النص المفهرس

صفحات 121-140

SCENE
١٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
*
١٢١١ - [١٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلّهِ خَرَجَ لَيْلَةً، فَإِذَا
هُو بِأَبِي بَكْرِ يُصَلِّ يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ، وَمَرَّ بِعُمَرَ وَهُو يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَّهُ،
قَالَ: فَلَّمَّا الجَّتَمَعَا عِنْدَ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي
تَخْفِضُ صَوْتَكَ)) قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَاً رَسُولَ اللَّهِ، وقَالَ لِعُمَرَ :
((مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوقِظُ الْوَسْنَانَ،
وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا)) وَقَالَ
لِعُمَرَ: ((اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا)). [رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَرَوَى النَّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ] (صحيح}
الشَّرْحُ
١٢١١ - قوله: (فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ) قال الطيبي: أي: مار بأبي بكر. (يُصَلِّي)
حال عنه. (يَخْفِضُ) حال عن ضمير ((يصلي)). (مِنْ صَوْتِهِ) ((مِنْ)) زائدة أو تبعيضية،
أو بعض صوته. (قَالَ) أي: أبوقتادة. (فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ) أي:
النبيِ وَله. (وَأَنْتَ تُصَلَّي) وفي رواية الترمذي: ((وَأَنْتَ تَقْرَأ)) وهي جملة حالية.
(تَخْفِضُ صَوْتَكَ) بدل أو حال. وفي بعض نسخ أبي داود: ((تَخْفِضُ مِنْ صَوْتِكَ)).
(قَالَ) أبوبكر. (قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ) جواب متضمن لِعِلَّةِ الخفض، أي: أنا
أناجي ربي وهو يسمع لا يحتاج إلى رفع الصوت. (أُوقِظُ) أي: أنبه. (الْوَسْنَانَ)
أي: النائم الذي ليس بمستغرق في نومه، من وسن يوسن وسنًا وسنة أخذه ثقل
النوم، أو اشتد نعاسه. (وَأَطْرُدُ) أي: أبعد. (الشَّيْطَانَ) ووسوسته بالغفلة عن ذكر
اللَّه (يَا أَبَا بَكْرٍ ، ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا) أي: قليلًا؛ لينتفع بك سامع ويتعظ مهتد.
(وَقَالَ لِعُمَرَ: اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا) أي: قليلًا؛ لئلا يتشوش بك نحو مصل،
أو نائم معذور. قال الطيبي: نظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا
وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] كأنه قال للصديق: أنزل من مناجاتك ربك شيئًا
قليلًا، واجعل للخلق من قراءتك نصيبًا، وقال للفاروق: ارتفع من الخلق هونًا،
واجعل لنفسك من مناجاة ربك نصيبًا، وفيه هداية للأمر الوسط الذي هو خير
(١٢١١) أَبُو دَاوُد (١٣٢٩) عَنْهُ فِيهِ، وَلِلتِّرْ مِذِيِّ (٤٤٧) نَحْوُه، وَرَجَّحَ إِرْسَالَهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
seri
١٢١
الأمور، وتصرف بتغيير ما هما، وذلك من دأب المرشدين. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) مسندًا
ومرسلًا، وكذا البيهقي (ج٣ ص١١). (رَوَى التِّرْ مِذِيُّ نَحْوَهُ) أي: بمعناه. وقال:
حديث غريب. وإنما أسنده يحيى بن إسحاق عن حماد بن سلمة، وأكثر الناس إنما
رووا هذا الحديث عن ثابت عن عبد الله بن رباح مرسلاً، انتهى. قال العلامة أحمد
محمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)) (ج٢ ص ٣٣٠): هذا التعليل لا يؤثر في
صحة الحديث، فإن یحیی بن إسحاق ثقة صدوق، كما قال أحمد. وقال ابن سعد :
كان ثقة حافظًا لحديثه، ووصل الحديث زيادة يجب قبولها، والحديث قد سكت
عنه أبو داود.
وقال المنذري بعد نقل كلام الترمذي: يحيى بن إسحاق هذا هو البجلي
السيلحيني، وقد احتج به مسلم في ((صحيحه))، انتهى. وفي الباب عن علي عند
أحمد برجال ثقات، وعن عمار بن ياسر عند الطبراني في ((الكبير))، وفي سنده
أيوب بن جابر، وثقه أحمد وعمرو بن علي، وضعفه ابن المديني وابن معين، وعن
أبي هريرة عند أبي داود، وقد سكت عنه هو والمنذري.
١٢١٢ - [١٨] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ حَتَّى أَصْبَحَ بِآيَةٍ،
وَالْآيَةُ: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ الْحَكِيمُ
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
[المائدة: ١١٨ ].
الشَّرْجُ
١٢١٢ - قوله: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ) أي: في صلاته ليلاً. (بِآيَةٍ) متعلق بـ(قَامَ)
أي: أخذ يقرأها من لدن قيامه، ويتفكر في معانيها مرة بعد أخرى، قاله الطيبي.
وفي رواية لأحمد (ج٥ ص١٤٩) قال: صَلَّى رسولُ اللَّه وَ ل ◌َه ليلة فقرأ بآية حتى
أصبح يركع بها، ويسجد بها. وفي ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد: قام المصطفى وَل
ليلة فقرأ آية واحدة الليل كله حتى أصبح بها يقوم وبها يركع، والمعنى: أنه وَّجله قد
استمر يكررها ليلته كلها في ركعات تهجده، فلم يقرأ فيها بغيرها. (وَالآيَةُ) أي:
(١٢١٢) النَّسَائِي (٢/ ١٧٧)، وَابن مَاجَهْ (١٣٥٠) عَنْ أَبِي ذَرٍّ .

١٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
these
المعهودة. (﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادُكَ﴾) أي: لا اعتراض على المالك المطلق فيما
يفعل في ملكه. (﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾) أي: مع كفرهم.
(﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ الْحَكِيمُ (٣٨)﴾) أي: القوي القادر على الثواب والعقاب، لا
تثيب ولا تعاقب إلا عن حكمة. وقيل: المعنى ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: من أقام على
الكفر منهم، ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ أي: تصنع بهم ما شئت، وتحكم فيهم بما تريد، لا
اعتراض عليك، ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: لمن آمن منهم، ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ
(٣)﴾ أي: القادر على ذلك الحكيم في أفعاله، وإنما كررها وَ ل حتى أصبح لما
اعتراه عند قراءتها من هول ما ابتدئت به، ومن حلاوة ما اختتمت به، والآية من
قول عيسى الَّ في حق قومه، وكأنه عرض وَلّ حال أمته على الله سبحانه وتعالى
واستغفر لهم، يدل على ذلك ما زاد أحمد في روايته: فلما أصبح قلت: يا
رسول اللَّه، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟! قال:
((إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي وَنَ الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِيهَا، وَهِي نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ
بِاللّهِ شَيْئًا))، انتهى.
والحديث يدل على جواز تكرار الآية في الصلاة، ولعل ذلك كان قبل النهي عن
القراءة في الركوع والسجود، أو أنه كان يقرأ بها في الركوع والسجود بنية الدعاء لا
بنية القراءة والتلاوة، والله أعلم.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) أي: في ((سننه الكبرى)). (وابْنُ مَاجَهْ) قال في ((الزوائد)): إسناده
صحيح، ورجاله ثقات، ثم قال: رواه النسائي في (الكبرى)) وأحمد في ((المسند))
(ج٥ ص١٤٩، ١٥٦) وابن خزيمة في (صحيحه))، والحاكم، انتهى. وهو في
((المستدرك)) (ج١ ص٢٤١) ووافقه الذهبي على تصحيحه، ورواه بقصة مطولة
المروزي في قيام الليل (ص٥٩) وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) مطولًا بألفاظ
مختلفة (ج٢ ص٢٤٩، ٢٥٠) ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وابن مردويه والبيهقي،
وهو في ((السنن الكبرى)) من طريقين (ج٣ ص١٣، ١٤). وفي الباب عن عائشة
قالت: قام النبي ◌َالهربآية من القرآن ليلة. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن
غريب.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ صَلَاةِ اللّيْل
ee
١٢٣
١٢١٣ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِذَا صَلَّى
أَحَدُكُمْ رَكْعَتَي الْفَجْرِ ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
٤١ ٤٠ جـ
الشرحُ
١٢١٣ - قوله: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَي الْفَجْرِ) يعني: سنة الفجر، كما
يشهد له حديث عائشة أول الفصل الأول. (فَلْيَضْطَجِعْ) أي: ندبًا واستحبابًا لما
تقدم في شرح عائشة في الفصل الأول. (عَلَى يَمِينِهِ) ولفظ الترمذي: ((على شقه
الأيمن) أي: جنبه الأيمن، وهذا نص صريح في مشروعية الاضطجاع بعد سنة
الفجر لكل أحد، المتهجد وغيره، والمصلي ركعتي الفجر في المسجد وفي
البيت؛ لأن الحديث مطلق، ولا دليل على تقييده بالمتهجد، وبالمصلي في
البيت. وللعلماء في هذا الاضطجاع أقوال: أحدها: أنه سنة، وإليه ذهب الشافعي
وأصحابه. وقال النووي في ((شرح مسلم): والصحيح، أو الصواب: أن
الاضطجاع بعد سنة الفجر سنة.
الثاني: أنه مستحب، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة، وهم: أبو موسى
الأشعري ورافع بن خديج وأنس بن مالك وأبوهريرة، ذكرهم ابن القيم في ((زاد
المعاد)) والعراقي والعيني. وممن قال به من التابعين: محمد بن سيرين، وسعيد
ابن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن،
وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، كان
هؤلاء الصحابة، والتابعون، يضطجعون على أيمانهم بين ركعتي الفجر وصلاة
الصبح، ويأمرون بذلك.
الثالث: أنه واجب مفترض لا بد من الإتيان به، وهو قول أبي محمد علي بن
حزم الظاهري فقال في ((المحلى)) (ج٣ ص١٩٦): كل من ركعتي الفجر لم تجزه
صلاة الصبح إلا بأن يضطجع على شقه الأيمن بين سلامه من ركعتي الفجر، وبين
(١٢١٣) أَبُو دَاوُد (١٢٦١)، وَالتِّرْمِذِي (٤٢٠) عَنْهُ فِيهِ.

١٢٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تكبيره لصلاة الصبح، وسواء عندنا ترك الضجعة عمدًا أو نسيانًا، وسواء صلاها في
وقتها، أو صلاها قاضيًا لها من نسيان، أو عمد نومه، فإن لم يصل ركعتي الفجر لم
يلزمه أن يضطجع، فإن عجز عن الضجعة على اليمين لخوف أو مرض أو غير ذلك
أشار إلى ذلك، حسب طاقته، واستدل لذلك بحديث أبي هريرة، قال: وقد
أوضحنا أن أمر رسول اللَّه وَ ل كله على فرض، حتى يأتي نص آخر، أو إجماع
متيقن على أنه ندب فنقف عنده، وإذا تنازع الصحابة، فالرد إلى كلام اللّه تعالى
وكلام رسوله وَّ، انتهى. قلت: هذا إفراط من ابن حزم في هذه المسألة وغلو
جدًّا، وقول لم يسبقه إليه أحد ولا ينصره فيه أي دليل، فقد عرفت في شرح حديث
عائشة ثاني أحاديث الفصل الأول أن الأمر الوارد في حديث أبي هريرة هذا
محمول على الاستحباب؛ لأنه وَّلو لم يكن يداوم على الاضطجاع، فلا يكون
واجبًا، فضلًا عن أن يكون شرطًا لصحة صلاة الصبح، ولو سلمنا أن الأمر فيه
للوجوب. فمن أين يخلص له أن الوجوب معناه الشرطية، وأن من لم يضطجع لم
تجزئه صلاة الصبح، وما كل واجب شرط.
الرابع: أن هذا الاضطجاع بدعة ومكروه، وممن قال به من الصحابة: ابن
مسعود وابن عمر على اختلاف عنه، وقد تقدم الجواب عن ذلك في شرح حديث
عائشة ثالث أحاديث الفصل الأول. الخامس: أنه خلاف الأولى، روى ابن أبي
شيبة في ((مصنفه)) عن الحسن أنه كان لا يعجبه الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.
السادس: أنه ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود الفصل بين ركعتي الفجر وبين
الفريضة، إما باضطجاع أو حدث أو بالتحول من ذلك المكان إلى غيره أو غير
ذلك. والاضطجاع غير متعين في ذلك، وهو محكي عن الشافعي، لكن قال
البغوي والنووي والحافظ: المختار الاضطجاع بخصوصه؛ لظاهر حديث
أبي هريرة. السابع: التفرقة بين من يقوم بالليل، فيستحب له ذلك؛ للاستراحة،
وبين غيره، فلا يشرع له، واختاره ابن العربي وقال: لا يضطجع بعد ركعتي الفجر
لانتظار الصلاة إلا أن يكون قام الليل، فيضطجع استجمامًا لصلاة الصبح فلا
بأس، ويشهد لهذا ما رواه الطبراني وعبد الرزاق عن عائشة أنها كانت تقول: إن
النبيِ وَّ لم يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأب ليله، فيستريح، وهذا لا تقوم به
حجة. أما أولًا: فلأن في إسناده روايًا لم يسم، كما قال الحافظ. وأما ثانيًا: فلأن

١٢٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
ذلك منها ظن وتخمين، وليس بحجة، وقد روت أنه كان يفعله، والحجة في فعله،
وقد ثبت أمره به، فتأكدت بذلك مشروعيتة. الثامن: التفرقة بين البيت، فيستحب
فيه وبين المسجد فلا يستحب فيه، ذهب إليه بعض السلف، وهو محكي عن ابن
عمر وقد تقدم الجواب عنه. والراجح عندي هو: القول الثاني، يعني: أن
الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مشروع على طريق الاستحباب لكل أحد، أي:
المتهجد وغيره، والمصلي سنة الفجر في المسجد، وفي البيت، والله أعلم. وقد
أجاب من لم ير مشروعية الاضطجاع عن حديث أبي هريرة هذا بأجوبة: أحدها:
أنه من رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وقد
تكلم فيه بسبب ذلك يحيى بن سعيد القطان وأبو داود الطيالسي.
قال يحيى بن سعيد: ما رأيته يطلب حديثًا بالبصرة ولا بالكوفة قط، وكنت
أجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أذاكره بحديث الأعمش، لا يعرف منه
حرفًا. وقال الفلاس: سمعت أبا داود يقول: عمد عبد الواحد إلى أحاديث كان
يرسلها الأعمش فوصلها، يقول: حدثنا الأعمش حدثنا مجاهد في كذا وكذا،
وهذا من روايته عن الأعمش، وقال عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين :
أن عبد الواحد ليس بشيء. والجواب عن هذا الجواب: أن عبد الواحد بن زياد قد
احتج به الأئمة الستة، ووثقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو داود وابن القطان وابن
سعد وأبوحاتم والنسائي والعجلي والدار قطني وابن حبان. وقد روي عن ابن معين
ما يعارض قوله السابق فيه من طريق من روي عنه التضعيف له، وهو عثمان بن
سعيد المتقدم، فروي عنه أنه قال: ثقة.
وقال العراقي: وما روي عنه من أنه ليس بثقة، فلعله اشتبه على ناقله بعبد الواحد
ابن زيد، وكلاهما بصري. وقال الحافظ في مقدمة ((الفتح)): قال ابن معين: أثبت
أصحاب الأعمش شعبة وسفيان، ثم أبو معاوية، ثم عبد الواحد بن زياد، وعبد
الواحد ثقة وأبو عوانة أحب إليّ منه، ووثقه أبو زرعة وأبوحاتم وابن سعد والنسائي
وأبو داود والعجلي والدار قطني، حتى قال ابن عبد البر: لا خلاف بينهم أنه ثقة
ثبت، انتهى. وأما قول يحيى بن سعيد: ما رأيته يطلب حديثًا ... إلخ، فقال
الحافظ: هذا غير قادح؛ لأنه صاحب كتاب، وقد احتج به الجماعة. وأما قول
الفلاس ففيه أن هذا الحديث من روايته عن الأعمش عن أبي صالح لا عن مجاهد.

١٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
#
الثاني: أن الأعمش مدلس، وقد رواه عن أبي صالح بالعنعنة، والجواب عنه:
أن عنعنة الأعمش عن أبي صالح محمولة على الاتصال. قال الذهبي في
((الميزان)): هو - أي: الأعمش - يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به،
فمتى قال: نا فلان، فلا كلام، ومتى قال: عن، تطرق إليه احتمال التدليس، إلا
في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان، فإن روايته عن
هذا الصنف محمولة على الاتصال، انتهى. الثالث: أن رواية أبي صالح عن أبي
هريرة معلولة لم يسمعه أبوصالح عن أبي هريرة، وبين الأعمش وأبي صالح كلام،
نسب هذا القول إلى ابن العربي. وقال الأثرم: قلت لأحمد: حديث الأعمش عن
أبي صالح عن أبي هريرة. قال: رواه بعضهم مرسلاً. والجواب عنه: أن عبد
الواحد قد رواه موصولًا، وهو ثقة ثبت قد احتج به الأئمة الستة، وهو من أثبت
أصحاب الأعمش، فتقبل وصله، لأنها زيادة ثقة، ولا يضره إرسال من أرسله.
وأما دعوى عدم سماع أبي صالح من أبي هريرة، فمردودة، لأنه ادعاء محض،
ويرده أيضًا تصحيح الترمذي لهذا الحديث، وهو من أئمة الشأن. وسكوت أبي
داود ثم المنذري، وقول النووي: أسانيده صحيحة.
الرابع: أنه اختلف في حديث أبي هريرة هذا، هل من أمر النبي وَ لّ أو من فعله؟
فقد روى الترمذي وأبو داود وغيرهما من أمره. وروى ابن ماجه من فعله. وقد قال
البيهقي: إن كونه من فعله أولى أن يكون محفوظًا. وقال ابن تيمية: حديث أبي
هريرة ليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد
الواحد بن زياد وغلط فيه، انتهى. والجواب عنه: أن وروده من فعله وَلّ لا ينافي
كونه وروده من قوله، فيكون عند أبي هريرة حديثان حديث الأمر به، وحديث
ثبوته من فعله، على أن الكل يفيد ثبوت أصل الشرعية، فيرد القول بكراهته ونفي
مشروعيته. الخامس: أن ابن عمر لما سمع أبا هريرة يروي حديث الأمر به قال:
أكثر أبو هريرة على نفسه. والجواب عنه: أن ابن عمر سئل، هل تنكر شيئًا مما
يقول أبو هريرة؟ قال: لا، وأن أبا هريرة قال: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا؟
وقد ثبت أن النبي وَلير دعا له بالحفظ. هذا وقد أفاض القول في هذا المبحث
العلامة العظيم آبادي في ((إعلام أهل العصر بأحكام ركعتي الفجر)) (ص١٤ - ٢٠)
فارجع إليه.

١٢٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْل
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وصححه. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري. وقال
النووي في ((شرح مسلم)) والشيخ زكريا الأنصاري في ((فتح العلام)): إسناده على
شرط الشيخين، وقال النووي في ((رياض الصالحين)) (٤٢٦): أسانيده صحيحه.
وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح. وقد أفرط ابن تيمية في الرد على ابن حزم
حتى زعم أن حديث أبي هريرة هذا باطل، وليس بصحيح لتفرد عبد الواحد بن زياد
به، وفي حفظه مقال. قال الحافظ بعد ذكره: والحق: أنه تقوم به حجة، انتهى.
قلت: قول ابن تيمية هذا غلو منه وبعيد عن الصواب. والحق: أن الحديث صحيح
سندًا ومتنًا، وعبد الواحد ثقة ثبت فلا يضر تفرده به، والله أعلم. والحديث أخرجه
أيضًا أحمد وابن حزم في ((المحلى))، وابن حبان، والبيهقي.

١٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٢١٤ - [٢٠] عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ
إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَ الِهِ؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ، قُلْتُ: فَأَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ؟
قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٢١٤ - قوله: (أَيُّ الْعَمَلِ) بالرفع. وفي رواية النسائي ((أي الأعمال)). (كَانَ
أَحَبَّ) بالنصب. (قَالَتْ: الدَّائِمُ) بالرفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو
الدائم. وقيل: بالنصب. قال الطيبي: أي: العمل الذي يدوم عليه صاحبه، ويستقر
عليه عامله، ومن ثم أدخل حرف التراخي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ أُسْتَقَامُواْ﴾ والمراد بالدوام: الملازمة العرفية لا شمول الأزمنة، لأنه متعذر
(فَأَيُّ حِينٍ) بالنصب. وقيل: بالرفع. (كَانَ يَقُومُ) أي: فيه. (مِنَ اللَّيْلِ) أي: من
أحيانه وأوَّقاته، ولم أجد هذا اللفظ أي: قوله: ((من الليل)) في ((الصحيحين)). وفي
بعض النسخ للبخاري ((في أي حين كان يقوم)). (قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ) أي: فيصلي،
ففي رواية: ((كان إذا سمع الصارخ قام فصلى)). (إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ) أي: الديك.
قال النووي: هو المراد هنا باتفاق العلماء، وسمي بذلك؛ لكثرة صياخه. وفي
((سيرة الحافظ العراقي المنظومة)): أنه كان عند النبي وَلّر ديك أبيض. قال: كان
عند النبي الديك أبيض له. كذا المحب الطبري نقله. قال الحافظ في ((الفتح)):
وقع في ((مسند الطيالسي)) في هذا الحديث الصارخ: الديك، والصرخة: الصيحة
الشديدة، وجرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالبًا، قاله محمد بن
ناصر. قال ابن التين: وهو موافق لقول ابن عباس: نصف الليل، أو قبله بقليل أو
بعده بقليل. وقال ابن بطال: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل الأخير. والمراد
بالدوام: قيامه كل ليلة في ذلك الوقت لا الدوام المطلق، انتهى.
(١٢١٤) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١١٣٢)، ومُسْلِم (٧٤١) عنها.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
١٢٩
قلت: لعل صراخ الديك في الليل يختلف باختلاف البلاد، وفي بلادنا يصيح
في الثلث الأخير، بل في السدس الأخير. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن
زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: ((لَا تَسُبُّوا الدِّيْكَ، فَإِنَّهُ يُوْقِظُ لِلصَّلَاةِ))، وإسناده جيد.
وفي لفظ: ((فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ»، وليس المراد أن يقول بصراخه حقيقة الصلاة،
بل العادة جرت أنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر، وعند الزوال، فطرة
فطره الله عليها، فيذكر الناس بصراخه الصلاة، قاله القسطلاني وفي الحديث:
الحث على المداومة على العمل، وإن قل. وفيه: الاقتصاد في العبادة، وترك
التعمق فيها؛ لأن ذلك أنشط، والقلب به أشد انشراحًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ
للبخاري في الرقاق، إلا قوله: ((مِنَ اللَّيْلِ)) فلم أجده عنده ولا عند مسلم.
والظاهر: أن المصنف نسب هذا اللفظ إلى الشيخين تبعًا للجزري. والحديث
أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٣، ١٧).
١٢١٥ - [٢١] وَعَنْ أَنَس قَالَ: مَا كُنَّا نَشَاءُ أَنْ نَرَى رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ فِي
اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّ رَأَيْنَاهُ، وَلَا نَشَاءُ أَنْ نَرَاهُ نَائِمًا إِلَّ رَأَيْنَاهُ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٢١٥ - قوله: (مَا كُنَّا) ما نافية. (نَشَاءُ أَنْ نَرَى) أي: نبصر. (فِي اللَّيْلِ) أي :
في وقت من أجزاء الليل. (مُصَلِّيًا) حال من المفعول. (إِلَّا رَأَيْنَاهُ) أي: مصليًا.
(وَلَا نَشَاءُ أَنْ نَرَاهُ نَائِمًا) أي: في الليل. (إِلَّا رَأَيْنَاهُ) أي: نائمًا. قال الطيبي:
المعنى: ما كنا أردنا أمرا منهما إلا وجدنا عليه، يعني: أن أمره كان قصدًا لا
إفراطًا، ولا تفريطًا، انتهى. يعني: ينام بالليل ويقوم، ولا يقوم الليل كله، ولا ينام
فيه كله هذا، ويحتمل أن يكون المراد: أنه كان ◌َله يقوم تارة، وينام أخرى، يفعل
ذلك المرات في الليل، فمنهم من يتفق رؤيته مصليًا، ومنهم من يتفق رؤيته نائمًا،
قالوا: كان صلاته نصف الليل، ونومه نصفه، كذا في ((اللمعات)). وقال السندي
(١٢١٥) النَّسَائِي (٢١٣/٣) عنه في الطهارة.

١٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
في ((حاشية النسائي)): أي: أن صلاته ونومه ما كانا مخصوصین بوقت دون وقت،
بل كانا مختلفين في الأوقات، وكل وقت صلى فيه أحيانًا نام فيه أحيانًا، انتهى.
يعني: أنه ما كان يُعَيِّنُ بعض الليل للصلاة وبعضه للنوم، بل وقت صلاته في بعض
الليالي وقت نومه في بعض آخر وعكسه، فكان لا يرتب لتهجده وقتًا معينًا بل
بحسب ما تيسر له من القيام. قال الحافظ: يعني أنس: أن حاله في التطوع بالقيام
كان يختلف، فكان تارة يقوم من أول الليل، وتارة في وسطه، وتارة من آخره،
فكان من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائمًا، فراقبه المرة بعد المرة، فلا
بد أن يصادفه قام على وفق ما أراد أن يراه، هذا معنى الخبر، وليس المراد: أنه كان
يستوعب الليل قيامًا، انتهى. ولا يشكل عليه قول عائشة: كان إذا صلى صلاة داوم
عليها. وقولها: كان عمله ديمة؛ لأن اختلاف وقت التهجد تارة في أول الليل،
وأخرى في آخره لا ينافي مداومة العمل، كما أن صلاة الفرض تارة تكون في أول
الوقت، وتارة في آخره مع صدق المدوامة عليه، ولا يشكل عليه أيضًا قول
عائشة: إذا سمع الصارخ قام فصلى، فإن عائشة تخبر عما لها عليه اطلاع، وذلك
أن صلاة الليل كانت تقع منه غالبًا في البيت، فخبر أنس محمول على ما وراء
ذلك.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وَأخرجه البخاري مطولًا وسيأتي في باب: القصد في العمل،
والبيهقي (ج٣ ص١٧).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللّيْل
١٣١
١٢١٦ - [٢٢] وَعَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا
مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: قُلْتُ وَأَنَا فِي سَفَرِ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلَ: وَاللَّهِ
لَأَرْقُبَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ لِلصَّلَاةِ، حَتَّى أَرَى فِعْلَهُ، فَلَمَّا صَلَّى صَلَاةَ الْعِشَاءِ،
وَهِيَ الْعَتَمَةُ اضْطَجَعَ هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَنَظَرَ فِي الْأَفُقِ، فَقَالَ:
(﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾)) حَتَّى بَلَغَ إِلَّى ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِعَادَ﴾ [آل عمران:
١٩١ - ١٩٤] ثُمَّ أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِلَى فِرَاشِهِ، فَاسْتَلَّ مِنْهُ سِوَاكًّا، ثُمَّ أَفْرَغَ فِي
قَدَح مِنْ إِدَاوَةٍ عِنْدَهُ مَاءَ، فَاسْتَنَّ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، حَتَّى قُلْتُ: قَدْ صَلَّى قَدْرَ مَا
نَامَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى قُلْتُ: قَدْ نَامَ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَفَعَلَ كَمَا
فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] (صحيح}
الشَّرْجُ
١٢١٦ - قوله: (عَنْ حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة مصغرًا. (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَوْفٍ) الزهري المدني، ثقة من كبار التابعين، توفي سنة (٩٥) وهو ابن (٧٣) سنة.
وقيل: مات سنة (١٠٥) (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّةِ) الظاهر: أنه هو زيد بن
خالد الجهني المتقدم، فلا تضر جهالته؛ لأن الصحابة كلهم عدول. (قَالَ) أي :
رجل. (قُلْتُ) في نفسي، أو لبعض أصحابي. (وَأَنَا فِي سَفَرٍ) من غزوة أو عمرة أو
حجة. (لَأَرْقُبَنَّ) أي: لأنظرن وأحفظن. (رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴾﴾ أي: وقت قيامه في
الليل. (لِلصَّلَاةِ) أي: لأجلها. (حَتَّى أَرَى فِعْلَهُ) وأقتدي به. قال الطيبي: أي:
الأرقبن وقت صلاته في الليل فأنظر، ماذا يفعل فيه؟ فاللام في الصلاة، كما في
قوله: ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِ﴾. (اضْطَجَعَ) أي: رقد. (هَوِيًّا) بفتح الهاء وتشديد الياء
التحتانية أي: زمانًا طويلًا. (فَنَظَرَ فِي الأَفُقِ) أي: نواحي السماء. (فَقَالَ) أي: قرأ:
(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا) أي: مرئينا من السماء والأرض. (بَاطِلًا) أي: خلقًا عبثًا بل
خلقته بالحق والحكمة. والظاهر: أنه تغلُّ قرأ ما قبله من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ
(١٢١٦) النَّسَائِي (٢١٣/٣) عنه فيه.

١٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى آخر السورة، كما تقدم. وإنما سمع الراوي هذا
المقدار .
(حَتَّى بَلَغَ إِلَى: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيْعَادَ) أي: البعث بعد الموت، كما صح عن
ابن عباس أن الميعاد: البعث بعد الموت، وعدم إخلاف الميعاد بإثابة المطيع
وعقاب العاصي، وقيل: أي: وعدك للعباد في يوم المعاد، ويحتمل أنه تُلَّلُ وقف
على هذا المقدار وتلك الليلة، ويحتمل أن السامع لم يسمع ما بعده، فيوافق ما
سبق عن ابن عباس أنه قرأ إلى آخر السورة. (ثُمَّ أَهْوَى رَسُولُ اللهِ يَّةَ﴾ أي: مد
يده، أو قصد بيده أو مال. (إِلَى فِرَاشِهِ) بكسر الفاء. (فَاسْتَلَّ مِنْهُ) أي: استخرج من
تحت فراشه. (سِوَاكًا) قال الطيبي: أي: انتزاع السواك من الفراش برفق وتأن
وتدريج. (ثُمَّ أَفْرَغَ) أي: صب. (فِي قَدَح) بفتحتين. (مِنْ إِدَاوَةٍ) أي: مطهرة كائنة
(عِنْدَهُ) والإداوة بكسر الهمزة: إناء صغيّر من جلد. (مَاءَ) مفعول صب. قال ابن
حجر: أي: ماء بل السواك منه، كما هو السنة، انتهى. ويحتمل أنه صب الماء فيه
تهيئة للوضوء. (فَاسْتَنَّ) بتشديد النون أي: استعمل السواك في الأسنان، وهو
افتعال من الأسنان؛ لأنه يمره عليها. (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى) أي: بوضوء مجدد أو بوضوئه
السابق. (حَتَّى قُلْتُ) أي: في ظني. (قَدْ نَامَ) أي: رقد أو استراح. (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ)
أي: استنبه من النوم، أو رفع جنبه عن الأرض أي: فقام. (فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ
أي: من الاستياك والصلاة. (وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ) من قراءة الآيات. والواو لمطلق
الجمع. (فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿) أي: ما ذكر من القول والفعل، أو من النوم
واليقظة. (قَبْلَ الْفَجْرِ) أي: قبل طلوعه. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) برجال ثقات إلا أن في
رواية يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري وهمًّا قليلاً. وهذا الحديث من رواية يونس
عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
١٣٣
وسـ
١٢١٧ - [٢٣] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكِ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ
عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ بَّهِ وَصَلَاتِهِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا لَكُمْ وَصَلاتَهُ؟ كَانَ يُصَلَّي، ثُمَّ يَنَامُ
قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ نَعَتَتْ
قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ وَ التِّْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٢١٧ - قوله: (عَنْ يَعْلَى) بفتح الياء وسكون العين المهملة وفتح اللام. (بْنِ
مَمْلَكِ) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية وفتح اللام بعدها كاف بوزن جعفر، ذكره
ابن حبان في ((الثقات)). وقال في ((التقريب)): مقبول (زَوْجَ النَّبِيِّ وَّ) بدل أو عطف
بيان. (عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ بَّهِ﴾ أي: عن صفتها من الترتيل والمد والوقف وغير ذلك.
(وَصَلَاتِهِ) أي: في الليل. (وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتَهُ؟) بالنصب، فإن الواو بمعنى مع،
أي: ما تصنعون بصلاته؟ والحال أنكم لا طاقة لكم أن تصلوا مثلها، ففيه نوع
استغراب. وقال الطيبي: ((وَمَا لَكُمْ)) عطف على مقدر، أي: ما لكم وقراءته، وما
لكم وصلاته؟ والواو في قوله: ((وَصَلَاتَهُ)) بمعنى مع، أي: ما تصنعون مع قراءته
وصلاته؟ ذكرتها تحسرًا وتلهفًّا على ما تذكرت من أحوال رسول اللَّه وَل، لا أنها
أنكرت السؤال على السائل، انتهى.
قال القاري: أو معناه: أي شيء يحصل لكم مع وصف قراءته وصلاته، وأنتم لا
تستطيعون أن تفعلوا مثله، ففيه: نوع تعجب، ونظيره قول عائشة: وأيكم يطيق ما
كان رسول اللّه وَ لّ يطيق؟ ووقع في رواية أحمد (ج٦ ص٢٩٤): ((ما لكم ولصلاته
ولقراءته؟)) أي: بحذف الواو في الأول وزيادة اللام الجارة في الصلاة. (كَانَ
يُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى حَتَّى يُصْبِحَ)
أي: كان يستمر حاله هذا من القيام والنيام إلى أن يصبح. وفي رواية للنسائي:
قالت أي: أم سلمة: كان يصلي العتمة، ثم يسبح، ثم يصلي بعدها ما شاء الله من
(١٢١٧) أَبُو دَاوُد (١٤٦٦)، والتِّرْمذي (٢٩٢٣)، والتَّسَائِي (٢١٤/٣) عنه فيه.

١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
#
*
es
الليل، ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى، ثم يستيقظ من نومه ذلك، فيصلي مثل ما
نام وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح.
(ثُمَّ نَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ) أي: وصفت قراءته وَِّ. (فَإِذَا هِيَ) أي: أم سلمة. (تَنْعَتُ
قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً) بفتح السين المشددة أو كسرها من الفسر وهو البيان أي: مبينة.
(حَرْفًا حَرْفًا) أي: كان يقرأ بحيث يمكن عد حروف ما يقرأ، والمراد: أن قراءته
كانت مرتلة ومجودة ومميزة غير مخالطة، ونعتها لقراءته وَل يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها قالت: كانت قراءته كذا وكذا. وثانيهما: أنها قرأت قراءة مرتلة
ومبينة، وقالت: كان النبي ◌ُّل يقرأ مثل هذه القراءة، وحرفًا حرفًا حال أي: حال،
كونها مفصولة الحروف.
قال أبو البقاء: نصبهما على الحال أي: مرتلة، نحو أدخلتهم رجلًا رجلًا أي:
مفردین .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة. (وَالتِّرْمِذِيُّ) في أواخر فضائل القرآن.
وقال: حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث الليث بن سعد عن ابن
أبي ملكية عن أم سلمة، انتهى. والليث بن سعد ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، أخرج
عنه الجماعة فلا يضر تفرده به، وقد سكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تصحيح
الترمذي وأقره. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦ ص٢٩٤، ٣٠٠) والبيهقي
(ج ٣ ص ١٣).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
SE
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
١٣٥
٣٢ - بَابُ مَا يَقُولُ إذا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
(بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) من الأدعية والأذكار.
الفصل الأول
١٢١٨ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل
يَتَهَجَّدُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ،
وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ
مَلِكِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَّ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدَُ
الْحَقُّ، وَلِقَاؤَُ حَقٌّ، وَقَوْلُّكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ،
وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ
تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ،
وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ،
وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرَُ)).
[متفق عليه]
الشّرْجُ
١٢١٨ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ) أي: يصلي صلاة
الليل، وهو حال من فاعل ((قَامَ)) وأصل التهجد: ترك الهجود، وهو النوم. وقال
ابن فارس: المتهجد: المصلي ليلًا، ذكره القسطلاني. وقال الحافظ: تفسير
التهجد بالسهر معروف في اللغة، وهو من الأضداد، يقال: تهجد إذا سهر،
وتهجد إذا نام، حكاه الجوهري وغيره، ومنهم من فرق بينهما فقال: هجدت
(١٢١٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٢٠)، ومُسْلِم (١٩٩ /٧٦٩) عَنْهُ فِيهِ، والتِّرْمذي (٣٤١٨).

١٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
نمت، وتهجدت: سهرت، حكاه أبوعبيدة وصاحب ((العين))، فعلى هذا: أصل
الهجود النوم، ومعنى تهجدت: طرحت عني النوم. وقال الطبري: التهجد:
السهر بعد نومة، ثم ساقه عن جماعة من السلف. وقال ابن فارس: المتهجد:
المصلي ليلًا، وقال كراع: التهجد: صلاة الليل خاصة، انتهى.
وقال الفخر الرازي في ((تفسيره)): قال الأزهري: المعروف في كلام العرب أن
الهاجد هو النائم، ثم إن في الشرع يقال لمن قام من النوم إلى الصلاة أنه متهجد،
فوجب أن يحمل على أنه سمي متهجدًا لإلقائه الهجود عن نفسه، كما قيل للعابد:
متحنث لإلقائه الحنث عن نفسه وهو الإثم، ويقال: فلان رجل متحرج، ومتأثم،
ومتحوب أي: يلقي الحرج، والإثم، والحوب عن نفسه، انتهى. (قَالَ) في
موضع نصب خبر ((كَانَ)) و((إِذَا)) المجرد الظرفية، أي: كان نلَّلا عند قيامه من الليل
متهجدًا يقول. وقال الطيبي: الظاهر أن ((قَالَ)) جواب ((إِذَا)). والشرطية خبر كان،
انتهى. وفي رواية مالك ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن: كان يقول إذا قام إلى
الصلاة من جوف الليل. قال الحافظ: ظاهر السياق أنه كان يقوله أول ما يقوم إلى
الصلاة، وترجم عليه ابن خزيمة الدليل على أن النبي وَلّ كان يقول هذا التحميد
بعد أن يكبر، ثم ساقه من طريق قيس بن سعد عن طاوس عن ابن عباس قال: كان
رسول اللّه ◌َله، إذا قام للتهجد قال بعد ما يكبر: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ))، انتهى. قلت:
ولِأبي داود من هذا الطريق: أن رسول اللَّه ◌َ ليل كان في التهجد يقول بعد ما يقول
الله أكبر: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) تقديم الخبر للدلالة على التخصيص.
(أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: القائم بأمره، وتدبيره السماوات والأرض
وغيرها. وفي رواية: ((قَيَّامُ)) وفي أخرى: (قَيُّومُ)) وهي من أبنية المبالغة، وهي من
صفات الله تعالى، ومعناه واحد. وقيل: القيم معناه: القائم بأمور الخلق، ومدبر
العالم في جميع أحواله، والقيام القائم بنفسه بتدبير خلقه المقيم لغيره، والقيوم من
أسماء اللّه تعالى المعدودة، وهو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به
كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء، ولا دوام وجوده إلا به، وأصل هذه
الألفاظ من الواو قَيْهِمْ وقَيْوَام وَقيْوُوم بوزن فَيْعِل فَيْعَال فَيْعُول، وكأنه قيل: لم
خصصتني بالحمد؟ فقال: لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات، وتراعيها،
وتؤتي كل شيء ما به قوامه، وما به ينتفع، إلى غير ذلك. وتكرير الحمد

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل
١٣٧
المخصص؛ للاهتمام بشأنه، وليناط به كل مرة معنى آخر. (وَمَنْ) غلب فيه
العقلاء. (فِيهِنَّ) أي: في السماوات والأرض.
(أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: منورهما، وخالق نورهما، يعني: أن كل
شيء استنار منهما وأضاء، فبقدرتك وجودك، والأجرام النيرة بدائع فطرتك،
والعقول، والحواس خلقك وعطيتك. قيل: وسمي بالنور لما اختص به من إشراق
الجمال، وسبحات العظمة والجلال، التي تضمحل الأنوار دونها، ولما هيأ للعالم
من النور ليهتدوا به عالم الخلق، فهذا الاسم على هذا المعنى: لا استحقاق لغيره
فيه، بل هو المستحق له المدعو به. وقيل: المعنى منزه في السماوات والأرض من
كل عيب ومبرأ من كل ريبة، يقال: فلان منور أي: مبرأ من العيب. وقيل: هو اسم
مدح، يقال: فلان نور البلد أي: مزينه. قال في ((اللمعات)): وعند أهل التحقيق هو
محمول على ظاهره، والنور عندهم الظاهر بنفسه المظهر لغيره. (أَنْتَ مَلِك
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) بكسر اللام أي: المتصرف فيهما تصرفًا كليًّا ملكيًا، وملكيًّا
ظاهريًّا وباطنًّا، لا نزاع في ملكه، ولا شريك له في ملكه. وفي رواية: ((أَنْتَ رَبُّ
السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ»، (وَمَنْ فِيهِنَّ) عبر بـ((مَنْ)) تغليبًا للعقلاء؛ لشرفهم، وإلا فهو
رب كل شيء ومليكه. (أَنْتَ الْحَقُّ) أي: المتحقق الوجود الثابت بلا شك فيه. قال
القرطبي: هذا الوصف له سبحانه وتعالى بالحقيقة خاص به، لا ينبغي لغيره، إذ
وجوده بذاته لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، ومن عداه ممن يقال فيه ذلك، فهو
بخلافه. وقيل: يحتمل أن يكون معناه: أنت الحق بالنسبة إلى من يدعى فيه أنه إله
أو بمعنى: أن من سماك إلهًا فقد قال الحق.
(وَوَعْدُكَ الْحَقُّ) أي: صادق لا يمكن التخلف فيه، والظاهر: أن تعريف الخبر
فيه، وفي قوله: ((أَنْتَ الْحَقُّ)) ليس للقصر، وإنما هو لإفادة أن الحكم به ظاهر
مسلم لا منازع فيه، كما قال علماء المعاني في قوله: ووالدك العبد، وذلك لأن
مرجع هذا الكلام إلى أنه تعالى موجود صادق الوعد، وهذا أمر يقوله المؤمن
والكافر. قال تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم ◌َنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُيَ اللَّهُ﴾ [الزمر:
٣٨]، ولم يعرف في ذلك منازع يعتد به، وكأنه لهذا عدل إلى التنكير في البقية،
حيث وجد المنازع فيها بقي أن المناسب لذلك أن يقال: ((وَقَوْلُكَ الْحَقُّ))، كما في
رواية مسلم: فكان التنكير في رواية البخاري للمشاكلة، قاله السندي.

١٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الطيبي: عرف الخبر فيهما ونكر في البواقي؛ لأنه لا منكر خلفًا وسلفًا أن اللَّه
هو الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض الزوال.
قال لبید :
ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل
وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره، إما قصدًا وإما عجزًا، تعالى الله
عنهما، والتنكير في البواقي للتفخيم، انتهى.
وقال القاري: فإن قلت: لم عرف الحق في الأوليين، ونكر في البواقي؟ قلت:
المعرف بلام الجنس والنكرة المسافة بينهما قريبة، بل صرحوا بأن مؤداهما واحد
لا فرق بينهما، إلا بأن في المعرفة إشارة إلى أن الماهية التي دخل عليها اللام
معلومة للسامع، وفي النكرة لا إشارة إليها، وإن لم تكن إلا معلومة. وفي
(صحيح مسلم)): ((قَوْلُكَ الْحَقُّ)) بالتعريف أيضًا. وقال الخطابي: عرفهما للحصر،
وذكر ما قاله الطيبي، انتهى. (وَلِقَاؤُلَكَ حَقٌّ) أي: المصير إلى الآخرة. وقيل:
رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع. وقيل: لقاء جزائك لأهل السعادة والشقاوة،
وهو وما ذكر بعده داخل تحت الوعد. لكن الوعد مصدر، وما ذكر بعده هو
الموعود به، ويحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، كما أن ذكر القول بعد الوعد
من العام بعد الخاص، وقد يراد باللقاء: الموت؛ لكونه وسيلة إلى اللقاء، وأبطله
النووي. (وَقَوْلُكَ حَقٌّ) أي: مدلوله ثابت. وقد تقدم أن في رواية مسلم: ((وَقَوْلُكَ
الْحَقُّ)) بالتعريف.
(وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ) أي: كل منهما موجود. (وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ) خص
محمدًاً وَّله من بين النبيين بالذكر؛ تعظيمًا له، وعطفه عليهم إيذانًا بالتغاير، وأنه
فائق عليهم بأوصاف مختصة به، فإن تغاير الوصف ينزل منزلة تغاير الذات، ثم
حكم عليه استقلالًا بأنه حق وجوده عن ذاته كأنه غيره، وأوجب عليه الإيمان به،
وتصديقه مبالغة في إثبات نبوته كما في التشهد. وقال السندي: قوله: ((وَمُحَمَّدٌ
حَقٌّ)) التأخير للتواضع، وهو أنسب بمقام الدعاء، وذكره على الإفراد لذلك،
وليتوسل بكونه نبيًّا حقًّا إلى إجابة الدعاء. وقيل: هو من عطف الخاص على العام
تعظيمًا له، ومقام الدعاء يأبى ذلك، انتهى. (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي: يوم القيامة.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
١٣٩
وأصل الساعة الجزء القليل من اليوم أو الليلة، ثم استعير للوقت الذي تقام فيه
القيامة، يريد أنها ساعة حقيقة يحدث فيها أمر عظيم. وإطلاق اسم الحق على ما
ذكر من الأمور معناه أنه لا بد من كونها، وأنها مما يجب أن يصدق بها. وتكرار
لفظ ((حق)) للمبالغة في التأكيد. (لَكَ أَسْلَمْتُ) أي: انقدت وخضعت. (وَبِكَ
آمَنْتُ) أي: صدقت. (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فوضت الأمر إليك تاركًا للنظر في
الأسباب العادية. (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) أي: رجعت إليك مقبلًا بقلبي إليك. قيل: التوبة
والإنابة كلاهما بمعنى الرجوع، ومقام الإنابة أعلى وأرفع. (وَبِكَ خَاصَمْتُ) أي:
بما أعطيتني من البراهين، وبما لقنتني من الحجج خاصمت من خاصمني من
أعدائك، أو بتأييدك ونصرتك قاتلت. (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) أي: رفعت أمري إليك.
والمحاكمة رفع الأمر إلى القاضي. قال الحافظ: أي: كل من جحد الحق حاكمته
إليك، وجعلتك الحكم بيني وبينه، لا غير مما كانت تحاكم إليه الجاهلية وغيرهم
من كاهن ونحوه، فلا أرضى إلا بحكمك ولا أعتمد غيره. وقدم مجموع صِلات
هذه الأفعال عليها؛ إشعارًا بالتخصيص وإفادة للحصر. وقال السندي: الظاهر أن
تقديم الجار للقصر بالنظر إلى سائر ما عبد من دون اللَّه تعالى. (فَاغْفِرْ لِي) قال ذلك
مع كونه مغفورًا له، إما على سبيل التواضع والهضم لنفسه؛ إجلالاً وتعظيمًا لربه،
أو على سبيل التعليم لأمته؛ لتقتديَ به. (مَا قَدَّمْتُ) أي: قبل هذا الوقت. (وَمَا
أَخَّرْتُ) أي: وما سأفعل، أو ما فعلت، وما تركت.
(وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ) أي: أخفيت وأظهرت، أو ما حدثت به نفسي، وما
تحرك به لساني. (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) هذا من ذكر العام بعد الخاص. (أَنْتَ
الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) قال المهلب: أشار بذلك إلى نفسه؛ لأنه المقدم في البعث
في الآخرة والمؤخر في البعث في الدنيا. وقال عياض: قيل: معناه المنزل للأشياء
منازلها يقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، وجعل عباده
بعضهم فوق بعض درجات. وقيل: هو بمعنى الأول والآخر؛ إذ كل متقدم على
متقدم فهو قبله، وكل مؤخر على متأخر فهو بعده، ويكون المقدم والمؤخر بمعنى
الهادي والمضل، قدم من يشاء لطاعته؛ لكرامته، وأخر من شاء بقضائه؛ لشقاوته،
انتهى. قال الكرماني: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن لفظ القيم إشارة إلى أن
وجود الجواهر، وقوامها منه، وبالنور إلى أن الأعراض أيضًا منه، وبالملك إلى