النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
i **
الفرق، كما زعمه الشيعة. وقولهم: إن الدلالة لو كانت ظاهرة قوية، لما حصل
الخلاف بينهم في أول الأمر باطل ضرورة أن الوقت كان وقت حيرة ودهشة، وكم
من ظاهر يخفى في مثله (ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ نَّهِ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً) أي: قوة في بعض تلك
الأيام. والظاهر: أن ذلك كان عند صلاة الظهر يوم الخميس قبل أن يقبض بخمسة
أيام. (فَقَامَ يُهَادَى) بضم أوله وفتح الدال على بناء المفعول من المفاعلة.
(بَيْنَ رَجُلَيْنٍ) أي: يمشي بينهما معتمدًا عليهما متمايلًا في مشيه من شدة
ضعفه، وإحدى يديه على عاتق أحدهما، والأخرى على عاتق الآخر. يقال: جاء
فلان يهادى بين اثنين، إذا كان يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه متمايلًا إليهما
في مشيه من شدة الضعف. والرجلان: العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي
طالب، كما في الحديث الآتي في الفصل الثالث. وفي رواية ابن حبان: وجد من
نفسه خفة فخرج بين بريرة ونوبة. ويجمع كما قال النووي: بأنه خرج من البيت
إلى المسجد بين هذين، ومن ثم إلى مقام الصلاة بين العباس وعلي. وقال
أبوحاتم: خرج بين الجاريتين إلى الباب ومن الباب أخذه العباس وعلي، حتى
دخلا به المسجد. وقيل: يحمل على التعدد، ويدل عليه ما في رواية الدار قطني :
أنه خرج بين أسامة بن زيد والفضل بن عباس. وأما ما في مسلم أنه خرج بين
الفضل بن عباس وعلي، فذلك في حال مجيئه من بيت ميمونة إلى بيت عائشة.
(وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ) بضم الخاء. (فِي الأَرْضِ) أي: تعملان فيها خطًّا، إذ لا يقدر أن
يرفعهما عنها من الضعف. قال النووي: أي: لا يستطيع أن يرفعهما، ويضعهما
ويعتمد عليهما. (فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرِ حِسَّهُ) بكسر الحاء وتشديد السين المهملتين
أي: نفسه المدرك بحس السمع، قاله السندي. وقيل: أي: حركته أوصوته
الخفي. (ذَهَبَ) أي: أراد وقصد، أو طفق أو شرع. (يَتَأَخَّرُ) عن موضعه ليقوم ◌ِلَّلُ
مقامه. (فَأَوْمَأَ) بهمزة في آخره أي: أشار. وفي بعض النسخ: ((فأومأ)) بالألف وهو
خطأ. (أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ) أي: بعدم تأخره. (فَجَاءَ) أي: رسول اللَّه وَّ (حَتَّى جَلَسَ عَنْ
يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) هذا هو مقام الإمام، وفيه تعيين لما أبهم في الرواية الآتية من مكان
جلوسه وَّ، وفيه دلالة على أن النبي وَل كان إمامًا لا مأمومًا لجعله أبا بكر عن
يمينه، وقال العيني: إنما لم يجلس رسول اللَّه وَّل عن يمينه؛ لأن اليسار كان من

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الْمُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْم الْمُسْبُوقِ
٦٤١
جهة حجرته، فكان أخف عليه (يَقْتَدِي أَبُوبَكْرِ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَل﴾) فيه رد على من
زعم أنه مَّل﴾ كان مقتديًا بأبي بكر.
Se
(وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرٍ) أي: من حيث أنه كان يسمع الناس تكبيره بَّه .
قال القسطلاني: أي: يستدلون بصلاته على صلاة رسول اللّه وَ ليل. وقال القاري:
أي: يصنعون مثل ما يصنع؛ لأنه مَ ليل كان قاعدًا، وأبو بكر كان بجنبه قائمًا لا أن أبا
بكر كان إمام القوم والنبي ◌َل# كان إمامه، إذ الاقتداء بالمأموم لا يجوز بل الإمام
كان النبي ◌َّله وأبو بكر والناس يقتدون به. واعلم: أنه قد وقع الاختلاف في
حديث عائشة، هل كان النبي ◌َّ- إمامًا أو مأمومًا؟ فوقع عند الشيخين، وكذا عند
أحمد في ((مسنده)) ومالك في باب: صلاة الإمام وهو جالس، والنسائي في باب:
الائتمام بمن يأتم بالإمام، وفي باب: الائتمام بالإمام يصلي قاعدًا، وابن الجارود
في ((المنتقى)) في باب: تخفيف الصلاة بالناس، والبزار كما قال الحافظ في
((الفتح))، وابن حبان كما قال الزيلعي، وابن ماجه في باب: صلاة رسول اللَّه ◌َله
في مرضه ما يفيد أن رسول اللَّه ◌َلٍّ كان إمامًا وأبو بكر مأمومًا، ووقع عند ابن
حبان كما قال الزيلعي، وعند ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٣ ص ٦٧) وابن الجارود
في ((المنتقى)) (ص١٦٦) وأحمد في ((مسنده)) (ج٦ ص١٥٩) والبيهقي في ((سننه))
(ج٣ ص ٨٢) وابن المنذر وابن خزيمة كما قال الحافظ، والترمذي في بابٍ بعد
باب: إذا صلى الإمام قاعدًا، فصلوا قعودًا، ما يفيد أن أبا بكر كان هو الإمام.
وروى ابن خزيمة عن محمد بن بشار عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة عن
الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: من الناس من يقول: كان
أبوبكر المقدم بين يدي رسول اللَّه وَ الر في الصف، ومنهم من يقول: كان رسول
اللَّهِ وَ له هو المقدم، وظاهر هذه الرواية: أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة.
قال الحافظ: ولكن تظافرت الروايات عنها بالجزم، بما يدل على أن النبي وَله
كان هو الإمام في تلك الصلاة، منها رواية موسى بن أبي عائشة، وهى التي تأتي
في الفصل الثالث، ثم قال بعد أن ذكر الاختلاف فيها: فمن العلماء من سلك
الترجيح، فقدم الرواية التي فيها أن أبا بكر كان مأمومًا للجزم بها، ولأن أبا
معاوية، الذي روى الحديث بلفظ: (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَ النَّاسُ
يَقْتَدُونَ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرٍ) أحفظ في حديث الأعمش من غيره. ومنهم من سلك

٦٤١
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عكس ذلك، ورجح أنه كان إمامًا. ومنهم من سلك الجمع؛ كابن حبان والبيهقي
وابن حزم، فحمل القصة على التعدد، يعني: أنه كان إمامًا مرة ومأمومًا أخرى،
ويؤيده اختلاف النقل عن الصحابة غير عائشة، فحديث ابن عباس فيه أن أبا بكر كان
مأمومًا، كما سيأتي في رواية موسى بن أبي عائشة، وكذا في رواية أرقم بن
شرحبيل عن ابن عباس عند ابن ماجه، وحديث أنس فيه: أن أبا بكر كان إمامًا .
أخرجه الترمذي والنسائي انتهى كلام الحافظ. قلت: حديث أرقم عن ابن عباس
أخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٢٣١ و ٢٥٥ و٢٥٦) والطحاوى في ((شرح الآثار)) (ج١
ص٢٣٥) وفي ((مشكله)) (ج٢ ص٢٧) وابن سعد في ((طبقاته)) (ج٢ ص ١٣٠)
والبيهقي في ((سننه)) (ج ٣ ص٨١). ومدار هذا الحديث عند الجميع على أبي إسحاق
السبيعي عن أرقم بن شرحبيل، وأبو إسحاق مدلس واختلط بآخره. وقد رواه
بالعنعنة. وقد قال البخاري: لا يذكر سماعًا من أرقم بن شرحبيل، انتهى. وحديث
أنس قد صححه الترمذي، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣ ص١٥٩، ٢٣٣، وص ٢٤٣).
والراجح عندي: أن القصة واحدة، وأن الاختلاف في إمامة النبي وَّ وأبي بكر
في صلاة واحدة. وإن هذا الاختلاف من تصرف الرواة فقط، وهو ظاهر من سياق
الأحاديث الواردة في الباب وطرقها، ومن صنيع الشيخين حيث لم يخرجا في
((صحيحيهما)) من طرق حديث عائشة، إلا ما فيه إمامة النبي رَّيّ مع ثقة رواة
الخلاف، ولم يخرجا حديث أنس أصلًا. قال الحافظ: قد صرح الشافعي بأنه ◌َّ
لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة، وهي هذه التي صلى
فيها قاعدًا، وكان أبوبكر فيها أولًا إِمامًا، ثم صار مأمومًا يُسمع الناس التكبير،
انتهى. وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبي ◌َّ كان الإمام، انتهى.
وفي هذه القصة من الفوائد غير ما مضى: تقديم أبي بكر وترجيحه على جميع
الصحابة، والأدب مع الكبير لِهَمِّ أبي بكر بالتأخر عن الصف، وإكرام الفاضل؛
لأنه أراد أن يتأخر حتى يستوي، فلم يتركه النبي ◌َّ يتزحزح عن مقامه، وفيه: أن
الإيماء يقوم مقام النطق، واقتصار النبي ◌ُّر على الإشارة يحتمل أن يكون لضعف
صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام بأن مخاطبة من يكون في الصلاة بالإيماء أولى
من النطق. وفيه: تأكيد أمر الجماعة، والأخذ فيها بالأشد، وإن كان المرض

٦٤٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الْمُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمُسْبُوقِ
يرخص في تركها، ويحتمل أن يكون فعل ذلك؛ لبيان جواز الأخذ بالأشد، وإن
كانت الرخصة أولى .
وقال الطبري: إنما فعل ذلك؛ لئلا يعذر أحد من الأئمة بعده في نفسه بأدنى
عذر؛ فيتخلف عن الإمامة، ويحتمل أن يكون قصد إفهام الناس أن تقديمه لأبي
بكر كان لأهليته لذلك، حتى أنه صلى خلفه. واستدل به على جواز استخلاف
الإمام لغير ضرورة لصنيع أبي بكر. وعلى جواز مخالفة موقف المأموم للضرورة،
كمن قصد أن يبلغ عنه، ويلتحق به من زحم عن الصف، وعلى جواز ائتمام بعض
المأمومين ببعض، وهو قول الشعبي واختيار الطبري، وأومأ إليه البخاري كما
تقدم. وتعقب: بأن أبا بكر، إنما كان مبلغًا كما سيأتي الآن، وعلى هذا فمعنى
الاقتداء: اقتداؤهم بصوته، ويؤيده أنه وَ ل﴿ كان جالسًا، وكان أبو بكر قائمًا، فكان
بعض أفعاله يخفى على بعض المأمومين، فمن ثم كان أبوبكر كالإمام في حقهم،
وتأويله بأن المراد أن أبا بكر كان يراعي في الصلاة حاله وَّ في القيام والركوع
والسجود، فكأنه كان مقتديًا به، كما ورد في الحديث: ((واقتد بأضعفهم)) بَعِيدٌ
جدًّا، يرده قوله الآتي: يسمع أبو بكر الناس التكبير. واستدل به الطبري على أن
للإمام أن يقطع الاقتداء به، ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة، بناءً على أن
أبا بكر كان دخل في الصلاة، ثم قطع القدوة، وائتم برسول الله وَال. واستدل به
على صحة إمامة القاعد المعذور بمثله، وبالقائم أيضًا خلافًا للمالكية. وقد تقدم
الكلام فيه مفصلًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع بألفاظ
وطرق مطولًا ومختصرًا، والسياق المذكور مختصر من حديث طويل أورده
البخاري في باب: الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم. وفيه: ((فلما دخل -
أَبُو بَكْرٍ - في الصلاة وجد رسول اللّه ◌َ له في نفسه خفة))، بدل قوله: فصلى أبوبكر
تلك الأيام، ثم أن النبي وّ وجد في نفسه خفة، وأيضًا ليس في قوله: (أَنْ لَا
يَتَأَخَرَ). والمراد بقوله: ((فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ وَجَدَ ... )) إلخ، أي: فلما دخل في أن
يصلي، بالناس أي: في منصب الإمامة، وتقرر إمامًا لهم واستمر على ذلك أيامًا،
وجد النبي ◌َّ في نفسه خفة في بعض تلك الأيام، أو لما دخل في الصلاة في بعض
تلك الأيام وجد ◌ّ في نفسه خفة، وليس المراد: أنه حين دخل أبوبكر في تلك
الصلاة، التي جرى في شأنها الكلام وجد ◌َّر في أثنائها خفة، فلا تنافي هذه

٦٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الرواية الرواية الآتية في الفصل الثالث. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا يُسْمِعُ أَبُو بَكْرِ النَّاسَ
التَّكْبِيرَ) أي: تكبير النبي وَّر، يعني: كان أبوبكر مِكبرًا لا إمامًا، وهذه اللفظة
مفسرة للمراد بقوله: (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ
أَبِي بَكْرٍ). وبقوله في رواية: ((كان أبو بكر يصلي بصلاة النبي وقّ، والناس يصلون
بصلاة أبي بكر)). وفيه: دليل على أنه يجوز رفع الصوت بالتكبير لإسماع
المأمومين فيتبعونه، وأنه يجوز للمقتدي اتباع صوت المكبر وصحة صلاة المسمع
والسامع، وهذا مذهب الجمهور، وفيه خلاف للمالكية وتفاصيل لا دليل عليها.
والحديث أخرجه البيهقي أيضًا (ج٣ ص ٨١ - ٩٣).
١١٤٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَمَا يَخْشَى
الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامَ، أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ)).
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١١٤٧ - قوله: (أَمَا يَخْشَى) كلمة (مَا) نافية والهمزة للاستفهام للإنكار.
والمقصود: الإنكار على ترك الخشية، والحث عليها، ليرتدع فاعل ذلك الفعل؛
بسبب الخشية من شنيع عاقبته عن ذلك الفعل. والحاصل: أن فاعل هذا الفعل في
محل المسخ، ويستحق ذلك، فحقه أن يخشى هذه العقوبة، وليس له أن لا
يخشى، وهذا إنما يدل على أن فاعل هذا الفعل يستحق هذا العقاب، ولا يدل على
أن من يفعل ذلك يلحق به هذا العقاب قطعًا، وكونه لا يلحق به كما ترى فضلاً من
الله تعالى لا يدل على خلافه، فكم من شيء يستحقه العبد ويعفو عنه الرب تعالى
وقد قال: ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]. (الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أي: من الركوع
والسجود، فالحديث نص عام في الركوع والسجود، وأما تخصيص السجدة
بالذكر في رواية أبي داود بلفظ: ((الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ)) فمن باب
(١١٤٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٦٩١) مُسْلِم (١١٤ / ٤٢٧) عَنْه فِيهَا أَبُو دَاوُد (٦٢٣)، والتِّرْ مِذِي
(٥٨٢).

٦٤٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
*
بَابُ مَا عَلَى الْمُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ المُسْبُوقِ
Be
الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم، إذا كان للمذكور مزية،
فاكتفى فيها بذكر حكم السجدة عن ذكر حكم الركوع لكون العلة واحدة، وهي
السبق على الإمام، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي:
البرد أيضًا، ولم يعكس الأمر؛ لأن السجود أعظم من الركوع في إظهار التواضع
والتذلل، والعبد أقرب ما يكون إلى الرب وهو ساجد. وأما التقدم على الإمام في
الخفض للركوع والسجود، فقد ورد الزجر عنه في حديث أخرجه البزار والطبراني
عن أبي هريرة مرفوعًا: الذي يخفض ويرفع قبل الإمام، إنما ناصيته بيد شيطان.
قال الهيثمي في ((مجمع الزوايد)) (ج٢ ص٧٨): إسناده حسن، وأخرجه مالك
وعبد الرزاق عنه موقوفًا. قال الحافظ: وهو المحفوظ.
(قَبْلَ الْإِمَام) أي: قبل رفع رأسه. (أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ) أي: من أن يبدل ويغير. (رَأْسَهُ
رَأْسَ حِمَارٍ) وفي رواية مسلم: ((صُورَتَهُ فِي صُورَةِ حِمَارٍ)). وفي أخرى له: ((أَنْ
يَجْعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ)). قال الحافظ: الظاهر أنه من تصرف الرواة. قال
عياض: هذه الروايات متفقة؛ لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه. قلت:
لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضًا. وأما الرأس فرواتها أكثر وهى أشمل فهي
المعتمدة، وخص وقوع الوعيد عليها؛ لأن بها وقعت الجناية وهي أشمل، انتهى.
وقيل: الظاهر أن الاختلاف حصل من تعدد الواقعة، ويؤيده رواية ابن حبان
بلفظ: ((أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ)» واختلف في معنى هذا الوعيد: فقيل:
يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي مجازي كالبلادة الموصوف بها الحمار،
والمعنى يجعله بليدًا كالحمار، فيكون مسخًّا معنويًّا مجازيًّا. قال الطيبي: لعل
المأموم لما لم يعمل بما أمر به من الاقتداء بالإمام ومتابعته، ولم يفهم أن معنى
الإمام والمأموم: ما هو شبه بالحمار في البلادة؛ كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ
ج
النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] انتهى. ويرجح هذا
المجاز أن التحويل الظاهري لم يقع مع كثرة الفاعلين لذلك. وقيل: هو محمول
على ظاهره، وإن المراد: تغيير الصورة الظاهرة؛ إذ لا مانع من وقوع المسخ
الحقيقي في هذه الأمة، كما يشهد له حديث أبي مالك الأشعري المروي في
المغازي من ((صحيح البخاري))؛ لأن فيه ذكر الخسف، وفي آخره: ((وَيَمْسَخُ
آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى بَوْمِ الْقِيَامَةِ)). ويقوي حمله على ظاهره روایةُ ابن حبان

٦٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بلفظ: ((أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأَسَ كَلْب)). فهذا يبعد المجاز؛ لانتفاء المناسبة التي
ذكروها من بلادة الحمار، ومما يبعده أيضًا يراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ
الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال:
فرأسه رأس حمار، وذلك لأن الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك
عند فعله المذكور، فلا يحسن أن يقال له: يُخْشَى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدًا،
مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة. وأما ما ما قيل في ترجيح المجاز: من أن
التحويل الظاهري، لم يقع مع كثرة الفاعلين لذلك، ففيه: أنه ليس في الحديث ما
يدل على أن ذلك يقع ولا بد، وإنما يدل على كون فاعله متعرضًا؛ لذلك وكون
فعله ممكنًا لأن يقع عند ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك
الشيء، وقد أوضحنا ذلك في شرح أول الحديث. وظاهر الحديث: يقتضي
تحريم الرفع قبل الإمام؛ لكونه توعد عليه بالمسخ وهو أشد العقوبات، وبذلك
جزم النووي في ((شرح المهذب))، ومع القول بالتحريم. فالجمهور: على أن فاعله
يأثم وتجزئ صلاته. وعن ابن عمر: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر
بناء على أن النهي يقتضي الفساد، والوعيد بالمسخ في معناه. وقد ورد التصريح
بالنهي في حديث أنس ثاني أحاديث هذا الباب عن السبق بالركوع والسجود والقيام
والقعود. وفي ((المغني)) عن أحمد أنه قال في رسالته: ليس لمن سبق الإمام صلاة
لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب، ولم يخش عليه
العقاب، وفي الحديث كمال شفقته وَلخير بأمته، وبيانه لهم الأحكام، وما يترتب
عليها من الثواب والعقاب، واستدل به على جواز المقارنة، ولا دلالة فيه؛ لأنه دل
بمنطوقه على منع المسابقة وبمفهومه على طلب المتابعة، وأما المقارنة فمسكوت
عنها. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم. وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٢ ص٩٣).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى المُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْم الْمُسْبُوقِ
٦٤٧
EXETSE
الفصل الثانى
١١٤٨، ١١٤٩ - [٧] عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَل ظَّا قَالَا: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَيِّ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَّى حَلٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا
يَصْنَعُ الْإِمَامُ» .
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١١٤٨، ١١٤٩ - قوله: (وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ) أي: من قيام، أو ركوع،
أو سجود، أو قعود. (فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ) أي: ليكبر تكبيرة الإحرام، ويوافق
الإِمام فيما هو من القيام، أو الركوع، أو غير ذلك، ولا يخالفه بأداء ما سبق من
الصلاة، بل يدخل معه في الفعل الذي يؤديه، فيتبعه في القيام، والقعود،
والركوع، والسجود، ولا ينتظر رجوع الإِمام إلى القيام، كما يفعله العوام.
والحديث يدل: على أنه يجب على من لحق بالإمام أن يدخل معه في أي جزء من
أجزاء الصلاة أدركه، من غير فرق بين الركوع، والسجود، والقعود؛ لظاهر قوله:
(وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ). قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر الصلاة من طريق الحجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق
السبيعي، عن هبيرة بن يريم، عن علي، وعن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، عن معاذ بن جبل. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) لا نعلم أحدًا أسنده إلا ما روي
من هذا الوجه. قال النووي: إسناده ضعيف. وقال الحافظ في ((التلخيص))
(ص١١٧): فيه ضعف وانقطاع. وقال في ((بلوغ المرام)): رواه الترمذي بإسناد
ضعيف، وهذا لأن الحجاج بن أرطاة وأبا إسحاق السبيعي مدلسان، ولم يصرحا
بالسماع؛ هناد بن أبي ليلى قالوا: لم يسمع من معاذ، لكن له شاهد من حديثه أيضًا
عند أبي داود والبيهقي (ج٣ ص٩٣) يقول فيه ابن أبي ليلى: حدثنا أصحابنا، ثم
ذكر الحديث، وفيه: فقال معاذ: لا أراه على حال إلا كنت عليها، قال: فقال: ((إن
(١١٤٨)، (١١٤٩) التِّرْ مِذِي (٥٩١) فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاذٍ ﴿هَا، وَقَالَ: غَرِيبٌ.

٦٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
معاذًّا قد سن لكم سنة كذلك فافعلوا)) وهذا متصل؛ لأن المراد بأصحابه الصحابة،
كما صرح بذلك في رواية ابن أبي شيبة حدثنا أصحاب محمد وَّله، ويشهد له أيضًا
ما رواه ابن أبي شيبة عن رجل من الأنصار مرفوعًا: من وجدني راكعًا أو قائمًا أو
ساجدًا، فليكن معي على حالى التي أنا عليها. وما أخرجه سعيد بن منصور عن
أناس من أهل المدينة مثل لفظ ابن أبي شيبة.
١١٥٠ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((إِذَا
جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهُ شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً،
فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
١١٥٠ - قوله: (وَنَحْنُ سُجُودٌ) جمع ساجد والجملة حالية أي: والحال إني
ومن معي من المقتدين في حالة السجود. (فَاسْجُدُوا) أي: وافقوه في السجود،
وفيه مشروعية السجود مع الإمام، لمن أدركه ساجدًا. (وَلا تَعُدُّوهُ) بضم العين
وتشديد الدال، أي: لا تحسبوا ذلك السجود. وفي أبي داود: ((لَا تَعُدُّوهَا)) أي:
بضمير التأنيث، وكذا ذكره المجد ابن تيمية في ((المنتقى)) والجزري في ((جامع
الأصول)) (ج٦ ص٤٠٦). والمعنى: لا تعدوا تلك السجدة. (شَيْئًا) أي: معتدًّا به
باعتبار حكم الدنيا من إدراك الركعة؛ لأن مع إدراك السجدة تفوت الركعة، ولا
يحصل بها إلا ثواب الآخرة. (وَمَنْ أَدْرََكَ رَكْعَةً) وفي أبي داود: (الرَّكْعَةَ)) أي:
بالتعريف .
(فَقَدْ أَدْرَََ الصَّلَاةَ) قيل: المراد بالركعة هنا: الركوع، وبالصلاة الركعة.
والمعنى: من أدرك ركوعًا مع الإمام، فقد أدرك الركعة، أي: صحت له تلك
الركعة، وحصل له فضيلتها، فيكون الحديث دليلاً لما ذهب إليه الجمهور: من أن
مدرك الإمام راكعًا مدرك لتلك الركعة، وتعقب: بأن الركعة حقيقة لجميعها،
وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لا يصار إليه إلا لقرينة، كما وقع عند مسلم
(١١٥٠) أَبُو دَاوُد (٨٩٣) رَضِ هْنَهُ فِيهَا.

٦٤٩
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ مَا عَلَى المُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمُسْبُوقِ
من حديث البراء بلفظ: فوجدت قيامه، فركعته فاعتداله، فسجدته، فإن وقوع
الركعة في مقابلة القيام، والاعتدال، والسجود قرينة تدلّ على أن المرادَ بها
الركوع، وهاهنا ليست قرينة تصرف عن حقيقة الركعة، فالاستدلال به على أن
مدرك الركوع مع الإمام مدرك لتلك الركعة لا يخلو عن خفاء. وقيل: المعنى من
أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة مع الإمام، يعني: يحصل له ثواب
الجماعة، ويؤيده حديثُ أبي هريرة بلفظ: ((مَنْ أَدْرََكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ؛ فَقَدْ أَدْرََ
الصَّلَاةَ، فَقَدَ أَدْرََكَ الْفَضْلَ)). وفي رواية: ((فَقَدَ أَدْرََ الصَّلَاةَ وَفَضْلَهَا)).
قال الطيبي: هذا الحكم في الجمعة، ولا يحصل له ثواب الجماعة إن أدرك
بعضًا من الصلاة قبل السلام. ومذهب مالك أنه لا يحصل فضيلة الجماعة إلا
بإدراك ركعة تامة سواء في الجمعة وغيرها. وقيل: المعنى من أدرك ركعة من
الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة، أي: حكم صلاة الجماعة من سهوِ الإمام
ولزوم الإتمام وغير ذلك، ويؤيده ما ورد بلفظ: ((مَنْ أَدْرَلَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرََكَ
الصَّلَاةِ)).
قلتُ: ظاهر سياق حديث الكتاب يدل على أن المراد بالركعة الركوع، والقرينة
على ذلك قوله: ((إِذَا جِئْتُمْ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا))، فذكر السجود أولًا ثم ذكر
الركعة، يدلَّ على أن المراد بالركعة هنا الركوع، وأيضًا في قوله: ((ولا تعدوها
شيئًا)) بيان حكم إدراك السجدة مع الإمام، وأنه لا يعتدُّ بها، باعتبار حكم الدنيا من
إدراك الركعة، وهذا يقتضي أن يكون في الجملة التالية بيان حكم إدراك الركوع،
من أنه يعتد به ويكونُ مدركه مدركًا للركعة، وأما حملها على بيان إدراك فضل
صلاة الجماعة أو حكمها فبعيد؛ لأنه لا يبقى حينئذٍ مناسبة بين الجملتين، وأيضًا
حصول ثواب الجماعة لا يتوقف على إدراك الركعة، بل يحصل ذلك بإدراك جزء
من الصلاة جمعة كانت أو غيرها. وأما رواية: ((فَقَدَ أَدْرََكَ الْفَضْلَ)) أو ((فَقَدْ أَدْرََ
الصَّلَاةَ وَفَضْلَهَا)) فهو حديث آخر لأبي هريرة، ليس فيه الجملة الأولى مع أنها
رواية ضعيفة، وعلى هذا فلا خفاء في دلالة حديث الكتاب على كون مدرك الركوع
مدركًا للركعة، لا سيما على مذهب من يعتبر مفهوم المخالفة؛ فان الجملة الأولى
بمفهومها يدل على أن من أدرك الإمام راكعًا يعتد بتلك الركعة، لكن الحديث
ضعيف كما ستعرف، ويلزم من يقول: أن الصحابي إذا روى حديثًا وعمل بخلافه

٦٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أن العبرة بما عمل، أن لا يقول بكون مدرك الركوع مدركًا للركعة؛ لأن أبا هريرة
أفتى بخلاف ما روى، فقد أخرج البخاري في جزء القراءة (ص٣٩) عنه قال: لا
يجزيك إلا أن تدرك الإمام قائما قبل أن يركع. وفي لفظٍ له (ص٦٤) قال: إذا
أدركت القوم ركوعًا لم تعتد بتلك الركعة. والحقُّ عندي أنّ من أدرك الإمام راكعًا
ودخل معه في الركوع لم تحسب له تلك الركعة، وقد تقدَّم الكلام فيه مفصلًا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وكذا الحاكم (ج١: ص ٢٧٣، ٢٧٤) والبيهقي (ج٢: ص٨٩)
وسكت عنه أبو داود، والمنذري. وفيه: يحيى بن أبي سليمان المدني. قال
البخاري في جزء القراءة: يحيى هذا منكر الحديث لم يتبين سماعه من زيد بن أبي
العتاب ولا من سعيد بن أبي سعيد المقبري، ولا تقوم به الحجة. وقال البيهقي في
((المعرفة)) بعد رواية الحديث من طريق يحيى: تفرد به يحيى بن أبي سليمان هذا
وليس بالقوى. وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج١١: ص٢٢٨): قال
البخاري: إنه منكر الحديث. وقال أبوحاتم: مضطرب الحديث ليس بالقوي يكتب
حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وأخرج ابن خزيمة حديثه في (صحيحه)
وقال: في القلب شيء من هذا الإسناد. قال: لا أعرف يحيى بن سليمان بعدالة ولا
جرح، وإنما أخرجت خبره لأنه لم يختلف فيه العلماء. وقال الحاكم في
((المستدرك)): هو من ثقات المصريين. وقال في موضع آخر منه: يحيى مدني سكن
مصر لم يذكر بجرح، انتهى. وهذا يدل على أن يحيى هذا لم يعرفه ابن خزيمة
والحاكم بعدالة ولا جرح، وهذا هو شأن المستور، ورواية المستور لا تكون حجة
على القول الصحيح، ولا يعتد بذكر ابن حبان له في ((ثقاته))، لما عرف من
اصطلاحه، مع أنه قد ضعفه أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل
البخاري. وقال أبوحاتم: مضطرب الحديث ليس بالقوي. ومن المعلوم أن من
عرف حجة على من لم يعرف.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
٦٥١
بَابُ مَا عَلَى المُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمُسْبُوقِ
١١٥١ - [٩] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ صَلَّى لِلَّهِ
أَرْبَعِينَ يَوْمًّا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ اَلْتَّكْبِيرَةَ الْأُولَى، كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ
النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١١٥١ - قوله: (مَنْ صَلَّى لِلَّهِ) أي: خالصًا. (أَرْبَعِينَ يَوْمًا) أي: ليلة. (فِي
جَمَاعَةٍ) متعلق بـ((صَلَّى)). (يُدْرِلُكُ) حال. (التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى) أي: التكبيرة التحريمة
مع الإمام. (بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ) أي: خلاص ونجاة منها، يقال: برئ من الدين
والعيب خلص، ولا يكون الخلاص منها إلا بمغفرة الصغائر والكبائر جميعًا.
(وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ) قال الطيبي: أي: يؤمنه في الدنيا أن يعمل عمل المنافق،
ويوفقه لعمل أهل الإخلاص، وفي الآخرة يؤمنه مما يعذب به المنافق، أو يشهد له
أنه غير منافق، فإن المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، وحال هذا
بخلافهم. والحديث يدل على فضل إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام. قال ابن
حجر: إدراك التكبيرة الأولى سنة مؤكدة، وكان السلف إذا فاتتهم عَزَّوا أنفسهم
ثلاثة أيام، وإذا فاتتهم الجماعة عَزُّوا أنفسهم سبعة أيام، ذكره القاري.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: قد روي هذا الحديث عن أنس موقوفًا، ولا أعلم أحدًا
رفعه إلا ما روى سلم بن قتيبة عن طعمة بن عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت، عن
أنس. وإنما يروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب البجلي عن أنس قوله ... وكأنه
يريد بذلك تضعيف الرفع، ولم يبين وجهه، مع أن سلم بن قتيبة وطعمة، وبقية
رواته كلهم ثقات، على أن هذا مما لا يقال مثله من قبل الرأي والاجتهاد،
فالموقوف في حكم المرفوع، مع أنه في فضائل الأعمال. ومن المعلوم أنه يعمل
فيها بالضعيف بالشروط المذكورة في أصول الحديث. وقال الحافظ: في
((التلخيص)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي من حديث أنس وضعفه، ورواه
البزار واستغربه، انتهى.
(١١٥١) التِّرْمِذِي (٢٤١) عَنْ أَنَسٍ رَوَشْتَهُ، فِيهَا.

٦٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقد وردت في فضل إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام أحاديث أخرى تؤيد
حديث أنس، منها: حديث عمر، أخرجه ابن ماجه وسعيد بن منصور، وفيه ضعف
وانقطاع. ومنها: حديث عبد الله بن أبي أوفي، أخرجه أبونعيم في الحلية، وفيه
الحسن بن عمارة وهو ضعيف. ومنها: حديث أبي كاهل، أخرجه الطبراني في
((الكبير)) والعقيلي في ((الضعفاء)) والحاكم أبو أحمد في ((الكنى)). قال العقيلي:
إسناده مجهول. ومنها: حديث أبي هريرة، أخرجه البزار والعقيلي، وفيه الحسن
ابن السكن. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢: ص١٠٣): ضعفه أحمد،
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال في ((التخليص)): لم يكن الفلاس يرضاه.
ومنها: حديث أبي الدرداء أخرجه البزار وابن أبي شيبة، وفيه رجل مجهول. ذكر
هذه الأحاديث الحافظ في التلخيص (ص١٢١) مع الكلام عليها .
١١٥٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ
فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ
صَلََّهَا وَحَضَرَهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا)».
[رواهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١١٥٢ - قوله: (ثُمَّ رَاحَ) أي: ثم ذهب إلى المسجد أي وقتٍ كان، فالمراد
بالرواح: مطلق الذهاب، ويؤيده أن في رواية النسائي: ثم خرج عامدًا إلى
الصلاة. (قَدْ صَلَّوْا) أي: فرغوا من صلاتهم في الجماعة. (أَعْطَاهُ) أي: الرجل
الذي جاء بعد انقطاع صلاة الجماعة. (مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا) أي: الصلاة في
الجماعة. (وَحَضَرَهَا) أي: حضر صلاة الجماعة. (لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ) أي: أعطاه الله
إياه مثل أجرهم. (مِنْ أُجُورِهِمْ) وفي أبي داود: ((مِنْ أَجْرِهِمْ))، أي: بالإفراد،
وكتب على هامش ((عون المعبود)): (أُجُورِهِمْ)، بعلامة النسخة، يعني: أجر
المصليين بالجماعة. (شَيْئًا) من الأجر أو النقص، بل لهم أجورهم كاملًا؛ لأدائهم
(١١٥٢) أَبُو دَاوُد (٥٦٤)، وَالنَّسَائِي (١١١/٢) عَنْهُ فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الْمُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمُسْبُوقِ
٦٥٣
الصلاة بالجماعة، وله مثل أجر أحدهم لسعيه في تحصيل صلاة الجماعة، وإن
فاتته. قال السندي: ظاهر الحديث أن إدراك فضل الجماعة يتوقف على أن يسعى
لها بوجهه، ولا يقصر في ذلك سواء أدركها أم لا، فمن أدرك جزءًا منها ولو في
التشهد، فهو مدرك بالأولى، وليس الأجر والفضل مما يعرف بالاجتهاد، فلا عبرة
بقول من يخالف قوله الحديث في هذا الباب أصلًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو
والمنذري. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا الحاكم. وقال: صحيح على شرط مسلم.
والبيهقي (ج٣: ص٦٩) وفي الباب عن سعيد بن المسيِّب، عن رجل من الأنصار
يقول: سمعت رسول اللَّه وَّله ... فذكر الحديث، وفيه: ((فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ،
فَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّواٍ بَعْضًا، وَبَقِي بَعْضٌ صَلَّى مَا
أَدْرَكَ ، وَأَتَّمَّ مَا بَقِي كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا، فَأَتَّمَّ الصَّلَاةَ كَانَ كَذَلِكَ))
أخرجه أبو داود والبيهقي من طريقه، وسكت عليه أبو داود والمنذري.
١١٥٣ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ صَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَ: ((أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟)) فَقَامَ رَجُلٌ
فَصَلَّی مَعَهُ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٥٣ - قوله: (جَاءَ رَجُلٌ) أي: المسجد، ففي رواية لأحمد (ج ٣: ص٤٥)
والبيهقي (ج٣: ص٦٩) أن رجلًا دخل المسجد (وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَل﴾ أي:
بأصحابه الظهر، کما في «مسند أحمد» (ج٣ : ص٨٥) وزاد فيه: قال فدخل رجل
من أصحابه، فقال له النبي وَلّ: ((مَا حَبَسَكَ يَا فُلَانُ عَنِ الصَّلَاةِ؟)) فذكر شيئًا اعتلَّ
به، قال: فقام يصلي، فقال رسول اللّه وَ له ... إلخ. قال الهيثمي في ((مجمعٍ
الزوائد)): رجاله رجال الصحيح. (فَقَالَ) أي: رسول اللّه وَ. (أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ
عَلَى هَذَا) أي : يتفضل عليه ويحسن إليه.
(فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟) ليحصل له بذلك أجر الجماعة، فيكون كأنه تصدق عليه.
(١١٥٣) أَبُو دَاوُد (٥٧٤)، وَالتِّرْمِذِي (٢٢٠) عَنْهُ فِيهَا .

Beex
٦٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال المظهر: سماه صدقة؛ لأنه يتصدق عليه بثواب ست وعشرين درجة؛ إذ لو
صلى منفردًا لم يحصل له إلا ثواب صلاة واحدة. قال الطيبي: قوله: ((فَيُصَلِّيَ))
منصوب لوقوعه جواب قوله: ((أَلَا رَجُلٌ)) كقولك: ألا تنزل بنا فتصيب خيرًا.
وقيل: الهمزة للاستفهام، و((لا)) بمعنى ليس، فعلى هذا ((فَيُصَلَّيَ)) مرفوع عطفًا على
الخبر، وهذا أولى، انتهى.
وقال ابن حجر: بالنصب جواب الاستفهام، ويصح الرفع عطفًا على ((يَتَصَدَّقُ))
الوقع خبرًا لـ((لا)) التي بمعنى ليس، والمعنى: أليس رجل ممن فرغوا من صلاتهم
بالجماعة، فيتصدق بثواب الجماعة على هذا الرجل، الذي فاتته الصلاة مع
الإِمام، فيصلي معه؟ فيحصل بذلك له ثواب الجماعة؛ فإنه إذا فعل ذلك، فكأنه
تصدق عليه. (فَقَامَ رَجُلٌ) أي: ممن صلى مع النبي ◌َّ وهو أبو بكر الصديق. وفي
رواية للبيهقي (ج ٣: ص ٧٠): ((أن الذي قام فصلى معه أبو بكر رَو ◌َشْتَهُ)).
(فَصَلَّى مَعَهُ) أي: مقتديًا به. والحديث يدل على مشروعية الدخول مع من دخل
في الصلاة منفردًا وإن كان الداخل معه قد صلى في جماعة، وقد استدل الترمذي
بهذا الحديث: على جواز أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صُلِّيَ فيه، قال:
وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ◌ُّ وغيرهم من التابعين، وبه
يقول أحمد وإسحاق. وقال آخرون من أهل العلم: يصلون فرادى، وبه يقول سفيان
ومالك وابن المبارك والشافعي، انتهى. قلت: من ذهب من الأئمة إلى اشتراط
الجماعة لصحة الصلاة، أو إلى وجوب الجماعة عينًا من غير أن يجعلها شرطًا،
أجاز تكرار الجماعة مطلقًا، وكل من ذهب إلى عدم وجوبها عينًا، أو إلى سنيتها
كرهها، كما ستعرف، وإلى الجواز ذهب ابن مسعود. فقد روى ابن أبي شيبة في
((مصنفه)) عن سلمة بن كهيل: أن ابن مسعود دخل المسجد، وقد صلوا فجمع
بعلقمة ومسروق والأسود، وإسناده صحيح، وهو قول أنس بن مالك. قال
البخاري في ((صحيحه)): وجاء أنس بن مالك إلى مسجد قد صلي فيه، فأذن،
وأقام، وصلى جماعة، انتهى.
قال الحافظ: وصله أبو يعلى في ((مسنده))، وابن أبي شيبة والبيهقي، انتهى
مختصرًا ملخصًا. قال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٤: ص٢٣٨): هذا ممالا يعرف

٦٥٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الْمُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمُسْبُوقِ
فيه لأنس مخالف من الصحابة. وقال العيني في ((شرح البخاري)): وهو قول عطاء
والحسن في رواية، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأشهب عملًا بظاهر قوله وَاخيه :
((صَلَةُ الْجَمَّاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ .... )) الحديث، انتهى. ومذهب الحنفية في
ذلك ما ذكر الشامي في ((حاشية الدر المختار)) نقلًا عن الخزائن: ويكره - أى:
تَحْرِيمًا - تكرار الجماعة في مسجد محلة، يعني: المسجد الذي له إمام، وجماعة
معلومون بأذان وإقامة، إلا إذا صلى بهما فيه أو لا غير أهله، أو أهله لكن بمخافتة
الأذان، ولو كرر أهله بدونهما، أو كان مسجد طريق جاز، كما في مسجد ليس له
إمام ومؤذن، انتهى. واستدلوا لذلك بما رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))
عن أبي بكرة: أن رسول اللّه وَليل أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد
الناس قد صلوا، فمال إلى منزله، فجمع أهله فصلى بهم. ذكره الهيثمي في
((مجمع الزوائد» (ج٢: ص٤٥) وقال: رجاله ثقات. قال الحنفية: لو كانت
الجماعة الثانية جائزة لما اختار الصلاة في بيته على الجماعة في المسجد. قالوا:
وفي إطلاق الإذن تقليل الجماعة معنى، فإنهم لا يجتمعون، إذا علموا أنها لا
تفوتهم. قلت: في الاستدلال بحديث أبي بكرة على كراهة تكرار الجماعة تنزيهًا،
أو تحريمًا نظر؛ لأنه ليس بنص في أنه رَّ جمع أهله فصلى بهم في منزله، بل
يحتمل أن يكون صلى بهم في المسجد. وكان ميله إلى منزله لجمع أهله لا للصلاة
فيه، وحينئذٍ يكون هذا الحديث دليلاً لاستحباب الجماعة في مسجد محلة له إمام
ومؤذن وأهل معلومون قد صلي فيه مرة، ولا يكون دليلًا لكراهتها، فما لم يدفع
هذا الاحتمال، كيف يصح الاستدلال؟ ولو سلم أن رسول اللّه ◌ّلټ صلى بأهله في
منزله، لا يثبت منه كراهة تكرار الجماعة في المسجد، بل غاية ما يثبت منه أنه لو
جاء رجل في مسجد قد صلي فيه، فيجوز له أن لا يصلي فيه بل يخرج منه، فيميل
إلى منزله فيصلي فيه بأهله. وأما أنه لا يجوز له أن يصلي في ذلك المسجد
بالجماعة، أو يكره له ذلك فلا دلالة الحديث عليه البتة، كما لا يدل للحديث على
كراهة أن يصلي فيه منفردًا، على أنه لو ثبت من هذا الحديث كراهة تكرار
الجماعة، لأجل أنه وَّ لم يصل في المسجد، لثبت منه كراهة الصلاة فرادى أيضًا
في مسجد قد صلي فيه؛ لأنه يَّ لم يصلى في المسجد لا منفردًا ولا بالجماعة.
وأما قولهم: لو كانت الجماعة الثانية جائزة لما اختار الصلاة في منزله على

٦٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجماعة في المسجد، ففيه: أنه يلزم من هذا التقرير كراهة الصلاة فرادى أيضًا في
المسجد، قد صلى فيه مرة بالجماعة، فإنه يقال: لو كانت الصلاة فرادى جائزة في
مسجد قد صلي فيه بالجماعة لما اختار الصلاة في بيته على الصلاة في مسجده،
الذي هو أفضل المساجد بعد مسجد الحرام، وهذا كله على تقدير أن يكون هذا
الحديث صحيحًا قابلاً للاحتجاج، ومن دونه خرط القَتَادِ .
وأما قول الهيثمي: ((رجاله ثقات)) فلا يدل على صحته؛ لأنه لا يلزم من كون
رجال الحديث ثقات أن يكون صحيحًا، كما هو مقرر في موضعه مع أن في سنده
معاوية بن يحيى أبا مطيع الأطرابلسي، وهو من رجال ((الميزان)) متكلم فيه، وثقة
أبو زرعة وأبو علي النيسابوري وهشام بن عمار. وقال دحيم وابن معين وأبو داود
والنسائي: ليس به بأس. وقال أبوحاتم: صدوق مستقيم الحديث. وقال البغوي
والدارقطني: ضعيف. وذكره الدار قطني في المتروكين، وقال: هو أكثر مناكيرَ
من معاوية بن يحيى الصدفي. وقال ابن عدي: في بعض رواياته ما لا يتابع عليه،
كذا في ((تهذيب التهذيب)) (ج١٠ ص٢٢١) وقال في ((التقريب)): صدوق له أوهام.
وأجاب الحنفية عن حديث أبي سعيد الذي نحن في شرحه: بأنه ليس بحجة علينا؛
لأن المختلف فيه ما إذا كان الإمام والمقتدي مفترضين، وفي هذا الحديث كان
المقتدي متنفلاً، قال الشيخ في ((شرح الترمذي)) متعقبًا على هذا الجواب ما نصه:
إذا ثبت من هذا الحديث حصول ثواب الجماعة بمفترض ومتنفل، فحصول ثوابها
بمفترضين بالأولى، ومن ادعى الفرق فعليه البيان، على أنه لم يثبت عدم جواز
تكرار الجماعة أصلًا لا بمفترضين، ولا بمفترض ومتنفل، فالقول بجواز تكرارها
بمفترض ومتنفل، وعدم جواز تكرارها بمفترضين مما لا يصغى إليه، كيف وقد
تقدم أن أنسًا جاء في نحو عشرين من فتيانه إلى مسجدٍ قد صلى فيه، فصلى بهم
جماعة، وظاهره أنه هو وفتيانه كلهم كانوا مفترضين، وكذلك جاء ابن مسعود إلى
مسجد قد صلى فيه، فجمع بعلقمة ومسروق والأسود، وظاهر أنه هو وهؤلاء
الثلاثة كلهم كانوا مفترضین، انتهى.
ومذهب الشافعية ما ذكره الشافعي في ((الأم)) (ج١: ١٣٦، ١٣٧): وإذا كان
للمسجد إمام راتب، ففاتت رجلًا أو رجالًا فيه الصلاة صلوا فرادى، ولا أحب أن
يصلوا فيه جماعة، فان فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإنما كرهت ذلك لهم؛ لأنه

٦٥٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ المُسْبُوقِ
ليس مما فعل السلف قبلنا، بل قد عابه بعضهم. قال الشافعي: وأحسب كراهية من
كره ذلك منهم، إنما كان لتفرق الكلمة، وأن يرغب الرجل عن الصلاة خلف إمام
جماعة فيختلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة، فإذا قضيت دخلوا
فجمعوا، فيكون في هذا اختلاف وتفرق كلمة وفيهما المكروه، وإنما أكره هذا في
كل مسجد له إمام ومؤذن، فأما مسجد بني على ظهر الطريق أو ناحية، لا يؤذن فيه
مؤذن راتب، ولا يكون له إمام معلوم، ويصلي فيه المارة، ويستظلون، فلا أكره
ذلك فيه؛ لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت من تفرق الكلمة، وإن يرغب رجال
عن إمامة رجل فيتخذون إمامًا غيره، وإن صلى جماعة في مسجد له إمام، ثم صلى
فيه آخرون في جماعة بعدهم كرهت ذلك لهم لما وصفت، وأجزأتهم صلاتهم،
انتھی .
قال الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)) (ج١: ص٤٣١) بعد تصويب
قول الشافعي وتحسينه: وهذا المعنى الذي ذهب إليه الشافعي لا يعارض حديث
الباب - يعني: حديث أبي سعيد - الذي نحن في شرحه؛ فان الرجل الذي فاتته
الجماعة لعذر، ثم تصدق عليه أخوه من نفس الجماعة بالصلاة معه، وقد سبقه
بالصلاة فيها هذا الرجل، يشعر في داخلة نفسه كأنه متحد مع الجماعة قلبًا
وروحًا، وكأنه لم تفته الصلاة. وأما الناس الذين يجمعون وحدهم بعد صلاة
جماعة المسلمين، فإنما يشعرون أنهم فريق آخر خرجوا وحدهم، وصلوا
وحدهم ... إلى آخر ما قال. ومذهب المالكية ما في ((المدونة)) (ج١: ص٨٩)
قلت: فلو كان رجل هو إمام مسجد قوم، ومؤذنهم أذن وأقام فلم يأته أحد، فصلى
وحده، ثم أتى أهل المسجد الذين كانوا يصلون فيه، قال: فليصلوا أفذاذًا ولا
يجمعوا؛ لأن إمامهم قد أذن وصلى، قال: وهو قول مالك. قلت: أرأيت إن أتى
هذا الرجل الذي أذن في هذا المسجد وصلى وحده أتى مسجدًا، فأقيمت الصلاة
أيعيد، أم لا في جماعة في قول مالك؟ قال: لا أحفظ من مالك فيه شيئًا، ولكن لا
يعيد؛ لأن مالكًا قد جعله وحده جماعة، انتهى. وقال ابن العربي في ((شرح
الترمذي)) (ج٢: ص٢١): هذا معنى محفوظ في الشريعة عن زيغ المبتدعة؛ لئلا
يتخلف عن الجماعة ثم يأتي فيصلي بإمام آخر، فتذهب حكمة الجماعة وسننها،
لكن ينبغي إذا أذن الإمام في ذلك، أن يجوز، كما في حديث أبي سعيد، وهو قول

٦٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بعض علمائنا، انتهى. ولعلك عرفت بما ذكرنا من مذاهب العلماء، وما استدلوا
به عليها، أنه لا دليل على كراهة تكرار الجماعة، وعدم جواز الجماعة الثانية في
مسجد له إمام راتب قد صلى فيه أهله لا من كتاب ولا من سنة صحيحة ثابتة ولا
إجماع، إلا من رأي معارض لحديث أبي سعيد ومخالف لعمل ابن مسعود وأنس
ابن مالك ها، لا يعرف فيه لهما مخالف من الصحابة.
فأرجح الأقوال عندنا هو: أنه يجوز ويباح لمن أتى مسجدًا، قد صلي فيه بإمام
راتب وهو لم يكن صلاها، وقد فاتته الجماعة لعذر أن يصلي بالجماعة، والله
أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه. (وَأَبُو دَاودَ) وسكت عنه هو، ونقل المنذري تحسين
الترمذي وأقره، واللفظ المذكور للترمذي إلا قوله: (أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقَ عَلَى هَذَا،
فَيُصَلِّ مَعَهُ)، فإن هذا اللفظ لأبي داود، ولفظ الترمذي: ((أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا))،
والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص٥و ٤٥، ٦٤، ٨٥) والدارمي والحاكم
(ج ١: ص٢٠٩) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وابن حزم في
((المحلي)) (ج ٤: ص٢٣٨) والبيهقي (ج٣: ص٦٩ وج٢: ص٣٠٣) وابن حبان
وابن الجارود في ((المنتقى)) (ص١٦٨) وابن خزيمة. وفي الباب عن أبي أمامة
وسلمان وعصمة بن مالك الخطمي وأنس، ذكر أحاديثهم الزيلعي في ((نصب
الراية)) (ج٢: ص ٥٧، ٥٨) والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص٤٥، ٤٦).
هذا وكان الأنسب إيراد الأحاديث الثلاثة في باب: فضيلة الجماعة.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى المُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمُسْبُوقِ
eeserx
٦٥٩
الفصل الثالث
١١٥٤ - [١٢] عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ
فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِيْنِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ وَه ◌ِ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ◌َل،
فَقَالَ: (أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: ((ضَعُوا
لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ» قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ،
ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ بَيِّ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
قَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ)) قَالَتْ: فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ،
فَأَغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ)) فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ
لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسَرُ؟)) قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ
يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ وَّهِ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ
الْآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ
فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَأْمُرُلَكَ أَنْ تُصَلِّيَّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ رَجُلًا
رَقِيقًا: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرِ
تِلْكَ الْأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ نَّهَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، وَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ
أَحَدُهُمَا: الْعَبَّاسُ لِصَلاةِ الظَّهْرِ وَأَبُوِ بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرَ
ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِأَنْ لَّ يَتَأَخَّرَ، قَالَ: ((أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ)
فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبٍ أَبِي بَكْرِ ، وَالنَّبِيُّ ◌َ قَاعِدٌ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ عَلَّى
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسَ، فَقُلْتُ لَّهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضٍ
رَسُولِ اللَّهِ بَ لَ؟ قَالَ: هَاتٍ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ
أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ، الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُو
عَلِيٌّ رَوُنَهُ .
[متفق عليه]
(١١٥٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٨٧) مُسْلِم (٤١٨) في الصَّلَاة عنه.