النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
cese
للإمامة الموسوس. فقد ذكر مسلم في ((الصحيح)) عن عثمان هذا قال: قلت: يا
رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتى يلبسها عليّ، فقال
رسول اللَّه ◌َ له: ((ذَاكَ شَيْطَانٌ، يُقَالُ لَّهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ، وَاتْفُلْ عَنْ
يَسَارِكَ ثَلاثًا))، ففعلت ذلك فأذهبه اللَّه تعالى، انتهى. وقد تقدم هذا الحديث في
باب: الوسوسة. (ادْنُهْ) أمر من الدنو، وهو بهاء السكت لبيان ضم النون.
(فَأَجْلَسَنِي) من الإجلاس. وفي بعض النسخ من ((صحيح مسلم)): ((فَجَلَّسَنِي))
أي: بتشديد اللام. (بَيْنَ تَدْيَيَّ) بتشديد الياء على التثنية، وكذا قوله: كتفي.
(تُحَوَّلَ) أي: انقلب. (فَوَضَعَهَا) أي: كفه. (فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ) في السن. (وَإِنَّ فِيهِمُ
الضَّعِيفَ) كالصبيان، والنسوان، أو ضعيفي الأبدان، وإن لم يكن مريضًا أو
كبيرًا. (وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ) أي: المستعجلة. وفي تكرير (إِنَّ) إشارة إلى صلاحية
كل للعلة. وهذه الرواية أخرجها أحمد (ج٤ ص٢١٦، ٢١٨) وابن ماجه بنحوها،
من غير ذكر قصة وضع اليد على الصدر والظهر، وأخرجها البيهقي (ج ٣ ص١١٨)
مع القصة، وأخرجها أبو داود والنسائي وأحمد أيضًا (ج٤ ص٢١٧) بلفظ قال:
قلت يا رسول اللَّه: اجعلني إمام قومي، فقال: ((أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدٍ بِأَضْعَفِهِمْ)).
١١٤١ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَأْمُرُنَا بِالْتَّخْفِيفِ،
وَيَؤُمُّنَا بِالصَّافَّاتِ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٤١ - قوله: (يَأْمُرُنَا بِالتَّخْفِيفِ) أي: بتخفيف الصلاة، إذا كنا إمامًا.
والمراد: التخفيف في القراءة على ما ذكر، وعين منها في الأحاديث. (وَيَؤُمُّنَا
بِالصَّافَّاتِ)؛ لرغبة المقتدين به في سماع قراءته، وقوتهم على التطويل، بحيث
يكون هذا بالنظر إليهم تخفيفًا، فرجع الأمر إلى أنه ينبغي له أن يراعي حالهم، قاله
السندي .
(١١٤١) أَحْمَد (٢٦/٢)، والنَّسَائِي (٩٥/٢) في الصَّلاة والحاكم عنه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ مَا عَلَى الْإِمَامِ
٦٢١
وقال الطيبي: قيل بينهما أي: بين أمره بالتخفيف، وبين إمامته لهم بالصافات
تناف، وأجيب: بأنه إنما يلزم، إذا لم يكن لرسول اللّه وَ ل فضيلة يختص بها، وهو
أن يقرأ الآيات الكثيرة في الأزمنة اليسيرة، انتهى.
وقيل: يحمل على أنه فعل ذلك أحيانًا؛ لبيان الجواز، وإليه أشار النسائي حيث
بوب على هذا الحديث باب: الرخصة للإمام في التطويل بعد باب: ما على الإمام
من التخفيف. (رَوَاهُ النِسَائِّيُّ) وكذا البيهقي (ج ٣ ص١١٨).

٦٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٢٨ - بَابُ مَا عَلَى الْمَأْمُومِ مِنَ
الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمُسْبُوقِ
(بَابُ مَا عَلَى الْمَأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ) للإمام (وحُكْمِ الْمَسْبُوقِ) بالجر عطف على
ما .
الفصل الأول
١١٤٢ - [١] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِّ وَّهه
فَإِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)). لَمَّ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَضَعَ
النَّبِىُّ وَ جَبْهَهُ عَلَى الأَرْضِ.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١١٤٢ - قوله: (لَمْ يَحْنِ) بفتح التحتانية وسكون المهملة وضم النون
وكسرها، يقال: حنا يَحْنُو وَ حَنَى يَحْنِي معًا من بابي دعا ورمى، أي: لم يقوس، من
حنيت العود وحنوته، أي: عطفته وثنيته. (أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ) أي: لم يثنه من القومة
قاصدًا للسجود. (حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ وَّهِ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ) وفي رواية للبخاري:
((حتى يقع النبي ◌َّ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده))، أي: بحيث يتأخر ابتداء فعلهم
عن ابتداء فعل النبي وَله، ويتقدم ابتداء فعلهم قبل فراغه من السجود؛ إذ أنه لا يجوز
التقدم على الإمام، ولا التخلف عنه. ولا دلالة فيه على أن المأموم لا يشرع في
الركن، حتى يتمه الإمام خلافًا لابن الجوزي. ووقع في حديث عمرو بن حريث
(١١٤٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٨١١)، ومُسْلِم (١٩٧ /٤٧٤) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، وأَبُو دَاوُد (٦٢٠)،
والتِّرْمِذِي (٢٨١)، والنَّسَائِى (٩٦/٢).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
٦٢٣
بَابُ مَا عَلَى الْمُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْم الْمُسْبُوقِ
عند مسلم: ((وكأن لا يحني رجل منا ظهره، حتى يستتم ساجدًا))، ولأبي يعلى من
حديث أنس: ((حتى يتمكن النبي وُّل من السجود)). قال العيني: معنى هذا كله ظاهر
في أن المأموم يشرع في الركن بعد شروع الإمام فيه، وقبل فراغه منه. وقال الحافظ
بعد ذكر هذين الحديثين: وهذا أوضح في انتفاء المقارنة، انتهى.
قال ابن دقيق العيد: حديث البراء، يدل على تأخر الصحابة في الاقتداء عن فعل
رسول اللَّهُ وَّه، حتى يتلبس بالركن الذي ينتقل إليه لا حين يشرع في الهوي إليه.
ولفظ الحديث الآخر يدل على ذلك أعني: قوله: ((فإذا ركع، فاركعوا، وإذا سجد،
فاسجدوا))، فإنه يقتضي تقدم ما يسمى ركوعًا وسجودًا، انتهى. قلت: أحاديث
البراء وعمرو بن حريث وأنس، وما في معناها كلها دليل على أنه يجب على
المأموم متابعة الإمام في أفعاله، وأن السنة أن يتخلف المأموم في الانتقالات عن
الإمام، أي: لا يقارن الإمام في الهوي إلى الركن، بل يتأخر عن الشروع في
الهوي، حتى يشرع الإمام في الركن الذي انتقل إليه، وإليه ذهب الشافعي، وهو
الحق. وحمل الحنفية هذه الأحاديث على أنه أمرهم بذلك حين بدن، فخشي أن
يتقدموا عليه. وفيه: أن هذا الحمل محتاج إلى دليل. والحديث فيه دليل على
جواز النظر إلى الإمام؛ لأجل اتباعه في انتقالاته في الأركان.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب: السجود على سبعة أعظم. والحديث
أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج٢ ص٩٢).
١١٤٣ - [٢] وَعَنْ أَنَس قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا
قَضَى صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجَّهِهِ، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي إِمَامُكُمَّ، فَلَا
تَسْبِقُونِي بِالزُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِنْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ
أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي)) .
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١١٤٣ - قوله: (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي: أداها وفرغ منها. (إِنِّي إِمَامُكُمْ)
(١١٤٣) مُسْلِم (٤٢٦) عَنْهُ فِيهَا .

٦٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يعني: وسمي الإِمام إمامًا ليؤتم به، ويقتدى به على وجه المتابعة. (فَلَا تَسْبِقُونِي
بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالاِنْصِرَافِ) أي: لتسليم. وحاصله: أن
المتابعةَ واجبة في الأحوال المذكورة. واستدل به بعضهم على جواز المقارنة.
وَرُدَّ بأنه دل منطوقه على منع المسابقة، وبمفهومه على طلب المتابعة. وأما
المقارنة فمسكوت.
قال النووي: المراد بالانصراف: السلام، انتهى.
ويحتمل أن يكون المراد: النهي عن الانصراف من مكان الصلاة قبل الإمام؛
لفائدة أن يدرك المؤتم الدعاء، أو لاحتمال أن يكون الإمام قد حصل له في صلاته
سهو، فيذكر وهو في المسجد ويعود له، كما في قصة ذي اليدين، أو لكي تنصرف
النساء إلى بيوتهن قبل الرجال، كما قيل في بيان علة النهي في حديث أنس المتقدم
في باب الدعاء في التشهد بلفظ: ((أن النبي وَّ حضهم على الصلاة، ونهاهم أن
ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة)). قال الطيبي في شرح حديث الباب: يحتمل أن
يراد بالانصراف: الفراغ من الصلاة، وأن يراد: الخروج من المسجد. قال
القاري: الاحتمال الثاني في غاية السقوط؛ لعدم المناسبة بالسابق واللاحق،
وأيضًا لم يعرف النهي عن الخروج من المسجد قبل خروجه عليه السلام، انتهى.
قلت: الاحتمال الثاني يؤيده حديث أنس الذي ذكرناه آنفًا، ويؤيده أيضًا حديث
أم سلمة السابق في باب الدعاء في التشهد بلفظ: أن النساء في عهد رسول اللّه ◌َيّ،
كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول اللّه وَّله، ومن صلى من الرجال ما شاء
الله. فإذا قام رسول اللَّه وَّلَه قام الرجال. (أَمَامِي) بفتح الهمزة أي: قدامي، أي:
خارج الصلاة. (وَمِنْ خَلْفِي) أي: داخلها بالمشاهدة على طريق خرق العادة.
والمعنى: كما أراكم من أمامي أراكم من خلفي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد
والبيهقي (ج٢ ص٩١ - ٩٢).

٦٢٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الْمُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْم الْمُسْبُوقِ
١١٤٤ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا
تُبَادِرُوا الْإِمَامَ، إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ، فَقُولُوا: آمِينَ، وَإِذَا
رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ
الْحَمْدُ»
- إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: ((وَإِذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ)).
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١١٤٤ - قوله: (لَا تُبَادِرُوا الْإِمَامَ) أي: لا تسبقوه بالتكبير، والركوع،
والسجود، والرفع منهما، والقيام، والسلام. (إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) أي: للإحرام، أو
مطلقًا، فيشمل تكبير النقل. زاد أبو داود: ((وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ)). (وَإِذَا قَالَ: وَلَا
الضَّالِّينَ) أي: فقال: آمين. (فَقُولُوا: آمِينَ) أي: مقارنًا لتأمين الإمام؛ لما تقدم أنه
ليسن مقارنة تأمينه لتأمين إمامه. (وَإِذَا رَكَعَ) أي: أخذ في الركوع. (فَارْكَعُوا) زاد
أبو داود: ((وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ))، أى: حتى يأخذ في الركوع لا حتى يفرغ منه،
كما يتبادر من اللفظ، ((وَإِذَا سَجَدَ))، أي: أخذ في السجود، ((فَاسْجُدُوا، وَلَا
تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ))، قال الحافظ: هي زيادة حسنة تنفي احتمال إرادة المقارنة
من قوله: ((إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا)). وقال العيني والحافظ أيضًا: رواية أبي داود هذه
صريحة في انتفاء التقدم والمقارنة .
(وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) استدل به من
قال: إن وظيفة الإمام التسميع، ووظيفة المأموم التحميد؛ لأن ظاهره التوزيع
والتقسيم، وهو ينافي الشركة، وقد تقدم الكلام عليه في باب الركوع. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
أي: على أصل الحديث. وإلا فاللفظ المذكور لمسلم دون البخاري. وللحديث
طرق وألفاظ عند البخاري ومسلم: منها ما أخرجه البخاري في باب: إقامة الصف
من تمام الصلاة، بلفظ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ
فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ
(١١٤٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٦٩)، مسلم (٤١٥/٨٧) فِيهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِشْتَهُ؛ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.

٦٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ،
فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ»، وهو عند مسلم أيضًا، إلا أنه لم يذكر قوله:
((وَأَقِيمُوا الصَّفَّ ... )) إلخ، وزاد: ((فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا))، واستدل بقوله: ((وَلَا تَخْتَلِفُوا
عَلَيْهِ))، لأبي حنيفة وموافقيه على منع صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن اختلاف
النيات داخل تحت هذا القول لعمومه وإطلاقه.
وأجيب عنه: بأنه محمول على الاختلاف في الأفعال الظاهرة فقط دون الباطنة،
وهى ما لا يطلع المأموم عليه كالنية؛ لأنه ◌َله قد بين وجوه الاختلاف، وفصلها
بقوله: ((فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ... )) إلخ، ويلحق ما لم يذكر بما ذُكِرَ قياسًا عليه، ومنها ما
أخرجه البخاري أيضًا في باب: إيجاب التكبير، بلفظ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ،
فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا:َ رَبَّنَا
وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلَّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ))،
والحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٢
ص٩٢). (إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: وَإِذَا قَالَ: وَلَا الضَّالَّينَ) يعني: مع قوله:
((فقولوا: آمين)). وفيه: أنه ليس في طريق من طرقه عند البخاري قوله: ((لَا تُبَادِرُوا
الْإِمَامَ)) كما عرفت فهذا اللفظ أيضًا من إفراد مسلم.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى المُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمُسْبُوقِ
٦٢٧
١١٤٥ - [٤] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ رَكِبَ فَرَسَّا فَصُرِعَ عَنْهُ،
فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَّلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُو قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ
قُعُودًّا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا
قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ
فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلَّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ)).
[متفق عليه]
- قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ: ((إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا)) هُو فِي مَرَضِهِ
الْقَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ◌َّهِ جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ لَمْ يَأْمُرْهُمْ
بِالْقُعُوَدِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرٍ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ◌َِّ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ،
وَاتَّفَقَ مُسْلِمٌ إِلَى: ((أَجْمَعُونَ) وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: ((فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا سَجَدَ
فَاسْجُدُوا))(*) .
الشَّرُْ
١١٤٥ - قوله: (رَكِبَ فَرَسًا) أي: بالمدينة، كما في حديث جابر عند
أبي داود. (فَصُرِعَ عَنْهُ) بضم الصاد وكسر الراء المهملة، أي: أسقط عن الفرس.
قال في ((القاموس)): الصرع - ويكسر - الطرح على الأرض كالمصرع، وقد
صرعه كمنعه. (فَجُحِشَ) بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مكسورة أي : خدش، وهو
قشر جلد العضو. وقيل: الجحش فوق الخدش. (شِقَّةُ) بكسر الشين المعجمة أي :
جانبه (الأَيْمَنِ) وفي رواية عبد الرزاق: ((ساقه الأيمن))، وليست مصحفة، كما زعم
بعضهم لما يوافقها رواية البخاري في باب: الصلاة في السطوح، والخشب،
بلفظ: ((فجحشت ساقه، أو كتفه))، فيقال: رواية الساق مفسرة لمحل الخدش من
الشق الأيمن؛ لأن الخدش لم يستوعبه، ولا ینافي ذلك ما وقع في حديث جابر عند
أبي داود: ((فصرعه على جزم النخلة، فانفكت قدمه))، لاحتمال وقوع الأمرين،
(١١٤٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٨٩)، ومُسْلِم (٤١١) عَنْ أَنَسٍ فِيهَا.
(*) مُسْلِمٍ (٦٨٩) عَنْهُ تَبعَ فِي ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْبُخَارِي عَنِ الحُمَيْدِي، وَقَدْ نُوزِعَ فِي ذَلِكَ.

٦٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ: وأفاد ابن حبان: أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من
الهجرة. (فَصَلَّى) أي: في مشربة لعائشة، كما في حديث جابر. (صَلَاَةً مِنَ
الصَّلَوَاتِ) أي: المكتوبات. قال القاري: وهو ظاهر العبارة. وقيل: من النوافل.
وفي رواية: ((فحضرت الصلاة)). قال القرطبي: اللام للعهد ظاهرًا، والمراد:
الفرض؛ لأنها التي عرف من عادتهم، أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة. وحكى
عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفاًا. وتعقب: بأن في رواية جابر عند أبي داود
الجزم بأنها فرض. قال الحافظ: لكن لم أقف على تعيينها، إلا أن في حديث أنس:
((فصلى بنا يومئذ))، فكأنها نهارية الظهر أو العصر. (وَهُوَ قَاعِدٌ) جملة حالية. قال
عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رض في الأعضاء منعه من القيام. ورُدَّ
هذا بأنه لیس کذلك، وإنما كانت قدمە پ﴾ انفكت، کما ذكرنا من حديث جابر،
وكذا وقع في رواية أنس عند أحمد والإسماعيلي.
(فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا) كذا في هذه الرواية: إنهم صلوا خلفه قاعدين، وهي
رواية مالك عن الزهري عن أنس. وظاهرها يخالف ما روى البخاري وغيره من
حديث عائشة بلفظ: ((فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا))، فأشار إليهم ((أن
اجلسوا)). والجمع بينهما: أن في رواية أنس هذه اختصارًا، وكأنه اقتصر على ما
آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. ووقع في رواية حميد عن أنس عند البخاري
في باب: الصلاة في السطوح بلفظ: فصلى بهم جالسًا، وهم قيام، فلما سلم قال:
((إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ ... )) إلخ. وفيهم أيضًا اختصار؛ لأنه لم يذكر قوله لهم:
((اجلسوا)). والجمع بينهما: أنهم ابتدؤا الصلاة قيامًا، فأوما إليهم بأن يقعدوا
فقعدوا، فنقل كل من الزهري وحميد أحد الأمرين وجمعتهما عائشة، وكذا
جمعهما جابر عند مسلم. وجمع القرطبي بين الحديثين، باحتمال أن يكون بعضهم
قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس، وبعضهم قام حتى أشار إليه بالجلوس،
وهذا الذي حكته عائشة. وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه وقّلة؛ لأنه يستلزم
النسخ بالاجتهاد؛ لأن فرض القادر في الأصل القيام. وجمع آخرون بينهما
باحتمال تعدد الواقعة. وفيه بُعد؛ لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقه لزم
منه ما ذكرنا من النسخ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرة لم يحتج إلى إعادة قول:
((إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ؛ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ... )) إلخ؛ لأنهم قد امتثلوا أمره السابق وصلوا قعودًا
لكونه قاعدًا، كذا في ((الفتح)).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
٦٢٩
بَابُ مَا عَلَى الُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ المُسْبُوقِ
(فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي: عن الصلاة. (إِنَّمَا جُعِلَ) بصيغة المجهول. (الْإِمَامُ)
يحتمل أن يكون جعل بمعنى: سمي فيتعدى إلى مفعولين أحدهما: الإمام القائم
مقام الفاعل، والثاني: محذوف، أي: إنما جعل الإمام إمامًا، ويحتمل أن يكون
بمعنى: صار، أي: إنما صير الإمام إمامًا. وقيل: جعل بمعنى نصب واتخذ، فلا
حاجة إلى التقدير، وكلمة (إِنَّمَا) تفيد جعل الإمام مقصورًا على الإتصاف بكونه
مؤتمًّا به لا يتجاوزه المؤتمٍ إلى مخالفته. (لِيُؤْتَمَّ بِهِ) أي: ليقتدى به بالوجه
المشروع. وقوله: ((فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا ... )) إلخ، بيان لذلك، والائتمام: الاقتداء
والاتباع، أي: جعل الإمام إمامًا، ليقتدى به ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق
متبوعه ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثرها
بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال، التي فصلها الحديث
ولا في غيرها قياسًا، لكن ذلك مخصوص بالأفعال الظاهرة، ولا يشمل الباطنة،
وهي ما لا يطلع عليه المأموم كالنية لما سيأتي. وبالجملة الائتمام يقتضي متابعة
المأموم لإمامه في أحوال الصلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة. قال
النووي: متابعة الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة. وقد نبه عليها في الحديث فذكر
الركوع وغيره بخلاف النية، فإنها لم تذكر، وقد خرجت بدليل آخر، وكأنه يعني
قصة معاذ المقدمة في باب القراءة، وستأتي أيضًا في باب من صلى صلاة مرتين.
ويمكن أن يستدل بهذا الحديث على عدم دخولها؛ لأنه يقتضي الحصر في الاقتداء
به في أفعاله لا في جميع أحواله، كما لو كان محدثًا أو حامل نجاسة، فإن الصلاة
خلفه تصح لمن لم يعلم حاله على الصحيح عند العلماء. ثم مع وجوب المتابعة
ليس شيء منها شرطًا في صحة القدوة إلا تكبيرة الإحرام. واختلف في السلام،
والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام، والقيام من التشهد الأول، وخالف
الحنفية فقالوا: تكفي المقارنة، قالوا: لأن معنى الائتمام: الامتثال، ومن فعل
مثل فعل إمامه عد ممتثلاً، سواء أوقعه معه أو بعده، وسيأتي حديث أبي هريرة
الدال على تحريم التقدم على الإمام في الأركان.
(فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا) مصدر أي: ذوي قيام، أو جمع أي: قائمين ونصبه
على الحالية. (وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا) وفي رواية للبخاري: ((فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ
فَارْكَعُوا)) فالتكبير هنا مقدر مراد. (وَإِذَا رَفَعَ) أي: رأسه. (فَارْفَعُوا) وفي رواية

٦٣٠
sex
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
للبخاري: ((إِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا)). وهو يتناول الرفع من الركوع،
والرفع من السجود، وجميع السجدات. (رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) كذا في جميع النسخ :
(لَكَ الْحَمْدُ) بغير الواو. ووقع في البخاري بإثباتها. قال الحافظ: كذا لجميع
الرواة في حديث أنس بإثبات الواو إلا في رواية الليث عن الزهري في باب:
إيجاب التكبير، فللكشمهيني بحذف الواو، ورجح إثبات الواو، بأن فيها معنى
زائدًا؛ لكونها عاطفة على محذوفٍ، وقد تقدم الكلام في معناه. (فَإِذَا صَلَّى) أي:
الإمام (جَالِسًا) أي: بعذر. (فَصَلَّوا جُلُوسًا) جمع جالس، وهو حالٍ بمعنى
جالسين. (أَجْمَعُونَ) بالرفع على أنه تأكيد لضمير الفاعل في قوله: (صَلَّوْا) أو
للضمير المستكن في الحال وهو ((جلوسًا)). قال الحافظ: كذا في جميع الطرق في
((الصحيحين)) بالواو. وقال القسطلاني: ولأبي ذر وأبي الوقت: ((أجمعين))
بالنصب على الحال، أي: من ضمير الفاعل في قوله: ((صَلَّوْا)) أو من ضمير
((جُلُوسًا)) أي: صلوا جالسين مجتمعين، وليس منصوبًا على أنه تأكيد لـ((جلوسًا))؛
لأنه نكرة فلا يؤكد. وقيل: هو منصوب على التأكيد، لكن تأكيد لضمير منصوب
مقدر كأنه قال: أعينكم أجمعين. ولا يخفى ما فيه من البعد.
والحديث فيه فوائد: منها: وجوب متابعة الإمام، فيكبر للإحرام بعد فراغ
الإِمام منه، فإن شرع فيه قبل فراغه لم تنعقد؛ لأن الإمام لا يدخل في الصلاة إلا
بالفراغ من التكبير، فالاقتداء به في أثنائه اقتداء بمن ليس في صلاة بخلاف الركوع
والسجود ونحوهما، فيركع بعد شروع الإمام في الركوع، فإن قارنه أو سبقه أساء
ولا تبطل، وكذافي السجود، ويسلم بعد سلامه، فإن سلم قبله بطلت إلا أن ينوي
المفارقة أو معه، فلا تبطل؛ لأنه تحلل فلا حاجة فيه للمتابعة بخلاف السبق، فإنه
مناف للاقتداء، قاله القسطلاني. ومنها: مشروعية ركوب الخيل، والتدرب على
أخلاقها، والتأسي لمن يحصل له سقوط ونحوه بما اتفق للنبي وَّ في هذه الواقعة،
وبه الأسوة الحسنة. ومنها: أنه يجوز عليه وَ له ما يجوز على البشر من الأسقام
ونحوها من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدره رفعة ومنصبه جلالة.
ومنها: استحباب العيادة عند حصول الخدشة ونحوها. ومنها: جواز الصلاة
جالسًا عند العجز. ومنها: أنه يجب متابعة الإمام في القعود. وأنه يقعد المأموم مع
قدرته على القيام، واختلف الأئمة فيه: فذهب إلى ظاهر الحديث إسحاق

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الْمُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ المُسْبُوقِ
٦٣١
EXBE
والأوزاعي وداود وبقية أهل الظاهر، قالوا: يجب القعود خلف الإمام القاعد ولو
كان القوم أصحاء. قال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٣ ص٦٩): وبهذا نأخذ إلا فيمن
يصلي إلى جنب الإمام يذكر الناس، ويعلمهم تكبير الإمام، فإنه مخير بين أن
يصلي قاعدًا وبين أن يصلي قائمًا، وذهب أحمد إلى التفصيل، فقال: إذا ابتدأ إمام
الحي الراتب الصلاة قاعدًا لمرض يُرْجَى برؤه؛ فحينئذ يصلون وراءه جلوسًا ندبًا،
ولو كانوا قادرين على القيام وتصح الصلاة خلفه قيامًا، فالحديث عنده محمول
على القعود الأصلي الغير الطارىء، ومقيد بإمام الحي الراتب المرجو زوال
مرضه، والأمر بالجلوس فيه للندب، قال: وإذا ابتدأ الإمام الراتب قائمًا لزم
المأمومين أن يصلوا خلفه قيامًا، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا أم لا،
كما في الأحاديث التي في مرض موته، فإنه وَّ لم يأمرهم بالقعود؛ لأنه ابتدأ
إمامهم - وهو أبوبكر - صلاته قائمًا، ثم أَمَّهُمْ وَلَّ في بقية الصلاة قاعدًا بخلاف
صلاته وّية بهم في مرضه الأول المذكور في حديث أنس، فإنه ابتدأ صلاته قاعدًا
فأمرهم بالقعود. وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف: إلى أنه لا يجوز للقادر
على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائمًا، وهي رواية عن مالك فيما رواه الوليد
ابن مسلم عنه، قالوا: الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد للعذر منسوخ، وناسخه
صلاة النبي ◌َ لّ بالناس في مرض موته قاعدًا وهم قيام، وأبوبكر قائم. هكذا قرره
الشافعي، ونقله البخاري عن شيخه الحميدي، وهو تلميذ الشافعي، وسيأتي
الجواب عن ادعاء النسخ. وذهب مالك في الرواية المشهورة عنه إلى أنه لا يجوز
صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائمًا ولا قاعدًا، وبه قال محمد فیما حكاه
الطحاوي عنه. قالت المالكية: إمامة الجالس المعذور بمثله وبالقائم خاص
بالنبي وَّة؛ لأنه يَّ لا يصح التقدم بين يديه في الصلاة، ولا لعذر ولا لغيره. وَرُدَّ
بصلاته ◌َ ◌ّ- خلف عبد الرحمن بن عوف وخلف أبي بكر، ثم لو سلم أنه لا يجوز أن
يؤمه أحد لم يدل ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أم قاعدًا جماعة من الصحابة
بعده وَّر، منهم أسيد بن حضير وجابر وقيس بن قهد وأنس بن مالك، والأسانيد
عنهم بذلك صحيحة. أخرجها عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة
وغيرهم، بل ادعى ابن حبان وابن حزم إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد.
وقال أبوبكر بن العربي: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبي وَاللّه يخلص

٦٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عند السبك، واتباع السنة أولى، والتخصيص لا يثبت بالاحتمال. قال: إلا إني
سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبي وَلّ،
والتبرك به وعدم العوض عنه يقتضي الصلاة معه على أي حال كان عليها، وليس
ذلك لغيره، وأيضًا فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصور في حقه، فلا نقص في
صلاته عن القائم. والجواب عن الأول: رده بعموم قوله ◌َّ: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي
أُصَلِّي))، وعن الثاني: بأن النقص، إنما هو في حق القادر في النافلة، وأما المعذور
في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم. وقال ابن دقيق العيد: وقد عرف أن
الأصل عدم التخصيص، حتى يدل عليه دليل، انتهى. على أنه يقدح في التخصيص
ما تقدم من إمامة جماعة من الصحابة قاعدين بعده وَله، واستدل بعضهم على
دعوى التخصيص بما روى الدارقطني (ص١٥٣) والبيهقي (ج ٣ ص ٨٠) عن
الشعبي مرفوعًا: ((لاَ يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِى جَالِسًا)»، وأجيب عن ذلك: بأن الحديث
باطل؛ لأنه من رواية جابر الجعفى عن الشعبي مرسلًا، وجابر متروك، وروي أيضًا
من رواية مجالد عن الشعبي، ومجالد ضعفه الجمهور، وحكى عياض عن بعض
مشائخهم: أن إمامة القاعد منسوخة جملة بحديث الشعبي المذكور، وتعقب:
بأن ذلك يحتاج لو صح إلى تاريخ وهو لا يصح كما قدمنا. (قَالَ الْحُمَيْدِيُّ) بضم
الحاء المهملة وفتح الميم هو شيخ البخاري وتلميذ الشافعي، واسمه عبد الله بن
الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد القرشي الأسدي المكي
أبوبكر، ثقة فقيه حافظ، أجل أصحاب ابن عيينة. قال الحاكم: كان البخاري إذا
وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره من الثقة به. وفي ((الزهرة)): روى
عنه البخاري خمسة وسبعين حديثًا، وهو من أفراد البخاري، مات بمكة سنة تسع
عشرة ومائتين. وقيل: بعدها، وليس هو الحميدي الذي جمع بين ((الصحيحين)).
(هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيم) يعني: مرضه الذي كان بسبب سقوطه عن الفرس. وقال
القاري: أي: حين آلى مَن نسائه، انتهى. وفيه أن قصة الإيلاء كانت سنة تسع على
ما هو المشهور، وواقعة سقوطه عن الفرس المذكورة في حديث أنس وعائشة
وجابر كانت سنة خمس على ما أفاد ابن حبان وجزم به العيني والقسطلاني
وصاحب ((تأريخ الخميس)). (ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ) أي: في مرض موته. (النَِّيُّ ◌َلَِّ)
حال كونه (جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالآخِرِ

٦٣٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمُسْبُوقِ
مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ وَ ◌ّهِ) يعني: أن الذي يجب به العمل هو ما استقر عليه آخر الأمر من
النبي وَّر، ولما كان آخر الأمرين منه وَ ل صلاته قاعدًا، والناس وراءه قيام دل على
أن ما كان قبله من ذلك مرفوع الحكم ومنسوخ، هذا هو الجواب المشهور عن
حديث أنس وما في معناه ممن اختار، وجوب القيام خلف الإمام القاعد، وإليه
يظهر ميل البخاري، حيث ذكر قول شيخه الحميدي هذا بعد إخراج الحديث ولم
يتعقبه. وقال في كتاب المرضى، بعد إخراج حديث عائشة في قصة السقوط عن
الفرس: قال الحميدي: هذا الحديث منسوخ. قال أبوعبد الله - هو البخاري
نفسه: لأن النبي ◌ّ آخر ما صلى صلى قاعدًا والناس خلفه قيام، انتهى.
قلت: في هذا الجواب نظر من وجوه: منها: أن حديث أنس وما في معناه قانون
كلي وتشريع عام للأمة، وما صدر منه وَّل في مرض موته واقعة جزئية غير منكشفة
الحال، وحكاية حال محتملة لمحامل، فلا يدرى أنه كان لنسخ الأمر بالقعود
خلف الإمام القاعد، أو كان لبيان أن الأمر المذكور ليس للوجوب بل للندب، أو
كان ذلك؛ لأن إمامهم كان قد ابتدأ الصلاة قائمًا، فأقرهم على القيام إظهارًا للفرق
بين القعود الأصلي والقعود الطارئ، وبين المرض المرجو الزوال وغير المرجو
الزوال، وادعاء النسخ بمثل هذه الواقعة الجزئية لا يخلو عن خفاء، بل هو مشكل.
قال صاحب ((فيض الباري)): القول بالنسخ لا يعلق بالقلب؛ لأن الحديث مشتمل
على أجزاء كثيرة من تشريع عام وضابطة كلية على نحو بيان سنة وسرد معاملة بين
الإمام والمأموم، فالقول بنسخ جزء من الأجزاء من البين، وإبقاء المجموع على ما
كان، ثم بواقعه جزئية تحتمل محامل مما يفضي إلى الاضطراب ولا يشفي،
ولعمرى أنا لو لم نعلم هذه المسألة لما انتقل ذهن أحدنا إلى أن صلاة النبي وَل
تلك قاعدًا كانت لبيان النسخ، وإنما حملناها عليه حفظًا للمذهب فقط، وإلا
فالجمع بين الحديثين يحصل على مذهب أحمد ولا يحتاج إلى النسخ؛ ألا ترى أن
ساداتنا - الحنفية - لما تركوا مسألة جواز الاستقبال والاستدبار، لم يبالوا بوقائع
تنقل في هذا، وقالوا: إنها وقائع غير منكشفة الحال، وحديث أبي أيوب تشريع
عام. فلا أدري أنه ما الفرق بين هذين، فذهبوا إلى النسخ هاهنا دون هناك، انتهى.
ومنها: أن القول: بالنسخ مبني على أن النبي ◌َّه كان الإمام، وأن أبا بكر كان
مأمومًا في تلك الصلاة، وقد وقع في ذلك خلاف.

٦٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): قوله: كان أبو بكر يأتم بالنبي وَّ)) . - أى:
في قصة مرض موته - ظاهره: أن النبي ◌َّ كان إمامًا، وقد جاء خلافه أيضًا.
وبسبب التعارض في روايات هذا الحديث سقط استدلال من استدل به على نسخ
حديث: ((وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلَّوا جُلُوسًا))، وقال في ((حاشية النسائي)) بعد ذكر
الروايات المختلفة في ذلك ما لفظه: وهذا يفيد الاضطراب في هذه الواقعة، فعلى
هذا، فالحكم بنسخ ذلك الحكم الثابت بهذه الواقعة المضطربة، لا يخلو عن خفاء .
وأجيب: بأن هذا الاختلاف ليس بقادح؛ لأن روايات إمامة النبي ◌ُّ أصح
وأرجح؛ لكونها مخرجة في ((الصحيحين))، فتقدم على روايات إمامة أبي بكر.
ويظهر من صنيع الشيخين أن الراجح عندهما هو إمامة النبي وَّ؛ لأنهما لم يدخلا
في (صحيحيهما)) من طرق حديثَ عائشة إلا ما فيه إمامة النبي وَّ، مع ثقة رواة
الخلاف، وكذا لم يذكرا في ((صحيحيهما)) حديث أنس المصرح بإمامة أبي بكر،
وهو عند أحمد والترمذي والنسائي وأبي داود الطيالسي والطحاوى. وهذا على
تقدير اتحاد الواقعة. وأما على ما جزم به ابن حبان وابن حزم والبيهقي والضياء
المقدسي وغيرهم من تعدد الواقعة، وأنه ◌َّ كان إمامًا مرة ومأمومًا أخرى، فلا
تعارض أصلًا. ومنها: أن هذا مبني على أن الصحابة صلوا خلف النبي ◌َّ قيامًا،
ولم يثبت ذلك صريحًا بطريق صحيح متصل. وأما ما ذكر الزيلعي في ((نصب
الراية)) (ج٢ ص ٤٢) من كتاب ((المعرفة)) للبيهقي أن رسول اللَّه وَ ل أمر أبا بكر أن
يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه، إلى أن قال: فكان ظلَّلا بين يدي أبي بكر
يصلي قاعدًا، وأبو بكر يصلي بصلاته قائمًا، والناس يصلون بصلاة أبي بكر،
والناس قيام خلف أبي بكر. ففيه أنه لم يذكر إسناده، فما لم يعرف حال سنده، وأنه
صالح للاحتجاج لا يكون حجة على المخالف. وأما ما قال الحافظ في ((الفتح)) نقلًا
عن الشافعي: إنه - أي: قيام المأمومين - في رواية إبراهيم النخعي عن الأسود عن
عائشة، وإنه وجده مصرحًا به في ((مصنف عبد الرزاق)) عن ابن جريج عن عطاء،
فذكر الحديث، وفيه: فصلى الناس وراءه قيامًا. ففيه: أن رواية عائشة معلقة
ورواية عطاء مرسلة. وقد قال أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات
الحسن وعطاء؛ فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد. وقال ابن المديني: كان عطاء
يأخذ عن كل ضرب. وقد نازع أيضًا ابن حزم وابن حبان في ثبوت كون الصحابة

٦٣٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى المُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمُسْبُوقِ
صلوا خلف النبي وَلّ، وهو قاعد قيامًا غير أبي بكر، واستدل ابن حبان على ذلك
بما رواه من طريق أبي الزبير عن جابر قال: اشتكى رسول اللّه وَ له، فصلينا وراءه
وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، قال: فالتفت إلينا فرأنا قيامًا، فأشار إلينا
فقعدنا، فلما سلم قال: ((إِنْ كِدْتُمْ لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، فَلَا تَفْعَلُوا ... ))
الحديث. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم والنسائي والطحاويَ وابن ماجه. قال
ابن حبان: وإسماع أبي بكر التكبير لم يكن إلا في مرض موته؛ لأن صلاته في
مرضه الأول كانت في مشربة عائشة، ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من
يسمعهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته؛ فإنها كانت في المسجد بجمع
كثير من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم التكبير، انتهى.
وأجاب عنه الحافظ: بحمله على حديث أنس على صلاته في مشربة عائشة في
مرضه الأول، قال: وإسماع التكبير في هذا لم يتابع أبا الزبير عليه أحد. وعلى
تقدير أنه حفظه، فلا مانع أن يسمعهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة؛ لأنه يحمل
على أن صوته ◌ٍَّ كان خفيًّا من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتكبير، فكان أبو
بكر يجهر عنه بالتكبير لذلك. نعم، وقع في مرسل عطاء المذكور متصلًا به بعد
قوله: وصلى الناس وراءه قيامًا، فقال النبي ◌َّه: ((لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا
اسْتَدْبَرْتُ، مَا صَلْيْتُمْ إِلَّا قُعُودًا، فَصَلَّوا صَلَاةَ إِمَامِكُمْ مَا كَانَ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا
قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّوا قُعُودًا)). وهذه الزيادة تقوي ما قال ابن حبان: إن هذه
القصة كانت في مرض موت النبي وَليل انتهى. ثم رأيت السندي قد ذكر في ((حاشية
البخاري)) (ج١ ص٨٨) وجه النظر الثالث، وقرره أحسن تقرير، وبسط الكلام فيه
فأجاد، حيث قال: لا دلالة فيه، أي: في حديث عائشة الذي في مرض موته على
أن الصحابة كانوا قيامًا: نعم، قد ثبت أن أبا بكر كان قائمًا، ولعله قام لضرورة
الإسماع، لا يقال: قد جاء في بعض الروايات أنهم كانوا قائمين؛ لأن مدار النسخ
حينئذٍ على تلك الروايات لا على ما ذكره صاحب الصحيح، أو أصحاب الصحاح،
فحينئذٍ ينظر في تلك الروايات، هل يقوى شيء منها قوة حديث: ((إِذَا صَلَّى جَالِسًا
فَصَلُّوا جُلُوسًا)) وما ذكروا لا يساوي هذا الحديث، بل ولا يدانيه، فلا يتجه الحكم
بنسخ هذا الحديث بتلك الروايات. وما قيل: إنهم ابتدؤوا الصلاة مع أبي بكر
قيامًا فلا نزاع، فمن ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان، ففيه: أن المحتاج إلى

٦٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
es
البيان من يدعي النسخ، وأما من يمنعه فيكفيه الاحتمال؛ لأن الأصل عدم النسخ،
ولا يثبت بمجرد الاحتمال. فقوله: فمن ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان.
خارج عن قواعد البحث، على أنا نقول: قعود الصحابة هو الأصل الظاهر عملًا
بالحكم السابق المعلوم عندهم، وبقاؤهم على القيام لا يتصور، إلا بعد علمهم
بنسخ ذلك الحكم المعلوم، ولا دليل عليه. فالواجب أنهم قعدوا، فمن ادعى
خلافه فعليه البيان. وأما القول: بأنهم ثبتوا على القيام اتفاقًا وإن كان المعلوم
عندهم أن الحكم هو القعود إلا أنه وافق النسخ، وعلم ذلك بتقرير النبي ◌َ لّ إياهم
على القيام، فمن باب فرض المستحيل عادة، وكذا القول بأنه لم يكن في
الحاضرين أحد يعرف الحكم السابق، مع أن الحكم السابق كان مشهورًا فيما
بينهم، وكانوا يعملون به، وكذا القول بأنهم لعلهم عرفوا النسخ قبل هذه القضية
ببيانه وير لهم النسخ، فلذلك ثبتوا على القيام، إذ يستبعد جدًّا أن يكون هناك ناسخ
لذلك يعرفه أولئك الحاضرون، ثم يخفى بحيث لا يرويه أحد. انتهى كلام
السندي. ومنها: أنه إنما يصار إلى النسخ إذا تعذر الجمع، وهاهنا الجمع ليس
بمعتذر، بل هو ممكن، كما نقل عن أحمد أنه جمع بين الحديثين بتنزيلهما على
حالتين، وهو واضح مما ذكرنا من مذهبه. وجمع بعضهم بأن الأمر بالجلوس كان
للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز.
قال الحافظ بعد ذكر رواية عطاء المرسلة المتقدمة: ويستفاد منها: نسخ الأمر
بوجوب صلاة المأمومين قعودًا إذا صلى إمامهم قاعدًا؛ لأنه وَّ لم يأمرهم في
هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكن إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافي
الاستحباب، فيحمل أمره الأخير بأن يصلوا قعودًا على الاستحباب؛ لأن الوجوب
قد رفع بتقريره لهم وترك أمرهم بالإعادة، هذا مقتضى الجمع بين الأدلة، انتهى.
ومنها: أنه وقع الأمر بالجلوس خلف الإمام القاعد في صلاة مرض موته ظلَّله
أيضًا، كما تقدم في رواية عطاء، فالاستدلال بصلاة مرض موته على نسخ الأمر
بالجلوس خلف القاعد لا يخلو عن إشكال: ومنها: أن الحديث يدل على أن
الجلوس عند جلوس الإمام من جملة الائتمام بالإمام، ولا شك أن الاقتداء بالإمام
حكم ثابت على الدوام غير منسوخ، وأيضًا حديث جابر يدل على أن علة عدم جواز
القيام عند قعود الإمام هي: أن القيام يصير تعظيمًا لغير الله فيما شرع تعظيمًا لله

كِتَّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الْأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْم الْمُسْبُوقِ
EF
٦٣٧
وحده لا شريك له، ولا شك في أن هذه العلة ودوامها يقتضي دوام الحكم، فيلزم
أن يدوم عدم شرعية القيام خلف الإمام القاعد؛ لوجوب دوام المعلول عند دوام
العلة، فالقول بنسخ هذا الحكم لا يخلو عن بُعد، قاله السندي في ((حاشية ابن
ماجه))، وذكر نحوه أيضًا في ((حاشية الصحيحين)). ومنها: أن الأصل عدم النسخ،
لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على
القيام أن لا يصلي قاعدًا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدًا،
فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد، وأبعد منه ما
تقدم من نقل عياض، فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات. هذا، وقد أجاب أيضًا
من اختار وجوب القيام خلف القاعد، وكذا من منع صحة إمامة القاعد بأن المراد
بالأمر في قوله: ((وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا)) أن يقتدى به في جلوسه في
التشهد وبين السجدتين؛ لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع والرفع منه، والسجود،
قالوا: فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيمًا له، فأمرهم بالجلوس، وقد
نبه على ذلك بقوله في حديث جابر: ((إِنْ كِدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ
عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا))، فيكون معنى قوله: ((إِذَا صَلَّى جَالِسًّا، فَصَلَّوا
جُلُوسًا)) أنه إذا كان في حالة الجلوس، فاجلسوا، ولا تخالفوه بالقيام.
((وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا)) أي: إذا كان في حالة القيام فقوموا ولا تخالفوه
بالقعود، وكذلك في قوله: ((فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا))، وتعقبه ابن
دقيق العيد وغيره بالاستبعاد، وبأن سياق طرق الحديث يأباه، وبأنه لو كان المراد
الأمر بالجلوس في الركن لقال: وإذا جلس فاجلسوا؛ ليناسب قوله: ((وَإِذَا رَكَعَ
فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا))، فلما عدل عن ذلك إلى قوله: ((وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا))
ظهر أن المراد بذلك جميعَ الصلاةِ، ويؤيد ذلك قول أنس : (فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا)،
وإذا عرفت هذا فاعلم أن أولى الأقوال وأرجحها عندي، هو أن يجمع بين
القصتين، بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره وّله قيام الصحابة خلفه، لو
ثبت كان لبيان الجواز، فمن أَمَّ قاعدًا لعذر، تخير من صلى خلفه بين القيام
والقعود، والقعود أولى؛ لثبوت الأمر بالائتمام، والاتباع، وكثرة الأحاديث
الواردة في ذلك، ويؤيد هذا الجمع أنه استمر عليه عمل الصحابة في حياته وبعده،
وقد ذكر الحافظ في ((الفتح)) (ج ٣ ص ٣٨٢) قيس بن قهد وأسيد بن حضير وجابر بن

٦٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عبد الله أنهم صلوا قعودًا والناس خلفهم جلوس، وذكر عن أبي هريرة أنه أفتى
بذلك، وذكر من أخرج هذه الآثار، وصحح أسانيدها. وذكر ابن حزم في
((المحلى)) (ج ٣ ص ٧٠) ذلك أيضًا؛ وأخرج الدار قطني في (ص٥٢) عن أسيد بن
حضير وفي (ص١٦٢) عن جابر: أنهما صليا جالسين والمُأَمُّون أيضًا جلوسًا،
وادعى ابن حبان الإجماع على العمل. وكأنه أراد السكوتى؛ لأنه حكاه عن أربعة
من الصحابة الذين تقدم ذكرهم. وقال: لا يحفظ عن أحد من الصحابة ولا غيرهم
القول بخلافه، لا من طريق صحيح ولا ضعيف، وكذا قال ابن حزم: أنه لا يحفظ
عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. وأما ما قال الشافعي: أن ما حكي عن هؤلاء
الصحابة: أنهم أموا جالسين ومن خلفهم جلوس، محمول على أنه لم يبلغهم
النسخ، ففيه: أن كل ما زعموه للنسخ هو حديث عائشة الآتي، ولا يدل على شيء
مما أرادوا كما تقدم. وأيضًا أن هؤلاء الصحابة لم يتفردوا بذلك، بل وافقهم على
ذلك من صلى خلفهم جالسين من الصحابة والتابعين، وبعيد كل البُعد أن لا يبلغ
النسخ أحدًا منهم.
(هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ) في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به. (وَاتَّفَقَ مُسْلِمٌ) أي: معه
في أصل الحديث. (إِلَى أَجْمَعُونَ. وَزَاد) أي: مسلم. (فِي رِوَايَةٍ: فَلَا تَخْتَلِفُوا
عَلَيْهِ) فيه نظر؛ لأن هذا اللفظ ليس في حديث أنس لا في البخاري، ولا في مسلم،
نعم هو في حديث أبي هريرة عند الشيخين، فأخرجه البخاري بهذا اللفظ في باب:
إقامة الصف من تمام الصلاة، ومسلم في باب: ائتمام المأموم بالإمام. ومحل
هذا اللفظ بعد قوله: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ)) متصلًا به واستدل به على عدم
جواز صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لما فيها من الاختلاف بين الإمام والمأموم
نية، وهو ضعيف؛ لأن المراد: عدم الاختلاف في الأفعال، بدليل التفسير بقوله:
((فَإِذَا رَكَعَ .. )) إلخ، كيف ولو كان شاملًا للاختلاف نية، لما كانت صلاة المتنفل
خلف المفترض جائزة؟ مع أنه جائز بالاتفاق. (وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا) فيه: أن هذه
الزيادة عند البخاري أيضًا في حديث أنس، وليست من أفراد مسلم كما توهم
المصنف، واختلفت الروايات في ذكر محلها، وحديث أنس هذا أخرجه أيضًا
أحمد ومالك، والشافعي في ((الرسالة)) وفي ((الأم)) وفي ((اختلاف الحديث))،
والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى المُأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْم الْمُسْبُوقِ
٦٣٩
١١٤٦ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ رِ﴿َّا قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ جَاءَ
بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ)) فَصَلَّى أَبُو بَكْرِ
تِلْكَ الْأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ،
وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ حَتَّىِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرِ حِسَّهُ
ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسََّ عَنْ
يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّ قَائِمًا، وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي
قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ وَ النَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ .
[متفق عليه]
- وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: يُسْمِعُ أَبُو بَكْرِ النَّاسَ التَّكْبِيرَ(*).
الشّرْحُ
١١٤٦ - قوله: (لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ﴾﴾ أي: في مرضه الذي توفي فيه، بفتح
الثاء وضم القاف يقال: ثقل الشيء يثقل ثقلاً، مثال صغر يصغر صغرًا فهو ثقيل ضد
خَفَّ، والمعنى هاهنا: اشتد به مرضه، وتناهى ضعفه، وركد أعضاؤه عن خفة
الحركات، ويفسره قولها بعده في رواية: واشتد به وجعه. (يُؤْذِنُهُ) بضم الياء
وسكون الهمزة من الإيذان، أي: يعلمه ويخبره ويجوز إبدال الهمزة واوًا.
(بِالصَّلَاةِ) أي: بحضور وقتها والمراد: صلاة العشاء الآخرة كما سيأتي. (مُرُوا أَبَا
بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) استدل به أهل السنة على خلافة أبي بكر رَوَّهُ، ووجهه: أن
الإمامة في الصلاة التي هي الإمامة الصغرى، كانت من وظائف الإمامة الكبرى،
فنصبه وَلخيّ إياه إمامًا في الصلاة في تلك الحالة من أقوى إمارات تفويض الإمامة
الكبرى إليه، وهذا مثل أن يجلس سلطان زماننا أحد أولاده عند الوفاة على سرير
السلطنة، فهل يشك أحد في أنه فوض السلطنة إليه؟ فهذه دلالة قوية لمن شرح الله
تعالى صدره، وليس من باب قياس الإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى مع ظهور
(١١٤٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٦٨٧)، ومُسْلِم (٤١٨). فيها عنها.
(*) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧١٢) مُسْلِم (٩٦/ ٤١٨) عَنْهَا فِيهَا .