر، عشر مرات. (وَحَمِدَ اللَّهَ ) أي:
قال: الحمد لله (عَشْرًا) أي: عشر مرات (سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ) أي: المنزه عن
كل عيب وآفة. (وَاسْتَغْفَرَ اللهَ عَشْرًا) اعترافًا بالتقصير وتعليمًا للأمة.
(وَهَلَّلَ اللَّهَ) أي: قال: لا إله إلا الله. (مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا) أي: مكارهها التي
يضيق بها الصدر، ويزيغ القلب.
وقال القاري: أي: شدائدها؛ لأن من به مشقة من مرض، أو دين، أو ظلم
صارت الأرض عليه بعينه ضيقة. (وَضِيقِ يَوْم الْقِيَامَةِ) أي: شدائد أحوالها،
وسكرات أهوالها. (عَشْرًا) فصار المجموع سبعَين المعبر عنه بالكثرة. (ثُمَّ يَفْتَتِحُ
الصَّلَاةَ) أي: صلاة التهجد.
(١٢٢٣) أَبُو دَاوُد (٥٠٨٥)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)» (١٠٧٠٧) عَنْهَا فِيهِ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
١٤٧
ISE
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في ((الأدب))، وسكت عنه.
وقال المنذري: وأخرجه النسائي، وفي سنده بقية بن الوليد، وفيه مقال، انتهى.
قلت: بقية هذا صدوق كثير التدليس، لكن قد صرح بالتحديث في روايته عند
ابن السني (ص٢٤٤) وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم في الصلاة عن
عاصم بن حميد قال: سألت عائشة: بأي شيء كان يفتتح رسول اللّه وَ لخير قيام الليل؟
فقالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا قام كبرٍ عشرًا،
وحمد اللَّه عشرًا، وسبح عشرًا، وهلل عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لِي وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِي، وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ضِيْقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
١٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٢٢٤ - [٧] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
كَبَّرَ، ثُمَّ يَقُولُ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدَِ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ،
وَلَا إِلَهَ غَيْرَُ))، ثم يَقُولُ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا))، ثم يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ
الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْئِهِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ ] {صحيح}
- وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ ((غَيْرُكِ)): ثُمَّ يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) ثَلاثًا، وَفِي
آخِرِ الْحَدِيثِ: ثُمَّ يَقْرَأُ.
الشّرْحُ
١٢٢٤ - قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي: الخدري. (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) أي:
لصلاة التهجد. (كَبَّرَ) للتحريمة. (ثُمَّ يَقُولُ) قال الطيبي: قوله: ((كَبَّرَ ثُمَّ يَقُولُ) في
المواضع الثلاث بالمضارع عطفًا على الماضي؛ للدلالة على استحضار تلك
المقالات في ذهن السامع، و(ثُمَّ) لتراخي الإخبار، ويجوز أن يكون لتراخي
الأقوال في ساعات الليل. (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِلَ) أي: أنزهك تنزيهًا مقرونًا
بحمدك. (وَتَبَارَكَ اسْمُكَ) أي: تكاثر خيره فضلاً عن مسماه. (وَتَعَالَى جَدَُّكَ) أي:
ارتفعت عظمتك فوق كل عظمة تتصور، أو تعالى غناك عن أن يحتاج لأحد. (ثُمَّ
يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ) بالسكون ويضم، قاله القاري. (كَبِيرًا) حال مؤكدة. وقيل:
منصوب على القطع من اسم الله. وقيل: بإضمار أكبر. وقيل: صفة لمحذوف أي:
تكبيرًا كبيرًا. (مِنْ هَمْزِهِ) بدل اشتمال، أي: من نخزه، يعني: وسوسته، وإغوائه،
وفسر أيضًا بالجنون. (وَنَفْخِهِ) أي: كبره وعجبه. (وَنَفْثِهِ) أي: سحره أو شعره،
وكل من الثلاثة بفتح فسكون، وقد تقدم الكلام في معانيها بالبسط في باب: ما
يقرأ بعد التكبير. (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) قاله ابن حجر والحاكم وابن
(١٢٢٤) الترمِذِي (٢٤٢)، وأبو داود (٧٧٥)، والنَّسَائِي (١٣٢/٢) عنه في الصَّلاة.
١٤٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل
حبان في (صحيحه))، انتهى. وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣ ص ٥٠) والبيهقي (ج٢
ص٣٤) مطولًا وابن ماجه مختصرًا. (وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ((غَيْرَُ)) ثُمَّ يَقُولُ:
((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ ثَلَاثًا))) أي: ثلاث مرات، وزاد أيضًا لفظ ثلاثًا بعد قوله: ((اللهُ أَكْبَرُ
كَبِيرًا)، (وَفِي آَخِرِ الْحَدِيثِ) أي: بعد الاستعاذة. (ثُمَّ يَقْرَأُ) أي: يشرع في قراءة
الفاتحة .
والحديث أخرجوه كلهم من طريق جعفر بن سليمان الضبعي، عن علي بن علي
الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد، وقد تكلم فيه أبو داود
والترمذي، وصرح أحمد بعدم صحته. أما أبو داود فقال: هذا الحديث يقولون -
أي: المحدثون: هو عن علي بن علي عن الحسن مرسلًا، الوهم من جعفر،
يعني: وهم جعفر بن سليمان، فرواه موصولًا عن علي بن علي عن أبي المتوكل عن
أبي سعيد، وإنما هو عن علي عن الحسن البصري مرسل، وأما الترمذي فقال:
حديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب، وقال أيضًا: وقد تكلم في إسناد
حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي. وقال أحمد: لا
يصح هذا الحدیث. انتهى.
قلت: الظاهر أن هذا الحديث صحيح لا حجة لمن تكلم فيه، وجعفر بن سليمان
المذكور ثقة، وثقة ابن معين وابن المديني وابن سعد. وقال أحمد: لا بأس به.
وقال أبوأحمد: حسن الحديث معروف بالتشيع، وهو عندي ممن يجب أن يقبل
حديثه. وقال ابن شاهين في ((المختلف فيهم)): إنما تكلم فيه لعلة المذهب، وما
رأيت من طَعَنَ في حديثه إلا ابن عمار بقوله: جعفر بن سليمان ضعيف. وقال
البزار: لم نسمع أحدًا يطعن عليه في الحديث ولا في خطأ فيه، إنما ذكرت عنه
شيعيته. وأما حديثه فمستقيم. وقال ابن حبان: كان من الثقات في الروايات، غير
أنه كان ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، وليس بين أهل
الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن، إذا كانت فيه بدعة ولم یکن يدعو
إليها - الاحتجاج بخبره جائز، انتهى. وأما علي بن علي الرفاعي اليشكري، فهو
أيضًا ثقة، وثقه وكيع وابن معين وأبو زرعة وابن عمار. وقال أحمد وأبوبكر البزار
والنسائي: ليس به بأس. وقال شعبة: اذهبوا بنا إلى سيدنا وابن سيدنا علي بن علي
الرفاعي. وقال الآجري: أثني عليه أبو داود. وقال الفضل بن دكين وعفان: كان
١٥٠
HENCE *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يشبه النبي وَله. وأما أحمد بن حنبل فقال: لا يصح هذا الحديث، كما تقدم، ولم
یبین و جه عدم صحته .
١٢٢٥ - [٨] وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيْتُ عِنْدَ
حُجْرَةِ النَّبِيِّ وَّهِ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ، إِذَا قَامَّ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: ((سُبْحَانَ رَبِّ
الْعَالَمِينَ))، الْهَوِيَّ ثُمَّ يَقُولُ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)) الْهَوِيَّ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَلِلتِّْمِذِيُّ نَحْوَهُ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢٢٥ - قوله: (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ) بن مالك. (الأَسْلَمِيّ) صحابي من أهل
الصفة، خدم النبي ◌َّر، فروى أحمد (ج٤ ص٥٩) عن نعيم بن مجمر عن ربيعة
قال: كنت أخدم رسول اللّه وَله، وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع حتى يصلي
رسول اللّه وَ له العشاء الآخرة، فأجلس ببابه، إذا دخل بيته أقول: لعلها أن تحدث
لرسول اللّه وَلّل حاجة ... إلخ. (كُنْتُ أَبِيْتُ) وفي رواية لأحمد: كنت أنام. (عِنْدَ
حُجْرَةِ النَّبِيِّ وََّ﴾ أي: عند باب الحجرة فيها النبي ◌َّهَ. (فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ) بصيغة
المتكلم والضمير المنصوب للنبي وَّ. (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) يصلي.
(يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ، الْهَوِيَّ) بفتح الهاء وكسر الواو ونصب الياء
المشددة. قال في ((النهاية)): الحين الطويل من الزمان. وقيل: هو مختص بالليل،
فإن قلت: ما الفرق بين قوله: ((هَوِيًّا)) منكرًا في حديث حميد بن عبد الرحمن في
الفصل الثالث، من باب: صلاة الليل، وبين الهوي هاهنا معرفًا؟ قلت: التعريف؛
الاستغراق الحين الطويل بالذكر، بحيث لا يفتر عنه في بعضه، والتنكير لا يفيده
نصًّا، كما تقول: قام زيد اليوم، أي: كله أو يومًا أي: بعضه، ومنه قوله تعالى:
﴿ُبْحَنَ اُلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] أي: بعضًا من الليل، قاله الطيبي. (ثُمَّ
يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، الْهَوِيَّ) وفي رواية لأحمد: فكنت أسمعه، إذا قام من
الليل يصلي الحمد لله رب العالمين الهوي، قال: ثم يقول: ((سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيْمِ
(١٢٢٥) التِّرْ مِذِي (٣٤١٦)، والنَّسَائِي (٢٠٩/٣) عنه فيه.
١٥١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
RICE
وَبِحَمْدِهِ»، الْهَوِيَّ، وفي رواية له أيضًا: كنت أبيت عند باب رسول اللَّه وَّل أعطيه
وضوءه، فأسمعه بعد هوي من الليل، يقول: ((سَمَعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، وأسمعه بعد
الهوي من الليل، يقول: ((الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ))، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) أي: بهذا
اللفظ في باب: ذكر ما يستفتح به القيام، من كتاب قيام الليل.
(وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوَهُ) أي: بمعناه أخرجه في باب: الدعاء إذا انتبه من الليل من
أبواب الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص٥٧، ٥٨) وابن ماجه في باب: ما
يدعو به إذا انتبه من الليل من أبواب الدعاء، والبيهقي (ج٢ ص٤٨٦).
١٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٣ - بَابُ التَّخْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْل
(بَابُ التَّحْرِيضِ) أي: الترغيب والتحثيث. (عَلَى قِيَامِ اللَّيْلُ) أي: صلاة التهجد.
الفصل الأول
١٢٢٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ قَالَ: ((يَعْقِدُ
الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ، إِذَا هُو نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ
عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ
تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ،
وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ)).
[متفق عليه]
الشّرُْ
١٢٢٦ - قوله: (يَعْقِدُ) بكسر القاف أي: يشد ويربط. (الشَّيْطَانُ) المراد به:
الجنس، ويكون فاعل ذلك القرين أو غيره من أعوان الشيطان، ويحتمل أن يراد
به: رأس الشياطين وهو إبليس، وتجوز نسبة ذلك إليه؛ لكونه الآمر لأعوانه بذلك
الداعي إليه. (عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ) أي: مؤخره، وقفاه وقافية كل شيء آخره،
ومنه قافية الشعر؛ لأنه آخرَه. وظاهر قوله: ((أَحَدِكُمْ)) التعميم في المخاطبين،
ومن في معناهم، ويمكن أن يخص منه من ورد في حقه، أنه يحفظ من الشيطان،
كالأنبياء ومن يتناوله قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]، وكمن قرأ
آية الكرسي عند نومه لطرد الشيطان، فقد ثبت أنه يحفظ من الشيطان حتى يصبح.
(إِذَا هُوَ نَامَ) أي: حين نام. قال الحافظ: كذا للأكثر، وللحموي والمستملي: ((إِذَا
(١٢٢٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٤٢)، ومُسْلِم (٢٠٧/ ٧٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّلَاةِ، وأَبُو دَاوُد
(١٣٠٦)، والنَّسَائِي (٢٠٣/٣).
كِتّابُ الصَّلَاةِ
se
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٥٣
هُوَ نَائِمٌ)) بوزن فاعل، والأول أصوب، وهو الذي في ((الموطأ))، انتهى. وقيل: بل
الظاهر: أن رواية المستملي أصوب؛ لأنها جملة اسمية، والخبر فيها اسم.
(ثَلاثَ عُقَدٍ) كلام إضافي منصوب، لأنه مفعول، والعقد بضم العين وفتح
القاف جمع عقدة بسكون القاف، والتقييد بالثلاث. إما للتأكيد، أو لأنه يريد أن
يقطعه عن ثلاثة أشياء: الذكر، والوضوء، والصلاة، فكأنه منع من كل واحدة منها
بعقدة عقدها على مؤخر رأسه، وكان تخصيص القفا بذلك، ولكونه محل
الواهمة، ومحل تصرفها، وهو أطوع القوى للشيطان، وأسرع إجابة لدعوته.
(عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ) متعلق بـ((يَضْرِبُ))، وللمستملي: ((على مكان كل عقدة))،
والكشمهيني: ((عند مكان كل عقدة)). وقوله: (يَضْرِبُ) أي: بيده على العقدة
تأكيدًا وإحكامًا لها قائلاً: عليك ليل طويل. وقيل: معناه يلقي الشيطان في نفس
النائم هذا القول، ويسوله واقعًا، ومستوليًا على كل عقدة يعقدها من ضرب الشبكة
على الطائر ألقاها عليه. وقيل: ومعناه: يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَ ءَذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] أي: حجبنا الحس أن يلج في
آذانهم، فينتبهوا، وفي حديث أبي سعيد: «مَا يَنَامُ أَحَدٌ إِلَّ ضُرِبَ عَلَى سِمَاخِهِ
بِجَرِيرٍ مَعْقُودٍ)). أخرجه المخلص في ((فوائده)). والسماخ بكسر السين المهملة
وآخره معجمة، ويقال: بالصاد المهملة بدل السين.
(عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ) أي: يضرب على كل عقدة قائلًا: ((عَلَيْكَ لَيْلٌ
طَوِيْلٌ ... )) إلخ. فالجملة مفعول للقول المحذوف، وارتفاع ((ليل)) بالابتداء،
وعليك خبره مقدمًا، أي: باق عليك ليل طويل، ويجوز أن يكون ارتفاع ليل بفعل
محذوف، أي: بقي عليك ليل طويل، وعلى هذا كان الفاء في قوله: (فَارْقُدْ) رابطة
شرط مقدر، أي: وإذا كان كذلك فارقد، ولا تعجل بالقيام ففي الوقت متسع.
وقيل: قوله: ((عليك)) غراء أي: عليك بالنوم أمامك ليل طويل، فالكلام جملتان،
والثانية مستأنفة كالتعليل للجملة الأولى. وفي رواية مسلم: ((عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا)).
قال عياض: رواية الأكثرين عن مسلم بالنصب على الإغراء. قال القرطبي: الرفع
أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور من حيث أنه يخبره عن طول الليل،
ثم يأمره بالرقاد بقوله: ((فَارْقُدْ)). وإذا نصب على الإغراء، لم يكن فيه إلا الأمر
ESONE
١٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
:*
*
بملازمة طول الرقاد، وحينئذٍ يكون قوله: ((فَارْقُدْ)) ضائعًا، ومقصود الشيطان
بذلك: تسویفه بالقیام، والإلباس عليه.
وقد اختلف في هذا العقد: فقيل: هو على الحقيقة، وأنه كما يعقد الساحر من
يسحره، وأكثر من يفعله النساء تأخذ إحداهن الخيط، فتعقد منه عقدة، وتتكلم
عليها بالكلمات السحرية، فيتأثر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِن
شَرِّ النَّفَّئَتِ فِىِ الْعُقَدِ ﴾﴾ [العلق: ٤] وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس
لا قافية نفسها، وهل العقد في شعر الرأس، أو في غيره؟ الأقرب الثاني؛ إذ ليس
لكل أحد شعر، ويؤيده رواية ابن ماجه بلفظ: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ
أَحَدِكُمْ بِاللَّيْلِ بِحَيْلِ فِيْهِ ثَلاثُ عُقَدٍ»، ولأحمد: ((إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ عُقِدَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ
بِجَريرٍ))، ولابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر: ((مَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى إِلَّا عَلَى
رَأْسِهِ جَرِيْرٌ مَعْقُودٌ حِيْنَ يَرْقُدُ .. ))، الحديث. والجرير بفتح الجيم هو الحبل،
وقيل: هو على المجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم من منعه من الذكر والصلاة
بفعل الساحر بالمسحور بجامع المنع من التصرف، فلما كان الساحر يمنع بعقده
ذلك تصرف من يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم، الذي لا يقوم من
نومه إلى ما يحب من ذكر الله والصلاة، وقيل: المراد به عقد القلب وتصميمه على
الشيء كأنه يوسوس له، بأنه بقي من الليل قطعة طويلة، فيتأخر عن القيام،
وانحلال العقد كناية عن علمه بكذبه فيما وسوس به. وقيل: العقد كناية عن تثبيط
الشيطان، وتعويقه للنائم من قيام الليل بالقول المذكور، ومنه: عقدت فلانًا عن
امرأته أي: منعته عنها، أو عن تثقيله عليه النوم، وإطالته، كأنه قد سد عليه سدًّا،
وعقد علیه عقدًا.
قال البيضاوي: عقد الشيطان على قافيته استعارة عن تسويل الشيطان، وتحبيبه
النوم إليه، والدعة والاستراحة، يعني: أن الشيطان يحبب إليه النوم، ويزين له
الدعة والاستراحة، ويسول كلما انتبه أنه لم يستوف حظه من النوم، فيوثقه عن
القيام إلى العبادة، ويبطئه بتلك التسويلات عن النهوض إليها .
(فَإِنِ اسْتَيْقَظَ) أي: من نوم الغفلة. (فَذَكَرَ اللَّهَ) بأي ذكر كان، لكن المأثور
أفضل. قال الحافظ: لا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزئ غيره بل كل ما صدق
عليه ذكر الله أجزأ، ويدخل فيه تلاوة القرآن، وقراءة الحديث النبوي، والاشتغال
١٥٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
بالعلم الشرعي، وأولى ما يذكر به ما تقدم في الباب الذي قبله من حديث عبادة بن
الصامت. (انْحَلَّتْ) أي: انفتحت. (عُقْدَةٌ) واحدة من الثلاث. (فَإِنْ تَوَضَّأَ) خص
الوضوء بالذكر؛ لأنه الغالب، وإلا فالجنب لا تنحل عقدته إلا بالاغتسال، والتيمم
يقوم مقام الوضوء والغسل، ويجزئ عنهما لمن ساغ له ذلك، ولا شك أن في
معاناة الوضوء عونًا كبيرًا على طرد النوم، لا يظهر مثله في التيمم. (انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ)
أخرى ثانية. (فَإِنْ صَلَّى) أي: النافلة ولو ركعتين. قال العراقي في ((شرح
الترمذي)): السر في استفتاح الصلاة بركعتين خفيفتين المبادرة إلى حل عقد
الشيطان، وبناه على أن الحل لا يتم إلا بتمام الصلاة. قال الحافظ: وهو واضح،
وقد وقع عند ابن خزيمة عن أبي هريرة في آخر الحديث: ((فَحُلُّوا عُقَدَ الشَّيْطَانِ وَلَوْ
بِرَكْعَتَيْنِ))، فعله ◌َّل مع كونه محفوظًا، منزها عن عقد الشيطان؛ تعليمًا للأمة،
وإرشادًا لهم إلى ما يحفظهم من الشيطان .
(انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا بلفظ الإفراد، وكذا وقع
في ((المصابيح)). قال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ((انْحَلَّتْ عُقْدُهُ)) بلفظ الجمع بغير
اختلاف في البخاري، ووقع لبعض رواة الموطأ بالإِفراد، انتهى. قال القاري:
فينبغي أن يكون في ((المشكاة)) بلفظ الجمع لقوله في آخره: ((متفق عليه))، لكن في
جميع النسخ الحاضرة بلفظ الإفراد، ذكره مَيْرَكْ، انتهى.
قلت: وقع في نسخ البخاري الموجودة الحاضرة عندنا من طبعات الهند
ومصر: ((انحلت عقدة)) أي: بالإفراد. وقال القسطلاني قوله: ((عقده)) ضبطها في
اليونينية بلفظ الجمع والإفراد، كما ترى. قال ابن قرقول في ((مطالعه)) كعياض في
((مشارقه)): لا خلاف في الأولى والثانية أنه بالإفراد، واختلف في الثالثة فقط فوقع
في ((الموطأ)) لابن وضاح على الجمع، وكذا ضبطناه في البخاري، وكلاهما -
يعني: الجمع والإفراد - صحيح والجمع أوجه. لاسيما وقد جاء في رواية مسلم
في الأولى ((عقدة))، وفي الثانية ((عقدتان))، وفي الثالثة ((العُقد))، انتهى.
قال الحافظ: ويؤيد الإفراد رواية أحمد بلفظ: ((فَإِنْ ذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدةٌ
وَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَامَ فَتَوضَّأَ أُطْلِقَتِ الثَّانِيَةَ، فَإِنْ صَلَّى أُطْلِقَتِ الثَّالِثَةُ))، وكأنه محمول
على الغالب، وهو من ينام مضطجعًا، فيحتاج إلى الوضوء إذا انتبه، فيكون لكل
فعل عقدة يحلها، ويؤيد الأول - أي: الجمع - ما في بدء الخلق عند البخاري
١٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
بلفظ: ((عُقَدُهُ كُلَّهَا)). ولمسلم: ((انْحَلَّتِ الْعُقَدُ))، وظاهر رواية الجمع: أن العقد
تنحل كلها بالصلاة خاصة، وهو كذلك في حق من لم يحتج إلى الطهارة، كمن نام
متمكنًا غير متكئ مثلًا، ثم انتبه فصلى من قبل أن يذكر أو يتطهر، فإن الصلاة
تجزِئه في حل العقد كلها؛ لأنها تستلزم الطهارة، وتتضمن الذكر، وعلى هذا
فیکون معنى قوله: ((فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّها)»، إن کان المراد به: من لا يحتاج
إلى الوضوء، فظاهر على ما قررناه، وإن كان من يحتاج إليه، فالمعنى: انحلت
بكل عقدة، أو انحلت عقده كلها بانحلال الأخيرة، التي بها يتم انحلال العقد،
انتهى. (فَأَصْبَحَ) أي: دخل في الصباح أو صار. (نَشِيطًا) أي: لسروره بما وفقه
اللَّه له من الطاعة، وبما وعده من الثواب، وما زال عنه من عقد الشيطان.
(طَيِّبَ النَّفْسِ) لما بارك اللَّه له في نفسه من هذا التصرف الحسن، كذا قيل.
قال الحافظ: والظاهر أن في صلاة الليل سرًّا في طيب النفس، وإن لم يستحضر
المصلي شيئًا مما ذكر. (وَإِلَّا) أي: وإن لم يفعل كذلك، بل ترك الذكر والوضوء
والصلاة. (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ) أي: محزون القلب كثير الهم. قيل: هذا
الحديث يعارض قوله وَ له: ((لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبْئَتْ نَفْسِي)»، قال ابن عبد البر:
وليس كذلك؛ لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهة لتلك
الكلمة، وهذا الحديث وقع ذمَّا لفعله، ولكل من الحدیثین وجه.
وقال الباجي: ليس بين الحديثين اختلاف؛ لأنه نهى عن إضافة ذلك إلى
النفس؛ لكون الخبث بمعنى فساد الدين، ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيرًا
منها وتنفيرًا. قال الحافظ: تقرير الإشكال: أنه تمَّ نهى عن إضافة ذلك إلى النفس،
فكل ما نُهي المؤمن أن يضيفه إلى نفسه نهي أن يضيفه إلى أخيه المؤمن، وقد
وصف وَّ هذا المرء بهذه الصفة، فيلزم جواز وصفنا له بذلك لمحل التأسي،
ويحصل الانفصال فيما يظهر بأن النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على
الوصف بذلك كالتنفير والتحذير، انتهى.
(كَسْلَانَ)؛ لبقاء أثر تثبيط الشيطان، ولشؤم تفريطه، وظفر الشيطان به بتفويته
الحظ الأوفر من قيام الليل، فلا يكاد يخف عليه صلاة، ولا غيرها من القربات
والطاعات. و((كسلان)) غير منصرف للوصف وزيادة الألف والنون مذکر کسلی،
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْل
١٥٧
ومقتضى قوله: ((وإِلَّا أَصْبَحَ)) أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح
خبيثًا كسلان، وإن أتى ببعضها، لكن يختلف ذلك بالقوة والخفة، فمن ذكر الله
مثلًا، كان في ذلك أخف ممن لم يذكر أصلًا. وهذا الذم مختص بمن لم يقم إلى
الصلاة وضيعها، أما من كانت له عادة فغلبته عينه، فقد ثبت أن الله یکتب له أجر
صلاته ونومه علیه صدقة، ذكره ابن عبد البر.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(ج٢: ص٥١) و(ج ٣: ص ١٥) وغيرهم.
١٢٢٧ - [٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ وَِّ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ،
فَقِيلَ لَّهُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: ((أَفَلَا
أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)).
[متفق عليه]
الشّرْجُ
١٢٢٧ - قوله: (قَامَ النَّبِيُّ ◌ََّ) أي: في صلاة الليل. وقال ابن حجر: أي:
صلى ليلًا طويلًا. وقيل: التقدير: قام بصلاة الليل على وجه الإطالة والإدامة.
(حَتَّى تَوَرَّمَتْ) بتشديد الراء أي: انتفخت من طول القيام. (قَدَمَاهُ) مرفوع؛ لأنه
فاعل تورمت. وفي رواية البخاري: ((كان يصلي حتى ترم، أو تنتفخ قدماه)). وفي
أخرى له: ((إن كان ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه، أو ساقاه)). وفي حديث عائشة
عند البخاري: ((كان يقوم من الليل، حتى تتفطر قدماه)). وفي حديث أبي هريرة
عند النسائي: ((حتى تزلع - يعني: تشقق - قدماه)). ولا اختلاف بين هذه
الروايات، فإنه إذا حصل الورم، أو الانتفاخ حصل الزلع والتشقق.
(فَقِيلَ لَهُ) لم يبين القائل من هو. وفي حديث عائشة: فقالت عائشة: ((لِمَ تصنع
هذا يا رسول اللَّه وَلَّه ... )) إلخ. (لِمَ تَصْنَعُ هَذَا) لم أجد هذه الجملة في رواية
(١٢٢٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٨٣٦)، ومُسْلِم (٢٧١٩/٧٩) عَنْه فِيهِ، والتِّرْمِذي (٤١٢)، والنَّسَائِي
(٢١٩/٣).
١٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المغيرة عند أحد ممن خرج حديثه، نعم هي في حديث عائشة، كما تقدم. وفي
رواية لمسلم من حديث المغيرة: ((أَتَكْلَفُ هَذَا؟)) والمعنى: أتلزم نفسك بهذه
الكلفة، والمشقة؟ وفي حديث أبي هريرة عند البزار: ((أتفعل هذا، وقد جاءك
من الله أن غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟)) قيل: الاستفهام للتعجب.
(وَقَدْ غُفِرَ لَكَ) بصيغة المجهول. وفي البخاري: ((قد غفر اللَّه لك)). (مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) أي: جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه. قيل: هو
محمول على ترك الأولى، وسمي ذنبًّا؛ لعظم قدره وَّر، كما قيل: حسنات الأبرار
سيئات المقربين. قيل: المراد: لو وقع منك ذنبٍ لكان مغفورًا، ولا يلزم من
فرض ذلك وقوعه، والله أعلم. (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) تقديره: أأترك عبادة ربي
لما غفر لي؟ فلا أكون شاكرًا على نعمة المغفرة، وغيرها مما لا تعد ولا تحصى من
خير الدارين، والعبادة لا تحصر في مغفرة الذنوب، بل إنما وجبت شكرًا لنعم
المولى تعالى.
قال الطيبي: الفاء مسبب عن محذوف أي: أأترك قيامي وتهجدي لما غفر لي؟
فلا أكون عبدًا شكورًا، يعني: أن غفران اللَّه إياي سبب لأن أقوم وأتهجد شكرًا له،
فكيف أتركه، أي: كيف لا أشكره وقد أنعم علي، وخصني بخير الدارين؟ فإن
الشكور من أبنية المبالغة يقتضي بنعمة خطيرة، وتخصيص العبد بالذكر مشعر
بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثم وصفه به في مقام الإسراء، ولأن
العبودية تقتضي صحة النسبة، وليست إلا بالعبادة، والعبادة عين الشكر. وقال
القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة، أنه إنما يعبد الله خوفًا
من الذنوب، وطلبًا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك،
فأفادهم أن هناك طريقًا آخر للعبادة، وهو الشكر على المغفرة، وإيصال النعمة لمن
لا يستحق عليه فيها شيئًا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر الاعتراف
بالنعمة، والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمي شكورًا، ومن ثم قال تُقَالَ:
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على
نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه؛ لأنه ◌َّليّ إذا فعل ذلك مع علمه بما
سبق له، فكيف بمن لم يعلم بذلك، فضلًا عمن لم يأمن أنه استحق النار؟! انتهى.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٥٩
قال الحافظ: ومحل ذلك إذا لم يفض إلى الملال؛ لأن حال النبي وَلَه كانت
أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه قال:
((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))، كما أخرجه النسائي من حديث أنس، فأما
غيره وَّر، فإذا خشي الملل لا ينبغي له أن يُكْرِهَ نفسه، وعليه يحمل قوله وَله:
((خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تَطِيْقُونَ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا)). وفي الحديث:
مشروعية الصلاة للشكر، وفيه: أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، كما
قال الله تعالى ﴿أَعْمَلُوْ ءَلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في تفسير سورة الفتح، إلا قوله: ((لِمَ تَصْنَعُ هَذَا))
فإنه ليس عند البخاري، بل ولا عند غيره من مخرجي هذا الحديث. وأخرجه
مسلم في أواخر الكتاب في باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، والترمذي
والنسائي وابن ماجه في الصلاة.
١٢٢٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ بَهَ رَجُلٌ، فَقِيلَ
لَهُ: مَازَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: ((ذَلِكَ رَجُلٌ بَالَ
الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ)) أَوَ قَالَ: ((فِي أُذُنَيْهِ)).
[متفق عليه]
الشَّرْخُ
١٢٢٨ - قوله: (ذُكِرَ) بضم الذال على بناء المفعول. (رَجُلٌ) قال الحافظ: لم
أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي
عن ابن مسعود ما يؤخذ منه: أنه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: ((وايم الله،
لقد بال في أذن صاحبكم ليلة))، يعني: نفسه.
(فَقِيلَ) أي: قال رجل من الحاضرين. (لَهُ) ليس هذا اللفظ في ((الصحيحين))،
ولا في ((المصابيح))، ولا في ((جامع الأصول)) (ج٧: ص٤٦). (مَازَالَ) أي: الرجل
المذكور. (نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ) وفي رواية للبخاري: ذكر رجل نام ليلة حتى أصبح.
(١٢٢٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٤٤)، ومُسْلِم (٧٧٤٢٠٥) عَنْهُ فِيهِ، والنَّسَائِي (٢٠٤/٣)، وابن
مَاجَهْ (١٣٣٠).