النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١٢٠ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللّهِ وَِّ فِي حُجْرَتِهِ،
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح)
وَالنَّاسُ يَأْتُمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ.
الشَّرْجُ
١١٢٠ - قوله: (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ) أي: التراويح، قاله القاري. (فِي
حُجْرَتِهِ) اختلف في تفسير الحجرة، فالأكثر على أن المراد بها: المكان الذي
اتخذه حجرة في المسجد من الحصير للاعتكاف في رمضان. وقيل: المراد
حجرته: بيته، فقد روى البخاري من حديث عبدة عن يحيى بن سعيد الأنصاري
عن عمرة عن عائشة، قالت: ((كان رسول اللَّه وَ له يصلي من الليل في حجرته
وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ◌َّ، فقام أناس يصلون
بصلاته ... )) الحديث. قال الحافظ: قوله: ((في حجرته)) ظاهره أن المراد: حجرة
بیته. ويدل عليه ذکر جدار الحجرة. وأوضح منه روایة حماد بن زيد عن يحيى بن
سعيد عند أبي نعيم بلفظ: ((كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه)). ويحتمل أن
المراد: الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، كما في الرواية التي
بعد هذه، يعني: ما رواه البخاري وغيره من حديث أبي سلمة عن عائشة، أن
النبي وَّ كان له حصير يبسطه بالنهار، ويحتجره بالليل، فثاب إليه أناس فصفوا.
قال الحافظ: غرض البخاري من إيراده: بيان أن الحجرة المذكورة في الرواية
التي قبل هذه كانت حصيرًا. وقال العيني: لعل مراده منه: بيان أن الحجرة
المذكورة في الحديث المذكور قبل هذا كانت حصيرًا، والأحاديث يفسر بعضها
بعضًا، وكل موضع حجر عليه فهو حجرة، انتهى. وفي حديث زيد بن ثابت الذي
رواه البخاري بعد رواية عائشة السابقة: ((أن رسول اللّه ◌َل اتخذ حجرة من حصير
في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل
يقعد ... )) الحديث. ولأحمد وأبي داود ومحمد بن نصر عن أبي سلمة عن
عائشة، أنها هي التي نصبت له الحصير على باب بيتها. قال الحافظ: فإما أن يحمل
(١١٢٠) أَبُو دَاوُد (١١٢٦) عَنْ عَائِشَةَ رَّهَا فِي أَبْوَابِ الجُمُعَةِ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِي (٧٢٩).
كِتّابُ الصَّلَاةِ
deaBa KE
بَابُ المُؤْقِفِ
٥٦١
على التعدد، أو على المجاز في الجدار وفي نسبته الحجرة إليها. وقال العيني بعد
ذكر حديث زيد بن ثابت: وجاء في رواية: ((احتجر بخصفة، أو حصير في
المسجد)). وفي رواية: ((صلى في حجرتي))، روته عمرة عن عائشة، وفي رواية:
((فأمرني فضربت له حصيرًا يصلي عليه)). ولعل هذه كانت في أحوال، انتهى.
قلت: الراجح عندي هو: الحمل على التعدد. (وَالنَّاسُ يَأْتُمُّونَ بِهِ) أي: يقتدون
به. (مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ) أي: خلفها، وفيه دليل على أن الحائل بين الإمام
والمؤتمين غير مانع من صحة الصلاة؛ لأن مقتضاه أنهم كانوا يقتدون به، وهو
داخل الحجرة، وهم خارجها، وقد بوب له أبو داود: باب الرجل يأتم بالإمام،
وبينهما جدار، وبوب البخاري على روايتي عمرة وأبي سلمة عن عائشة، وحديث
زيد بن ثابت: باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة، وذكر فيه قول
الحسن: لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر، وقول أبي مجلز لاحق بن حميد
التابعي المشهور: يأتم بالإمام وإن كان بينهما طريق أو جدار، إذا سمع تكبير
الامام. قال العيني: جواب إذا محذوف تقديره لا يضره ذلك، والمسألة فيها
خلاف، لكن ما في الباب يدل على أن ذلك جائز، وهو مذهب المالكية أيضًا، وهو
المنقول عن أنس وأبي هريرة وابن سيرين وسالم. وكان عروة يصلي بصلاة
الإِمام، وهو في دار بينها وبين المسجد طريق، وقال مالك: لا بأس أن يصلي وبينه
وبين الإمام نهر صغير أو طريق، وكذلك السفن المتقاربة، يكون الإمام في إحداها
تجزيهم الصلاة معه. وكره ذلك طائفة، وروي عن عمر بن الخطاب: إذا كان بينه
وبين الإمام طريق أو حائط أو نهر فليس هو معه. وكره الشعبي وإبراهيم أن يكون
بينهما طريق. وقال أبو حنيفة: لا يجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق،
وبه قال الليث والأوزاعي والأشهب، انتهى.
قلت: مذهب الحنفية، أنه إنما يجوز ذلك بثلاثة شروط: الأول: أن لا يلتبس
على المأموم حال الإمام، والثاني: أن لا يختلف المكان بينهما، والمسجد في
حكم مكان واحد، والثالث: وهو تتمة الثاني، أن لا يمنع التبعية في المكان.
وأجابوا عن الأحاديث المذكورة، بأنه لم يوجد فيها ما يخالف هذه الشروط؛ لأن
المسجد كله مكان واحد. وفي المكان الواحد عند حيلولة الجدار يكفي علم
انتقالات الإمام فقط ولو بمجرد صوته، وهو المفتى به، ولا يحتاج إلى المنافذ أو
٥٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
غيرها، واعتبروا في الصحراء تباعد قدر ثلاث صفوف إذ لم تتصل الصفوف، فإن
كان بينهما طريق، أو نهر تجري فيه السفينة منعوا مطلقًا، وعدوه كأنه مكان
مختلف، واستدلوا لذلك بأثر عمر، الذي ذكره العيني بلا سند.
وقال ابن حجر: ليس في الحديث دليل لما قاله عطاء وغيره، أن الشرط في
صحة القدوة بشخص علمه بانتقالاته لا غير، أما أولًا: فلأنه لو اكتفى بذلك، لبطل
السعي المأمور به، والدعاء إلى الجماعة، وكان كل أحد يصلي في بيته وسوقه
بصلاة الإمام في المسجد، وهو خلاف الكتاب والسنة، فاشترط اتحاد موقف
الإمام والمأموم على ما فصل في الفروع؛ لأنه من مقاصد الاقتداء اجتماع جمع في
مكان واحد عرفًا، كما عهد عليه الجماعات في العصور الخالية، ومبنى العبادات
على رعاية الاتباع. وأما ثانيا: فلأن المراد بالحجرة كما قالوه: المحل الذي
اتخذه ◌ُالَّ في المسجد من حصير حين أراد الاعتكاف. ويؤيده الخبر الصحيح،
أنه ظلَّلا اتخذ حجرة من حصير صلى ليالي فيها، انتهى. (رَوَاهُ أبو داود) في أواخر
أبواب الجمعة من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وهو حديث صحيح
سكت عنه أبو داود والمنذري، وقد أخرجه البخاري أيضًا بنحوه، كما تقدم.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ المُؤْقِفِ
٥٦٣
الفصل الثالث
١١٢١ - [١٠] عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّئُكُمْ بِصَلَاةِ
رَسُولِ اللّهِ بِ؟ قَالَ: أَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَفَّ الرِّجَالَ، وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ،
ثُمَّ صَلَّىٍ بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((هَكَذَا صَلَةُ)) - قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: لَا
أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ: ((أُمَّتِي)).
[رواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف }
الشَّرْخُ
١١٢١ - قوله: (أَلَا أُحَدِّثُكُمْ) يحتمل أن تكون ألا للتنبيه، وهو الظاهر.
ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام ولا للنفي. (قَالَ) أي: أبو مالك. (أَقَامَ) وفي
أبي داود: فأقام، وكذا في ((جامع الأصول)) (ج ٦ ص٣٩١) أي: أمر رسول اللَّه ◌َله
بإقامة الصلاة، أو أقامها بنفسه. (وَصَفَّ الرِّجَالَ) وفي أبو داود: فصف الرجال،
وكذلك نقله الجزري في ((جامع الأصول))، أي: صفهم رسول اللّه وَلَهُ صفًّا
مقدمًا، يقال: صففت القوم فاصطفوا. (وَصَفَّ خَلْفَهُمْ) أي: خلف الرجال.
(الْغِلْمَانَ) الصبيان والوِلْدَان، زاد أحمد في روايته: وصف النساء خلف الولدان.
(ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ) أي: بالرجال والغلمان. (فَذَكَرَ) أي: وَصْف الراوي أي:
أبو مالك، (صَلَاتِهِ) أي: كيفية صلاة رسول اللَّه ◌َله. وهذا قول أبو داود. اختصر
الحديث. وأخرجه أحمد في ((مسنده)) مطولًا (ج٥ ص٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣،
٣٤٤). (ثُمَّ قَالَ) أي: رسول اللَّه وَّل وهو عطف على محذوف، أي: قال
أبو مالك: قال رسول اللَّه وَّلهكيت وكيت، ثم قال: قال رسول اللَّه ◌َل: ((هكذا
صلاة أمتي)). (هَكَذَا) أي: مثل ما صليت لكم (صَلَاةُ) قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: أي:
الراوي عن قرة عن خالد عن بديل بن ميسرة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن
ابن غنم عن أبي مالك. وعبد الأعلى هذا هو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري
السامي بالمهملة من بني سامة بن لوي أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له:
(١١٢١) أَبُو دَاوُد (٦٧٧) عنه فيها.
٥٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
أبوهمام، ثقة. (لَا أَحْسَبُهُ) أي: شيخي قرة. (إِلَّا قَالَ: أُمَّتِي) أي: هكذا صلاة
أمتي. والمعنى: أنه ينبغي لهم أن يصلوا هكذا.
وفي رواية البيهقي: ثم قال: ((هكذا صلاة))، قال عبد الأعلى: لا أحسبه إلا
قال: صلاة النبي وَلّر. ولأحمد من طريق عبد الحميد بن بهرام الفزاري عن شهر بن
حوشب: فلما قضى، أي: أبو مالك صلاته أقبل إلى قومه بوجهه، فقال: احفظوا
تكبيري، وتعلموا ركوعي وسجودي، فإنها صلاة رسول اللَّه وَل، التي كان يصلي
لنا. والحديث يدل على ترتيب صفوف الرجال والصبيان والنساء، بأن تكون
صفوف الرجال مقدمة، ثم صفوف الصبيان، ثم صفوف النساء.
قال السبكي: هذا إذا كان الغلمان اثنين فصاعدًا، فإن كان صبي واحد دخل مع
الرجال، ولا ينفرد خلف الصف. ويدل على ذلك حديث أنس المتقدم في الفصل
الأول، فإن اليتيم لم يقف منفردًا بل صف مع أنس. وقال أحمد بن حنبل: يكره أن
يقوم الصبي مع الناس في المسجد خلف الإمام، إلا من قد احتلم وأنبت وبلغ
خمس عشرة سنة. وقد روي عن عمر بن الخطاب: أنه كان إذا رأى صبيًّا في الصف
أخرجه، وكذلك عن أبي وائل وزر بن حبيش. (رَوَاهُ أبو داود) وسكت عنه هو
والمنذري وأخرجه أحمد والبيهقي (ج٣ ص ٩٧) وفي سنده عندهم جميعًا شهر بن
حوشب، وفيه مقال.
٥٦٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمُؤْقِفِ
١١٢٢ - [١١] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي
الصَّفِّ الْمُقَدَّم، فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً، فَتَخَّانِي وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا
عَقَلْتُ صَلَاتِيَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِذَا هُو أَبِّيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا فَتَى لَا يَسُوءُلَ
اللَّهُ، إِنَّ هَذَا عَهْدٌ مِنَ النَّبِّ ◌َّهِ إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ أَسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: هَلَكَ
أَهْلُ الْعُقَدِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثَلَاثًّا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ آَسَى، وَلَكِنْ آَسَى
عَلَى مَنْ أَضَلُّوا، قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ مَا تَعْنِي بِأَهْلِ الْعُقَدِ؟ قَالَ: الْأُمَرَاءُ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١١٢٢ - قوله: (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضم العين المهملة وتخفيف الباء
الموحدة الضبعي أبي عبد الله البصري، ثقة من كبار التابعين، مخضرم، مات بعد
الثمانين، ووهم من عَدَّهُ في الصحابة، كذا في ((التقريب))، قدم المدينة في خلافة
عمر، وروى عنه وعن علي وأبي بن كعب وغيرهم، كان من كبار الصالحين، وثقه
ابن سعد والعجلي والنسائي وابن خراش، وذكره ابن مِخْنَفٍ عن شيوخه فيمن قتله
الحجاج ممن خرج مع ابن الأشعث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) من التابعين.
(بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ) النبوي. (فِي الصَّفِّ المُقَدَّمِ، فَجَبَذَنِي) قال الطيبي: مقلوب
جذبني، أي: جرني. (فَتَحَّانِي) بتشديد الحاء المهملة، أي: بعدني وأخرني عن
الصف المقدم. (وَقَامَ مَقَامِي) أي: مكاني. (فَوَ اللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي) أي: ما دريت
كيف أصلي؟ وكم صليت؟ لما فعل بي ما فعل، ولما حصل عندي بسبب تأخري
عن المكان الفاضل مع سبقي إليه، واستحقاقي له، فانتفاء العقل مسبب عما قبله،
والقسم معترض. (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي: ذلك الرجل الذي جبذني. (إِذَا هُوَ أَبَيُّ بْنُ
كَعْبٍ) من أكابر الصحابة، (فَقَالَ) أي: لي؛ إذ فهم مني التغير بسبب ما فعله معي،
تطييبًا لخاطري. (لَا يَسُؤَْكَ اللَّهُ) قال الطيبي: كان الظاهر لا يسؤك ما فعلت بك.
ولما كان ذلك من أمر اللَّه وأمر رسوله أسنده إلى الله مزيدًا للتسلية، انتهى.
(١١٢٢) النَّسَائِي (٨٨/٢) عنه فيها.
٥٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والظاهر: أن معناه: لا يحزنك اللَّه بي، وبسبب فعلي، من ساء الأمر فلانًا،
أي: أحزنه. ثم ذكر جملة مستأنفة مبينة لعلة ما فعل اعتذارًا إليه. (إِنَّ هَذَا) أي: ما
فعلت. (عَهْدٌ مِنْ النَّبِّ وَّهِ) أي: وصية، أو أمر منه يريد قوله: ((لِيَلِي مِنْكُمْ أُولُو
الأَحْلامِ وَالنُّهَى)). وفيه أن قيسًا لم يكن منهم، ولذلك نَخَّاهُ. (إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ) أي:
ومن يقوم مقامه من الأئمة. (ثُمَّ اسْتَقْبَلَ) أي : أُبَيّ. (هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ) بضم العين
وفتح القاف يعني: الأمراء، أي؛ لأن عليهم رعاية أمور المسلمين دنياهم
وأخراهم، حتى رعاية صفوفهم في الصلاة، ورعاية الموقف فيها. قال الجزري في
((النهاية)): يعني: أصحاب الولايات على الأمصار من عقد الألوية للأمراء، وروي
العقدة يريد البيعة المعقودة للولاة. (ثَلَاثًا) أي: قال مقوله ثلاثًا. (مَا عَلَيْهِمْ آَسَى)
بمد الهمزة آخره ألف، أي: ما أحزن من الأسى مفتوحًا ومقصورًا، وهو الحزن.
(وَلَكِنْ آَسَى عَلَى مَنْ أَضَلَّوا) قال الطيبي: أي: لا أحزن على هؤلاء الجورة، بل
أحزن على أتباعهم الذين أضلوهم. لعله قال ذلك؛ تعريضًا بأمراء عهده. (قُلْتُ)
هذا مقولة محمد بن عمر بن علي المقدمي شيخ النسائي.
(يَا أَبَا يَعْقُوبَ) وفي بعض النسخ: يا أبا يعقوب بكتابة الهمزة موافقًا لما في
النسائي. وهو كنية يوسف بن يعقوب السدوسي مولاهم السلعي البصري
الضبعي، وثقه أحمد. وقال أبوحاتم: صدوق صالح الحديث. وذكره ابن حبان في
((الثقات))، مات سنة إحدى ومائتين. (قَالَ: الأُمَرَاءُ) بالنصب على تقدير أعنى،
وبالرفع بتقدير: هم. قال ابن حجر: أي: الأمراء على الناس، لا سيما أهل
الأمصار، سموا بذلك؛ لجريان العادة بعقد الألوية لهم عند التولية، وَفِعْلُ أُبيّ هذا
مؤيد بما روي عن أنس، قال: كان رسول اللَّه وَ له يحب أن يليه المهاجرون
والأنصار؛ ليأخذوا عنه، أخرجه أحمد وابن ماجه، وبما روي عن سمرة مرفوعًا:
(لِيَقُمِ الأَعْرَابُ خَلْفَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ؛ لِيَقْتَدُوا بِهِمْ فِي الصَّلاةِ))، أخرجه
الطبراني في ((الكبير)) من حديث الحسن عن سمرة. قال البيهقي: وفيه سعيد بن
بشير، وقد اختلف في الاحتجاج به، وبما روي عن ابن عباس مرفوعًا: ((لاَ يَتَقَدَّمُ
فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ أَعْرَابِيٌّ، وَلَا عَجَمِيٌّ، وَلاَ غُلَامٌ لَمْ يَحْتَلِمْ)) ، وفي إسناده ليث بن أبي
سليم، وهو ضعيف. وفي هذه الأحاديث مشروعية تقديم أهل العلم والفضل؛
ليأخذوا عن الإمام ويأخذ عنهم غيرهم؛ لأنهم أمس بضبط صفة الصلاة،
٥٦٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمُؤْقِفِ
وحفظها، ونقلها، وتبليغها وتنبيه الإمام إذا احتيج إليه، والاستخلاف إذا احتيج
إليه. (رواه النسائي). وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص١٤٠) وابن خزيمة في
((صحيحه)). ولفظ أحمد: قال قيس بن عباد: أتيت المدينة لِلَّقْي أصحاب
محمد رَّة، ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلى من أبيّ، فأقيمت الصلاة، فخرج
عمر بن الخطاب مع أصحاب رسول اللّه وَسليل، فقمت في الصف الأول، فجاء رجل
فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري، فنحاني وقام في مكاني، فما عقلت صلاتي،
فلما صلى قال: يا بني، لا يسؤك الله، فإني لم آتك الذي أتيتك بجهالة، ولكن
رسول اللَّه وَ له قال لنا: ((كُونُوا فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِيني))، وإني نظرت في وجوه
القوم فعرفتهم غيرك، ثم حدث فما رأيت الرجال متحت أعناقها إلى شيء متوجهًا
إليه، قال: فسمعته يقول: هلك أهل العقدة ورب الكعبة، ألا لا عليهم آسى،
ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين، وإذا هو أبيّ.
BIONE
٥٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
٢٦ - بَابُ الْإِمَامَةِ
أي: أحكام الإمامة في الصلاة وصفة الأئمة، وهي مصدر أَمَّ القوم في
صلاتهم .
الفصل الأول
١١٢٣ - [١] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ
أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءَ، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ
كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءَ، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءَ، فَأَقْدَمُهُمْ
سِبًّا، وَلَا يَؤُمَّنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا
بِذْنِهِ».
[رواه مسلم]
- وفي رواية له: ((وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ)(*).
الشّرْجُ
١١٢٣ - قوله: (يَؤُمُّ الْقَوْمَ): صيغة خبر بمعنى الأمر، أي: ليؤمهم.
(أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ): اختلف في المراد منه: فقيل: أفقههم في القرآن، وأعلمهم
بمعانيه وأحكامه. وقيل: المراد: أحسنهم، وأجودهم قراءة للقرآن، وإن كان
أقلهم حفظًا. وقيل: هو على ظاهره، فالمراد به: أكثرهم حفظًا للقرآن، ويدل على
ذلك ما رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله رجال الصحيح عن عمرو بن سلمة:
انطلقت مع أبي إلى النبيِ وَّ بإسلام قومه، فكان فيما أوصانا: ((لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ
(١١٢٣) مُسْلِم (٢٩٠/ ٦٧٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٣٥) فِي الصَّلَاةِ عِن أبِي مَسْعُودٍ رَوَّهُ.
(*) مُسْلِم (٢٩١/ ٦٧٣) عَنْهُ فِيهَا.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٦٩
قُرْآنًا))، فكنت أكثرهم قرآنًا، فقدموني. وأخرجه أيضًا البخاري، وسيأتي في
الفصل الثالث.
قال القاري: بعد ذكر قول ابن الملك، أي: أحسنهم قراءة لكتاب الله،
والأظهر أن معناه: أكثرهم قراءة بمعنى: أحفظهم للقرآن، كما ورد أكثرهم قرآنًا،
انتهى. قلت: هذا هو الراجح عندي لحديث عمرو بن سلمة، والروايات يفسر
بعضها بعضًا. (فَإِنْ كَانُوا) أي: القوم. (فِي الْقِرَاءَةِ) أي: في العلم بها، أو في
حسنها، أو مقدارها على اختلاف الأقوال. (سَوَاءً) أي: مستوين. قال الشوكاني:
أي: استووا في القدر المعتبر من القراءة، إما في حسنها، أو في كثرتها وقلتها.
وفي رواية لمسلم: ((فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً)). (فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) قال الطيبي: أراد
بها الأحاديث. وقال السندي: حملوها على أحكام الصلاة. (فَإِنْ كَانُوا) أي: بعد
استوائهم في القراءة. (فِي السُّنَّةِ) أي: بالعلم بها.
(سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً) أي: انتقالًا من مكة إلى المدينة قبل الفتح، فمن هاجر
أولًا، فشرفه أكثر ممن هاجر بعده، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ
اٌلْفَتْحِ﴾ [الحديد: ١٠]، قاله القاري. وقيل: هذا شامل لمن تقدم هجرة، سواء ما كان في
زمنه وَ لّ، أو بعده كمن يهاجر من دار الكفار إلى دار الإسلام. وأما حديث ((لَا
هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْح)) فالمراد: من مكة إلى المدينة؛ لأنهما جميعًا صارا دار إسلام.
قال الشوكاني: الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره وَئلة
بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث، وقال به
الجمهور. وأما حديث: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْح)) فالمراد به: الهجرة من مكة إلى
المدينة، أو لا هجرة بعد الفتح. فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. وهذا لا بد منه
للجمع بين الأحاديث. (فَإِنْ كَانُوا) أي: بعد استوائهم فيما سبق من القراءة
والسنة. (فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقَدَمُهُمْ سِنَّا) وفي رواية: ((أَكْبَرُهُمْ سِنَّا))، أي: يقدم في
الإمامة من كبر سنه في الإسلام؛ لأن ذلك فضيلة يرجح بها. قلت: ويؤيده ما في
رواية لمسلم: ((فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا)): أي: إسلامًا، يعني: أن من تقدم إسلامه يقدم
على من تأخر إسلامه. والحديث دليل لمن قال: يقدم الأقرأ في الإمامة على
الأعلم. وإليه ذهب أحمد وأبويوسف وإسحاق.
٥٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: الأعلم مقدم على الأقرأ، قال العيني: اختلف
العلماء فيمن هو أولى بالإمامة: فقالت طائفة: الأفقه، وبه قال أبو حنيفة ومالك
والجمهور، وقال أبو يوسف وأحمد وإسحاق: الأقرأ، وهو قول ابن سيرين وبعض
الشافعية، قال العيني: وقال أصحابنا: أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة، أي:
بالفقه والأحكام الشرعية، إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصلاة، وهو قول
الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعي ومالك والشافعي. وقال السيد محمد
مرتضى الزبيدي الحنفي في ((شرح الإحياء)): قال أصحابنا: يقدم الأعلم، ثم
الأقرأ، وهو قول أبو حنيفة ومحمد، واختاره صاحب ((الهداية)) وغيره من أصحاب
المتون وعليه أكثر المشائخ. وقال أبويوسف: يقدم الأقرأ، ثم الأعلم واختاره
جمع من المشائخ، ومن الشافعية ابن المنذر، كما نقله النووى في ((المجموع))،
انتهى. واستدل الشافعي ومن وافقه، بأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط،
والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد تعرض في الصلاة أمور لا يقدر على
مراعاتها إلا كَامِلُ الفِقْهِ، فيقدم الأفقه على الأقرأ. قال البغوي: لأن الفقيه يعلم ما
يجب من القراءة في الصلاة؛ لأنه محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير
محصور، وقد يعرض للمصلي ما يفسد صلاته، وهو لا يعلم إذا لم يكن فقيهًا .
وقال صاحب ((الهداية)): القراءة يفتقر إليها لركن واحد، والعلم لسائر الأركان،
أي: فالأعلم أولى بالإمامة من الأقرأ. قلت: هذا كله تعليل في مقابلة النص، فلا
يلتفت إليه، بل يرد على قائله كائنًا من كان. واستدل لهم أيضًا بقوله بَّله: (مُرُوا أَبَا
بَكْرِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ))، وسيأتي في باب ((ما على المأموم من المتابعة))، فإن
تقديمه ◌َّله في مرض موته أبا بكر في الصلاة على غيره مع قوله: ((أقرؤكم أبيّ))
يدل على أنه يقدم الأعلم على الأقرأ؛ لكون أبا بكر أعلمهم. قال ابن الهمام:
أحسن ما يستدل به لمختار الجمهور حديث: ((مروا أبا بكر فَلْيُصَلَّ))، وكان ثَمَّ من
هو أقرأ منه لا أعلم. دليل الأول: قوله عليه السلام: ((أقرؤكم أبيّ)، ودليل الثاني:
قول أبي سعيد: كان أبوبكر أعلمنا، وهذا آخر الأمر من رسول اللّه وَ ل، فيكون
المعول عليه. وقال العيني: حديث أبي مسعود كان في أول الأمر، وحديث أبي
بكر في آخر الأمر، وقد تفقهوا في القرآن، وكان أبوبكر أعلمهم وأفقههم في كل
أمر، انتهى. قلت: قصة إمامة أبي بكر في مرض موته وقّل واقعة عين غير قابلة
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٧١
للعموم بخلاف حديث أبي مسعود، فإنه تقرير قاعدة كلية تفيد التعميم، فلا يصح
الاستدلال بقصة أبي بكر على تقديم الأعلم على الأقرأ بجعلها ناسخة لحديث أبي
مسعود، قال صاحب ((البذل)): قصة الإشارة إلى الاستخلاف، ربما تكون
مخصصة على أنها واقعة حال لا عموم لها، ومن ثم اختار جمع من المشائخ قول
أبي يوسف، انتهى.
وأجاب صاحب ((الهداية)) وغيره عن حديث أبي مسعود: بأنه خرج على ما كان
عليه حال الصحابة، من أن أقرأهم كان أعلمهم؛ لأنهم كانوا في ذلك الوقت
يتلقونه بأحكامه، فقدم في الحديث، ولا كذلك في زماننا، فقدمنا الأعلم. قال
الشافعي: المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره، كان أقرؤهم أفقههم، فإنهم
كانوا يسلمون كبارًا، ويتفقهون قبل أن يقرأوا، فلا يوجد قارىء منهم إلا وهو فقيه،
وقد يوجد الفقيه، وليس بقارئ. ورُدَّ هذا الجواب: بأنه لو كان المراد بالأقرأ في
قوله: ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ)) هو الأعلم لكان يلزم تكرار الأعلم في الحديث، ويكون
التقدير: يؤم القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم. وقال الأمير اليماني: ولا يخفى
أنه يبعد هذا الجواب قوله: ((فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة»، فإنه دلیل
على تقديم الأقرأ مطلقًا. والأقرأ على ما فسروه به هو: ((الأعلم بالسنة))، فلو أريد
به ذلك لكان القسمان قسمًا واحدًا. وقال الزبيدي: وأما تأويل المخالف للنص
أي: لحديث أبي مسعود بأن الأقرأ في ذلك الزمان كان الأفقه، فقد رد هذا التأويل
قوله عليه السلام: (فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ))، ولكن قد يجاب عنه بأن المراد ((بالأقرأ)) في
الخبر: الأفقه في القرآن، فقد استووا في فقهه، فإذا زاد أحدهم بفقه السنة فهو
أحق، فلا دلالة في الخبر على تقديم الأقرأ مطلقًا، بل على تقديم الأقرأ الأفقه في
القرآن على من دونه، ولا نزاع فيه.
قال العيني: المراد من قوله: ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ)) أي: أعلمهم، يعني: أعلمهم
بكتاب الله دون السنة، ومن قوله: ((أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ)) أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة
جميعًا، فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول، انتهى. قلت: قد سلف منا أن
الراجح في المراد من قوله: ((أَقْرَؤُهُمْ)) هو الأكثر حفظا للقرآن، وإن حمله على
الأفقه في القرآن، والأعلم بأحكامه ومعانيه خلاف الظاهر، فلا يلتفت إليه. وأما
حمل الحديث على الصحابة خاصة، فهو ادعاء محض على أنه يلزم من هذا
٥٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Heart
الجواب، أن من نص النبي وَليزر على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر،
فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر، كان لأنه الأفقه.
قال السندي: الحديث يفيد تقدم الأقرأ، وغالب الفقهاء على تقديم الأعلم،
ولهم عن هذا الحديث جوابان: النسخ بإمامة أبي بكر مع أن أقرأهم أبىّ، وكان
أبوبكر أعلمهم، كما قال أبوسعيد، ودعوى أن الحكم مخصوص بالصحابة،
وكان أقرأهم أعلمهم، لكونهم يأخذون القرآن بالمعاني، وبين الجوابين تناقض لا
يخفى، ولفظ الحديث يفيد عموم الحكم، انتهى. وقد ظهر بهذا التفصيل أن القول
الراجح المعول عليه هو: تقديم الأقرأ على الأعلم، وهذا إنما هو حيث يكون
الأقرأ عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلاً بذلك، فلا
يقدم اتفاقا. قال الزبيدي: والذي ذهب إليه أبويوسف من تقديم الأقرأ على الأعلم
رواية عن أبي حنيفة، ودليله قوي من حيث النص، فإنه فرق بين الفقيه والقارئ،
وأعطى الإمامة للقارئ ما لم يتساويا في القراءة، فإن تساويا لم يكن أحدهما بأولى
من الآخر، فوجب تقديم الأعلم بالسنة، وهو الأفقه، انتهى.
(وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ): برفع الأول ونصب الثاني. (فِي سُلْطَانِهِ) أي: في
محل سلطانه، وهو موضع يملكه الرجل، أو له فيه تسلط بالتصرف، كصاحب
المجلس وإمام المسجد، فإنه أحق من غيره، وإن كان أفقه؛ لئلا يؤدي ذلك إلى
التباغض، والخلاف الذي شرع الاجتماع لرفعه. قال الطيبي: أي: لا يؤم الرجل
الرجل في مظهر سلطنته ومحل ولايته، أو فيما يملكه، أو في محل يكون في
حكمه. ويعضد هذا التأويل الرواية الأخرى في أهله. وتحريره أن الجماعة
شرعت؛ لاجتماع المؤمنين على الطاعة، وتألفهم وتوادهم، فإذا أَمَّ الرَّجلُ الرَّجلَ
في سلطانه؛ أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة، وخلع ربقة الطاعة، وكذلك إذا
أمّه في أهله؛ أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع، وظهور الخلاف الذي شرع لرفعه
الاجتماع، فلا يتقدم الرجل على ذي السلطنة، لاسيما في الأعياد والجمعات،
وعلى إمام الحَيِّ ورَبِّ البيت إلا بالإذن، انتهى.
وقال النووي: معناه: أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من
غيره. قال ابن رسلان: لأنه موضع سلطنته، انتهى. قال الشوكاني: والظاهر أن
٥٧٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإمَامَةِ
المراد به: السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس، لا صاحب البيت ونحوه. ويدل
على ذلك ما في رواية أبي داود بلفظ: ((وَلَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ)).
وظاهره أن السلطان مقدم على غيره، وإن كان أكثر منه قرآنًا، وفقهًا، وورعًا،
وفضلاً، فيكون كالمخصص لما قبله، يعني: أن أول الحديث محمول على من
عدا الإمام الأعظم، ومن يجري مجراه، وقد ورد في صاحب البيت حديث
بخصوصه، بأنه الأحق، فقد أخرج الطبراني من حديث أبي مسعود قال: من السنة
أن يتقدم صاحب البيت. قال الحافظ: رجاله ثقات. وقال الهيثمي: رجاله رجال
الصحيح. وأخرج البزار والطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير)) من حديث عبد الله بن
حنظلة مرفوعا: ((الرَّجُلُ أَحَقُّ أَنْ يُؤَمُّ فِي بَيْتِهِ)). قال الهيثمي: فيه إسحاق بن يحيى
ابن طلحة، ضعفه أحمد وابن معين والبخاري، ووثقه يعقوب بن شيبة وابن حبان.
قال أصحاب الشافعي: ويتقدم السلطان، أو نائبه على صاحب البيت، وإمام
المسجد وغيرهما؛ لأن ولايته وسلطنته عامة، قالوا: ويستحب لصاحب البيت،
أن یأذن لمن هو أفضل منه.
(وَلَا يَقْعُدْ): بالجزم. وقيل: بالرفع أي: الرجل. (فِي بَيْتِهِ) أي: بيت الرجل
الآخر. (عَلَى تَكْرِمَتِهِ): بفتح التاء وكسر الراء، مصدر كرم تكريمًا، أطلق مجازًا
على ما يعد للرجل إكرامًا له في منزله من فراش وسجادة ونحوهما. قال في
النهاية: هو الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراش أو سرير مما يعد لإكرامه،
وهي تَفْعِلَة، من الكرامة. (إِلَّا بِإِذْنِهِ) قال ابن الملك: متعلق بجميع ما تقدم:
قلت: ورد ذلك في بعض روايات الحديث نَصَّا، فقد قال المجد ابن تيمية في
((المنتقى)): ورواه سعيد بن منصور، لكن قال فيه: ((لا يَؤُمَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ
إِلَّا بِإِذْنِهِ، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه))، انتهى. فالإِذن في الكل، وبه قال
أحمد والجمهور، وهو الحق. وقيل: يتعلق قوله: ((إِلَّا بِإِذْنِهِ)) بقوله: ((لَا يَقْعُدْ))
فقط، وبه قال إسحاق. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا، أحمد (ج ٤ ص١١٨، ١٢١ و
ج٥ ص٢٧٢) والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو داود الطيالسي وابن
الجارود والبيهقي (ج٣ ص٩٠، ١١٩، ١٢٥). وفي رواية له: ((وَلا يَؤُمَّ الرَّجُلُ
الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ)) وفي بعض النسخ من ((صحيح مسلم)): ((وَلَا تَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ فِي
أَهْلِهِ))، أي: بصيغة الخطاب. ويؤيده ما بعده، ((ولا في سلطانه، ولا تجلس على
تکرمته في بيته، إلا يأذن لك أو بإذنه)).
٥٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فائدة: قال الشاه ولي الله الدهلوي في ((حجة الله البالغة)): سبب تقديم الأقرأ؛
أنه وَ له حد للعلم حدًّا معلومًا، كما بينا، وكان أول ما هناك كتاب الله؛ لأنه أصل
العلم، وأيضًا، فإنه من شعائر الله، فوجب أن يقدم صاحبه وَيُنَوِّهُ بشأنه؛ ليكون
ذلك داعيًا إلى التنافس فيه، وليس كما يظن، أن السبب احتياج المصلى إلى القراءة
فقط، ولكن الأصل حملهم على المنافسة فيها، وإنما تدرك الفضائل بالمنافسة،
وسبب خصوص الصلاة باعتبار المنافسة احتياجها إلى القراءة، فليتدبر، ثم من
بعدها معرفة السنة؛ لأنها تِلْوُ الكتاب، وبها قيام الملة، وهي ميراث النبي ◌َّ فِي
قومه، ثم بعده اعتبرت الهجرة إلى النبي ◌ّة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام عَظّم
أمر الهجرة ورغَّبَ فيها، وَنوَّه بشأنها، وهذا من تمام الترغيب والتنوية، ثم زيادة
السن؛ إذ السنة الفاشية في الملل جميعها توقير الكبير، ولأنه أكثر تجربة وأعظم
حِلْمًا، وإنما نهى عن التقدم على ذي سلطان في سلطانه؛ لأنه يشق عليه، ويقدح
في سلطانه، فشرع ذلك إبقاء علیه، انتهى.
١١٢٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِذَا كَانُوا
ثَلَاثَةً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَ أَقْرَؤُهُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذُكَرَ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ فِي بَابٍ بَعْدَ بَابٍ: فَضْلِ الْأَذَانِ] (صحيح)
الشَّرْحُ
١١٢٤ - قوله: (إِذَا كَانُوا) أي: القوم. (ثَلَاثَةً) أي: واثنين، كما أفاده الخبر
السابق، أن الجماعة تحصل بهما، قاله القاري. وقال الشوكاني: مفهوم العدد هنا
غير معتبر لما في حديث مالك بن الحويرث: ((إذا حضرت الصلاة فَأَذِّنَا وأَقِيمًا،
وليؤمكما أكبركما)). أخرجه أحمد وغيره من أصحاب الكتب الستة، وقد تقدم.
(فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ) إشارة إلى جواز إمامة المفضول. (وَأَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَ أَقْرَؤُهُمْ) أي :
أكثرهم حفظًا للقرآن، فإن إمامته أفضل. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد
والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٨٩، ١١٩). وفي الباب عن أنس عند أحمد (ج٣
(١١٢٤) مُسْلِم (٦٧٢/٢٨٩)، وَالنَّسَائِي (٢/ ٧٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِيهَا.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
*cese
٥٧٥
ص ١٦٣) بلفظ: ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِلْقُرْآنِ)). قال الهيثمي: رجاله رجال
الصحيح، وعن أبي هريرة عند البزار بنحوه. قال الهيثمي: في سنده الحسن بن
علي النوفلي الهاشمي، وهوضعيف، وقد حسنه البزار، وعن ابن عمر عند
الطبراني بلفظ: ((مَنْ أَمَّ قَوْمًا وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنْهُ، لَمْ يَزَلْ فِي سَفَالٍ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). قال الهيثمي: فيه الهيثم بن عقاب. قال الأزدى: لا يعرف. وذكره
ابنَ حبان في ((الثقات)). (وَذَكَرَ): بصيغة المجهول. (حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ):
أي: في (المشكاة))، وكذا في (المصابيح)). والحديث هو قوله: قال رسولَ اللَّه
وَهِ: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ
لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)) يعني: سنًّا، وذلك لاستوائهم في وجوه التقديم من القراءة
والعلم، ففي رواية لأبي داود: وكنا يومئذٍ متقاربين في العلم.
(فِي بَابٍ بَعْدَ بَابٍ: فَضْلِ الْأَذَانِ) أيٍ: فراجعه هناك. والمقصود: أن حديث
مالك بن الَّحويرث هذا ذكره البغوي أولًا: في باب بعد باب فضل الأذان، وذكره
صاحب ((المشكاة)) أيضًا هناك تبعا للبغوي، لكون صدره في الأذان، ثم ذكره هاهنا
في آخر الفصل الأول؛ لكون عجز الحديث متعلقًا بباب الإمامة، ولما كان في
ذكره هنا تكرار حذفه صاحب ((المشكاة))، وأحال على الباب المذكور. وقال
القاري: حديث مالك بن الحويرث فيه تفضيل الإمامة، فهو بباب الإمامة أولى،
فلا معنى لتغيير التصنيف مع وجود الوجه الأدنى، فضلًا عن الأعلى، ثم يحتاج
إلى الاعتذار المشير إلى الاعتراض، لا يقال: صدر الحديث في الأذان؛ لأن
تقديمه لتقدمه في الوجود، ومنه تقدم بلال على النبي وقّ في دخول الجنة، تقدم
الخادم على المخدوم. ففيه إيماء إلى فضيلة الإمامة، وكذلك الحديث الآتي
قريبًا، فالحاصل: أن حديث مالك بن الحويرث كان في ((المصابيح)) هنا في آخر
الفصل الأول، ونقله صاحب ((المشكاة)) فذكره في باب بعد باب فضل الأذان،
انتهى. قلت: قد وهم القاري في فهم غرض صاحب ((المشكاة)) كما لا يخفى، ولو
راجع ((المصابيح)) لم يقع في هذا الوهم، وقد وهم أيضًا في تعيين الحديث حيث
قال: والحديث هو: قال: أتيت النبي ◌َّل أنا وابن عم لي، فقال: ((إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا
وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا)) مع أنه غير مذكور في ((المصابيح)) في باب الإمامة.
واعلم أن هذا كله مبني على أن الحديث المذكور هنا في ((المصابيح)) بغير تسمية
الصحابي: لمالك بن الحويرث كما قال المصنف.
٥٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وعندي فيه كلام؛ لأن الحديث الذي أورده البغوي هنا هو بلفظ: ((إِذَا حَضَرَتِ
الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا)). وحديث مالك بن الحويرث
الذي ذكرناه إنما هو بلفظ: ((وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)). وهذا هو الذي ذكره البغوي في
((المصابيح)) والمصنف في ((المشكاة)) في باب هو بعد باب فضل الأذان. ولا يخفى
ما بين اللفظين من الفرق البين. والظاهر أن الحديث المذكور في ((المصابيح))
هنا، أي: في باب الإمامة بلفظ: ((وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا))، إنما هو لعمرو بن
سلمة الجرمي، رواه البخاري في حديث طويل في غزوة الفتح في باب بعد باب
مقام النبي ◌َّ بمكة. وذكره البغوي هاهنا؛ لإثبات جواز إمامة الصبي المميز.
وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث مطولًا، كما سيأتي.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٧٧
الفصل الثاني
١١٢٥ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ
ے
خِيَارُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ)).
[رَواهُ أَبُو دَاوِدَ] {ضعيف}
الشَّرُْ
١١٢٥ - قوله: (لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ) أمر استحباب. (خِيَارَكُمْ) أي: الذين يحتاطون
في أمر الأوقات، وفي أمر الحرم والعورات، فإنهم يشرفون على المنارات
العالية، قاله السندي. وقال القاري: أي: من هو أكثر صلاحًا؛ ليحفظ نظره عن
العورات، ويبالغ في محافظة الأوقات. قال الجوهري: الخيار: خلاف الأشرار،
والخيار الاسم من الاختيار، وإنما كانوا خيارًا لما ورد أنهم أمناء؛ لأن أمر الصائم
من الإفطار، والأكل والشرب والمباشرة منوط إليهم، وكذا أمر المصلي؛ لحفظ
أوقات الصلاة يتعلق بهم، فهم بهذا الاعتبار مختارون، ذكره الطيبي. (وَلْيَؤُمَّكُمْ)
بسکون اللام وتكسر.
(قُرَّاؤُكُمْ) بضم القاف وتشديد الراء، جمع قارئ. كذا وقع في جميع النسخ،
وهكذا في ((المصابيح)) و(سنن أبي داود)) و((ابن ماجه)). ونقله الجزري في ((جامع
الأصول)) (ج٦ ص٣٧٧) عن أبي داود بلفظ: ((وَلْيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ))، وكذلك رواه
البيهقي (ج١ ص٤٢٦). وفيه دليل على تقديم الأقرأ في الإمامة على الأفقه. قال
السندي: ظاهر الحديث: أن الأقرأ أحق بالإمامة من الأعلم. وقال القاري: وكلما
يكون أقرأ فهو أفضل إذا كان عالمًا بمسائل الصلاة، فإن أفضل الأذكار، وأطولها،
وأصعبها في الصلاة، إنما هو القراءة. وفيه تعظيم لكلام الله، وتقديم قارئه، وإشارة
إلى عُلُوِّ مرتبته في الدارين، كما كان يَّر يأمر بتقديم الأقرأ في الدفن، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه والبيهقي، وسكت عنه أبو داود. وقال
(١١٢٥) أَبُو دَاوُد (٥٩٠)، وَابن مَاجَهْ (٧٢٦) فِي الصَّلاةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ
٥٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
eese
المنذري: في سنده الحسين بن عيسى الحنفي الكوفي، وقد تكلم فيه أبو حاتم وأبو
زرعة الرازيان، وقد ذكر الدارقطني، أن حسين بن عيسى تفرد بهذا الحديث عن
الحكم بن أبان، انتهى. قلت: الحسين بن عيسى هذا قال البخاري: مجهول،
وحديثه منكر. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبوحاتم: ليس بالقوي، روى
عن الحكم بن أبان أحاديث منكرة. وقال الآجري عن أبي داود: بلغني أنه ضعيف.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف.
١١٢٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ
يَأْتِينَا إِلَى مُصَلَّانَا يَتَحَدَّثُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًّا، قَالَ أَبُو عَطِيَّةَ: فَقُلْنَا لَّهَ:
تَقَدَّمْ فَصَلَّهْ، قَالَ لَنَا: قَدِّمُوا رَجُلًا مِنْكُمْ يُصَلِّي بِكُمْ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ لِمَ لَا أُصَلِّي
بِكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ لَ يَقُولُ: ((مَنْ زَارَ قَوْمًّا فَلاَ يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلّ
0 و ٥
[رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ والتِّْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ النَّبِيِّ عَّه] (صحيح)
مِنْھُمْ)).
الشَّرْحُ
١١٢٦ - قوله: (عَنْ أَبِي عَطِيَّةً): بفتح العين وكسر الطاء وتشديد التحتية.
(الْعُقَيْلِيِّ): بضم العين المهملة، أي: مولاهم، فهي نسبة الولاء كما يدل عليه
بعض روايات هذا الحديث. ففي رواية لأحمد (ج٣ ص ٤٣٧ وج٥ ص٥٣) عن
بديل بن ميسرة العقيلي قال: حدثني أبوعطية مولى منا، وكذا عند أبي داود.
وللنسائي وأحمد في رواية (ج٥ ص٥٣) مولى لنا. قال الذهبي في ((الميزان)):
أبوعطية عن مالك بن الحويرث، لا يدرى من هو؟، وقال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)» (ج.١٢ ص ١٧٠): أبوعطية مولى بني عقيل، روى عن مالك بن
الحويرث حديث: ((مَنْ زَارَ قَوْمًا ... )) إلخ، وعنه بديل بن ميسرة، قال أبوحاتم: لا
يعرف ولا يسمى. وقال ابن المديني: لا يعرفونه. وقال أبو الحسن القطان:
مجهول. وصحح ابن خزيمة حديثه. وقال في ((التقريب)): مقبول. (يَأْتِينَا إِلَى
مُصَلَّانَا) أي: مسجدنا في البصرة. (يَتَحَدَّثُ) وفي بعض النسخ: نتحدث، أي:
(١١٢٦) أَبُو دَاوُد (٥٩٦)، والترمذي (٣٥٦)، والنَّسَائِي (٢/ ٨٠) عَنْ مَالِك بْنِ الحُوَيْرِثِ فِيهَا.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٧٩
بالنون في أوله بصيغة المتكلم. (تَقَدَّمْ) أي: للإمامة. (فَصَلَّهْ) الهاء للسكتة.
(يُصَلِّي بِكُمْ) أي: يؤمكم في الصلاة. (وَسَأَحَدَّثُكُمْ لِمَ لَا أَصَلِّي بِكُمْ) أي: مع أني
أحق بالإمامة منكم، وذلك لكونه صحابيًّا عالمًا .
(مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ) فإنه أحق من الزائر. وامتنع مالك
من الإمامة مع وجود الإذن منهم عملًا بظاهر الحديث، ثم أنه حدثهم بعد
الصلاة. فالسين للاستقبال، وإلا فلمجرد التأكيد. والحديث دليل على أن المزور
أحق بالإمامة من الزائر، وإن كان أقرأ، أو أعلم من المزور. قال الترمذي بعد
رواية الحديث: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وَ ل
وغيرهم، وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر. وقال بعض أهل العلم:
إذا أذن له، فلا بأس أن يصلي به. وقال إسحاق بحديث مالك بن الحويرث: وشدد
في أن لا يصلي أحد لصاحب المنزل، وإن أذن له صاحب المنزل، قال: وكذلك
في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم، يقول: لِيُصَلِّ بهم رجل منهم،
انتهى كلام الترمذي. وقد حكى المجد بن تيمية في ((المنتقى)) بعد ذكر الحديث
عن أكثر أهل العلم: أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان، واستدل بقوله مَله
في حديث أبي مسعود ((يعني: المتقدم)) إلا بإذنه، قال: ويعضده عموم ما روى ابن
عمر أن النبي ◌َّ قال: ((ثَلاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ،
وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ ... )) الحديث. رواه الترمذي، وعن أبي
هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((لَا يَحِلَّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إِلَّا
بِإِذْنِهِمْ .. )) الحديث. رواه أبو داود، انتهى. قلت: الراجح عندنا هو: قول من
قال: إن المزور إذا أذن للزائر، فلا بأس أن يصلي به. ومعنى قوله ◌َّ في حديث
مالك بن الحويرث: ((مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ)، أي: إلا أن يأذنوا له. يدل عليه
حديث أبي مسعود عند سعيد بن منصور، وقد تقدم. ويعضد ما ذكرنا من التقييد
بالإِذن عموم قوله في حديث ابن عمر: ((وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ))، وقوله في حديث أبي
هريرة: ((إِلَّا بِإِذْنِهِمْ))، كما قال ابن تيمية: فإنه يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضى
المأزور، وإذنه، وقيل: حديث مالك بن الحويرث محمول على من عدا الإمام
الأعظم، فإذا حضر الإمام الأعظم، أو من يجري مجراه بمكان مملوك لا يتقدم
عليه مالك الدار، ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له ليجمع بين الحقين: حق الإمام