النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأما سنة الفجر، فقد ثبت ذكرها في طريق أخرى عن عليٍّ بن عبد الله بن عباس عند
أبي داود. والحاصل: أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن عدم تعددها،
فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات، ولا شك أن الأخذ بما اتفق
عليه الأكثر والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم، ولا سيما إن زاد أو
نقص. والمحقق من عدد صلاته تلك الليلة إحدى عشرة. وأما رواية: ((ثلاث
عشرة))، فيحتمل أن يكون منها سنة العشاء، انتهى. ويعكر على هذا الجمع رواية
الثوري عن سلمة عن كريب، وقد ذكرنا سياقها. وأما حمل قوله: ((صلى ركعتين،
ثم ركعتين)) أي: قبل أن ينام، ويكون منها سنة العشاء، وقوله: ((ثم ركعتين ... ))
إلخ أي: بعد أن قام، فبعيد يأباه ظاهر السياق. وجمع الكرماني بين ما اختلف من
روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى
ابن عباس به فيه وفصله عما لم يقتد به فيه، وبعضهم ذكر الجميع مجملًا، انتهى.
(وَكَانَ فِي دُعَائِهِ) أي: في جملة دعائه تلك الليلة. قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن
دعاءه حينئذٍ كان كثيرًا، أو كان هذا من جملته، وقد ذكر في ثاني حديثي الباب -
أي: باب: الدعاء إذا انتبه من الليل من كتاب الدعوات من ((صحيح البخاري)) -
قوله: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... )) إلخ. يعني: المذكور في حديث
ابن عباس الآتي في باب: ما يقول إذا قام من الليل. واختلف الرواة في تعيين محل
هذا الدعاء أي: قوله: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ... ) إلخ. فوقع في رواية شعبة
عن سلمة عن كريب عند مسلم، ثم خرج إلى الصلاة فصلى، فجعل يقول في
صلاته أو في سجوده: ((اللَّهُمَّ ... )) إلخ، ووقع عند مسلم أيضًا، في رواية حبيب بن
أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه أنه قال هذا الدعاء، وهو
ذاهب إلى صلاة الصبح ولفظه: فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة، وهو يقول:
((اللَّهُمَّ اجْعَلْ ... )) إلخ. ويمكن أن يجمع بأنه قال هذا الدعاء حين خروجه إلى صلاة
الصبح، ثم قاله في صلاته أيضًا. وروى الترمذي هذا الدعاء في الدعوات من
طريق داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده، وفي روايته زيادة طويلة
في هذا الدعاء، وفيها: أنه وَّ قال ذلك حين فرغ من صلاته. ووقع عند البخاري
في ((الأدب المفرد)) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان رسول اللّه وَلَه
إذا قام من الليل يصلي، فقضى صلاته يثني على الله بما هو أهله، ثم يكون آخر
كلامه: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ... ) الحديث. قال الحافظ: ويجمع: بأنه كان
١٠١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
يقول ذلك عند القرب من فراغه، انتهى. أو يقال: إنه كان يقول ذلك الدعاء بعد
الفراغ من الصلاة أيضًا. (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا) قيل: هو ما يتبين به الشيء
ويظهر. قال الكرماني: التنوين للتعظيم، أي: نورًا عظيمًا، وقدم القلب لأنه
المضغة التي إذا صلحت صلح سائر البدن، وإذا فسدت فسد سائر البدن، ولأن
القلب، إذا نور فاض نوره على البدن جميعًا، ومن لازم تنوير هذه الأعضاء حلول
الهداية؛ لأن النور يقشع ظلمات الذنوب، ويرفع سدفات الآثام.
(وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمَعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا) أي:
في جانبي، أو في جارحتي. (وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي) أي: قدامي.
(نُورًا) يسعى بين يدي. (وَخَلْفِي نُورًا) أي: ليتبعني أتباعي، ويقتدي بي أشياعي.
والمعنى: اجعل النور يحفني من جميع الجهات الست. قيل: أراد بالنور: بيان
الحق وضياءه كأنه قال: اللهم استعمل هذه الأعضاء مني في الحق، واجعل تصر في
وتقلبي فيها على سبيل الصواب، حتى لا يزيغ شيء منها عنه. وقال القسطلاني: قد
سأل ◌َل# النور في أعضائه وجهاته؛ ليزاد في أفعاله وتصرفاته ومنقلباته نورًا على
نور، فهو دعاء بدوام ذلك، فإنه كان حاصلًا له لا محالة، أو هو إرشاد، وتعليم
لأمته. وقال القرطبي: هذه الأنوار التي دعا بها رسول اللّه وَ لل يمكن حملها على
ظاهرها، فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضائه نورًا يستضيء
به يوم القيامة في تلك الظلم هو ومن تبعه، أو من شاء اللّه منهم، قال: والأولى أن
يقال: هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِّهِ﴾ [الزمر:
٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، ثم قال:
والتحقيق في معناه: أن النور مظهر ما نسب إليه وهو يختلف بحسبه، فنور السمع
مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب كاشف عن
المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات.
وقال الطيبي: معنى طلب النور للأعضاء عضوًا عضوًا: أن يتحلى كل عضو
بأنوار المعرفة والطاعات، ويتعرى عما عداهما، فإن الشياطين تحيط بالجهات
الست بالوساوس والشبهات، ولا مخلص من ذلك إلا بالأنوار السادَّةِ لتلك
الجهات، قال: وكل هذه الأمور راجعة إلى الهداية والبيان، وضياء الحق. وإلى
ذلك يرشد قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿نُورُ عَلَى نُورٍ
١٠١
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن كَشَآءُ﴾ [النور: ٣٥] - انتهى ملخصًا. (وَاجْعَلْ لِي نُورًا) عطف عام
ج
على خاص، أي: اجعل لي نورًا عظيمًا جامعًا للأنوار كلها، يعني: التي ذكرها
هاهنا، والتي لم يذكرها. وقال الطيبي: أجمل به ما فصله، فَذْلَكَةً لذلك وتأكيدًا
له. ولمسلم في رواية غندر عن شعبة عن سلمة عن كريب: ((وَاجْعَلْ لِي نُورًا))، أو
قال: (( وَاجْعَلْنِي نُورًا))، وفي رواية النضر عن شعبة: ((وَاجْعَلْنِي نُورًا))، ولم يشك
وهذا أبلغ من الكل. ولمسلم في رواية الكتاب بعد قوله ((وَخَلْفِي نُورًا)): ((وَعظِّمْ
لِي نُورًا)) بتشديد الظاء المعجمة، ولم يذكر قوله: (وَاجْعَلْ لِي نُورًا). وفي رواية
سعيد بن مسروق وعقيل بن خالد عن سلمة عن كريب عند مسلم أيضًا: ((وَأَعْظِمْ لِي
نُورًا)) أي: من الأعظام. (وَزَادَ بَعْضُهُمْ) أي: بعض الرواة، وهو عقيلٍ بن خالد عن
سلمة عن كريب، وحبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
(وَفِي لِسَانِي نُورًا) أي: بعد قوله: ((في قلبي نورًا))، وهذه الزيادة عند مسلم
فقط. (وَذَكَرَ) أي: بعض ولد العباس، كما يظهر من سياق رواية الشيخين، فعند
البخاري بعد قوله: ((وَاجْعَلْ لِي نُورًا)) قال كريب: وسبع، أي: من الكلمات أو
الأنوار في التابوت، أي: في صحيفة في تابوت عند بعضٍ ولد العباس، فلقيت
رجلاً من ولد العباس. قال القسطلاني: هو علي بن عبد الله بن عباس، فحدثني
بهن فذكر عصبي ... إلخ. (وَعَصَبِي) بفتح المهملتين بعدهما موحدة أطناب
المفاصل. (وَشَعَرِي) بفتح العين وسكونها. (وَبَشَرِي) بفتح الموحدة
والمعجمة، ظاهر جلده. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه: أن لفظ الحديث بهذا السياق ليس
لهما ولا لأحدهما، بل هو مجموع من مجموع ما فيهما؛ لأن حديث ابن عباس في
حكايته لصلاته وَّر في الليلة التي بات فيها عند خالته ميمونة، رواه البخاري في
ثمانية عشر بابًا من ((صحيحه))، ومسلم في باب: صلاة النبي ◌َّێره ودعائه بالليل،
وفي الطهارة بألفاظ مختلفة مختصرًا ومطولًا، وليس السياق المذكور هاهنا
أحدها. وبالجملة: لم يتفق الشيخان على السياق المذكور بعينه وبخصوصه، ففي
قوله: ((متفق عليه)) نظر. (وفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) أي: للشيخين وفيه نظر كما ستعرف.
(وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا) بفتح الهمزة من باب: الإفعال. وهذه
الرواية من إفراد مسلم، وليست عند البخاريٍ، رواها مسلم من طريق عقيل بن
خالد عن سلمة عن كريب قال: ودعا رسول اللّه وَل، ليلتئذ تسع عشرة كلمة، قال
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللّيْل
١٠٣
سلمة: حدثنيها كريب، فحفظت منها ثنتي عشرة كلمة ونسيت ما بقي، فذكر ما
تقدم إلى قوله: ((وَاجْعَلْ لِي نُورًا))، وزاد: ((فِي لِسَانِي نُورًا)) بعد قوله: ((في قلبي))،
وقال في آخره: ((وَاجْعَلْ لِي فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا)) (وفي أخرى لمسلم:
اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا) وهي رواية حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن
عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس. وفي رواية الترمذي التي أشرت إليها قال ابن
عباس: سمعت رسول اللَّه وَ لَه يقول ليلة حين فرغ من صلاته: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ
رَحْمَةً مِنْ عِنْدِك))، فساق الدعاء بطوله، وفيه: ((اللّهُمَ اجْعَلْ لِي نُورًا فِي قَلْبِي، وَنُورًا
فِي قَبْرِي))، ثم ذكر الجهات الست والسمع والبصر، ثم الشعر والبشر، ثم اللحم
والدم والعظام، ثم قال في آخره: ((اللَّهُمَّ أَعْظِمْ لِي نُورًا، وَأَعْطِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي
نُورًا))، ونقله الحافظ والقسطلاني بلفظ: ((وَاجْعَلْنِي نُورًا)). قال الترمذي: غريب
وقد روى شعبة وسفيان عن سلمة عن كريب بعض هذا الحديث، ولم يذكره
بطوله، انتهى. وعند ابن أبي عاصم في كتاب الدعاء من طريق عبد الحميد بن
عبد الرحمن عن كريب في آخر الحديث: ((وَهَبْ لِي نُورًا عَلَى نُورٍ))، ويجمع من
اختلاف الروايات، كما قال ابن العربي، خمس وعشرون خصلة. هذا، وفي
حديث ابن عباس فوائد وأحكام كثيرة، ذكرها النووي والحافظ والعيني وغيرهم.
والحديث أخرجه أيضًا أحمد والنسائي والبيهقي.
١٢٠٣ - [٩] وَعَنْهُ: أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِ فَاسْتَيْقَظَ، فَتَسَوَّكَ،
وَتَوَضَّأَ وَهُو يَقُولُ: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. حَتَّى خَتَمَ
السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ
انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَّ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ
يَسْتَاُكُ وَيَتَوَضَّأُ، وَيَقْرَأْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرْخُ
١٢٠٣ - قوله: (وَعَنْهُ) أي: ابن عباس. (أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِ) قال
الطيبي: هذا معنى ما قاله ابن عباس لا حكاية لفظه. والتقدير: أنه قال رقدت في
(١٢٠٣) مُسْلِم (٧٦٣/ ١٩١) عنه فيه.
١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بيت خالتي ميمونة، ورقد رسول اللّه وَله. (وَهُوَ يَقُولُ) أي: يقرأ، وهو يخالف
الرواية السابقة بظاهره، حيث قال: ((فقرأ، ثم توضأ)) إلا أن يحمل على تعدد
القراءة أو الواقعة، أو تحمل ((ثُمَّ)) ثمة على أنها لمجرد العطف، أو للتراخي
الرتبي، قاله القاري. وقد تقدم في كلام الحافظ التنبيه على ما في هذه الرواية من
الزيادة، والاختلاف على الروايات الأخرى. (أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ
وَالسُّجُودَ) أي: بالنسبة إلى العادة. (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: عن الصلاة. (ثُمَّ) أي: أعلم
أنه. (فَعَلَ ذَلِكَ) أي: المذكور من قوله: ((فتسوك)) إلى قوله: ((حتى نفخ)). (ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ) قال الطيبي: يدل من ثلاث مرات أي: فعل ذلك في ست
ركعات، انتهى. وقيل: منصوب بإضمار أعني، أو بيان لثلاث، وكذلك (كُلَّ ذَلِكَ)
بالنصب بيان له أيضًا، أي: كل مرة من المرات، ويجوز أن يكون مفعول (يَسْتَاكُ)
وقال الطيبي: ((كل ذلك)) يتعلق بـ((يستاك))، أي: في كل ذلك يستاك، ويتوضأ،
ويقرأ ويصلي. و(ثَمَّ)) في قوله: (ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ)) لتراخي الإخبار تقديرًا وتأكيدًا، لا
لمجرد العطف؛ لئلا يلزم منه أنه فعل ذلك أربع مرات.
(ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ) وبعده فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: ((اللَّهُمَّ
اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ... )) إلخ. قال النووي: هذه الرواية، وهي رواية حبيب بن أبي
ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن ابن عباس، مخالفة لباقي
الروايات في تخليل النوم بين الركعات، وفي عدد الركعات، فإنه لم يذكر في باقي
الروايات تخلل النوم، وذكر الركعات ثلاث عشرة. قال القاضي: هذه الرواية مما
استدركه الدارقطني على مسلم لاضطرابها واختلاف الرواة، قال الدارقطني:
وروى عنه على سبعة أوجه. وخالف فيه الجمهور. قال النووي: ولا يقدح هذا في
مسلم، فإنه لم يذكر هذه الرواية متأصلة مستقلة بل متابعة، والمتابعات يحتمل
فيها ما لا يحتمل في الأصول.
قال القاضي: ويحتمل أنه لم يعد في هذه الصلاة الركعتين الأوليين الخفيفتين
اللتين كان النبي وَليّ يستفتح صلاة الليل بهما، ولهذا قال: ((صلى ركعتين، فأطال
فيهما))، فدل على أنهما بعد الخفيفتين، فتكون الخفيفتان، ثم الطويلتان، ثم الست
المذكورات، ثم ثلاث بعدها، كما ذكر، فصارت الجملة ثلاث عشرة، كما في
باقي الروايات. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْل
١٠٥
١٢٠٤ - [١٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ
رَسُولِ اللَّهِ مَّهِ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ طَوِيِلَتَيْنِ،
طَوِيلَتَيْنِ، طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَاَ، ثُمَّ صَلَّى
رَكْعَتَيْنَ وَهُمَا دُونَ اللََّيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَّلَّى رَكْعَتَيْنٍ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا،
ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح}
- قَوْلُهُ: ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، هَكَذَا فِي
((صَحِيحِ مُسْلِمٍ))، وَأَفْرَادِهِ مِنْ كِتَابِ الْحُمَيْدِيُّ ((وَمُوَطَّأْ مَالِك)) و(آَسُنَنِ أَبِي
دَاوُدَ)) وَاجَامِعَ الأَصُولِ)).
الشَّرْحُ
١٢٠٤ - قوله: (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ) بضم الجيم وفتح الهاء، نسبة إلى
جهينة، المدني الصحابي الشهير. (أَنَّهُ) أي: زيد بن خالد. (لَأَرْمُقَنَّ) بضم الميم
وفتح القاف ونون التوكيد الثقيلة من باب نصر، أي: لأنظرن، وأراقبن،
وأحافظن، من الرَّمْق بفتح وسكون أو بفتحتين، وهو النظر إلى الشيء على وجه
المراقبة والمحافظة. وأكد باللام والنون مبالغة في طلب تحصيل معرفة ذلك
وضبطه. (صَلَةَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ) أي: صلاته النافلة من الليل. قال الطيبي: عدل
عن الماضي إلى المضارع فلم يقل: رمقت؛ استحضارًا لتلك الحالة الماضية؛
ليقررها في ذهن السامع أبلغ تقرير. (اللَّيْلَةَ) أي: في هذه الليلة حتى أرى كم
يصلي، وقال ابن حجر: والظاهر: أنه قال ذلك لأصحابة نهارًا، ثم رمقه، وحينئذٍ
فالمضارع على حاله. قال القاري: ولا يستقيم ذلك إلا على تقديرات كثيرة، كما
لا يخفى، قال: ويمكن أن يكون هذا القول من زيد قبل العلم والعمل. وقيل: إن
ذلك حين سمعه ◌َّر قام يصلي لا قبل ذلك؛ لأنه من التجسس المنهي عنه. وأما
ترقبه للصلاة فمحمود، انتهى. زاد في رواية ((الموطأ)) وأبي داود وابن ماجه
(١٢٠٤) مُسْلِم (٧٦٥/١٩٥) عَنْهُ فِیهِ .
١٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
و((الشمائل)) للترمذي، قال - أي: زيد: فتوسدت عتبته، أو فسطاطه، والعتبة
محركة: أسكفة الباب، أي: جعلت عتبة بابه كالوسادة بوضع الرأس عليها.
والفسطاط مثلثة الفاء بيت من شعر. والمراد من توسد الفسطاط: توسد عتبة
الفسطاط، فهو على تقدير مضاف، وهذا شك من الراوي عن زيد أنه قال: توسد
عتبة بيته، أو عتبة فسطاطه. قيل: والظاهر الثاني؛ لأنه وّل في الحضر يكون عند
نسائه، فلا يمكن أن يتوسد زيد عتبة بيته ليرمقه بخلاف السفر، فإنه خال عن
الأزواج المطهرات، فيمكنه أن يتوسد عتبة فسطاطه. قال القاري في ((جمع
الوسائل)): فالترديد إنما هو في العبارة، وإلا فالمقصود عن عتبته أيضًا عتبة
فسطاطه في الحقيقة لا شك فيه، انتهى. والمراد بعتبة الفسطاط: بابه، أي: محل
دخوله، يعني: أرقد عند باب خيمته.
(فَصَلَّى) رسول اللّهِ وَّ. (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) أي: ابتداء، وإنما خفف فيهما؛
لأنهما عقب كسل من أثر النوم وليدخل في صلاة التهجد بنشاط. (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
طَوِيلَتَيْنِ، طَوِيلَتَيْنٍ، طَوِيلَتَيْنِ) التكرار للتأكيد، وليس المراد بكل طويلتين
ركعتين. كذا في ((المفاتيح)). قال الطيبي: كرر ثلاث مرات إرادة لغاية الطول، ثم
تنزل شيئًا فشيئًا، انتهى. وإنما بولغ في تطويلهما؛ لأن النشاط في أول الصلاة
يكون أقوى، والخشوع يكون أتم، ومن ثم سن تطويل الركعة الأولى على الثانية
من الفريضة. قال الباجي: ومعنى ذلك أن آخر الصلاة مبني على التخفيف عما
تقدم، ولذا شرع هذا المعنى في الفرائض. (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ وَهُمَا) أي:
الركعتان. (دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) أي: في الطول، وإنما كانتا دون الركعتين اللتين
قبلهما، لأنه إذا استوفى الغاية في النشاط والخشوع أخذ في النقص شيئًا فشيئًا،
فيخفف من التطويل على سبيل التدرِيج. (ثُمَّ) ثانيًا (صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ
قَبْلَهُمَا) في الطول. (ثُمَّ) ثالثًا (صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ وَهُمَا دُونَ اللََّيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ) رابعًا
(صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، وَهُمَا دُونَ) الرَّكْعَتَيْنِ (اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) قال الطيبي: أربع مرات،
فعلى هذا لا تدخل الركعتان الخفيفتان تحت ما أجمله بقوله: ((فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ
رَكْعَةً))، أو يكون الوتر ركعة واحدة، ولعل ناسخ ((المصابيح)) لما رأى المجمل
جعل الخفيفتين من جملة المفصل، فكتب قوله: (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنَ، وَهُمَا دُونَ
اللَّتَيْنِ قَبْلَهُما)) ثلاث مرات. ومن ذهب إلى أن الوتر ثلاث ركعات حمل قوله: ((ثم
أوتر)) على ثلاث ركعات، فعليه أن يخرج الركعتين الخفيفتين من البين.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللّيْل
١٠٧
(ثُمَّ أَوْتَرَ) أي: بواحدة على أن الركعتين الخفيفتين داخلتان في المجمل.
(فَذَلِكَ) أي: المجموع مع الوتر. (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) فيه: أن صلاته وَّ في الليل
ثلاث عشرة ركعة بدون ركعتي الفجر. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك
وأبو داود والترمذي في ((الشمائل)) وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٨). قال
المصنف: (قَوْلُهُ) أي: قول زيد. (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنَ، وَهُمَا دُونَ اللََّيْنِ قَبْلَهُما أَرْبَعَ
مَرَّاتٍ) بالنصب، أي: وقع هذا القول أربع. (هَكَذَا) أي: أربع مرات. (فِي صَحِيحِ
مُسْلِم) أي: متنه. (وَأَفْرَادِهِ) بفتح الهمزة، أي: أفراد مسلم. (مِنْ كِتَابِ الْحُمَيْدِيُّ)
((الجامع بين الصحيحين)). والأحاديث فيه على ثلاثة أنواع، الأول: ما اتفق عليه
الشيخان. والثاني: ما انفرد به البخاري ويعبر عنه بأفراد البخاري. والثالث: ما
انفرد به مسلم، وهو المراد بأفراد مسلم. والحاصل: أن الجملة المذكورة وقعت
في متن ((صحيح مسلم)) أربع مرات، وكذا وقعت في أفراد مسلم من كتاب
((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي. (وَمُوَطَّأْ مَالِكِ) أي: في ((موطئه)). (وَسُنَنِ أَبِي
دَاوُدَ) السجستاني .
(وَجَامِعِ الْأُصُولِ) الستة لابن الأثير الجزري (ج ٧ ص٥٣)، وكذا وقع في ((سنن
ابن ماجه)) و(الشمائل)) للترمذي و((السنن الكبرى)) للبيهقي أربع مرات. ومقصود
المصنف من هذا الكلام: الاعتراض على البغوي حيث ذكره في ((المصابيح)) ثلاث
مرات. وقد يقال في توجيه ما في ((المصابيح)): إن قوله: طويلتين ثلاث مرات
محمول على ست ركعات بحذف حرف العطف، والركعتان الخفیفتان خارجتان،
والوتر ركعة. والأظهر: أن التكرير للمبالغة في الطول.
١٢٠٥ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ رِضُهَا قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ،
وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا.
[متفق عليه]
الشَّرْخُ
١٢٠٥ - قوله: (لَمَّا بَدَّنَ) بتشديد الدال من التبدين، وهو الكبر والضعف
أي: مسه الكبر وأسن. (وَثَقُلَ) بضم القاف أي: عن الحركة وضعف عنها لدخوله
(١٢٠٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١١١٨)، ومُسْلِم (٧٣٢/١١٧) عَنْهَا فِيهِ .
١٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في السن، ويروى بُدن بضم الدال المخففة أي: كثر لحمه وثقل، أي: ضعف لكبر
سنه وكثرة لحمه، وذلك قبل موته بسنة. قال التوربشتي: اختلف الرواة في قوله
((بدن)): فمنهم من يرويه مخففًا بضم الدال، من قولهم: بدن يبدن بدانة وبدن.
بفتح الدال يبدن بدئًا، وهو السمن والاكتناز. ومنهم من يرويه بفتح الدال
وتشديدها من التبدين وهو السن والكبر، وهذه الرواية هي التي يرتضيها أهل العلم
بالرواية؛ لأن النبي ◌ّليّ لم يوصف بالسمن فيما يوصف به، نقله الأبهري. وقال
عياض: قال أبو عبيد في تفسير هذا الحديث: بدن الرجل بفتح الدال المشددة
تبدینًا إذا أسن، قال: ومن رواه بدن بضم الدال المخففة، فليس له معنى هنا؛ لأن
معناه: كثر لحمه، وهو خلاف صفته وَله. قال عياض: روايتنا في مسلم عن
جمهورهم بدن بالضم، وعن العذري بالتشديد، قال: وأراه إصلاحًا، قال: ولا
ينكر اللفظان في حقه وَليّ، فقد قالت عائشة في ((صحيح مسلم)): فلما أسن
رسول اللَّه ◌َّية، وأخذه اللحم أوتر بسبع. وفي حديث آخر: ((ولحم))، وفي آخر:
((أسن وكثر لحمه)). وقول ابن أبي هالة في وصفه: بادن متماسك. قال النووي:
والذي ضبطناه ووقع في أكثر أصول بلادنا بالتشديد، انتهى.
قلت: روى البخاري في تفسير سورة الفتح من حديث عائشة قالت: إن
النبي ◌َّةٍ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا
رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أَفَلَا أَحِبُّ أَنْ أَكُونَ
عَبَدًا شَكُورًا)). فلما كثر لحمه صلى جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ، ثم ركع،
انتهى. قال الحافظ: أنكر الداودي قوله: ((فلما كثر لحمه))، وقال: المحفوظ:
((فلما بدن)) أي: كبر، فكأن الراوي تأويله على كثرة اللحم، انتهى. وقال ابن
الجوزي: أحسب بعض الرواة لما رأى ((بدن)) ظنه أي: كثر لحمه، وليس كذلك؛
وإنما هو بدن تبدينًا، أي: أسن، انتهى. وهو خلاف الظاهر. وفي حديث مسلم
عن عائشة قالت: لما بدن رسول اللَّه وَ ل﴿ وثقل كان أكثر صلاته جالسًا، لكن يمكن
تأويل قوله: ثقل، أي: ثقل عليه حمل لحمه، وإن كان قليلاً لدخوله في السن،
انتهى مختصرًا. وقيل: رواية كثر لحمه محمولة على استرخاء لحم بدنه كما يقتضيه
کبر سنه .
(كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ) أي: النافلة. (جَالِسًا) وفي رواية أبي سلمة عن عائشة: لم
١٠٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْل
يمت حتى كان كثير من صلاته جالسًا. وفي حديث حفصة: ما رأيت رسول الله
وَله يصلي في سبحته جالسًا، حتى إذا كان قبل موته بعام وكان يصلي في سبحته
جالسًا، أخرجهما مسلم. والحديث يدل على جواز التنفل قاعدًا مع القدرة على
القيام. قال النووي: وهو إجماع العلماء. قال ابن حجر: ومن خصائصه ◌ُلِّلا: أن
ثواب تطوعه جالسًا كهو قائمًا، سواء جلوسه يكون بعذر أو بغير عذر. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
واللفظ لمسلم، ولم يقل البخاري: أكثر.
١٢٠٦ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِى
كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ ، فَذَكَرَ عِشْرِيَنَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفٌ
ابْنِ مَسْعُودٍ، سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ آخِرُهُنَّ ﴿حَمّ﴾ الدُّخَانُ و﴿عَمَّ يَتَسَلُونَ﴾﴾.
[متفق عليه]
الشّرْجُ
١٢٠٦ - قوله: (لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ) جمع نظيرة، وهي المثل والشبه أي:
السور المتشابهة والمتقاربة في الطول والقصر. قال الحافظ في ((الفتح)): أي:
السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم أو القصص، لا المتماثلة في عدد
الآي لما سيظهر عند تعيينها. قال المحب الطبري: كنت أظن أن المراد: أنها
متساوية في العد حتى اعتبرتها، فلم أجد فيها شيئًا متساويًا. (يَقْرُنُ) بضم الراء
ويجوز كسرها أي: يجمع. (بَيْنَهُنَّ) أي: بين سورتين منهن في ركعة. (فَذَكَرَ)
أي: ابن مسعود. (عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ) وهي الرحمن والنجم في
ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت
ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في
ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل آتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة،
وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة.
(١٢٠٦) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْهُ؛ البُخَارِي (٤٩٩٦) فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ، مُسْلِم (٧٢٢/٢٧٥) فِي الصَّلَاةِ،
والنَّسَائِي (٢/ ١٧٤).
١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رواه أبو داود، وقال: هذا تأليف ابن مسعود، أي: ترتيب السور المذكورة في
الحديث، وهو الترتيب الذي ألف عليه ابن مسعود السور في مصحفه. (عَلَى
تَأْلِيفِ) مصحف (ابْنِ مَسْعُودٍ) أي: جمعه وترتيبه.
قال الحافظ: فيه دلالة على أن تأليف ابن مسعود على غير تأليف العثماني،
وكان أوله الفاتحة، ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ولم يكن على ترتيب
النزول. ويقال: إن مصحف علىٍّ كان على ترتيب النزول، أوله اقرأ، ثم المدثر،
ثم ن والقلم، ثمٍ المزمل، ثم تَبَّت، ثم التكوير، ثم سبح، وهكذا إلى آخر المكي
ثم المدني، والله أعلم. وأما ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن فقال القاضي
أبوبكر الباقلاني: يحتمل أن يكون النبي و ليل هو الذي أمر بترتيبه هكذا، ويحتمل
أن يكون من اجتهاد الصحابة، ثم رجح الأول بما روى البخاري عن أبي هريرة أنه
كان النبي ◌َّليّ يعارض به جبريل في كل سنة، فالذي يظهر أنه عارضه به هكذا على
هذا الترتيب، وبه جزم ابن الأنباري. ومما يدل على أن ترتيب المصحف كان
توقيفًا ما أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أوس بن حذيفة الثقفي، قال: كنت
في الوفد الذين أسلموا من ثقيف ... فذكر الحديث، وفيه: فقال لنا رسول اللَّه
وََّ: ((طَرَّأَ عَلَيَّ حِزْبٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَرَدْتُ أَنْ لَا أَخْرُجَ حَتَّى أَقْضِيَه))، قال: فسألنا
أصحاب رسول اللَّه ◌َله، قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قلنا: نحزبه ثلاث سور
وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة، وحزب المفصل من ق حتى
تختم.
قال الحافظ: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان
في عهد النبي وَلّ. ويستفاد من هذا الحديث - حديث أوس - أن الراجح في
المفصل أنه من أول سورة ق إلى آخر القرآن، لكنه مبني على أن الفاتحة لم تعد في
الثلاث الأول، فإنه يلزم من عدها أن يكون أول المفصل من الحجرات، وبه جزم
جماعة من الأئمة، انتهى. وقيل: ترتيب جميع السور توقيفي إلا ترتيب براءة
والأنفال، فهو من اجتهاد عثمان، كما يدل عليه حديث ابن عباس عند أحمد
وأصحاب السنن، وصححه ابن حبان والحاكم، وقد ذكره المصنف في الباب
الذي قبل كتاب الدعوات، وسيأتي الكلام في ذلك هناك. قال الجزري: اختلف
في ترتيب السور، هل هو توقيفي من النبي وَالر، أو إجماع من الصحابة، أو بعضه
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
توقيف، وبعضه إجماع من الصحابة؟ وأجمعوا على أنه لم ينزل مرتبًا هكذا، وعلى
أنه لا يقرأ إلا هكذا، كما هو مرتب اليوم، وإنما يصح للصغار أن يقرؤا من أسفل
لضرورة التعليم، ولو قرأ في الصلاة غير مرتب، فهو غير الأولى. وقيل: يكره،
ولو قرأ في أول ركعة سورة الناس، فماذا يقرأ في الثانية؟ قال أبو حنيفة: يعيدها.
وقال الشافعي: يبدأ من أول البقرة أي: إلى المفلحون. وهو رواية عن أبي حنيفة،
وهو الأظهر؛ لأن الإفادة أولى من الإعادة.
(سُورَتَيْنِ) أي: كل سورتين من العشرين. (فِي رَكْعَةٍ آخِرُهُنَّ) أي: آخر
العشرين مبتدأ، يعني آخر الثنتين من العشرين. (﴿حمّ﴾ الدُّخَانِ) يحتمل
الحركات الثلاث في ﴿حمّ﴾ والفتح أشهر، وكذلك في الدخان، والجر أشهر.
(﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾) هذا يخالف ظاهره ما تقدم من رواية أبي داود، إلا أن يقال:
التقدير آخرهن أي: آخر العشرين (﴿حمّ﴾ الدُّخَانِ) ونظيرتها إذا الشمس كورت،
وعم يتساءلون، ونظيرتها والمرسلات، قاله القاري. وقال الحافظ: قوله:
((آخرهن ﴿حمّ﴾ الدخان، و﴿عَمَّ يَتَسَلُونَ﴾)) مشكل؛ لأن ﴿حمّ﴾ الدخان آخرهن
في جميع الروايات. وأما عمّ، فهي في رواية ابن خزيمة السابعة عشرة. وفي
رواية أبي داود: الثامنة عشرة، فكان فيه تجوزًّا؛ لأن عمّ وقعت في الركعتين
الأخيرتين في الجملة، انتهى. ووقع في رواية البخاري في باب: الجمع بين
السورتين في ركعة من أبواب الصلاة، فذكر عشرين سورة من المفصل؛
واستشكل عد الدخان من المفصل، لأنها ليست منه.
وأجيب: بأن ذكرها معهن فيه تجوز، ولذلك فصلها من المفصل في رواية
البخاري في باب: الترتيل في القراءة، ولفظها: وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ
بهن النبي ◌َّل: ثمان عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم، لكن يرد على
رواية البخاري هذه: أن الروايات لم تختلف أنه ليس في العشرين من الحواميم
غير الدخان. قال الحافظ: فتحمل على التغليب أو فيها حذف كأنه قال: وسورتين
إحداهما من آل حم، انتهى. ولذكر ابن مسعود هذا الحديث سبب وهو: أن رجلًا
- وهو نهيك بن سنان - جاء إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة
فقال - أي: ابن مسعود - هذا كهذ الشعر لقد عرفت النظائر ... إلخ.
١١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد: كراهة الإفراط في سرعة التلاوة؛ لأنه
ينافي المطلوب من التدبر والتفكر في معاني القرآن، ولا خلاف في جواز السرد
بدون تدبر، لكن القراءة بالتدبر أعظم أجرًا، وفيه: جواز تطويل الركعة الأخيرة
على ما قبلها، وفيه: الجمع بين السورتين في ركعة، ويستدل به على الجمع بين
السور؛ لأنه إذا جمع بين السورتين ساغ الجمع بين الثلاث فصاعدًا. وقد روى أبو
داود، وصححه ابن خزيمة من طريق عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة: أكان
رسول اللّه وَ ل يجمع بين السور؟ قالت: نعم من المفصل. ولا يخالف هذا ما
سيأتي في التهجد أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال؛ لأنه يحمل على النادر.
وقال عياض في حديث ابن مسعود: هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته
غالبا. وأما تطويله، فإنما كان في التدبر والترتيل. وما ورد غير ذلك من قراءة
البقرة وغيرها في ركعة، فكان نادرًا. قال الحافظ: لكن ليس في حديث ابن مسعود
ما يدل على المواظبة، بل فيه أنه كان يقرن بين هذه السور المعينات، إذا قرأ من
المفصل، وفيه: موافقة لقول عائشة وابن عباس: إن صلاته بالليل كانت عشر
ركعات غير الوتر. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه أن هذه الألفاظ لم يتفقا عليها، بل الحديث في
((الصحيحين)) بألفاظ مختلفة، ولفظ الكتاب بهذا السياق ليس لهما ولا لأحدهما،
بل هو مجموع من مجموع ما فيهما. والحديث أخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود
والنسائي وابن خزيمة والبيهقي (ج٢ ص٩).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللّيْل
١١٣
Ex*
ser
الفصل الثاني
١٢٠٧ - [١٣] عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ وَ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ وَكَانَ
يَقُولُ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)) ثَلَاثًّا ((ذُو الْمَلَكُوتِ، وَالْجَبَرُوتِ، وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْعَظَمَةِ))
ثُمَّ اسْتَفْتَحَ، فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوِعُهُ نَحْوًّا مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي
رُكُوعِهِ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم)) ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَكَانَ قِيَامُهُ نَحْوًا
مِنْ رُكُوعِهِ، يَقُولُ: (لِرَبِّيَ الْحَمْدُ)) ثُمَّ سَجَدَ فَكَانَ سُجُوَدُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ،
فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى)) ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ،
وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًّا مِنْ سُجُودِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: ((رَبِّ اغْفِرْ
لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي)) فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ: الْبَقَرَةَ، وَآَلَ عِمْرَانَ،
وَالنِّسَاءَ، وَالْمَائِدَةَ، أَوِ الْأَنْعَامَ. شَكَ شُعْبَةُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٢٠٧ - قوله: (يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) أي: التهجد. (وَكَانَ) وفي بعض النسخ :
(فَكَانَ)) موافقًا لما في ((سنن أبي داود)). قال الطيبي: الفاء للتفصيل. (يَقُولُ: اللهُ
أَكْبَرُ ثَلَاثًا) ليس في رواية النسائي ثلاثًا. (ذُو الْمَلَكُوتِ) بفتحتين أي: صاحب
الملك، والعزة ظاهرًا وباطنًا، والصيغة للمبالغة في الملك. (وَالْجَبَرُوتِ) بفتحتين
أيضًا مبالغة في الجبر بمعنى: القهر والغلبة. (وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ) قيل: الكبرياء
الترفع عن جميع الخلق مع انقيادهم له والتنزه عن كل نقص، والعظمة تجاوز القدر
عن الإحاطة به. وقيل: الكبرياء عبارة عن كمال الذات. والعظمة عبارة عن جمال
الصفات، ولا يوصف بهذين الوصفين إلا اللَّه تعالى. (ثُمَّ اسْتَفْتَحَ) أي: قرأ الثناء،
فإنه يسمى دعاء الاستفتاح، أو استفتح بالقراءة أي: بدأ بها من غير الإتيان بالثناء؛
لبيان الجواز، أو بعد الثناء جمعًا بين الروايات، وحملًا على أكمل الحالات، قاله
(١٢٠٧) أَبُو دَاوُد (٨٧٤) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّسَائِي (٢٠٠.١٩٩/٢)، وَالتِّرْمِذِي (٢٧٠) فِي الشَّمَائِلِ
عَنْهُ.
١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القاري. وقال ابن حجر: أي: يقوله في صلاته في محل دعاء الافتتاح، ثم استفتح
القراءة، انتهى.
قلت: يؤيد ما قاله ابن حجر روايةٌ أحمد والترمذي في ((شمائله)): عن حذيفة
أنه صلى مع النبي وَّر من الليل قال: فلما دخل في الصلاة قال: ((اللهُ أُكْبَرُ ذُو
الْمَلَكُوتِ، وَالْجَبَرُوتِ، وَالْكِبْرَياءِ، وَالْعَظَمَةِ))، قال: ثم قرأ البقرة ... إلخ،
فقوله: لما دخل، أي: بتكبيرة الإحرام وقوله: ((اللهُ أَكْبَرُ ... )) إلخ. ظاهر أنه قال
ذلك بعد تكبيرة الإحرام بدليل زيادة الكلمات المذكورة، فيكون هذا صيغة من
صيغ دعاء الافتتاح الواردة. (فَقَرَأَ) في الركعة الأولى. (الْبَقَرَةَ) أي: بكمالها بعد
الفاتحة، وإن لم يذكرها اعتمادًا على ما هو معلوم من أنه وَّ لم يخل صلاة عن
الفاتحة. (فَكَانَ رُكُوعُهُ) أي: طوله. (نَحْوًّا مِنْ قِيَامِهِ) أي: قريبًا منه، فيكون قد
طول الركوع قريبًا من هذا القيام الطويل يدل عليه رواية النسائي في صلاته
التهجد، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة، ويقول في ركوعه: ((سُبْحَانَ ذِي
الْجَبْرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ، وَالْكِبْرَياءِ، وَالْعَظَمَةِ))، وكان مقروًا فيها أيضًا سورة البقرة.
(فَكَانَ يَقُولُ) حكاية للحال الماضية استحضارًا. قاله ابن حجر: وفي ((سنن أبي
داود)): ((وَكَانَ يَقُولُ)). (فِ رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم) بفتح الياء، وتسكن،
والمراد: أنه كان يكرر هذه الكلمة ما دام راكعًا (فَكَانَ قِيَامُهُ) بعد الركوع أي:
اعتداله. (نَحْوًا مِنْ رُكُوعِهِ) أي: قريبًا منه، وفيه: دليل على أن الاعتدال ركن
طويل خلافًا للشافعية، فإنه ركن قصير عندهم. واختار النووي: أنه طويل أخذًا
بهذا الحديث وأمثاله. (يَقُولُ) أي: بعد سمع الله لمن حمده (لِرَبِّيَ الْحَمْدُ) أي:
كان يكرر ذلك مادام في الاعتدال. (فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ) من الركوع
للاعتدال. قال ابن حجر: أي: من اعتداله. (فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : سُبْحَانَ رَبِّيَ
الْأَعْلَى) أي: كان يكرر ذلك مادام ساجدًا. (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ) أي:
السجود الأول إلى الجلوس بين السجدتين. (وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا
مِنْ سُجُودِهِ) أي: سجوده الأول. وفي ((مسند أحمد)) و((الشمائل)) فكان فيما بين
السجدتين نحوًّا من السجود، وفيه دليل على أن الجلوس بين السجدتين ركن
طويل، خلافًا للشافعية.
١١٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْل
(وَكَانَ يَقُولُ) أي: في جلوسه بين السجدتين. (رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي) أي:
وهكذا، فالمرتان المراد منهما التكرار مرارًا كثيرة لا خصوص المرتين على حد
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْجِعِ الْصَرَ كَرََّنِ﴾ [الملك: ٤]، فكان يكرر هذه الكلمة مادام جالسًا،
ولم يذكر السجود الثاني، ولا تطويله، ولا ما قاله فيه لعلمه بالمقايسة على السجود
الأول. (قَرَأَ) وفي أبي داود: فقرأ. (فِيهِنَّ) أي: في الركعات الأربع. (الْبَقَرَةَ) في
الركعة الأولى. (وَآلَ عِمْرَانَ) في الثانية. (وَالنِّسَاءَ) في الثالثة. (وَالْمَائِدَةَ أَوِ
الْأَنْعَامَ) بالشك أي: في الرابعة. (شََكَ شُعْبَةُ) راوي الحديث المذكور في السند،
أي: في السورة التي قرأها في الرابعة، هل هي المائدة أو الأنعام؟ قال القاري:
والأظهر: الأول مراعاة للترتيب المقرر، مع أن الصحيح أن الترتيب في جميع
السور توقيفي، وهو ما عليه الآن مصاحف الزمان، كما ذكره السيوطي في ((الإتقان
في علوم القرآن))، انتهى.
والحديث يدل: على مشروعية طلب المغفرة في الاعتدال بين السجدتين،
وعلى استحباب تطويل صلاة النافلة والقراءة فيها بالسور الطويلة وتطويل أركانها
جميعًا. وفيه رد على من ذهب إلى كراهة تطويل الاعتدال من الركوع والجلسة بين
السجدتين. قال النووي: والجواب عن هذا الحديث صعب، ذكره الشوكاني في
((النيل)). (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ ص٣٩٨) والنسائي والترمذي
في ((الشمائل))، كلهم من طريق أبي حمزة مولى الأنصار، عن رجل من بني عبس
عن حذيفة. قال الترمذي: أبو حمزة اسمه طلحة بن زيد. وقال النسائي: هو طلحة
ابن يزيد، وهذا الرجل المبهم يشبه أن يكون صلة بن زفر. قال المنذري: طلحة بن
يزيد أبو حمزة الأنصاري مولاهم الكوفي، احتج به البخاري في ((صحيحه))، وصلة
ابن زفر العبسي احتج به البخاري ومسلم، انتهى. والحديث أصله في ((صحيح
مسلم)) .
١١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قَالَ: قَالَ
١٢٠٨ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَ﴾
رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبَ مِنَ الْغَافِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةٍ
آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ)».
[رواهُ أَبُو دَاودَ] {حسن}
الشَّرْحُ
١٢٠٨ - قوله: (مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ) أي: أخذها بقوة وعزم من غير فتور ولا
توانٍ، من قولهم: قام بالأمر، فهو كناية عن حفظها، والدوام على قراءتها،
والتفكر في معانيها، والعمل بمقتضاها، وإليه الإشارة بقوله: ((لَمْ يُكْتَبْ مِنَ
الْغَافِلِينَ))، ولا شك أن قراءة القرآن في كل وقت لها مزايا وفضائل، وأعلاها أن
يكون في الصلاة لاسيما في الليل، قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَلِ هِىَ أَشَدُ وَطْنَا وَأَقْوَمُ
قِيلًا﴾ [المزمل: ٦٠]، ومن ثم أورد محيي السنة الحديث في باب صلاة الليل، قاله
الطيبي: وحاصله: أن الحديث مطلق غير مقيد لا بصلاة ولا بليل، فينبغي أن
يحمل على أدنى مراتبه، ويدل عليه قوله: ((لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ)»، وإنما ذكره
البغوي في محل الأكمل. وقال ابن حجر: أي: يقرأها في ركعتين أو أكثر، وظاهر
السياق: أن المراد غير الفاتحة، انتهى. قلت: تفسير قام يصلي أي: بالقراءة في
الصلاة بالليل في هذا المقام، هو الظاهر بل هو المتعين، لما روى ابن خزيمة في
((صحيحه) والحاكم (ج١ ص ٣٠٩) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ صَلَّى فِي لَيْلَةٍ
بِمَاتَّةٍ آيَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِينَ، وَمَنْ صَلَّى فِي لَيْلَةٍ بِمَاتَتَي آيَةٍ، فَإِنَّهُ يُكْتَبُ مِنَ
القَانِتِينَ الْمُخْلَصِينَ)). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم
يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضًا البزار، لكن في سنده يوسف بن خالد
السمتي، وهو ضعيف، قاله الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٢ ص٢٦٧).
(لَمْ يُكْتَبْ مِن الْغَافِلِينَ) أي: لم يثبت اسمه في صحيفة الغافلين. وقيل: أي:
خرج من زمرة الغفلة من العامة، ودخل في زمرة: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَعُ عَن
(١٢٠٨) أَبُو دَاوُد (١٣٩٨) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ.
١١٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
ذِكِرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. (وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ) القنوت يرد بمعانٍ؛
كالطاعة والقيام، والخشوع والعبادة، والسكوت والصلاة، فيصرف في كل واحد
من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه، والمراد هنا: القيام أو
الطاعة أي: كتب عند الله من الثابتين على طاعته، أو من القائمين بالليل. وقال
الطيبي: أي: من الذين قاموا بأمر الله، ولز موا طاعته وخضعوا له. (وَمَنْ قَامَ بِأَلْفٍ
آيَةٍ) قال المنذري: من الملك إلى آخر القرآن ألف آية. (كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ)
بكسر الطاء أي: من المكثرين من الأجر والثواب، مأخوذ من القنطار، وهو المال
الكثير. قال الطيبي: أي: من الذين بلغوا في حيازة المثوبات مبلغ المقنطرين في
حيازة الأموال. قال أبوعبيد: لا تجد العرب تعرف وزن القنطار، وما نقل عن
العرب المقدار المعول عليه. قيل: أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا: قناطير مقنطرة،
فهي: اثنا عشر ألف دينار. وقيل: القنطار ملء جلد ثور ذهبًا. وقيل: هو جملة
كثيرة مجهولة من المال، انتهى. قلت: روى ابن حبان في ((صحيحه)) عن أبي
هريرة مرفوعًا: ((الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ، الْأَوْقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ))، ذكره المنذري. وروى الطبراني في ((الكبير)) بسند ضعيف عن أبي
أمامة في أثناء حديث: ((وَمَنْ قَرَأَ أَلْفَ آيَةٍ أَصْبَحَ ولَهُ قِنْطَارٌ، وَالْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِثََّا
أُوْقِيَّةٍ، الأُوقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) أَوْ قَالَ: «مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما)) إلا أن في
رواية ابن حبان: ((وَمَنْ قَامَ بِمَاتَتَي آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِيْنَ))، أخرجوه من طريق أبي
سوية عن ابن حجيرة عن عبد الله بن عمرو، وقد سكت عنه أبو داود والمنذري في
((تلخيص السنن)). ونقل في ((الترغيب)) عن ابن خزيمة أنه قال: إن صح الخبر،
فإني لا أعرف أبا سوية بعدالة ولا جرح، انتهى. قلت: أبو سوية هذا اسمه عبيد بن
سوية. وقيل: عبيد بن حميد. وقيل: كنيته أبو سويد بدال مصغرًا. قال في
((التقريب)): والصواب أبوسوية صدوق. وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال ابن
ماكولا : أنه كان فاضلاً. وقال ابن حبان: ثقة مصري. وقال ابن يونس: كان رجلًا
صالحًا، انتهى. وفي الباب عن فضالة بن عبيد وتميم الداري وأبي هريرة وأبي
أمامة وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وأبي سعيد، ذكر أحاديثهم الهيثمي في
((مجمع الزوائد» (ج ٢ ص٢٦٧، ٢٦٨) مع الكلام فيها.
SCORE
١١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٠٩ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِّ ◌َِّ بِاللَّيْلِ
يَرْفَعُ طَوْرًا، وَيَخْفِضُ طَوْرًا.
[رواهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْجُ
١٢٠٩ - قوله: (كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ◌َِّ بِاللَّيْل) في الأزهار يعني: في الصلاة،
ويحتمل في غيرها أيضًا، والخبر محذوف وهو مختلفة. (يَرْفَعُ) أي: صوته رفعًا
متوسطًا. (طَوْرًا) أي: مرة أو حالة إن كان خاليًا. (وَيَخْفِضُ) بكسر الفاء المعجمة
من ضرب أخرى، إن كان هناك نائم، أو بحسب حاله المناسب لكل منهما. وقال
الطيبي: يرفع خبر كان والعائد محذوف، أي: يرفع لعلَّ فيها طورًا صوته،
والحديث يدل على أن الجهر والإسرار جائزان في قراءة صلاة الليل. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ) وكذا في البيهقي (ج ٣ ص١٢، ١٣) وسكت عليه أبو داود والمنذري.
١٢١٠ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ بَّهِ عَلَى قَدْرٍ
مَا يَسْمَعُهُ مَنْ فِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ فِي الْبَيْتِ.
[رواهُ أَبُو دَاودَ] {حسن}
الشَّرُْ
١٢١٠ - قوله: (كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ وَّهِ﴾ أي: رفع صوت قراءته في الصلاة
بالليل. (عَلَى قَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ) أي: مقدار قراءة يسمعها. وقال ابن حجر: أي:
صوت أو رفع يسمعه. (مَنْ فِي الْحُجْرَةِ) أي: في صحن البيت، وهي الأرض
المحجورة، أي: الممنوعة بحائط محوط عليها. (وَهُوَ فِي الْبَيْتِ) أي: والحال
أنه وَ لّ في بيته، ويحتمل أن يقال: المراد بالبيت هو الحجرة نفسها، أي: يسمع
من في الحجرة وهو فيها. وقيل: الحجرة أخص من البيت، يعني: أنه وَلّ كان لا
(١٢٠٩) أَبُو دَاوُد (١٣٢٨) عَنْهُ.
(١٢١٠) أَبُو دَاوُد (١٣٢٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَهُ.
١١٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
R sses*
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
يرفع صوته كثيرًا، ولا يسر بحيث لا يسمعه أحد، بل كانت قراءته بين الجهر
والإسرار، فكان إذا قرأ في بيته سمع قراءته من في الحجرة من أهله، ولا يتجاوز
صوته إلى ما وراء الحجرة، وهذا إذا كان يصلي ليلًا، وأما في المسجد، فكان
يرفع صوته فيها كثيرًا، وفي ((قيام الليل)) لمحمد بن نصر المروزي: سئل ابن عباس
عن جهر النبي وَّر بالقراءة بالليل، فقال: كان يقرأ في حجرته قراءة لو أراد أن
يحفظها حافظ فعل. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا الترمذي في ((الشمائل)) بلفظ:
كان قراءة النبي ◌َّوربما يسمعه من في الحجرة، وهو في البيت. والحديث سكت
عنه أبو داود.
وقال المنذري: وفي سنده ابن أبي الزناد، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن
ذكوان، وفيه مقال، وقد استشهد به البخاري في مواضع، انتهى.
قلت: ضعفه ابن معين وعلي بن المديني والنسائي وغيرهم، ووثقه الترمذي
والعجلي، وصحح الترمذي عدة من أحاديثه. وقال في اللباس: ثقة حافظ. وقال
ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه. وقال ابن المديني والساجي وعمرو بن علي: ما
حدث به بالمدينة فهو مقارب، وما حدث به بالعراق فهو مضطرب، وقال الحافظ
في ((التقريب)): صدوق تغير لما قدم بغداد، وكان فقيهًا. وللبيهقي (ج ٣ ص١١)
من طريق آخر بلفظ: كان يقرأ في بعض حجره، فيسمع قراءته من كان خارجًا .