النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على ما لا يجوز، كما استدل أبوسعيد وجابر لجواز العزل، لكونهم فعلوه على
عهد النبي وَّ، ولو كان منهيًّا عنه لنهي عنه في القرآن، انتهى. وأجابوا أيضًا: بما
ذكر الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص١٦٩) عن أحمد بن حنبل، أنه كان يضعف أمر
عمرو بن سلمة، وأنه قال مرة: دعه ليس بشيء بين، وبأنه لم يخرج البخاري
حديث عمرو هذا في باب إمامة العبد، والمولى، وولد البغي، والأعرابي،
والغلام الذي لم يحتلم، ولم يستدل به على إمامة غير البالغ، بل احتج لذلك
بعموم قوله ◌َّه: ((يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ)) والظاهر أنه فعل ذلك؛ لأنه رأى
حديث عمرو غير بَيِّنِ في الدلالة على ذلك، فتوقف فيه كما توقف أحمد، فقد نقل
أيضًا عنه أنه قال: لا أدري ما هذا، فلعله لم يتحقق بلوغ أمر النبي وَجّل، ورُدَّ: بأن
عمرو بن سلمة هذا صحابي. وقد روى ما يدل على أنه وفد على النبي وَلّ كما
تقدم، وحديثه هذا صحيح، وظاهر في الدلالة على إمامة الصبي، كما تقدم وجه
الاستدلال به، فلا معنى لتضعيف أمره، والتوقف في الاستدلال به على جواز
إمامة غير البالغ للمكلف. وأجابوا أيضًا: بأن عمرو بن سلمة كان عند إمامته لقومه
بالغًّا، ثم اختلفوا، فقال قائل: وهو ابن القيم، كما صرح في ((البدائع)) (ج٤
ص٩١) إن رواية: أنه كان له سبع سنين، فيه رجل مجهول، فهو غير صحيح. وقال
بعضهم: إن العمر المذكور في الحديث، هو لتلقينه القرآن من الركبان لا لإ مامته.
وقد وقع التقصير من الراوي في التعبير، حيث جعله عمر إمامته. قال في ((فيض
الباري)) (ج ٢ ص ٢١٨): والجواب عندي: إن في القصة تقديمًا وتأخيرًا، فما ذكره
من عمره، هو عمر تعلمه القرآن دون عمر إمامته، كما يعلم من مراجعة كتب
الرجال. وقال في (ج٤ ص١١٣) قوله: (فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتُّ، أَوْ
سَبْعِ سِنِينَ) فيه قصور؛ إذ عمره المذكور عند التحقيق كان لأخذ القرآن لا لإ مامته.
وهكذا بيعته أيضًا كان بعد ما بلغ الحلم. وقد قصر الراوي في التعبير، انتهى
بلفظه. ورُدَّ: بأنه لا دليل على أن عمرو بن سلمة كان قد بلغ الحلم عند إمامته
لقومه، بل تبطله الروايات المصرحة بكونه غير بالغ عند تقديم قومه له لإمامة
الصلاة، فلا يلتفت إلى قولهم؛ لكونه دعوى مجردة عن البرهان. وأما قول ابن
القيم: بأن الرواية المذكورة غير صحيحة، فهو صادر عن الغفلة؛ لأنها مخرجة في
صحيح البخاري.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٦٠١
وأما ما قال صاحب الفيض: إن القصة وقع فيها تقديم وتأخير، وإن العمر
المذكور في الحديث كان لأخذه القرآن لا لإمامته. ففيه أنه ادعاء محض. ونسبة
الوهم والقصور إلى الراوي من غير حجة وبينة، وقد راجعنا كتب الرجال، فلم
نجد فيها شيئًا يدل على ما ادعاه، ولا يمكن لمن يدعي ذلك أن يأتي عليه بنقل قوي
أو ضعيف أبدًا. وأما القدح في الحديث، بأن فيه كشف العورة في الصلاة، وهو
لا يجوز. ففيه: أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل علمهم بالحكم، فلا يعترض بذلك
على من استدل بقصة عمرو هذه على جواز إمامة غير البالغ فتأمل. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ)
في غزوة الفتح. وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي.
١١٣٣ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ
الْمَدِينَةَ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَفِيهِمْ عُمَرُ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ
°ءَ
الْأَسَدِ.
[ رواهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٣٣ - قوله: (لَمَّا قَدِمَ) أي: من مكة. (الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ) أي: الذين
سبقوا بالهجرة إلى المدينة، وقَدِمُوا أولًا قبل قدوم النبي ◌ََّ (الْمَدِينَةَ) بالنصب
على الظرفية، لقوله: (قَدِمَ) كذا في جميع النسخ للمشكاة. وكذا نقله الجزري في
((جامع الأصول)) (ج٦ ص ٣٧٨) ونسبه إلى البخاري وأبي داود. والذي في
البخاري في إمامة العبد من كتاب الصلاة ((العصبة)) موضعًا بقباء. وفي رواية أبي
داود: ((لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة)). قال الحافظ: أي: المكان
المسمى بذلك، وهو بإسكان الصاد المهملة بعدها موحدة. واختلف في أوله،
فقيل: بالفتح. وقيل: بالضم. ثم رأيت في النهاية: ضبطه بعضهم بفتح العين
والصاد المهملتين. قال أبوعبيد البكرى: لم يضبطه الأصيلي في روايته،
والمعروف المعصب بوزن محمد بالتشديد، وهو موضع بقباء. (كَانَ يَؤُمُّهُمْ) أي :
المهاجرين، ومن أسلموا من أهل المدينة. (سَالِمٌ) بالرفع اسم كان. (مَوْلَى أَبِي
(١١٣٣) البُخَارِي فِي الهِجْرَةِ، عَنِ ابنِ عمر.

٦٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
حُذَيْفَةً) هو ابن عتبة بن ربيعة بن عبدشمس بن عبد مناف القرشي، كان من فضلاء
الصحابة من المهاجرين الأولين، صلى القبلتين، وهاجر الهجرتين جميعًا، وكان
إسلامه قبل دخول رسول اللَّه وي لإ دار الأرقم؛ للدعاء فيها إلى الإسلام، هاجر مع
امرأته سهلة بنت سهل بن عمرو إلى أرض الحبشة، ثم قدم على رسول اللّه وَل وهو
بمكة، فأقام بها، حتى هاجراإلى المدينة. وشهد بدرًا، وأحدًا، والخندق،
والحديبية، والمشاهد كلها، وقتل يوم اليمامة شهيدا، وهو ابن ثلاث أو أربع
وخمسين سنة. يقال: اسمه مهشم. وقيل: هشيم. وقيل: هاشم. وكان سالم
المذكور مولى زوج أبي حذيفة الأنصارية، فأعتقته وكانت إمامته بهم قبل أن يعتق،
وإنما قيل له: مولى أبي حذيفة؛ لأنه لما أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة تولى أبا
حذيفة ولازمه وتبناه أبو حذيفة، فلما نهوا عن ذلك، قيل له: مولاه، واستشهد سالم
باليمامة في خلافة أبي بكر. قال الذهبي: سالم مولى أبي حذيفة من كبار البدريين،
مشهور، كبير القدر. يقال له: سالم بن معقل، وكان من أهل فارس من أصطخر.
وقيل: إنه من العجم من سبي كرمان، وكان يعد في قريش؛ لتبني أبي حذيفة له،
ويعد في العجم لأصله، ويعد في المهاجرين لهجرته، ويعد في الأنصار؛ لأن
معتقته أنصارية، ويعد من القراء؛ لأنه كان أقرأهم، أي: أكثرهم قرآنًا .
وقال ابن عبد البر: كان من فضلاء الموالي، ومن خيار الصحابة وكبارهم.
وهاهنا في البخاري زيادة لم يذكرها المصنف وهو قوله: ((وكان أكثرهم قرآنا))،
وفيه إشارة إلى سبب تقديمهم له مع كونهم أشرف منه. وفي رواية للطبراني، كما
في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص٦٤)؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا. (وَفِيهِمْ) أي: وفي
الذين كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة. (عُمَرُ) بن الخطاب. (وَأَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ
الأَسَدِ) هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي
المخزومي زوج أم سلمة قبل النبي وّله، كان أخا رسول اللَّه وَله، وأخا حمزة من
الرضاعة أرضعته ثويبة - مولاة أبي لهب - أرضعت حمزة، ثم رسول اللَّه وَل، ثم
أبا سلمة. وأمه برة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي وَلّ، كان ممن هاجر
بامرأته أم سلمة إلى أرض الحبشة، ثم شهد بدرًا بعد أن هاجر الهجرتين، وجرح
يوم أحد جرحًا اندمل، ثم انتقض، فمات منه، وذلك لثلاث مضين من جمادى
الآخرة سنة ثلاث من الهجرة، واستخلفه رسول اللّه ◌َ له على المدينة حين خرج

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٦٠٣
Bese
CHE
إلى غزوة ذي العشيرة، وكانت في السنة الثانية من الهجرة، وهو ممن غلبت عليه
كنيته، وتزوج رسول اللَّه وَ ل بعده زوجته أم سلمة. وهذه الجملة أي: قوله:
((وفيهم عمر وأبو سلمة)) ليست للبخاري، بل هي لأبي داود. والحديث رواه
البخاري في باب: استقضاء الموالي واستعمالهم من كتاب الأحكام بلفظ: قال ابن
عمر: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين، وأصحاب النبي وَّ في
مسجد قباء، فيهم أبوبكر وعمر وأبو سلمة وزيد - أي: ابن حارثة - وعامر بن ربيعة
- أي: العنزي مولى عمر - وقد استشكل ذكر أبي بكر الصديق فيهم؛ إذ في
الحديث أن ذلك كان قبل مقدم النبي وَلّ، وأبوبكر كان رفيقه، وصاحبه في
الهجرة. ووجهه البيهقي: بأنه يحتمل أن يكون سالم استمر يؤمهم بعد أن تحول
النبي ◌ّليّة إلى المدينة، ونزل بدار أبي أيوب قبل بناء مسجده بها، فيحتمل أن يقال:
فكان أبوبكر يصلي خلفه، إذا جاء إلى قباء، واستدل بإمامة سالم بهؤلاء الجماعة
على جواز إمامة العبد، ولذلك أورده المصنف في باب الإمامة تبعًا للبخاري
والمجد ابن تيمية .
ووجه الدلالة منه: إجماع كبار الصحابة القرشيين على تقدم سالم عليهم. ويدل
عليه أيضًا، ما روى الشافعي في ((مسنده)) وعبد الرزاق عن ابن أبي ملكية، أنه كان
يأتي عائشة هو وأبوه وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير، فيؤمهم
أبوعمر ومولى عائشة، وهو يومئذٍ غلام لم يعتق. وروى البيهقي عن هشام بن عروة
عن أبيه، أن أبا عمر وذکوان کان عبدًا لعائشة، فأعتقته، و کان يقوم بها شهر رمضان
يؤمها وهو عبد.
قال الحافظ: وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور، وخالف مالك فقال: لا
يؤم الأحرار إلا إن كان قارئًا، وهم لا يقرؤون، فيؤمهم إلا في الجمعة؛ لأنها لا
تجب عليه، وخالفه أشهب واحتج، بأنها تجزئه إذا حضرها.
وقال العيني: قال أصحابنا: تكره إمامة العبد؛ لإشتغاله بخدمة مولاه،
وأجازها أبوذر وحذيفة وابن مسعود، ومن التابعين ابن سيرين والحسن وشريح
والنخعي والشعبي والحكم، ومن الفقهاء الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد
وإسحاق .

٦٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال مالك: تصح إمامته في غير الجمعة. وفي رواية: لا يؤم إلا إذا كان قارئًا،
ومن خلفه من الأحرار لا يقرؤون، ولا يؤم في جمعة ولا عيد. وفي ((المبسوط)):
إن إمامته جائزة وغيره أحب ولو اجتمع عبد فقيه وحر غير فقيه، فثلاثة أوجه:
أصحها: أنهما سواء، ويترجح قول من قال: العبد الفقيه أولى، لما أن سالمًا كان
يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء فيهم عمر وغيره؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا
انتهی کلام العیني باختصار یسیر .
وقال القاري: في إمامة سالم مع وجود عمر دلالة قوية على مذهب من يقدم
الأقرأ على الأفقه. (رَوَاهُ البُخَارِي) فيه نظر؛ لأن اللفظ المذكور ليس للبخاري،
وقد ذكرنا سياقه الذي في كتاب الأحكام ولفظه: في أبواب الإمامة، لما قدم
المهاجرون الأولون العصبة موضعًا بقباء قبل مقدم رسول اللّه وَ لخير، كان يؤمهم
سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا. والحديث أخرجه أبو داود والبيهقي
أيضًا .
١١٣٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((ثَلَاثَةٌ لَا
تُرْفَعُ لَهُمْ صَلاَتُهُمَ فَوَقَ رُؤُسِهِمْ شِبْرًا:َ رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ
بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَأَخَوَانِ مُتَصَارِمَانٍ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الشَّرْجُ
١١٣٤ - قوله: (لَا تُرْفَعُ لَهُمْ صَلَاتُهُمَ فَوَقَ رُؤُسِهِمْ شِبْرًا) أي: قدر شبر،
وهو كناية عن عدم القبول كما تقدم. (وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ)؛ لعدم
إطاعتها إياه فيما أراد منها، ولهذا قال: (بَاتَتْ)؛ لأن ذلك في العادة يكون في
الليل، وإلا فلا يختص الحكم بالليل، قاله السندي. (وَأَخَوَانٍ) بفتحتين أي:
نسبًا، أو دينًا، بأن يكونا مسلمين. (مُتَصَارِمَانٍ) أي: متقاطعان أي: فوق ثلاث أو
في الباطل. والحاصل: أن المراد هو التقاطع الغير الجائز دينًا وعد الأخوين ثالثًا،
باعتبار أن المراد بالثلاثة الأنواع: الثلاثة لا النفر الثلاثة، فليتأمل، قال الطيبي:
(١١٣٤) ابن مَاجَهْ (٩٧١) عنه.

٦٠٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
متصارمان من الصرم، وهو القطع. وأخوان أعم من أن يكونا من جهة النسب،
أو الدين، لما ورد: ((لا يَحِلَّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُصَارِمَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلاثٍ)) أي: يهجره،
ويقطع مكالمته، انتهى. (رواه ابْنُ مَّاجَهْ) قال العراقي: وإسناده حسن. وقال في
((الزوائد)): إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وقال ميرك: إسناده حسن. قال
النووي: ورواه ابن حبان في ((صحیحه)) انتهى كلام ميرك.

٦٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٧ - بَابُ مَا عَلَى الْإِمَامِ
(بَابُ مَا عَلَى الْإِمَام) أي: هذا باب في بيان الحقوق التي للمؤتمين على الإمام،
وأهمها التخفيف في الصلاة؛ رعاية لحالهم من المرض، والسقم، والحاجة،
وعدم التطويل، الذي ينفرهم عن حضور الجماعة. وقال القاري: ما على الإمام
أي: من مراعاة المأمومين بالتخفيف في الصلاة، قال في ((اللمعات)): ينبغي أن
يعلم أنه ليس المراد بالتخفيف، وترك التطويل، أن يترك سنة القراءة،
والتسبيحات، ويتهاون في أدائها، بل أن يقتصر على قدر الكفاية في ذلك، مثل :
أن يقتصر على قراءة المفصل بأقسامها على ما عين منها في الصلاة، ويكتفي على
ثلاث مرات من التسبيح بأدائها، كما ينبغي مع رعاية القومة والجلسة، وأكثر ما
يراد بتخفيف الصلاة الوارد في الأحاديث: تخفيف القراءة، انتهى. وسيأتي مزيد
بيان لذلك، في شرح أحاديث الباب، وما هو الراجح في معنى التخفيف المأمور
المطلوب في حق الإمام؟
الفصل الأول
١١٣٥ - [١] عَنْ أَنَس قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ، أَخَفَّ صَلَاةً،
وَلَا أَتَّمَّ صَّلَاةً مِنَ النَّبِّ وَّهِ وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ
تُفْتَنَ أُمُّهُ.
[متفق عليه]
الشَّرْجُ
١١٣٥ - قوله: (مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطَّ) أي: مع طول عمره، فإنه آخر من
مات بالبصرة من الصحابة سنة إحدى وتسِّعين، وله من العمر مائة وثلاث سنين.
(١١٣٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٠٨)، مسلم (٤٦٩، ٤٧٠) عَنْ أَنَسٍ مِنْ حَدِيثَيْنِ فِي الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابٌ مَا عَلَى الْإِمَامِ
٦٠٧
(أَخَفَّ) صفة لإمام (صَلَاةً) بالنصب على التمييز. (وَلَا أَتَّمَّ) عطف على سابقه،
يعني: صلاته ◌َّ كانت خفيفة غير طويلة، ومع خفتها كانت تكون تامة كاملة. فقد
روى مسلم من حديث أنس: ((أن رسول اللَّه وَ ليل كان من أخف الناس صلاة في
تمام))، ولهما عن أنس أيضًا: ((كان يوجز في الصلاة ويتم)) وقيل: يمكن أن يكون
المعنى: أنه ◌ّ كان يطيل الصلاة حين يرى رغبة الصحابة في التطويل، ونشاطهم
لذلك، ويخفف أخرى عند وجود عذر، أو داع يدعو إلى التخفيف، وترك التطويل
والظاهر هو المعنى الأول. قيل: خفة الصلاة عبارة: عن عدم تطويل قراءتها فوق
ما ورد، وعين في الأحاديث، وعن تخفيف القعود، وتمامها عبارة عن الإتيان
بجميع الأركان، والواجبات، والسنن، وعن إتمام الركوع والسجود، فقد روى
النسائي من حديث زيد بن أسلم عن أنس قال: ما صليت وراء إمام أشبه صلاة
برسول اللَّه ◌َله من إمامكم هذا - يعني: عمر بن عبد العزيز - قال زيد: وكان عمر
ابن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود. وروى أبو داود
والنسائي من حديث أنس أيضًا قال: ((ما صليت وراء أحد بعد رسول اللّه وَل أشبه
صلاة برسول الله من هذا الفتى - يعني: عمر بن عبد العزيز - فحزرنا في ركوعه
عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. فقد علم من هذين الحديثين أن
المراد بخفة الصلاة: تخفيف القيام والقعود، وبتمامها إتمام الركوع والسجود،
وعلم أيضًا أن من سبح في الركوع والسجود عشر تسبيحات، لا يكون فعله مخالفًا
لما وصف به أنس صلاة رسول اللَّه وَل من خفتها مع التمام.
وقيل: التخفيف أمر نسبي، فرب طويل يكون قصيرًا بالنسبة إلى أطول منه،
والقصير يكون طويلاً بالنسبة إلى أقصر منه، فكانت صلاته وَ ل خفيفة، ومع خفتها
تكون تامة ولا إشكال فيه. وقيل: المراد: إن تطويله وَخلال يرى بالنسبة إلى صلاة
الآخرين في غاية الخفة، يعني: لو كان غيره ◌ّلم يقرأ مثل هذه القراءة، يرى طويلاً
ويورث الملالة بخلافها عنه وَّر، فإنه كان يورث ذوقًا ونشاطًا، ولذة وحضورًا،
بالاستماع عنه ◌ّ من جهة حسن الصوت، وجودة الأداء، وبروز الأنوار، وظهور
الأسرار. وأيضًا كان في قراءته وَّل سرعة وطَي لسان وزمان، يتم في أدنى ساعة
كثيرًا منها مع كونها مجودة مرتلة مبينة. وقال ابن القيم في كتاب الصلاة بعد ذكر
حديث الباب وحديث أنس عند البخاري بلفظ: كان يوجز الصلاة ويكملها، ما

٦٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لفظه: فوصف أي: أنس صلاته وَله بالإيجاز والتمام، والإيجاز: هو الذي كان
يفعله لا الإيجاز الذي يظنه من لم يقف على مقدار صلاته، فإن الإيجاز أمر نسبي
إضافي راجع إلى السنة، لا إلى شهوة الإمام ومن خلفه، فلما كان يقرأ في الفجر
بالستين إلى المائة - أي: آية - كان هذا الإيجاز بالنسبة إلى ستمائة إلى ألف، ولما
قرأ في المغرب بالأعراف كان هذا الإيجاز بالنسبة إلى البقرة، ويدل على هذا أن
أنسًا نفسه قال في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي: ((ما صليت وراء أحد بعد
رسول اللّه ◌َ له أشبه صلاة برسول اللّه ◌َ ل من هذا الفتى - يعني: عمر بن عبد العزيز
- فحرزنا في ركوعه عشر تسبيحات ... )) إلخ. وأنس أيضًا هو القائل في الحديث
المتفق عليه: ((إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله يصلي بنا)). قال ثابت:
كان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب
قائمًا، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث، حتى يقول
القائل: قد نسي، وأنس هو القائل هذا، وهو القائل: ((مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ
أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ◌َّ))، وحديثه لا يكذب بعضه بعضا، انتهى.
(وَإِنْ كَانَ) إن هذه هي المخففة من المثقلة، واسمها ضمير الشأن، وكان خبرها
أي: أنه كان. (لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ) فيه جواز إدخال الصبيان المساجد، وإن كان
الأولى تنزيه المساجد عمن لا يؤمن حدثه فيها؛ لحديث: ((جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا
صِبْيَانَكُمْ ... إلخ)). أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف جدًّا. وقال الحافظ: فيه أي: في
الاستدلال بحديث الباب على جواز إدخال الصبيان المساجد نظر، لاحتمال أن
يكون الصبي كان مخلفًا في بيت بقرب من المسجد، بحيث يسمع بكاؤه.
(فَيُخَفِّفُ) بين مسلم في رواية ثابت عن أنس محل التخفيف ولفظه: فيقرأ بالسورة
القصيرة. وبين ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن سابط مقدارها ولفظه:
أنه وسيله قرأ في الركعة الأولى بسورة طويلة، فسمع بكاء صبي، فقرأ بالثانية بثلاث
آيات، وهذا مرسل، كذا في ((الفتح)). وذكر العيني حديث ابن سابط بلفظ: قرأ
في الركعة الأولى بسورة نحو ستين آية، فسمع بكاء الصبي ... إلخ. (مَخَافَةً أَنْ
تُفْتَنَ أُمُّهُ) بضم المثناة الفوقية مبنيًّا للمفعول من الثلاثي، ومن الأفعال والتفعيل
أي: تلتهي عن صلاتها؛ لاشتغال قلبها ببكائه، زاد عبد الرزاق من مرسل عطاء: أو
تتركه فضيع.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الْإِمَام
٦٠٩
وقوله: (مَخَافَةَ) بفتح الميم منصوب على التعليل مضاف إلى أن المصدرية،
أي: خوفًا من افتتان أمه. وفي نسخة أبي ذر من البخاري: ((أَنْ يَفْتِنَ)) بفتح المثناة
التحتية وكسر ثالثه مبنيًّا للفاعل، وأمه بالنصب على المفعولية. وذكره الجزري في
((جامع الأصول)) (ج٦ ص٣٧٤) بلفظ: (مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أَمُّهُ) أي: من الافتتان، وفي
الحديث دلالة على كمال شفقة النبي وَ لّر على أصحابه، ومراعاة أحوال الكبير
منهم والصغير، وعلى مشروعية إيثار تخفيف الصلاة للأمر يحدث. قال السندي:
وربما يؤخذ منه أن الإمام يجوز له مراعاة من دخل المسجد بالتطويل ليدرك
الركعة، كما له أن يخفف لأجلهم ولا يسمى مثله رياء، بل هو إعانة على الخير
وتخلیص عن الشر، انتهى. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص١٠٢): فيه دلیل
على أن الإمام وهو راكع، إذا أحس برجل يريد الصلاة معه، كان له أن ينتظره
راكعًا ليدرك فضيلة الركعة في الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة
لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا، كان له أن يريد فيها لعبادة الله، بل هو أحق
بذلك وأولى. وتعقبه القرطبي بأن في التطويل هاهنا زيادة عمل في الصلاة غير
مطلوب بخلاف التخفيف، والحذف فإنه مطلوب، انتهى. قال ابن بطال: وممن
أجاز ذلك الشعبي والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وقال آخرون: ينظر ما لم
يشق على أصحابه، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور. وقال مالك: لا ينتظر؛ لأنه
يضر من خلفه، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، ذكره العيني. وقال
الحافظ: في هذه المسألة خلاف عند الشافعية وتفصيل. وأطلق النووي عن
المذهب استحباب ذلك. وفي ((التجريد)) للمحاملى: نقل كراهيته عن الجديد،
وبه قال الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأبويوسف. وقال محمد بن الحسن: أخشى
أن یکون شرگًا، انتھی.
قلت: القول: بكراهة ذلك؛ لحمله على الرياء؛ وتوهم الشرك فيه غفلة عظيمة
من قائله، وتنطعٍ في الدين، وتعمق في الشريعة لا يصح لأهل الورع والتقوى.
فالدين يسر، والله تعالى ما كلفنا فوق وسعنا، ونية الإحسان إلى المسلم نية جميلة
حسنة يثاب عليها صاحبها؛ لكونها لله تعالى ولا شك أن في مراعاة الإمام من دخل
المسجد بالتطويل؛ ليدرك الركعة من غير أن يشق على أصحابه، إعانة له على طاعة
مع نية التقرب إلى الله تعالى بتطويل الركن، وليس فيه شائبة الرياء والشرك، كيف

٦١٠
SerACK
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
وقد روى أحمد وأبو داود عن عبد الله بن أبي أوفي، أن النبي وَّ كان يقوم في
الركعة الأولى من صلاة الظهر، حتى لا يسمع وقع قدم. وقد سكت عنه أبو داود
والمنذري، وفيه رجل مجهول، وروى هو أيضًا وابن خزيمة وابن حبان عن أبي
قتادة أنه قال : - أى: في بيان حكمة تطويل الركعة الأولى - فظننا أنه يريد بذلك أن
يدرك الناس الركعة الأولى، فأعدل الأقوال عندنا هو ما ذهب إليه أحمد وإسحاق
وأبو ثور. والله تعالى أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه نظر؛ لأن مسلمًا أخرج القطعة الأولى فقط أي: إلى قوله: ((وَلَا
أَتَّمَّ صَّلَاةً مِنَ النَّبِّ وَّ)) وأما القطعة الثانية، فهي من أفراد البخاري. أخرجه
الإسماعيلي مطولًا بتمامه. وروى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه
والبيهقي من طريق آخر عن أنس أن النبي وّ قال: ((إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ
إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدٍ أُمِّهِ مِنْ
بُكَائِه))، لفظ البخاري.
١١٣٦ - [٢] وَعَنْ أَبِى قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنِّي لَأَدْخُلُ
فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا
أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةٍ وَجْدٍ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْخُ
١١٣٦ - قوله: (وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا) جملة حالية. (فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ) قال
العيني: البكاء، إذا مددت أردت به الصوت الذي يكون معه، وإذا قصرت أردت
خروج الدمع. وهاهنا ممدود لا محالة لقرينة، فأسمع؛ إذ السماع لا يكون إلا في
الصوت. (فَأَتَّجَوَّزُ) أي: فأخفف. (فِي صَلَاتِي) قال الطيبي: أي: أخفف كأنه
تجاوز ما قصده أي: ما قصد فعله لو لا بكاء الصبي، قال: ومعنى التجوز: أنه قطع
قراءة السورة، وأسرع في أفعاله، انتهى. والأظهر، أنه شرع في سورة قصيرة بعد
ما أراد أن يقرأ سورة طويلة، كما تقدم من حديث أنس عند مسلم. (مِمَّا أَعْلَمُ)،
(١١٣٦) البُخَارِي (٧٠٩) عَنْهُ فِيهَا .

٦١١
بَابُ مَا عَلَى الْإِمَامِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
(مَا) مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف. و((من)) تعليليه للاختصار، أي: من
أجل ما أعلم. (مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أَمِّهِ) بفتح الواو وسكون الجيم، أي: حزنها من وَجَدَ
له يَجِد وَيَجُد وَجْدًا أي: حزن. وقال ابن سيدة في ((المحكم)): وَجَد يَجِد وَجْدًا
بالسكون والتحريك حزن، انتهى. و((من)) بيانية لـ((ما)). (مِنْ بُكَاءِهِ) تعليلية للوجد.
قال الحافظ: وكأن ذكر الإمام هنا خرج مخرج الغالب، وإلا فمن كان في معناه
يلتحق بها. وفي الحديث: دلالة على حضور النساء إلى المساجد مع النبي ◌َّل.
(رَوَاهُ البُخَارِي) أي: عن أبي قتادة، وفيه نظر؛ لأن السياق الذي ذكره
المصنف، إنما هو لحديث أنس كما أسلفنا لا لأبي قتادة، وحديث أبي قتادة
أخرجه البخاري في موضعين، رواه أولًا في باب: ((من أخف الصلاة عند بكاء
الصبي)) بلفظ: ((إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ،
فَأَتَّجَوَّزُ فِي صَلَاِي؛ كَرَاهِيَةً أَنْ أشَقَّ عَلَى أُمِّهِ))، ثم رواه في باب: ((خروج النساء إلى
المساجد قبيل كتاب الجمعة)) بلفظ: ((إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ
فِيهَا))، والباقي مثله. وقد ظهر بهذا، أن المصنف أخطأ في بيان مخرج الحديث،
أي: في ذكر الصحابي الذي روى الحديث بسياق الكتاب، فكان عليه أن يقول:
وعنه - أي: عن أنس - : مكان وعن أبي قتادة وحديث أبي قتادة، أخرجه أيضًا أبو
داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي.
١١٣٧ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوْنَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا
صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ،
وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ، فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ)).
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١١٣٧ - قوله: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ) أي: إمامًا لهم فرضًا أو نفاًا، أو
اللام بمعنى: الباء. وفي رواية لمسلم: ((إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ))، (فَلْيُخَفِّفْ)
التخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم طويلاً
(١١٣٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٧٠٣)، مُسْلم (١٨٣ / ٤٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا .

٦١٢
eser
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
بالنسبة لعادة آخرين، فينبغي أن يقتدي بأضعف قومه بشرط، أن لا يبلغ الإخلال
في الفرائض، والواجبات والسنن، فلا بد من التخفيف مع الكمال. قال الحافظ :
أولى ما أخذ حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان
ابن أبي العاص، أن النبي وَّ قال له: ((أَنْتَ إِمَامُ قَوْمِكَ، واقتد بأضعفهم))، إسناده
حسن، وأصله في مسلم، انتهى. وقد تقدم هذا الحديث في باب فضل الآذان.
(فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ) أي: المريض. (وَالضَّعِيفَ) أي: ضعيف الخلقة. (وَالْكَبِيرَ)
أي: في السن. زاد مسلم في رواية: ((وَالصَّغِيرَ)). وزاد الطبراني من حديث عثمان
ابن أبي العاص: ((وَالْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ))، وله من حديث عدي بن حاتم: ((والْعَابِرَ
السَّبِيلَ)). وقوله في حديثي أبي مسعود وعثمان بن أبي العاص الآتيين: ((ذَا
الْحَاجَةِ)) يشمل الأوصاف المذكورة، وقد وقع أيضًا هذا في رواية لمسلم من
حديث أبي هريرة وقوله: ((فَإِنَّ فِيهِمْ ... )) إلخ، تعليل للأمر المذكور. فمقتضاه، أنه
متى لم يكن فيهم من يتصف بصفة من المذكورات، أو كانوا محصورين راضين
بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم لم يضر التطويل؛ لانتفاء العلة.
لكن قال ابن عبد البر: إن العلة الموجبة للتخفيف عندي غير مأمونة؛ لأن الإمام
وإن علم قوة من خلفه، فإنه لا يدري ما يحدث بهم من حادث شغل، وعارض من
حاجة، وآفة من حدث بول أو غيره. وقال اليعمري: الأحكام إنما تناط بالغالب لا
بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقًا، قال: وهذا كما شرع القصر في
صلاة المسافر، وعلل بالمشقة، وهو مع ذلك يشرع، ولو لم يشق عملًا بالغالب؛
لأنه لا يدري ما يطرأ عليه وهنا كذلك. (فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ) أى: في القراءة،
والركوع، والسجود، والاعتدال، والجلوس بين السجدتين، والتشهد. وفي
رواية لمسلم: ((فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ)) أي: مخففًّا أو مطولًا، يعني: أنه لا حجر عليه إن
شاء طول، وإن شاء خفف، ولكن لا ينبغي التطويل إلى أن يخرج الوقت، أو يدخل
في حد الكراهة. وفي (مسند السراج)): ((وإذا صلى وحده، فليطول إن شاء)).
والحديث يدل على مشروعية التخفيف للأئمة، وترك التطويل للعلل المذكورة:
من الضعف، والسقم، والكبر، والحاجة، ويلحق بها ما كان في معناها.
واختلفوا في أن الأمر المذكور للوجوب، أو الندب. قال القسطلاني: وقد ذهب
جماعة كابن حزم وابن عبد البر وابن بطال إلى الوجوب تمسكًا بظاهر الأمر في

كِتَابُ الضَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الْإِمَام
٦١٣
قوله: (فَلْيُخَفِّفْ)، وعبارة ابن عبد البر في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن
أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف، لأمره عليه الصلاة والسلام إياهم بذلك، ولا
يجوز لهم التطويل؛ لأن في الأمر بالتخفيف نهيًا عن التطويل. والمراد بالتخفيف:
أن یکون بحیث لا يخل بسننها ومقاصدها، انتهى.
وقال الشوكاني في ((النيل)): قال ابن عبد البر: التخفيف لكل إمام أمر مجمع
عليه مندوب عند العلماء إليه، إلا أن ذلك إنما هو أقل الكمال، وأما الحذف
والنقصان فلا؛ لأن رسول اللَّه وَ ل قد نهى عن نقر الغراب، ورأى رجلًا يصلي،
فلم يتم ركوعه، فقال له: ((ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ))، وقال: ((لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ
لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»، ثم قال: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في
استحباب التخفيف لكلَ من أَمَّ قومًا على ما شرطنا من الإتمام، وقد روي عن عمر
ابن الخطاب أنه قال: ((لا تبغضوا اللَّه إلى عباده، يطول أحدكم في صلاته، حتى
يشق على من خلفه))، انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضًا أحمد
ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج٣ ص١١٥ - ١١٧).
١١٣٨ - [٤] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ
رَجُلَّا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَتْأَخَّرُ عَنَّ صَلَةِ الْغَدَاةِ؛ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ
مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ
قَالَ: ((إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ
الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ)).
[مُتَّفَق عَلَيْهِ]
الشَّرْخُ
١١٣٨- قوله: (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِم) بالمهملة والزاى. قال في
((التقريب)): قيس بن أبي حازم البجلي أبوعبد الله الكوفي، ثقة من كبار التابعين
مخضرم، ويقال له: رؤية. وهو الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة،
(١١٣٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٠٢)، مُسْلم (١٨٢ / ٤٦٦) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَّهُ فِيهَا، والنساوي في
الكبرى (٥٨٩١)، وابن مَاجَهْ (٩٨٤).

٦١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مات بعد التسعين أو قبلها، وقد جاوز المائة وتغير. وقال في ((التهذيب)): أدرك
الجاهلية، ورحل إلى النبي ◌َّ؛ ليبايعه فقبض، وهو في الطريق، وأبوه له صحبة،
ويقال: إن لقيس رؤية ولم يثبت. وقد أوضح القول في ذلك في ((الإصابة)) (ج٣
ص٢٧١ - ٢٧٢) فارجع إليه. (أَخْبَرَنِي أَبُومَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو الأنصاري
البدري. (أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ووهم من زعم، أنه حزم بن
أبيّ بن كعب؛ لأن قصته كانت مع معاذ، كما روى أبو داود في باب: تخفيف
الصلاة، لا مع أبيّ بن كعب. (إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) أي: لا أحضر صلاة
الصبح مع الجماعة. وفي رواية للبخاري: عن صلاة الفجر. وإنما خصها بالذكر؛
لأنها تطول فيها القراءة غالبًا، ولأن الانصراف منها وقت التوجه لمن له حرفة
إليها. (مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ) يعني: إمام مسجد حيِّهِ، أو قبيلته.
(مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) أي: من أجل إطالته بنا، فـ(ما)) مصدرية، ومن الأولى تعليلية
للتأخر والثانية بدل منها. وقال الطيبي: ابتدائية متعلقة بـ((أتأخر))، والثانية مع في
حيزها بدل منها. والمراد: من الإطالة، أي: في القراءة. وهذه قصة أخرى غير
قصة معاذ المتقدمة في باب القراءة في الصلاة. قال الحافظ: أما قصة معاذ فمغايرة
لحديث الباب، يعني: حديث أبي مسعود هذا؛ لأن قصة معاذ كانت في العشاء،
وكان الإمام فيها معاذًا، وكانت في مسجد بنى سلمة، وهذه كانت في الصبح،
وكانت في مسجد قباء، ووهم من فسر الإِمام المبهم هنا بمعاذ، بل المراد به: أبيّ
ابن كعب، كما أخرجه أبويعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية عن جابر
قال: كان أبي بن كعب يصلي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلة، فدخل معه غلام
من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها انفتل من صلاته، فغضب أبيّ، فأتى
النبي ◌َّ يشكو الغلام، وأتى الغلام يشكو أبيَّ، فغضب النبي ◌ََّ، فعرف الغضب
في وجهه، ثم قال: ((إِنَّ مِنْكُمْ مُتَفِّرِينَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَوْجِزُوا، فَإِنَّ خَلْفَكُمُ الضَّعِيفَ،
وَالْكَبِيرَ، وَالْمَرِيضَ، وَذَا الْحَاجَةِ)).
(أَشَدَّ) بالنصب على الحال من رسول اللَّه وَلِّ. (غَضَبًا) منصوب على التمييز.
(مِنْهُ) أي: من رسول اللَّه وَلَه، وهو صلة أشد. (يَوْمَئِذٍ) أي: يوم أخبر بذلك، أي:
كان اليوم أشد غضبًا منه في الأيام الأخر، والمفضل والمفضل عليه، وإن كانا
واحدًا، وهو الرسول؛ لأن الضمير راجع إليه لكن باعتبارين، فهو مفضل باعتبار

٦١٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الإِمَام
weese
يومئذٍ، ومفضل عليه باعتبار سائر الأيام. وسبب شدة غضبه وَ له، إما لمخالفة
الموعظة، لاحتمال تقدم الإعلام بذلك بقصة معاذ، أو للتقصير في تعلم ما ينبغي
تعلمه، أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه على أصحابه، ليكونوا من سماعه على بال؛
لئلا يعود من فعل ذلك إلى مثله. (إِنَّ مِنْكُمْ) أي: بعضكم. (مُنَفِّرِينَ) بصيغة الجمع
من التنفير، أي: للناس من الصلاة بالجماعة، لتطويلكم المورث للملالة،
والتضجر. ولم يخاطب المطول على التعيين، بل عمم خوف الخجل عليه؛ لطفًا
به؛ وشفقة على جمل عادته الكريمة. (فَأَيُّكُمْ) أي: أُّ واحد مِنكم. (مَا صَلَّى
بِالنَّاسِ) أي: متلبسًا بهم إمامًا لهم. وكلمة ((مَا)) زائدة، و(صَلَّى) فعل شرط،
وزيادة ((مَا)) مع أي الشرطية كثيرة، وفائدتها: التوكيد لمعنى الإبهام، وزيادة
التعميم، وقيل: (مَا) موصوفة منصوبة المحل على المفعول المطلق، أي: أيكم
أي صلاة صلى؟
(فَلْيَتَجَوَّزْ) جواب الشرط، أي: فليخفف في صلاته بهم، يقال: تجوز في
صلاته أي: خفف. وفي رواية: ((فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ))، وفي أخرى: ((فَمَنْ
أَمَّ النَّاسَ؛ فَلْيَتَجَوَّزْ))، (فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ) أي: في السن. وفي رواية
للبخاري: ((فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ)). وكأن المراد بالضعيف هنا: المريض،
وفي الرواية المذكورة من يكون ضعيفًا في خلقته، كالنحيف والمُسِنِّ، وكل
مريض ضعيف من غير عكس. والحديث يدل: على جواز التأخر عن صلاة
الجماعة، إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير، وعلى جواز الغضب لما ينكر
من أمور الدين، وعلى تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين. وفيه وعيد على
من يسعى في تخلف الغير عن الجماعة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في العلم والصلاة والأدب والأحكام، ومسلم في
الصلاة، واللفظ المذكور للبخاري في باب تخفيف الإِمام في القيام، وإتمام
الركوع والسجود. والحديث أخرجه أيضًا النسائي في العلم من ((سننه الكبرى))
وابن ماجه في الصلاة والبيهقي (ج٣ ص ١١٥).
* **

٦١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
ecceng
١١٣٩ - [٥] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يُصَلُّونَ
لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَضْلِ الثَّانِي] {صحيح}
الشَّرْجُ
١١٣٩- قوله: (يُصَلُّونَ) أي: الأئمة. (لَكُمْ) أي: لأجلكم. فاللام فيه
للتعليل. (فَإِنْ أَصَابُوا) في الأركان والشرائط والسنن، قاله الكرمانى. وقال
العيني: يعني: فإن أتموا، يدل عليه حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه الحاكم
على شرط البخاري عنه مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَأَتَمَّ)). وفي نسخة: ((فَأَصَابَ
فَالصَّلَاةُ لَهُ وَلَهُمْ، وَمَنْ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ)). وأعله الطحاوي
بانقطاع ما بين عبد الرحمن بن حرملة وأبي علي الهمداني الراوي عن عقبة - انتهى
كلام العينى. قلت: حديث عقبة هذا قال الحاكم في ((المستدرك)) (ج١ ص٢١٠)
بعد روايته: حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وقد أخرجه أيضًا
أحمد وأبو داود وغيرهما، قال المنذري في ((الترغيب)): عن أبي على المصري
الهمداني قال: سافرنا مع عقبة بن عامر فحضرتنا الصلاة، فأردنا أن يتقدمنا،
فقال: إني سمعت رسول اللَّه ◌َ له يقول: ((مَنْ أَمَّ قَوْمًا، فَإِنْ أَتَمَّ فَلَهُ التَّمَامُ وَلَهُمْ
الثَّمَامُ، وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ فَلَهُمْ التَّمَامُ وَعَلَيْهِ الْإِثْمُ)). رواه أحمد واللفظ له وأبو داود وابن
ماجه والحاكم وصححه وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما))، ولفظهما: ((مَنْ
أَمَّ النَّاسَ، فَأَصَابَ الْوَقْتَ، وَأَتَمَّ الصَّلاةَ فَلَهُ وَلَهُمْ، وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ
وَلا عَلَيْهِمْ))، قال المنذري: هو عندهم من رواية عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي
عن أبي علي المصري. وعبد الرحمن قال أبوحاتم: لا يحتج به، وضعفه يحيى
القطان. ولينه البخاري. ووثقة ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن
عدي: لم أر له حديثًا منكرًا، انتهى كلام المنذري. قلت: ووثقه أيضًا محمد بن
عمرو وابن نمير، وقال الساجي: صدوق يهم في الحديث. وذكره ابن حبان في
(١١٣٩) البُخَارِي (٦٩٤) عَنْهُ فِيهَا .

٦١٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا عَلَى الإِمامِ
((الثقات)). وروى له مسلم حديثًا واحدًا في متابعة القنوت. وذكر الحافظ في
((الفتح)) حديث عقبة هذا نقلًا عن أحمد وأبي داود، وسكت عنه وهذا كله يدل على
أن هذا الحديث عند الذهبي والمنذري والحافظ صحيح أو حسن قابل للاحتجاج،
وأنهم لم يروا قول الطحاوي: لا يعرف لعبد الرحمن بن حرملة سماع من أبي علي
الهمداني قابلًا للالتفات، وكيف يلتفت إلى قوله، وقد رواه عبد الرحمن بن حر ملة
بلفظ الإخبار عند البيهقي (ج٣ ص١٢٧) حيث قال: أخبرني أبو علي الهمداني.
(فَلَكُمْ) أي: ثواب صلاتكم. قال الحافظ: زاد أحمد وكذا البيهقي ولهم أي:
ثواب صلاتهم، وهو يغني عن تكلف توجيه حذفها، يشير إلى ما قال المظهر: إنما
اقتصر على ((لكم))؛ إذ يفهم من تجاوز ثواب الإصابة إلى غيرهم ثبوته لهم، وقال
القاري: أي: لكم ولهم على التغليب؛ لأنه مفهوم بالأولى. وقيل: إن الحديث
سيق في خطأ الإمام في إصابته وقت الصلاة. والمعنى: فإن أصابوا أي: الوقت،
قاله ابن بطال والطحاوي، واستدلا لذلك بما روى النسائي وغيره عن ابن مسعود
بسند حسن مرفوعًا: ((سَتُدْرِكُونَ أَقْوَامًا يُصَلَّونَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُمْ،
فَصَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ لِلْوَقْتِ الَّذِي تَعْرِفُونَ، ثُمَّ صَلُّوا مَعَهُمْ، وَاجْعَلُوهَا سُبْحَةً))،
والظاهر: أن المراد به ما هو أعم من ترك إصابة الوقت، ففي رواية لأحمد (ج٤
ص١٤٥) من حديث عقبة بن عامر المذكور: ((مَنْ أَمَّ النَّاسَ، فَأَصَابَ الْوَقْتَ، وَأَتَمَّ
الصَّلاةَ فَلَهُ وَلَهُمْ، وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ وَلا عَلَيْهِمْ))، وفي رواية له أيضًا
(ج٤ ص ١٤٧): (فَإِنْ صَلَّوْا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَأَتِّمُّوا الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ، فَهِيَ لَكُمْ
وَلَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُصَلَّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَلَمْ يُتِمُّوا رُكُوعَهَا، وَلَا سُجُودَهَا، فَهِيَ لَكُمْ
وَعَلَيْهِمْ))، والرواية الأولى أخرجها البيهقي أيضًا. (وَإِنْ أَخْطَأُوا) أي: ارتكبوا
الخطيئة في صلاتهم ككونهم محدثين مثلاً. قال الحافظ: ولم يرد به الخطأ المقابل
للعمد؛ لأنه لا إثم فيه. (فَلَكُمْ) أي: ثوابها. (وَعَلَيْهِمْ) أي: عقابها، فخطأ الإمام
في بعض غير مؤثر في صحة صلاة المأموم إذا أصاب، فلو ظهر بعد الصلاة أن
الإمام جنب، أو محدث، أو في بدنه نجاسة، فلا تجب إعادة الصلاة على المؤتم
به. قال البغوي في ((شرح السنة)): فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدثًا إنه تصح
صلاة المأمومين خلفه، وعليه الإعادة. ويدل عليه أيضًا ما ذكر المجد بن تيمية في
((المنتقى)) أنه صح عن عمر: أنه صلى بالناس وهو جنب، ولم يعلم، فأعاد ولم

٦١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يعيدوا، وكذلك عثمان وروي عن علي من قوله، انتهى. وإليه وذهب الشافعي،
فإن المؤتم عنده تبع للإمام في مجرد الموافقة لا في الصحة والفساد، وبه قال
مالك وأحمد.
وظاهر قوله: (أَخْطَأُوا) يدل على ما هو أعم مما ذكر البغوي، كالخطأ في
الأركان كما قال القاري: (فَإِنْ أَصَابُوا) أي: أتوا بجميع ما عليهم من الأركان
والشرائط، (وَإِنْ اخْطَأُوا) بأن أخلوا ببعض ذلك عمدًا أو سهوًا، انتهى. فيكون فيه
دليل على صحة الائتمام، بمن يخل بشيء من الصلاة ركنًا كان، أوغيره، إذا أتم
المأموم، وهو وجه للشافعية بشرط: أن يكون الإمام هو الخليفة، أو نائبه. وحمله
الطحاوى وغيره من الحنفية على الخطأ في إصابة الوقت، كما تقدم؛ لأن المؤتم
عندهم تبع للإمام مطلقًا، يعني: في الصحة والفساد، فيجب عندهم الإعادة على
الإمام والمؤتمين جميعًا، لو ظهر أنه صلى محدثًا أو جنبًا، واستدلوا لذلك
بقوله تعالَّ: ((الْإِمَامُ ضَامِنٌ))، وقد تقدم الكلام على معناه في باب فضل الأذان.
والراجح عندي هو: ما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه من الأئمة، قال المهلب:
في الحديث جواز الصلاة خلف البر والفاجر، إذا خيف منه، يعني: إذا كان
صاحب شوكة. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي (ج٣ ص١٢٧) وابن
حبان في (صحيحه))، ولفظه: ((سَيَأْتِي - أَوْ سَيَكُونُ - أَقْوَامٌ يُصَلَّونَ الصَّلَاةَ، فَإِنْ
أَتَمُّوا فَلَكُمْ، وَإِنْ انْتَقَصُوا فَعَلَيْهِمْ وَلَكُمْ))، (وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ) أي: في (المصابيح)).
(عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي) أي: عن الحسان، وهو دفع لوهم الإسقاط، ورفع لورود
الاعتراض على قوله: ((الفصل الثالث)) من غير الثاني.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
**
بَابُ مَا عَلَى الْإِمَامِ
ise
se
٦١٩
الفصل الثالث
١١٤٠ - [٦] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ
رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿: ((إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا، فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ)) [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
- وُفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَِّ قَالَ لَهُ: ((أُمَّ قَوْمَكَ)) قَالَ: قُلْتُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا، قَالَ: ((ادْنُهْ)) فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ
وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْبَيَّ، ثُمَّ قَالَ: (تَحَوَّلْ)) فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ
كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: ((أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًّا، فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ
فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ
وَحْدَهُ، فَلَيُصَلِّ كَيْفَ شَّاءَ))(*).
الشَّرْخُ
١١٤٠ - قوله: (آخِرُ مَا عَهِدَ) بكسر الهاء أي: أوصى. (إِلَيَّ) وأمرني به. (إِذَا
أَمَمْتَ) بالتخفيف. (فَأَخِفَّ) بفتح الفاء المشددة، ويجوز كسرها أمر من
الإِخفاف. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ): وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص٢١٨) وابن ماجه والبيهقي
(ج ٣ ص١١٦). (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أي: لمسلم. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ) بفتح أن. (قَالَ
لَهُ) أي: لعثمان. (أُمَّ قَوْمَكَ) أمر على وزن مد. (إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا) قال
الطيبي: أي: أرى في نفسي ما لا أستطيع على شرائط الإمامة، وإيفاء حقها لما في
صدري من الوساوس، وقلة تحملي القرآن والفقه، فيكون وضع اليد على ظهره،
وصدره لإزالة ما يمنعه منها، وإثبات ما يقويه على احتمال ما يصلح لها من القرآن
والفقه. وقال النووي: قيل: يحتمل، أنه أراد الخوف من حصول شيء من الكبر،
والإعجاب له بتقدمه على الناس، فأذهبه الله تعالى ببركة كف رسول اللّه وَله
ودعائه، ويحتمل أنه أراد الوسوسة في الصلاة، فإنه كان موسوسًا، ولا يصلح
(١١٤٠) مُسْلِم (٤٦٨) عنه في الصَّلاة.
(*) مُسْلِم - بطوله - عنه فيها.