النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الطيبي: قد تقرر أن اتحاد الفاعل والمفعول إنما يسوغ في أفعال القلوب
وأنها من داخل المبتدأ والخبر، والمفعول الثاني الذي هو بمنزلة الخبر محذوف
هاهنا، وسد قوله: (وَمَا يَتَخَلَّقُ عَنِ الصَّلَاةِ) أي: بالجماعة من غير عذر وهو حال
مسده وتبعه ابن حجر، لكن في كون اتحاد الفاعل والمفعول هاهنا بحث، إذ
المراد بالفاعل المتكلم وحده وبالمفعول هو وغيره، قاله القاري.
(إِلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ) فيه حجة لمن خص التواعد بالتحريق بالنار المتقدم في
حديث أبي هريرة بالمنافقين المبطنين للكفر المظهرين للإسلام، وتقدم هناك أن
الحافظ حمله على المنافقين نفاق المعصية لا نفاق الكفر. قال الشمني: ليس
المراد بالنفاق هاهنا من يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وإلا لكانت الجماعة فريضة؛
لأن من يبطن الكفر كافر ولكان آخر الكلام مناقضًا لأوله، وفيه: أن مراده أن
النفاق سبب التخلف لا عكسه، وأن الجماعة واجبة على الصحيح لا فريضة؛
للدليل الظني وأن المناقضة غير ظاهرة، قاله القاري.
(إِنْ كَانَ) إن مخففة من الثقيلة. (الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنٍ) أي: يتوكأ
عليهما لشدة ما به من قوة المرض وضعف البدن.
(وَقَالَ) أي: ابن مسعود. (عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى) روي بضم السين وفتحها حكاهما
القاضي وهما بمعنى متقارب، أي: طرائق الهدى والصواب، ولم يرد السنة
المتعارفة بين الفقهاء. (وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلَاةَ) أي: بالجماعة كما هو صريح
السياق. (فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذِّنُ فِيهِ) لإمام معين أو غير معين. (مُسْلِمًا) أي:
كاملاً. (حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ) أي: في المساجد مع الجماعات. (وَإِنَّهُنَّ) أي:
الصلوات الخمس بالجماعة. (وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) يعني: ولو جماعة.
(كَمَا يُصَلِّ هَذَا الْمُتَخَلَّفُّ) قال الطيبي: تحقير للمتخلف وتبعيد عن مظان الزلفى،
كما أن اسم الإشارة في قوله الآتي: ((هذه المساجد)) ملوح على تعظيمها وبعد
مرتبتها في الرفعة. (وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ) قال الطيبي: يدل على أن المراد
بالسنة العزيمة .
= الآخرين الذين حكمت فيهم بأنه ما كان يتخلف عن الصلاة بالجماعة إلا منافق قد علم نفاقه، وبان
ذلك منه وظهر)).
***
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٨١
قال ابن الهمام: وتسميتها سنة على ما في حديث ابن مسعود لا حجة فيه
للقائلين بالنسبة؛ إذ لا تنافي الوجوب في خصوص ذلك الإطلاق؛ لأن سنن الهدى
أعم من الواجب لغة كصلاة العيد، انتهى. وقد يقال لهذا الواجب: سنة؛ لكونه
ثبت بالسنة أي الحديث، وقوله: ((لَضَلَلْتُمْ)) يعطي الوجوب ظاهرًا. وفي رواية
أبي داود: ((لكفرتم)) وهو على التغليظ أو على الترك تهاونًا وقلة مبالاة وعدم
اعتقادها حقًّا، أو لفعلتم فعل الكفرة. وقال الخطابي: معناه: أنه يؤديكم إلى الكفر
بأن تتركوا عرى الإسلام شيئًا فشيئًا حتى تخرجوا من الملة، انتهى.
(فَيُحْسِنُ الطَّهُورَ) بضم الطاء أي يأتي بواجباته ومكملاته. (ثُمَّ يَعْمِدُ) بكسر
الميم أي يقصد ويتوجه. (مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ) أي: مساجد المسلمين. (بِكُلِّ
خَطْوَةٍ) بفتح الخاء أو ضمها. (وَحَطَّ) أي: وضع ومحا. (وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا) أي:
عن صلاة الجماعة في المسجد. (مَعْلُومُ النِّفَاقِ) وفي رواية أبي داود: ((بيِّن النفاق))
أي: ظاهره.
(وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ) أي: المريض. (يُؤْتَى بِهِ) إلى الصلاة. (يُهَادَى بَيْنَ
الرَّجُلَيْنِ) على بناء المفعول أي: يؤخذ من جانبيه فيُمشى به إلى المسجد من ضعفه
وتمايله. وقال النووي: أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما. (حَتَّى
يُقَامَ فِي الصَّفّ) قال النووي: في هذا كله تأكيد أمر الجماعة وتحمل المشقة في
حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها،
انتهى. قال الشوكاني: والأثر استدل به على وجوب صلاة الجماعة. وفيه: أنه
قول صحابي ليس فيه إلا حكاية المواظبة على الجماعة وعدم التخلف عنها، ولا
يستدل بمثل ذلك على الوجوب، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي
مختصرًا ومطولًا .
٤٨٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وَخَّرِ قَالَ: ((لَوْلًا مَا فِي
١٠٨٠ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ
الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّرِّيَّةِ، أَقَمْتُ صَلَةَ الْعِشَاءِ، وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحَرِّقُونَ مَا
فِي الْبُيُوتِ بِالنَّارِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٠٨٠ - قوله: (لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّرِّيَّةِ) أي: الصغار. وفي
معناهما أصحاب الأعذار. قال الطيبي: من بيان لما عدل من ((مَنْ)) إلى ((مَا))، إما
لإرادة الوصفية وبيان أن النساء والذرية بمنزلة ما لا يعقل، وأنه مما لا يلزمه حضور
الجماعة، وإما لأن البيوت محتوية على الأمتعة والأثاث، فخصتا بالذكر للاعتناء
بشأنهما، و((ما) تستعمل عامًّا في ما يعقل وما لا يعقل. (أَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ) أي:
أمرت باقامة صلاة العشاء الآخرة للجماعة، وتخصيصها لكثرة تخلف المتخلفين
فيها. (وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي) بكسر الفاء جمع فتى أي غلماني وخدمي. وقيل: أي:
أقوياء أصحابي. (يُحَرِّقُونَ) بالتشديد ويخفف. (مَا فِي الْبُيُوتِ) فيه تغليب غير ذوي
العقول أو تنزيلهم منزلتهم فإنهم لو كانوا من ذوي العقول لما تخلفوا. (بِالنَّارِ) فيه
تأكيد ووعيد وتهديد. وفيه بيان سبب ترك ما هم به وَّجله من تحريق المتخلفين
وبيوتهم. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص٤٢): في إسناده
أبو معشر وهو ضعيف. قلتُ: أبو معشر هذا اسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي
المدني مولى بني هاشم مشهور بكنيته من رواة الأربعة. قال في ((التقريب)):
ضعيف أسن واختلط، مات سنة سبعين ومائة، انتهى. وضعفه أيضًا ابن معين
ويحيى بن سعيد القطان وأبو داود والنسائي وابن المديني والدار قطني وابن سعد.
وقال البخاري وغيره: منكر الحديث. وقال الترمذي: قد تكلم بعض أهل العلم من
قبل حفظه. قال محمد: لا أروي عنه شيئًا. وقد روى عنه الناس .
قلتُ: ومع ضعفه يكتب حديثه في الرقاق والتفسير والتاريخ والقصص. قال
الأثرم عن أحمد: حديثه عندي مضطرب لا يقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر
(١٠٨٠) أَحْمَد (٣٦٧/٢) عن أبي هريرة.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٨٣
به. وقال أبو حاتم: كان أحمد يرضاه ويقول: كان بصيرًا بالمغازي قال: وقد كنت
أهاب حديثه حتی رأیت أحمد یحدث عن رجل عنه فتوسعت بعد فیه. قيل له: فهو
ثقة؟ قال: صالح لين الحديث محله الصدق. قيل: أعدل الأقوال فيه أنه صدوق
في الحديث، وأن ضعفه من قِبَلٍ حفظه، وقد تأيد حديثه هذا بما تقدم من حديث
أبي هريرة في الفصل الأول.
١٠٨١ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولَ اللهِ وَِّيهِ: ((إِذَا كُنْتُمْ فِي
الْمَسْجِدِ، فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّيَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {حسن}
الشَّرْجُ
١٠٨١ - قوله: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ) قال الطيبي: المأمور به محذوف
وقوله: (إِذَا كُنْتُمْ ... ) إلخ مقول للقول، وهو حال بيان للمحذوف، والمعنى: أمرنا
أن لا نخرج من المسجد إذا كنا فيه وسمعنا الأذان حتى نصلي قائلًا: ((إذا كنتم ... ))
إلخ. وقال ابن حجر: أي: أمرنا رسول اللَّه ◌َلال أن لا نخرج من المسجد بعد سماع
أذانه. لكن ليس بصيغة أمر بل بما يدل عليه، وهو قوله: ((إذا كنتم ... )) إلخ.
والحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد بعد ما أذن فيه، لكنه
مخصوص بمن ليس له ضرورة، يدل عليه حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره أن
رسول اللّه وَله خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلنا الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه
انتظرنا أن يكبر انصرف قال: ((على مكانكم)) فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا
ينطف رأسه ماء وقد اغتسل. ففيه دليل على أن النهي عن الخروج عن المسجد بعد
الأذان مخصوص بمن ليس له ضرورة، فيلتحق بالجنب المحدث والراعف
والحاقن ونحوهم، وكذا من كان إمامًا لمسجد آخر ومن في معناه.
قال ابن رسلان في ((شرح السنن)): الخروج مكروه عند عامة أهل العلم إذا كان
لغير عذر من طهارة أو نحوها، وإلا جاز بلا كراهة، انتهى.
(١٠٨١) أَحْمَد (٢/ ٥٣٧) عن أبي هريرة.
PRE
٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلتُ: ويدل على جواز الخروج لحاجة حديث عثمان الآتي، وحديث سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة عند الطبراني في ((الأوسط)) قال: قال رسول اللَّه وَةٍ: ((لا
يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق)). قال
الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقال المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) من طريق شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن أبي هريرة،
وزاد في أوله من طريق المسعودي وشريك، قال أي: أبو الشعثاء: خرج رجل بعد
ما أذن المؤذن فقال - أي: أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم وَّر. ثم قال -
أي أبو هريرة: أمرنا رسول اللّه وَله ... إلخ. قال الهيثمي: رجاله رجال
الصحيح. وقال المنذري: إسناده صحيح. ورواه مسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي وابن ماجه دون قوله: أمرنا رسول اللّه وَله ... إلخ، انتهى. يعني به:
الحديث الذي ذكره المصنف بعد هذا.
١٠٨٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي الشَّعْتَاءِ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَمَا
أُذِّنَ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ اَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٠٨٢ - قوله: (عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ) اسمه سليم بن أسود بن حنظلة المحاربي
الكوفي، ثقة باتفاق من كبار أوساط التابعين، مات في زمن الحجاج، وأرخه ابن
قانع سنة ثلاث وثمانين. (أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ نَّ) كأنه علم أن خروجه
ليس لضرورة تبيح له الخروج كحاجة الوضوء مثلاً. قال الطيبي: أما للتفصيل
يقتضي شيئين فصاعدًا، والمعنى أما من ثبت في المسجد وأقام الصلاة فيه فقد
أطاع أبا القاسم وَلَّ، وأما هذا فقد عصى، انتهى.
وفيه دليل على تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان وهو محمول على من
(١٠٨٢) مُسْلِم (٦٥٥) عنه في الصَّلاة.
٤٨۵
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
خرج بغيرِ ضرورة كما تقدم. قال القرطبي: هذا محمول على أنه حديث مرفوع إلى
رسول اللَّه ◌َله بدليل نسبته إليه وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد
بعد الأذان، فأطلق لفظ المعصية عليه، انتهى.
قلتُ: حديث مسلم هذا أخرجه أحمد من طريق المسعودي وشريك كلاهما عن
أشعث عن أبي الشعثاء بنحوه، وزاد في آخره ما نصه قال: وفي حديث شريك ثم
قال: أمرنا رسول اللَّه وَّل: ((إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم
حتى يصلي)). وهو الحديث السابق. ففي هذه الرواية التصريح برفع الحديث إلى
النبي ◌َّل، وكذا ورد التصريح برفعه عند الطبراني من طريق سعيد بن المسيب عن
أبي هريرة كما تقدم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقى .
واعلم أن قول الصحابي: من فعل كذا فقد عصى الرسول، مما اختلف في أنه
مرفوع أو موقوف. والصحيح الراجح: أنه مرفوع.
قال المنذري في ((مختصر السنن)): ذكر بعضهم أن هذا - يعني: حديث أبي
هريرة - موقوف، وذكر أبو عمر النمري ابن عبد البر: أنه مسند عندهم. وقال: لا
يختلفون في هذا وذاك أنهما مسندان مرفوعان - يعني: هذا، وقول أبي هريرة: من
لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله - انتھی.
وقال الحافظ في ((شرح النخبة)): ومن ذلك - أي: من قبيل المرفوع الحكمي -
أن يحكم الصحابي على فعل من الأفعال بأنه طاعة لله ولرسوله أو معصيته كقول
عمار: ومن صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم.
قال السيوطي في ((التدريب)) (ص٦٤) بعد ذكره: وجزم بذلك أيضًا الزركشي في
((مختصره)) نقلًا عن ابن عبد البر وأما البلقيني فقال: الأقرب أن هذا ليس بمرفوع
لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد، وسبقه إلى ذلك أبو القاسم
الجوهري، نقله عنه ابن عبد البر ورده علیه، انتهى.
٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٠٨٣ - [٢٥] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفْانَ رَوَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ.
(مَنْ أَدْرَكَهُ الْأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لَا
يُرِيدُالرَّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف جدًّا}
الشَّرْحُ
١٠٨٣ - قوله: (لَمْ يَخْرُجْ) أي: والحال أنه لم يخرج. (لِحَاجَةٍ وَهُوَ) أي:
والحال أنه. (لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ) بفتح الراء وسكون الجيم أي الرجوع. (فَهُوَ مُنَافِقٌ)
جواب أو خبر ((مَنْ)) أي: عاص، أو فهو في ترك الجماعة كالمنافق أو فاعل فعل
المنافق، إذ المؤمن صدقًا ليس من شأنه ذلك. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وفيه عبد الجبار بن
عمر الأيلي الأموي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهما ضعيفان مترو كان،
لكن له شاهد قوي من حديث أبي هريرة عند الطبراني في ((الأوسط))، وقد ذكرنا
لفظه، ويشهد له أيضًا ما روى أبو داود في ((مراسيله)) والبيهقي (ج ٣: ص٥٦) عن
سعيد بن المسيب أن النبي وَالر قال: ((لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء إلا منافق
إلا لعذر أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع)). ومراسيل سعيد بن المسيب قال أحمد:
صحاح لا نرى أصح من مرسلاته. وقال الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا
حسن، وحديث عثمان هذا أخرجه أيضًا ابن سنجر والزيدوني في أحكامه وابن سيد
الناس في ((شرح الترمذي)) قاله الشوكاني.
١٠٨٤ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((مَنْ سَمِعَ
النِّدَاءَ، فَلَمْ يُحِبْهُ فَلاَ صَلَةً لَهُ إِلَّ مِنْ عُذْرٍ)).
[رَوَاهُ الدَّارُقُطْنِي] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٠٨٤ - قوله: (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ) أي: وعليه ما نودي لها من الصلاة وإلا فلو
(١٠٨٣) ابن مَاجَهْ (٧٣٤) عنه في الصَّلاة.
(١٠٨٤) الدَّارَ قُطْني (٤٢٠/١). قلتُ: وابن حبان (٢٠٦٤) عنه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٨٧
BASE
صلاها قبل لم يلزم المجيء. (فَلَمْ يُحِبْهُ) أي: النداء بالفعل يعني: فلم يحضر
المسجد. وفي رواية ابن ماجه: ((فَلَمْ يَأْتِهِ))، أي: محل النداء لأداء تلك الصلاة
التي نودي لها. (فَلَا صَلَاةَ لَهُ) أي: فليس له تلك الصلاة لو صلاها في غير محل
النداء، وإنما أتى بنفي الجنس للدلالة على عموم الحكم لكل صلاة ترك فيها إجابة
الأذان، وإلا فليس المراد أنه بطلت صلاته كلها بترك الإجابة مرة. وظاهر
الحديث: أن الجماعة في المسجد الذي سمع نداءه فرض لصحة الصلاة، حتى لو
تركها بطلت صلاته، وهو خلاف ما عليه الجمهور، فلا بد لهم من حمل الحديث
على نقصان تلك الصلاة، أي: فلا صلاة له كاملة، فنزل نفي الكمال منزلة نفي
الذات مبالغة، أو المراد: فلا صلاة مقبولة. (إِلّا مِنْ عُذْرٍ) قال القاري: استثناء من
عدم الإجابة .
(رَوَاهُ الدَّارُقُطْنِي) وأخرجه أيضًا بقي بن مخلد وابن ماجه وابن حبان والحاكم
والبيهقي كلهم من طريق هشيم عن شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس. قال الحاكم: صحيح على شرطهما. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)):
إسناده على شرط مسلم، لكن رجح بعضهم وقفه. وقال في ((التلخيص))
(ص١٢٣): إسناده صحيح لكن قال الحاكم: وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة، ثم
أخرج له شواهد، منها: عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وهو من طريق أبي بكر بن عياش
عن أبي حصين عن أبي بردة عن أبيه بلفظ: ((من سمع النداء فارغًا صحيحًا فلم
يجب فلا صلاة له)). ورواه البزار من طريق قيس بن الربيع عن أبي حصين أيضًا،
ورواه من طريق سماك عن أبي بردة عن أبيه موقوفًا. وقال البيهقي: الموقوف
أصح، انتھی.
ونقل الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) حديث أبي موسى عن الطبراني في ((الكبير))
بلفظ: من سمع النداء فلم يجب من غير ضرر ولا عذر فلا صلاة له. قال: وفيه
قيس بن الربيع وثقه شعبة وسفيان الثوري، وضعفه جماعة، انتهى. وقد ظهر بهذا
أن إسناد حديث ابن عباس هذا أمثل مما تقدم من روايته في الفصل الثاني.
٤٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ikE
١٠٨٥ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُوم قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ
الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ، وَأَنَا ضَرِيْرِ البَصَرُ، فَّهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ؟
قَالَ: ((هل تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
(فَحَيَّ هَلَا)) وَلَمْ يُرَخِّصْ [لَهُ](*) .
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٠٨٥ - قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُوم) القرشي العامري الأعمى الصحابي
المشهور، مؤذن النبي وَالّ، المعروف بابن أم مكتوم. اختلف في اسمه، فقيل:
عمرو. وقيل: عبد الله. وقيل: الحصين، والأول أكثر وأشهر وهو عمرو ابن
زائدة. ويقال: عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم. واسم أمه أم مكتوم عاتكة بنت
عبد الله بن عنكثة وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين، فإن أم خديجة أخت قيس بن
زائدة واسمها فاطمة، أسلم قديمًا وهاجر قبل مقدم النبي وّ على المدينة،
واستخلفه النبي ◌َّ على المدينة ثلاث عشرة مرة يصلي بالناس، وشهد
القادسية وقتل بها شهيدًا وكان معه اللواء يومئذٍ وهو الأعمى المذكور في ﴿عَسَ وَتَوَلَىٌ
﴾ [عبس: ١]. وقيل: رجع من القادسية إلى المدينة فمات بها، ولم يسمع له بذکر
بعد عمر بن الخطاب. له عند أبي داود والنسائي وابن ماجه هذا الحديث الواحد.
(كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ) أي: المؤذيات من العقارب والحيات جمع هامة، وهي: کل ذات
سم يقتل، وما يسم ولا يقتل فسامَّةٌ كالعقرب والزنبور، وقد تقع الهامة على ما يدب
من الحيوان وإن لم يقتل ومنه: ((أيؤذيك هَوَامُّ رأسك)) أراد القمل كذا في
((المجمع)). (وَالسِّبَاعِ) كالذئاب أو الكلاب. (وَأَنَا ضَرِيرُ الْبَصَرِ) أي: أعمى. (فَهَلْ
تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ؟) أي: في ترك الجماعة. (هَلْ تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى
الْفَلَاحِ؟) يعني: هل تسمع الأذان؟ وإنما خص اللفظان لما فيهما من معنى الطلب
والترغيب. (فَحَيَّ هَلَّا) بالتنوين وجاء بالألف بلا تنوين وسكون اللام وهما كلمتان
(١٠٨٥) أَبُو دَاوُد (٥٥٣)، والنَّسَائِي (٢/ ١٠٩) عنه فيها.
(*) سقطت من جميع النسخ وهي ثابتة عند النسائي والسياق له.
٤٨٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
acese
جعلتا كلمة واحدة، فحي بمعنى: أقبل وهلا بمعنى: أسرع، وجمع بينهما للمبالغة.
قال في ((شرح المفصل)): هو اسم من أسماء الأفعال مركب من حي وهل، وهما
صوتان، معناهما الحث والاستعجال، وجمع بينهما وسمى بهما للمبالغة. وكان
الوجه أن لا ينصرف كحضر موت وبعلبك، إلا أنه وقع موقع فعل الأمر فبني كـ((صِه))
و ((مه))، وفيه لغات، وتارة يستعمل ((حَيٍّ)) وحده نحو حي على الصلاة، وتارة ((هَلَّا))
وحدها، واستعمال حي وحده أكثر من استعمال هلا وحدها، انتهى.
وقال الطيبي: هي كلمة حث واستعجال وضعت موضع أجب. قال ابن حجر:
وآثرها لأن أحسن الجواب ما كان مشتقًّا من السؤال ومنتزعًا منه. (وَلَمْ يُرَخِّصْ) له
بالبناء للفاعل. وقيل: للمفعول. والحديث قد استدل به على أن حضور الجماعة
واجب عينًا، ولو كان ندبًا لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف
ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم، واحتج أيضًا من ذهب إلى ذلك بأن اللَّه رَّت
أمر رسول اللَّه ◌َ ل أن يصلي جماعة في صلاة الخوف ولم يعذر في تركها، فعقل
أنها في حال الأمن أوجب، وتأول من قال بكونها فرضًا على الكفاية أو سنة
بوجوه. تقدم ذكرها في شرح حديث أبي هريرة. قال: أتى النبيمح له رجلٌ
أعمى ... إلخ، المتقدم في الفصل الأول.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) أخرجه أبو داود من طريق أبي رزين الأسدي
وعبد الرحمن بن أبي ليلى كلاهما عن ابن أم مكتوم. وبين ألفاظهما اختلاف.
وأخرجه النسائي من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى فقط وابن ماجه من طريق أبي
رزين، ولفظ الكتاب هو من رواية ابن أبي ليلى عند النسائي لكن ليس عنده، وكذا
عند أبي داود قوله: ((وأنا ضرير البصر فهل تجد لي من رخصة؟)) نعم يوجد نحو هذا
اللفظ في رواية أبي رزين عند أبي داود وابن ماجه. والمصنف ركب الحديث من
الروايتين، وهذا ليس بحسن. والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٣ ص٤٢٣)
والبيهقي (ج٣ ص٥٨) وابن حبان والطبراني. زاد ابن حبان وأحمد في رواية:
((فَائْتِهَا وَلَوْ حَبْوًا)). قال المنذري: قد اختلف على ابن أبي ليلى في هذا الحديث،
فرواه بعضهم عنه مرسلًا، انتهى. وفي الباب عن أبي أمامة عند الطبراني في
((الكبير)) وعن جابر عند أحمد وأبي يعلى والطبراني في ((الأوسط)) و((ابن حبان))
وعن البراء بن عازب عند الطبراني في ((الأوسط)).
٤٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
se
١٠٨٦ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُوِ الدَّرْدَاءِ وَهُوَ
مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرِ أَمَّةِ مُحَمَّدٍ وَهُ
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا.
الشّرْحُ
١٠٨٦ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ) زوج أبي الدرداء اسمها هجيمة بنت حيي
الأوصابية الدمشقية، وهي الصغرى التابعية، ثقة فقهية من رواة الكتب الستة.
وأما أم الدرداء الكبرى الصحابية فاسمها خيرة بنت أبي حدرد، ولا رواية لها في
هذه الكتب. ماتت قبل أبي الدرداء بالشام في خلافة عثمان. قال علي بن المديني :
كان لأبي الدرداء امرأتان كلتاهما يقال لهما: أم الدرداء، إحداهما رأت النبي وَّل
وهي خيرة بنت أبي حدرد، والثانية تزوجها بعد وفاة النبي وَّ وهي هجيمة
الوصابية، ماتت سنة إحدى وثمانين. قال الحافظ في ((الفتح)»: أم الدرداء وهي
الصغرى التابعية لا الكبرى الصحابية؛ لأن الكبرى ماتت في حياة أبي الدرداء،
وعاشت الصغرى بعده زمانًا طويلًا. وقد جزم أبو حاتم بأن سالم بن أبي الجعد.
المصرح بسماع هذا الحديث منها لم يدرك أبا الدرداء، فعلى هذا لم يدرك أم
الدرداء الكبرى، وفسرها الكرماني هنا بصفات الكبرى، وهو خطأ؛ لقول سالم:
سمعت أم الدرداء. (دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء. (وَهُوَ مُغْضَبٌ) بفتح الضاد
المعجمة. (مَا أَغْضَبَكَ؟) ما استفهامية. (مَا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مِِّشَيْئًا) أبقوه
من الشريعة. (إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلَّونَ) أي: الصلاة أو الصلوات، فالمفعول محذوف
(جمِيعًا) أي: حال كونهمِ مجتمعين، يعني: أغضبتني الأمور المنكرة المحدثة في
أمة محمد عليه؛ لأني والله ما أعرف من أمرهم الباقي على الجادة شيئًا إلا أنهم
يصلون جميعًا، فيكون الجواب محذوفًا، والمذكور دليل الجواب، قاله القاري.
ومراد أبي الدرداء: أن أعمال الذين يصلون بالجماعة قد وقع في جميعها النقص
والتغيير ما خلا صلاتهم بالجماعة، ولم يقع فيها شيء من ذلك، و کان ذلك صدر
من أبي الدرداء في أواخر عمره، وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان، فيا ليت
(١٠٨٦) الْبُخَارِي (٦٥٠) عنها في الصَّلاة.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٩١
شعري إذا كان ذلك العصر الفاضل بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء، فكيف بمن
جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان؟! وقوله: ((من أمر أمة محمد)) كذا وقع في
نسخ ((المشكاة)). والذي في البخاري عند أكثر رواته: ((ما أعرف من محمد وَل
شيئًا))، وعليه (شرح ابن بطال)) ومن تبعه فقال: يريد من شريعة محمد شيئًا لم يتغير
عما كان عليه إلا الصلاة في جماعة، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. ووقع
عند أبي ذر وكريمة: ((ما أعرف من أمة محمد))، وعند أبي الوقت: ((من أمر محمد))
بفتح الهمزة وسكون الميم بعدها راء، واحد الأمور، وكذا ساقه الحميدى في
جمعه. وكذا ذكره الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص٣٧١)، وكذا هو ((مسند
أحمد))، و((مستخرجي الإسماعيلي وأبي نعيم))، وعندهم: ((لا أعرف فيهم)) أي:
في أهل البلد الذي كان فيه، وكأن لفظ ((فيهم)) لما حذف من رواية البخاري صحف
بعض النقلة أمر بأمة ليعود الضمير في أنهم إلى الأمة، كذا في ((الفتح)). وفي
الحديث: جواز الغضب عند تغيير شيء من أمور الدين، وإنكار المنكر بإظهار
الغضب إذا لم يستطع أكثر منه.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦ ص٤٤٣)، قال ميرك: لم أجده في
البخاري باللفظ الذي أورده المصنف، انتهى. وفيه: أن القسطلاني قال:
وللحموي: ((من أمر أمة محمد)). والله أعلم.
١٠٨٧ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الخَطَّابِ فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَإِنَّ عُمَرَ غَدَا إِلَى
السُّوقِ، وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ بَيْنَ المَسجد والسُّوق، فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ أُمِّ سُلَيْمَانَ،
فَقَالَ لَهَا: لَمْ أَرَ سُلَيْمَانَ فِي الصُّبْحِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ،
فَقَالَ عُمَرُ: لَأَنْ أَشْهَدَ صَلَةَ الصُّبْحَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةً.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠٨٧ - قوله: (وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة
(١٠٨٧) رَوَاهُ مَالِك (١/ ٧/١٣١) موقوفًا؛ وفيه قصة.
٤٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وسكون المثلثة، واسم أبي حثمة عبد الله بن حذيفة العدوي المدني، روى عن أبيه
سليمان وجدته الشفاء وغيرهما، وعنه الزهري وغيره، ثقة عارف بالنسب من الطبقة
الوسطى من التابعين، وهم الذين جل روايتهم عن كبار التابعين.
(فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) أي: ما وجد أباه سليمان بن أبي حثمة بن غانم بن
عامر بن عبد الله القرشي العدوي. قال ابن حبان: له صحبة. وقال ابن عبد البر:
رحل مع أمه إلى المدينة، وكان من فضلاء المسلمين وصالحيهم، واستعمله عمر
على السوق وجمع الناس عليه في قيام رمضان، وذكره ابن سعد فيمن رأى
النبي ◌َّ ولم يحفظ عنه، وذكر أباه في مسلمة الفتح، وقال: في الطبقة الأولى من
تابعي أهل المدينة، ولد على عهد النبي وَّر. وقال ابن منده: ذكر في الصحابة ولا
يصح. (فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) أي: يومًا من الأيام. (وإن عمر غدا) أي: ذهب.
(وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ) مبتدأ خَبره. (بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ) والجملة حالية معترضة.
وفي ((الموطأ)): بين السوق والمسجد النبوي. (فَمَرَّ) أي: عمر. (عَلَى الشِّفَاءِ)
بكسر الشين المعجمة وبالفاء المخففة ممدودًا. وقيل: مقصورًا، بنت عبد الله بن
عبد شمس القرشية العدوية. (أَمِّ سُلَيْمَانَ) بن أبي حثمة بدل أو عطف بيان. قال
أحمد بن صالح المصري: اسمها ليلى، وغلب عليها الشفاء، أسلمت قبل الهجرة
بمكة وبايعت، وهي من المهاجرات الأول، كانت من عقلاء النساء وفضلائهن،
وكان رسول اللّه وَ ليل يزورها ويقيل عندها، وقال لها: علمي حفصة رقية النملة(*)
كما علمتها الكتابة، وأقطعها دارها عند الحكاكين بالمدينة. فنزلتها مع ابنها
سليمان، وكان عمر يقدمها في الرأي ويرعاها ويفضلها وربما ولاها شيئًا من أمر
السوق. (لَمْ أَرَ) ولدك. (سُلَيْمَانَ فِي الصُّبْح) أي: في صلاته بالجماعة في
المسجد. فيه تفقد الإمام رعيته، وفيه أيضًا إشارة إلى مواظبة سليمان على صلاة
الصبح معه. (إِنَّهُ بَاتَ) أي: سهر. (يُصَلِّ) في الليل. (فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) أي: بالنوم
آخر الليل. قال الطيبي: الأصل غلب عليه النوم، فأسند إلى مكان النوم مجازًا.
قال الباجي: الظاهر أنه نام فلم يستيقظ وقت الصلاة. ويحتمل أن يكون معنى
(*) الثَّمْلَة: بفتح النون وسكون الميم، بثرة تخرج في الجسد بالتهاب واحتراق، ويَرِمُ مكانها يسيرًا،
ويدب إلى موضع آخر كالنملة.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٩٣
غلبتهما له أن بلغ منه النوم مبلغًا لا يمكنه الصلاة معه، فنام عن صلاة الجماعة،
انتھی .
(لَأَنْ أَشْهَدَ) أي: أحضر. (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ) أي: أصلي. (لَيْلَةً) أي من قيام
الليلة إحيائها بالنوافل؛ لما في ذلك من الفضل الكبير، حتى أن صلاة الجماعة
واجبة عينًا عند أحمد، وكفاية عند كثير من الحنفية والشافعية، فهي آكد من
النوافل. (رَوَاهُ مَالِك) عن ابن شهاب الزهري عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة
أن عمر بن الخطاب فقد ... إلخ.
قال الزرقاني في شرح ((الموطأ)): وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن
سليمان بن أبي حثمة عن أمه الشفاء، قالت: دخل علي عمر، وعندي رجلان
نائمان، تعني زوجها أبا حثمة وابنها سليمان، فقال: أما صليا الصبح؟ قلت: لم
يزالا يصليان حتى أصبحا فصليا الصبح وناما. فقال؛ لأن أشهد الصبح في جماعة
أحب إليَّ من قيام ليلة. قال أبو عمر: خالف معمر مالكًا في إسناده، والقول قول
مالك، انتهى. يعني: لأنه قال: عن الزهري عن أبي بكر بن سليمان أن
عمر ... إلخ. ومعمرًا قال عن الزهري عن سليمان عن أمه، فهي مخالفة ظاهرة،
وسياق متنه فيه خلاف أيضًا إلا أن يقال: إن كان محفوظًا احتمل أن هذه مرة أخرى
مع أبيه، فهما قصتان، فلا خلف، انتهى كلام الزرقاني.
١٠٨٨ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلِلّهِ:
((اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرُْ
١٠٨٨ - قوله: (اثْنَانِ) أي: مع الإمام. وقيل: سوى الإمام، والأول هو
الظاهر، بل هو المتعين (جمَاعَةٌ) أي: لهما فضل الجماعة إذا صليا مجتمعين أو
ينبغي لهما الصلاة بالاجتماع لا بالانفراد. قال الطيبي: اثنان مبتدأ صفة لموصوف
محذوف. ويجوز أن يتخصص بالعطف على قول: فإن الفاء للتعقيب، والمعنى :
(١٠٨٨) ابن ماجه (٩٧٢) في الصلاة عن أبي موسى رَضِ شتَّهُ.
٤٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اثنان وما يزيد عليهما على التعاقب واحدًا بعد واحد يعد جماعة، نحو قولك:
الأمثل فالأمثل، انتهى. وقال في ((اللمعات)): اثنان مبتدأ وجماعة خبره، ولا
حاجة إلى تكلف جعله صفة لموصوف محذوف بناء على قاعدة وجوب تخصيص
المبتدأ على ما هو المشهور، لما اختاره الرضى من أن المدار على الفائدة، انتهى.
وفيه دليل على أن أقل الجماعة إمام ومأموم أعم من أن يكون المأموم رجلًا أو
صبيًّا أو امرأة. والحديث ضعيف، لكنه يؤيده حديث مالك بن الحويرث عن
النبي وَلخير قال: ((إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ثم ليؤمكما أكبركما))، أخرجه
البخاري، وترجم عليه بلفظ حديث أبي موسى هذا حيث قال: باب اثنان فما
فوقهما جماعة. قال الدماميني: لما كان لفظ حديث الترجمة ضعيفًا، لا جرم أن
البخاري اكتفى عنه بحديث مالك بن الحويرث، ونبه في الترجمة عليه، انتهى.
قال الحافظُ: الترجمة مأخوذة بالاستنباط من لازم الأمر بالإقامة؛ لأنه لو
استوت صلاتهما معًا مع صلاتهما منفردين لاكتفى بأمرهما بالصلاة كأن يقول:
أذنا وأقيما وصليا. وقيل: وجه المطابقة أنه وَلو إنما أمرهما بإمامة أحدهما الذي
هو أكبرهما لتحصل لهما فضيلة الجماعة، فصار الاثنان هاهنا كأنهما جماعة بهذا
الاعتبار. وتوضيحه: أن الإمامة في الشرع تطلب لنيل فضل الجماعة، فطلبها من
الاثنين يدل على نيلهما فضل الجماعة وهذا معنى الاثنان جماعة، وكونهما جماعة
يستلزم كون الأكثر جماعة بالأولى. (رواه ابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا ابن عدي
والبيهقي (ج٣: ص٦٩) وفي سنده الربيع بن بدر بن عمرو بن جراد التميمي
السعدي، روى عن أبيه عن جده عمرو بن جراد، والربيع متروك، وأبوه بدر وجده
عمرو مجهولان. والحديث روي من طرق أخرى. كلها ضعيفة، كما صرح به
الحافظ في ((الفتح))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ٢: ص٤٥). وهي ما روي
في ((معجم البغوي))، و((طبقات ابن سعد)) من حديث الحكم بن عمير، وفي ((إفراد
الدارقطني)) من حديث عبد الله بن عمرو، وفي البيهقي من حديث أنس وفي
((الأوسط)) للطبراني من حديث أبي أمامة وعند أحمد من حديث أبي أمامة أيضًا
أنه وَله رأى رجلاً يصلي وحده، فقال: ((ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه))،
فقام رجل فصلى معه، فقال ((هذان جماعة)). والقصة المذكورة دون قوله: ((هذان
جماعة)) أخرجها أبو داود والترمذي من وجه آخر صحيح.
٤٩٥
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
se
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٠٨٩ - [٣١] عَنْ بِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَا تَمْتَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ)
فَقَالَ بِلَالٌ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَقُولُ: قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ،
وَتَقُولُ أَنْتَ: لَنَمْنَعُهُنَّ؟. وَفِي رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ،
فَسَبَّهُ سَبَّا مَا سَمِعْتُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطَّ، وَقَالَ:" أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلَهِ وَتَقُولُ:
وَاللَّهِ لَتَمْنَعُهُنَّ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٠٨٩ - قوله: (عَنْ بِلَالِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب القرشي العدوي.
قال أبو زرعة: مدني ثقه، وقال حمزة الكناني: لا أعلم له غير هذا الحديث الواحد
من أوساط التابعين .
(لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ) أي: ثوابهن الحاصل لهن بحضورهن
للصلاة ونحوها في المساجد. (إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ) بتشديد النون. قال النووي:
قوله وَالر: ((لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم)»، هكذا وقع في
أكثر الأصول ((استأذنوكم)). وفي بعضها ((استأذنكم)). أي: بتشديد النون. وهذا
ظاهر، والأول صحيح أيضًا، وعوملن معاملة الذكور لطلبهن الخروج إلى مجلس
الذكور. (فَقَالَ بِلَالٌ) فيه تجريد أو التفات، إذ أصله فقلت. (وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ) قال
ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته على ذلك الغيرة.
(فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله) والد بلال. (أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ) أي: فتعارض هذا
النص برأيك. (وَتَقُولُ أَنْتَ: لَنَمْنَعُهُنَّ) قال الطيبي: يعني أنا آتيك بالنص القاطع،
وأنت تتلقاه بالرأى، والرواية الأخيرة أبلغ لسبه إياه سبًّا بليغًا، وهذا دليل قوي لا
مزيد عليه في الباب.
(وَفِي رِوَايَةِ سَالِم) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو
(١٠٨٩) مُسْلِم (٤٤٢) في الصَّلاة.
٤٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عمر، أو أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضاًا، كان
يشبه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار الطبقة الوسطى من التابعين، مات في آخر
سنة ست ومائة في ذي القعدة أو ذي الحجة على الصحيح. (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن
عمر. (قَالَ) أي: سالم. (فَأَقْبَلَ) أي: أبوه. (عليه) أي: على بلال. (فَسَبَّهُ سَبًّا مَا
سَمِعْتُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطَّ) وفي مسلم: ((فسبَّه سبًّا سيًِّا ما سمعته سبه مثله قط)). وفسر في
رواية الطبراني هذا السبِّ باللعن ثلاث مرات. (أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَيِ) أي:
بعدم منعهن.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الرواية الأولى أخرجها أحمد (ج٢: ص ٩٠) بمثلها والطبراني
بنحوها. وفيه: فقلت: أما أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فليسرح أهله. ورواية سالم
عن أبيه أخرجها أحمد في ((مسنده)) مختصرًا.
١٠٩٠ - [٣٢] وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِّ قَالَ:
(لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلٌ أَهْلَهُ أَنْ يَأْتُوا الْمَسَاجِدَ)) فَقَالَ ابْنُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فَإِنَّا
نَمْنَعُهُنَّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُحَدَّتُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ وَتَقُولُ هَذَا، قَالَ: فَمَا
كَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٠٩٠ - قوله: (لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلٌ أَهْلَهُ) أي: نساءه. (أَنْ يَأْتُوا الْمَسَاجِدَ) قال
الطيبي: ذكر ضمير النساء تعظيمًا لهن حيث قصدن السلوك مسلك الرجال الركع
السجود على نحو قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِئِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وقول الشاعر [من
الطويل]:
وَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمْ
(فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) هو بلال. كما تقدم في رواية مسلم أو واقد كما جاء
في مسلم أيضًا: ((فقال ابن له يقال له: واقد)). قال المنذري: وابن عبد الله بن عمر
(١٠٩٠) أخرجَهُ أَحْمَد (٣٦/٢) أَخْدَتْهُ .
٤٩٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
هذا هو بلال بن عبد الله بن عمر، جاء مبينًا في ((صحيح مسلم)) وغيره. وقيل: هو
ابنه واقد بن عبد الله بن عمر، ذكره مسلم في ((صحيحه)) أيضًا، انتهى. ورجح
الحافظ في الفتح أنه بلال، قال: الراجح من هذا أن صاحب القصة بلال لورود ذلك
من روايته نفسه، ومن رواية أخيه سالم، ولم يختلف عليهما في ذلك، قال: فإن
كانت رواية عمرو بن دينار عن مجاهد عِنْدَ مُسْلِمٍ محفوظة في تسميته واقدًا فیحتمل
أن يكون كل من بلال وواقد وقع منه ذلك إمَّا في مجلس أو في مجلسين، وأجاب
ابن عمر كلاً منهما بجواب يليق به، ويقويه اختلاف النقلة في جواب ابن عمر، ثم
بسط ذلك الاختلاف. (قَالَ) أي: مجاهد. (فَمَا كَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ) قال
الحافظُ: أخذ من إنكار عبد اللَّه على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه،
وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا إذا تكلم بما لا ينبغي له،
وجواز التأديب بالهجران، فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عند أحمد :
((فما كلمه عبد اللَّه حتى مات)). وهذا وإن كان محفوظًا يحتمل أن يكون أحدهما
مات عقب هذه القصة بیسیر، انتهى.
قال الطيبي: عجبت ممن يتسمى بالسني إذا سمع من سنة رسول اللّه وَلَةِ، وله
رأي رجح رأيه عليها، وأي فرق بينه وبين المبتدع؟! أما سمع: ((لا يؤمن أحدكم
حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به؟!)) وها هو ابن عمر من أكابر الصحابة وفقهائها
كيف غضب لله ورسوله، وهجر فلذة كبده لتلك الهنة؛ عبرة لأولى الأبصار.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٣: ص٣٦) وإسناده صحيح، وأخرج نحوه في (ج ٣: ص٤٩).
٤٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤ - بَابِ تَسْوِيَةِ الصُّفُ
(تَسْوِيَةِ الصُّفُ) أي: في الصلاة. وفي بعض النسخ: الصفوف، والمراد
بالأول: الجنس، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ- صَفَّا كَنَّهُم
بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ ﴾﴾ [الصف: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصََّآفُونَ
* [الصافات: ١٦٥]
وأمرنا أن نصف في الصلاة كما تصف الملائكة عند ربها. ومعنى تسوية الصف هو
اعتدال القائمين به على سمت واحد وخط مستقيم، وسد الخلل الذي في الصف
بإلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم.
قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)): الآثار في تسوية الصف متواترة من طرق شتى
في أمره وَ له بتسوية الصفوف وعمل الخلفاء الراشدين بعده، وهذا مما لا خلاف
فيه بين العلماء، انتهى. واختلفوا في حكمها من الوجوب والندب.
قال العيني: هي من سنة الصلاة عند أبي حنيفة والشافعي ومالك، وزعم ابن
حزم أنه فرض.
وقيل: إنه مندوب. وذهب البخاري إلى الوجوب، حيث ترجم في ((صحيحه))
بقوله: باب إثم من لم يتم الصفوف.
قال العيني: ظاهر ترجمة البخاري يدل على أنه يرى وجوب التسوية،
والصواب هذا؛ لورود الوعيد الشديد في ذلك، وقال في موضع آخر: الصواب أن
تسوية الصفوف واجبة بمقتضى الأمر، ولكنها ليست من واجبات الصلاة، بحيث
أنه إذا تركها فسدت صلاته أو نقصتها، غاية ما في الباب إذا تركها يأثم.
قلتُ: الحق عندي: أن إقامة الصف وتعديله وتسويته من واجبات صلاة
الجماعة، بحيث إذا تركها نقصتها، ويأثم تاركها لورود الأمر بالتسوية، والأصل
في الأمر الوجوب، ولورود الوعيد الشديد في تركه، ولقوله بَّهَ: ((إِنَّ تَسْوِيَةَ
الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ))، وفي رواية: ((مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ))، ولقوله: ((إِنَّ إِقَامَةً
٤٩٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ))، والمراد بحسنها: تمامها، ولشدة اهتمامه ◌َّه وخلفائه
بعده بذلك، ولإنكار أنس على تركه حيث قال: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون
الصفوف، أخرجه البخاري. والإنكار يستلزم المنكر، والمباح لا يسمى منكرًا،
ولأن عمر وبلالًا كانا يضربان أقدامهم لإقامة الصف، وضربهما أقدامهم يدل على
أنهم تركوا واجبًا من واجبات الصلاة. وأما إنه هل تفسد صلاة من ترك التسوية أم
لا؟ فالظاهر أنه تصح ولا تفسد لعدم ورود نص صريح في ذلك.
قال الحافظ في ((الفتح)): ومع القول بأن التسوية واجبة، فصلاة من خالف ولم
يسو صحيحة لاختلاف الجهتين. ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم
بإعادة الصلاة. وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان، انتهى.