النص المفهرس

صفحات 441-460

EBN:
٤٤٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
شغل البال، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية الذي أشرنا إليه، نعم ينبغي أن يدار
الحكم مع العلة وجودًا أو عدمًا، ولا يتقيد بكل ولا بعض. (وَلَا يَعْجَلْ) أي:
أحدكم إلى الصلاة. (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ) أي: من أكل العشاء. قال الطيبي: أفرد
قوله: (يَعْجَلْ)) نظرًا إلى لفظ: ((أَحَدٌ)) وجمع قوله: ((فابدؤوا)) نظرًا إلى لفظ:
((کمْ)). قال: والمعنى إذا وضع عشاء أحدكم فابدؤوا أنتم بالعشاء، ولا يعجل هو
حتى يفرغ معكم منه، انتهى. وأجاب البرماوي: بأن النكرة في الشرط تعم،
فيحتمل أن الجمع لأجل عموم أحد، انتهى.
وقال القاري: الظاهر أن الخطاب بالجمع لإفادة عموم الحكم، وأنه غير
مختص بأحد دون أحد، أو المراد به الموافقة معه، ثم أداء الصلاة جماعة، لينال
الفضيلة. والحديث: دليل على أن تقريب الطعام ووضعه بين يدي الآكل من أعذار
ترك الجماعة. (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) هو موصول عطفًا على المرفوع السابق، مقولة
نافع. (يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ) هو أعم من العشاء. (وَتُقَامُ الصَّلَاةُ) أي: جماعة مَغْرِبًا أو
غيرها، لكن رواه البيهقي والسراج بسندهما عن نافع بلفظ: وكان ابن عمر إذا
حضر عشاءه. ورواه ابن حبان بسنده عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا
غابت الشمس، وكان أحيانًا يلقاه وهو صائم، فَيُقَدَّم له عشاؤه وقد نودي للصلاة،
ثم تقام وهو يسمع، فلا يترك عشاءه ولا يعجل حتى يقضي عشاءه ثم يخرج فيصلي.
(فَلَا يَأْتِيهَا) أي: الصلاة في المسجد. (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ) أي: من أكله. وليس في
((صحيح البخاري)) لفظ: ((مِنْهُ)). (وَأَنَّهُ) الواو للحال. (لَيَسْمَعُ) بلام التأكيد. (قِرَاءَةَ
الْإِمَام) أي: من قربه من المسجد. واستنبط من الحديث: كراهة الصلاة بحضرة
الطعام الذي يريد أكله لما فيه من ذهاب كمال الخشوع. قال النووي: ويلتحق به ما
في معناه مما يشغل القلب، وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق صلى على
حاله محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز التأخير. وحكى المتولي وجهًا: أنه
يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته، انتهى.
وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثم فيه نظر؛ لأن المفسدتين إذا
تعارضتا اختصر على أخفها، وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع، بدليل صلاة
الخوف وغير ذلك، وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة، وتستحب
الإعادة عند الجمهور. واستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس

٤٤١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
بواجب؛ لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصلاة بالجماعة. وفيه نظر؛ لأن
بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبان جعل حضور الطعام عذرًا في ترك
الجماعة، فلا دليل فيه حينئذٍ على إسقاط الوجوب مطلقًا. وفيه دليل على تقديم
فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت، فإنهما لما تزاحما قدم الشارع
الوسيلة إلى حضور القلب على أداء الصلاة في أول الوقت.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي،
وليس في حديث مسلم القسم الموقوف على ابن عمر من فعله، بل هو عند
البخاري فقط، وأخرج نحوه الترمذي وأبو داود وابن ماجه، وفي الباب عن عائشة
وأنس عند الشيخين وعن أم سلمة عند أحمد وأبي يعلي والطبراني وعن سلمة بن
الأكوع وابن عباس وأنس عند الطبراني.
١٠٦٤ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا أَنَّهَا قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه
يقول: ((لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَانِ)).
[رواه مسلم]
الشّرُْ
١٠٦٤ - قوله: (لَا صَلَاةَ) أي: كاملة، وقيل: هو نفي بمعنى نهي، ويؤيده
رواية أبي داود: ((لا يصلي الرجل بحضرة الطعام)). (بِحَضْرَةِ الطّعَام) وفي بعض
النسخ ((بحضرة طعام)) كما في ((صحيح مسلم))، أي: بحضور طعامَ بين يدي من
يريد أكله، وفيه: دليل على أن حمل الصلاة في قوله: ((أقيمت الصلاة))، في
الحديث السابق على العموم أولى؛ لأن لفظ صلاة في هذا الحديث نكرة في سياق
النفي، ولا شك أنها من صيغ العموم، ولأن لفظ الطعام مطلق غير مقيد بالعشاء،
فالظاهر أن ذكر المغرب في حديث أنس من التنصيص على بعض أفراد العام وليس
بتخصيص. (وَلَا) أي: ولا صلاة كاملة حاصلة. (هُوَ يُدَافِعُهُ) ضمير ((هُوَ)) مبتدأ
خبره ((يُدَافِعُهُ)) والجملة وقعت حالًا بلا واو، وفي بعض النسخ: ولا وهو يدافعه،
بالواو، كما في ((صحيح مسلم)). (الأَخْبَثَانِ) وفي رواية أحمد والبيهقي: ولا وهو
(١٠٦٤) مُسْلِم (٦٧/ ٥٦٠)، وَأَبُو دَاوُد (٨٩) عَنْهَا فِيهَا .

٤٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
BE*
يدافع الأخبثين أي: البول والغائط، ويلحق بهما ما كان في معناهما مما يشغل
القلب، ويذهب كمال الخشوع، كالريح والقيء. قال الطيبي: أي: ولا صلاة
حاصلة للمصلي في حال يدافعه الأخبثان عنها، فاسم ((لَا)) الثانية وخبرها
محذوفان، وقوله: ((هو يدافعه الأخبثان))، حال، ويؤيده رواية ابن حبان بلفظ: ((لا
يصلي أحدكم وهو يدافع الأخبثين))، وقيل: في رواية الكتاب حذف تقديره: ولا
صلاة حين هو يدافعه الأخبثان فيها، والمدافعة إما على حقيقتها، يعني الرجل
يدفع الأخبثين حتى يؤدي الصلاة، والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، وإما بمعنى
الدفع مبالغة، وهذا مع المدافعة، وأما إذا كان يجد في نفسه ثقل ذلك، وليس
هناك مدافعة فلا نهي عن الصلاة معه ومع المدافعة فهي مكروهة، قيل: تنزيهًا؛
النقصان الخشوع، فلو خشي خروج الوقت إن قدم التبرز وإخراج الأخبثين قدم
الصلاة، وهي صحيحة مكروهة، ويستحب إعادتها. ولا تجب عند الجمهور، كما
قال النووي: وعن الظاهرية: أنها باطلة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو
داود والبيهقي .
١٠٦٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا أُقِيمَتِ
الصَّلاَةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّ الْمَكْتُوبَةَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْخُ
١٠٦٥ - قوله: (إِذَا أُقِيمَت الصَّلاَةُ) المراد بإقامة الصلاة: الإقامة التي
يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة، وهو المعنى المتعارف. قال العراقي: وهو
المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث، والأحاديث التي نذكرها في شرح الحديث
تعين ذلك المعنى كما سيأتي. ثم المراد بإقامة المؤذن هو شروعه في الإقامة ليتهيأ
المأمومون لإدراك التحريم مع الإمام. ومما يدل على ذلك رواية ابن حبان بلفظ:
إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وحديث أبي موسى عند الطبراني في ((الكبير))
و ((الأوسط)) أن النبي وَّ رأى رجلًا يصلي ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن يقيم،
(١٠٦٥) مُسْلِم (٧١٠) عن أبي هريرة فيها.

٤٤٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
beess
فغمز النبيِ وَلَه منكبه وقال: ((ألَّا كان هذا قبل هذا)). قال العراقي: إسناده جيد.
وقال الهيثمي: رجاله موثقون. ويدل عليه أيضًا حديث ابن عباس قال: كنت أصلي
وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي وّره وقال: ((أتصلي الصبح أربعًا)). أخرجه
أبو داود الطيالسي والبيهقي والبزار وأبو يعلي وابن خزيمة وابن حبان في
((صحيحيهما)) والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، والطبراني في ((الكبير))،
قال الهيثمي: رجاله ثقات. (فَلَا صَلَاةَ) يحتمل أن يتوجه النفي إلى الصحة أو إلى
الكمال، والظاهر توجيهه إلى الصحة؛ لأنها أقرب المجازين إلى الحقيقة،
ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا
جِدَالَ فِىِ الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: فلا تصلوا حينئذٍ، ويؤيده ما رواه البخاري في
((تاريخه)) والبزار وغيرهما عن أنس قال: خرج رسول اللّه وَ ل حين أقيمت الصلاة
فرأى ناسًا يصلون ركعتي الفجر فقال: ((صلاتان معًا؟)) ونهى أن تُصَلَّيًا إذا أقيمت
الصلاة، وهو من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عنه، واختلف عليه في وصله
وإرساله، والنهي المذكور للتحريم؛ لأنه أصل فيه. (إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ) أي: تلك
الصلاة المفروضة، فالألف واللام ليست لعموم المكتوبات وإنما هي راجعة إلى
الصلاة التي أقيمت، وقد ورد التصريح بذلك في رواية لأحمد والطحاوي بلفظ :
((فلا صلاة إلا التي أقيمت)) والمعنى: إذا شرع المؤذن في الإقامة للصلاة التي لم
تؤدوها فلا تصلوا حينئذٍ إلا التي أقيمت لها، فالنهي متوجه إلى الاشتغال بصلاة غير
تلك المكتوبة لمن عليه تلك المكتوبة، وأما الشروع خلف الإمام في النافلة لمن
أدى المكتوبة قبل ذلك فلا يشمله النهي؛ لأن المأمور بهذا الحكم ليس إلا من عليه
تلك المكتوبة، كما هو ظاهر السياق. والحديث فيه: دليل على أن الاشتغال
بالرواتب وغيرها وقت إقامة الصلاة أو بعد الإقامة والإمام في الصلاة التي أقيمت
لها ممنوع، سواء كانت الراتبة سنة الصبح أو غيرها، وسواء كان في المسجد في
زاوية منه أو إلى اسطوانة أو في الصف أو خلفه أو كان خارج المسجد في مكان
عند بابه. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص٢٧٤): في هذا بيان أنه ممنوع من
ركعتي الفجر ومن غيرها من الصلوات إلا المكتوبة. وقال النووي في ((شرح مسلم))
(ج١: ص٢٤٧): فيه النهي الصريح عن افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة، سواء
كانت راتبة كسنة الصبح والظهر والعصر، أو غيرها، انتهى.

٤٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الحافظ في ((الفتح)) (ج٣: ص٣٦٨): فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة
الصلاة، سواء كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة. وزاد مسلم بن
خالد عن عمرو بن دينار في هذا الحديث قيل: يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر،
قال: (ولا ركعتي الفجر)) أخرجه ابن عدي في ترجمة يحي بن نصر بن حاجب،
وإسناده حسن، انتهى.
قلتُ: وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٢: ص ٤٨٣) وأما ما يذكر من زيادة الاستثناء في
آخر الحديث بلفظ: إلا ركعتي الفجر فلا أصل لها، كما صرح به البيهقي. وقال
الشوكاني في ((النيل)) (ج٢: ص ٣٣٠): الحديث: يدل على أنه لا يجوز الشروع في
النافلة عند إقامة الصلاة من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما، انتهى.
قال النووي: والحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقيب شروع
الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة
أولى بالمحافظة على إكمالها. واختلف العلماء فيمن لم يُصَلِّ ركعتي الفجر، وقد
أقيمت الصلاة، فذهب أهل الظاهر إلى أنه إذا سمع الإقامة لم يحل له الدخول في
ركعتي الفجر ولا غيرهما من النوافل سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن فعل
فقد عصي. قال الشوكاني: وهو قول أهل الظاهر ونقله ابن حزم عن الشافعي وعن
جمهور السلف. وحكى القرطبي في ((المفهم)) عن أبي هريرة وأهل الظاهر: أنها لا
تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة. قال الخطابي: روي عن عمر بن
الخطاب أنه كان يضرب الرجل إذا رأه يصلي الركعتين والإمام في الصلاة. وقال
المنذري في ((مختصر سنن أبي داود)): قال أبو هريرة بظاهره، وروي عن عمر أنه
كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الإقامة، وذهب إليه بعض الظاهرية، ورأوا
أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه الصلاة، وكلهم يقولون: لا يبتدئ نافلة بعد الإقامة
لنهيه مَّر. قال الشوكاني بعد ذكر ما ذهب إليه أهل الظاهر من عدم جواز الدخول
في النافلة بعد سماع الإقامة سواء كان في المسجد أو خارجه: هذا القول هو
الظاهر. وقال شيخنا في ((شرح الترمذي)): هو القول الراجح المعول عليه، وذهب
الشافعي وأحمد إلى أن ذلك مكروه. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ :
ص٢٤٧): روي الكراهية في ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة، وكره ذلك سعيد بن
جبير وابن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعطاء، وإليه ذهب الشافعي
وأحمد، انتهى.

٤٤٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
Eex xeese
وقال ابن رشد في ((البداية)): وقال الشافعي: إذا أقيمت الصلاة فلا يركعهما
أصلًا لا داخل المسجد ولا خارجه. وقال ابن قدامة في ((المغني)): إذا أقيمت
الصلاة فلا يشتغل بالنافلة، سواء خاف فوت الركعة أو لم يخف، وبه قال
الشافعي، انتهى.
قلتُ: الظاهر أن الشافعي وأحمد وافقا أهل الظاهر في عدم الجواز، هذا وقد
ظهر من أقوالهم المذكورة أنهم متفقون على حمل الحديث على عمومه، وأنه غير
مقصور على المسجد. فَعِلَّةُ النهي ومناط الكراهة ومثار المنع عندهم هو أداء السنة
حال إقامة الصلاة، والاشتغال بالنافلة عن الفريضة، وقد تقدم ذلك في كلام
النووي. وهذا هو الحق عندي، فإن هذه العلة قد جاءت منصوصة في بعض
الروايات كحديث أنس عند البزار وغيره قال: خرج رسول اللَّه وَ ل حين أقيمت
الصلاة، فرأى ناسًا يصلون ركعتي الفجر، فقال: ((صلاتان معًا؟)) نهى أن تصليا إذا
أقيمت الصلاة، وكحديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني في ((الكبير)): أن
رسول اللَّه وَله رأى رجلًا يصلي ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن يقيم، فغمز
النبي ◌َل منكبه، وقال: ((ألَّا كان هذا قبل هذا))، وكحديث ابن عباس عند أبي داود
الطيالسي وغيره قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي وَل
فقال: ((أتصلي أربعًا؟)) ويدل عليه أيضًا تصديره بقوله: ((إذا أقيمت الصلاة))، وقوله
في رواية لأحمد: ((لا صلاة بعد الإقامة إلا المكتوبة))، فهذه الروايات كلها نصوص
صريحة في أن مناط النهي هو الاشتغال بالنافلة بعد الإقامة لا غير، وهي تدفع
التأويلات الواهية الفاسدة الآتية التي تكلف لها الطحاوي وغيره من الحنفية،
وذهب مالك إلى أنه إذا كان قد دخل المسجد ليصليهما فأقيمت الصلاة فليدخل
مع الإمام في الصلاة ولا يركعهما في المسجد، وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم
يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركعهما خارج المسجد، وإن خاف فوات الركعة
الأولى فليدخل مع الإمام، وقال أبو حنيفة: إن خشي فوت الركعتين معًا، وأنه لا
يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإلا فليركعهما يعني:
ركعتي الفجر خارج المسجد ثم يدخل مع الإمام، فوافق أبو حنيفة مالكًا في الفرق
بين أن يدخل المسجد أو لا يدخله، وخالفه في الحد في ذلك، فقال: يركعهما
خارج المسجد ما ظن أنه يدرك ركعة من الصبح مع الإمام، قال صاحب ((فيض

٤٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الباري)): هذا أي: صلاتهما خارج المسجد بشرط إدراك ركعة هو المذهب - أي:
مذهب أبي حنيفة - عندي، كما في ((الجامع الصغير)) و((البدائع))، واختاره صاحب
((الهداية))، وصرحوا به في باب إدراك الفريضة، وصرح به علماء المذاهب
الأخرى كالقسطلاني. والخطابي من الشافعية وابن رشد والباجي من المالكية،
ولا رواية عنه في داخل المسجد، انتهى.
قال ابن رشد: وإنما اختلف مالك وأبو حنيفة في القدر الذي يراعى من فوات
صلاة الفريضة لاختلافهم في القدر الذي يفوت به فضل الجماعة؛ إذ فضل
الجماعة عندهم أفضل من ركعتي الفجر، فمن رأى أنه يفوت بفوات ركعة قال:
يتشاغل بهما ما لم تفته ركعة من المفروضة، ومن رأى أنه يدرك الفضل بإدراك
ركعة من الصلاة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد
أدرك الصلاة))، قال: يتشاغل بهما ما ظن أنه يدرك ركعة منهما، ومالك إنما يحمل
هذا على من فاتته الصلاة دون قصد منه، انتهى.
وقد ظهر من مذهبهما أنهما قصرا حكم الحديث على المسجد ولم يحملاه على
عمومه. وهذا يدل على أن مناط النهي عندهما هو كونه مُصَلَّيًّا في المسجد غير
المكتوبة التي أقيمت لها؛ لأن فيه المخالفة على الإمام. قال في ((الهداية)): التقييد
بالأداء عند باب المسجد يدل على الكراهة في المسجد إذا كان الإمام في الصلاة.
قال ابن الهمام: ؛ لأنه يشبه المخالفة للجماعة والانتباذ عنهم، فينبغي أن لا يصلي
في المسجد إذا لم يكن عند باب المسجد مكان؛ لأن ترك المكروه مقدم على فعل
السنة، انتهى.
وقال ابن رشد: من قصر ذلك على المسجد فالعلة عنده إنما هو أن تكون
صلاتان معًا في موضع واحد لمكان الاختلاف على الإمام، انتهى. واختصاص
الحكم بالمسجد هو الذي فهمه ابن عمر، فقد قال الحافظ في ((الفتح)): قد فهم ابن
عمر اختصاص المنع بمن يكون في المسجد لا خارجًا عنه فصح عنه أنه كان
يحصب من ينتفل في المسجد بعد الشروع في الإقامة، وصح عنه أنه قصد المسجد
فسمع الإقامة فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة ثم دخل المسجد فصلى مع
الإِمام. ويؤيده ما روي عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول اللَّه وَ ل يقول: ((لا

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٤٧
صلاة لمن دخل المسجد والإمام قائم يصلي فلا ينفرد وحده بصلاة ولكن يدخل مع
الإمام في الصلاة)). رواه الطبراني في ((الكبير)).
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢: ص٧٥): وفيه يحيى بن عبد اللّه البابلتي
وهو ضعيف، انتهى.
قلتُ: يحيى البابلتي هذا ابن امرأة الأوزاعي، ضعفه أبو زرعة وغيره. وقال ابن
أبي حاتم: يأتي عن الثقات بأشياء معضلة يهم فيها، فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد
به. وقال أبو حاتم: لا يعتد به. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة تفرد ببعضها،
وأثر الضعف على حديثه بين، وقد أكثر عن الأوزاعي ولم يسمع منه شيئًا. وقال في
((التقريب)) في ترجمته: ضعيف، فحديث ابن عمر هذا ضعيف لا يصلح للاستدلال
والتخصيص، والظاهر عندي: أن الحديث موقوف من قول ابن عمر وفتياه، كما
يدل عليه فعله، فوهم فيه يحيى البابلتي وجعله مرفوعًا من قول النبي وَّر. وقوله
وَالر: ((إذا أقيمت الصلاة ... )) إلخ مطلق غير مقيد بالمسجد بل هو عام للمسجد
وغيره، فيجب حمله على عمومه ولا يجوز قصره على المسجد؛ لأن تخصيص
النص بالرأي غير جائز ابتداءًا، فلا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة الصحيحة،
ولا يجوز تخصيصه بقول أحد كائنًا من كان، والحجة هي السنة دون فهم الصحابي
وفعله أو قوله، وعلة النهي إنما هو الاشتغال بالنافلة عن الفريضة عند الإقامة أو
بعدها وقد جاء ذلك مصرحًا في بعض الروايات، كما تقدم، ولا دخل للمسجد في
العلية وأما ما قال ابن رشد في ذكر وجه الاختلاف بين مالك وأبي حنيفة في القدر
الذي يراعى من فوات الفضيلة من أن أبا حنيفة قيد بإدراك الركعة؛ لأن فضل
الجماعة إنما يحصل عنده بإدراك ركعة ففيه أن إدراك الفضل لا يتوقف عندهم على
إدراك الركعة بل يحصل ذلك بإدراك التشهد أيضًا. قال الشامي (ج١: ص٦٧١):
المراد هنا على إدراك فضل الجماعة، وقد اتفقوا على إدراكه بإدراك التشهد، فيأتي
بالسنة اتفاقًا أي: لورجا إدراك التشهد، كما أوضحه في ((الشرنبلالية)) أيضًا، وأقره
في ((شرح المنية)) وشرح ((نظم الكنز)) و((حاشية الدرر)) لنوح آفندي وشرحها للشيخ
إسماعيل ونحوه في القهستاني، وجزم به الشارح في المواقيت، انتهى.
قال صاحب الفيض: ثم وسع محمد (رح) في إدراك ركعة، وأجاز بهما عند

٤٤٨
BE *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
إدراك القعدة أيضًا. ثم مشائخنا وسعوا بهما في المسجد أيضًا. وحكاه النووي في
((شرح مسلم)) عن أبي حنيفة وأصحابه، وأظن أن أول من وسع بهما في المسجد هو
الطحاوي، فذهب إلى جوازهما في ناحية المسجد بشرط الفصل بينهما وبين
المكتوبة حتى لا يعد واصلا بينهما وبين المكتوبة، وهو مثار النهي عنده. ولعلك
علمت أن القيدين الذين كان صاحب المذهب ذكرهما ارتفع أحدهما بتوسيع
محمد، والآخر بتوسيع الطحاوي. أما أنا فأعمل بمذهب الإمام أبي حنيفة، وقد
أفتى به الناس، انتھی .
قلتُ: مناط النهي وعلته عند الطحاوي هو اختلاط الفرض والنفل، ومخالطة
الصف، وعدم الفصل بين النافلة والفريضة في المكان، فقد قال في تأويل حديث
أبي هريرة: إنه قد يجوز أن يكون أراد بهذا النهي عن أن يصلى غيرها في موطنها
الذي فيه، فيكون مصليها قد وصلها بتطوع، فيكون النهي من أجل ذلك لا من أجل
أن يصلي في آخر المسجد، ثم يتنحى الذي يصليها من ذلك المكان، فيخالط
الصفوف ويدخل في الفريضة، انتهى. واستدل لذلك بما رواه هو وأحمد (ج٥ :
ص٣٤٥) عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن عبد الله بن مالك ابن بحينة أن
رسول اللّه ◌َله مر بعبد الله بن مالك ابن بحينة وهو منتصب يصلي ثمة بين يدي
نداء الصبح فقال: ((لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها، واجعلوا
بينهما فصلًا)). قال الطحاوي: فبيّن هذا الحديث أن الذي كرهه رسول اللّه وَلِّ لا بن
بحينة هو وصله إياها بالفريضة في مكان واحد لم يفصل بينهما بشيء، وليس لأنه
كره له أن يصليهما في المسجد إذا كان فرغ منها تقدم إلى الصفوف فصلى الفريضة
مع الناس، انتھی.
قلتُ: تأويل الطحاوي هذا ضعيف جدًّا بل باطل والاستدلال له بحديث محمد
ابن عبد الرحمن أبطل، فإنه لو كان المراد بالفصل فيه الفصل بالمكان، أي:
بالتقدم أو التأخر؛ لَلَزِمَ أن يكون ذلك الفصل مطلوبًا في الظهر، ويجوز أداء سنة
الظهر متصلًا بالفرض مخالطًا للصف من غير فصل بالتقدم، ولا يقول به أحد على
أنه لا دليل على ما ذكر في حد الفصل بالمكان بأن يصلي في مؤخر المسجد ثم
يمشي إلى أول المسجد ومقدمه ويخالط الصف، فيدخل في الفريضة، فإن الفصل
بين النفل والفرض بالمكان قد يحصل بالتقدم بخطوة بل بالكلام أيضًا، فلو صلى

٤٤٩
كِتَابُ الضَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
أحد ركعتي الفجر قريبًا من الصف أو مخالطًا له ودخل في الفريضة بعد أن مشى
خطوة فقد صدق عليه أنه جعل الفصل بين النفل والفرض بالمكان، فيلزم أن يكون
هذا جائزًا عند من يقول بالفصل بالمكان. والحاصل: أن جعل الصلاة في مؤخر
المسجد ثم مشيه إلى مقدم المسجد والصف حدًّا للفصل بالمكان لا أثارة عليه من
علم، وكذا لا دليل على كون علة النهي اختلاط الصلاتين ومخالطة الصفوف بل
علة النهي هو أداء السنة حال إقامة الصلاة كما تقدم.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن المراد بالفصل في حديث محمد بن عبد الرحمن هو
الفصل بالزمان لا غير، والمعنى: اجعلوا بين سنة الفجر وفرضه فصلًا أي:
بالزمان بأن تصلوها قبل الإقامة لا عندها ليحصل الفصل بين السنة والفرض، وهذا
الفصل مطلوب في جميع المكتوبات، وإنما خص الفجر بالذكر؛ لأن هذه القصة
وقعت عند الفجر، فإن ابن بحينة صلى ركعتي الفجر، حال إقامة الصلاة، فأمره
بالفصل ليجتنب فيما بعد عن التنفل حال الإقامة وبعدها، وهذا مشترك بين الفجر
وغيره من المكتوبات، وليؤدي بعض المستحبات التابعة لسنة الفجر،
كالاضطجاع على الشق الأيمن، فكأنه أمره بالفصل ليمكن له الاضطجاع بعد
سنة الفجر قبل الإقامة، فإن حال الإقامة لا يمكنه الإتيان بهذا المستحب؛ لأن بعد
إتمام السنة يدخل في الفريضة ولا يشتغل بأداء المستحب، وهذا مختص بصلاة
الفجر. وأما قوله ◌َّيلر: ((لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها)) أي: فإن
سنة الظهر قد تؤدَّى في المسجد بخلاف سنة الفجر، أو فإنها لا يشرع الاضطجاع
بعدها بخلاف ركعتي الفجر، ولا يحصل هذا إلا إذا فصل بين ركعتي الفجر وفرضه
بالزمان، وبذلك تنتفي المشابهة بين سنة الظهر وسنة الفجر، أو فإنه يجوز أداء سنة
الظهر بحيث يفرغ منها متصلاً بالإقامة لفرضه من غير فصل، أي: بدون تقدم
بالزمان والدليل على أن المراد بالفصل الفصل بالزمان ما ورد في بعض الأحاديث
من علة النهي منصوصًا، وهي أداء السنة وقت إقامة الصلاة أو بعدها، كما تقدم
من حديث أبي موسى الأشعري وابن عباس وأنس بن مالك. ويدل على ذلك أيضًا
ما روى مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، واللفظ لمسلم من حديث عاصم
الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: دخل رجل المسجد ورسول اللّه وَالّ في
صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول اللّه وَ سليل فلما سلم

٤٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رسول اللَّه ◌َ لَه قال: ((يا فلان بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك
معنا؟)) وأخرجه الطحاوي عنه بلفظ: ((أن رجلًا جاء ورسول اللَّه ◌َله في صلاة
الصبح، فركع ركعتين خلف الناس، ثم دخل مع النبي وَّ في صلاته ... ))
الحديث. قال البيهقي في ((المعرفة)) بعد روايته ما لفظه: رواه مسلم في ((الصحيح))
عن زهير بن حرب عن مروان بن معاوية، ورواه عبد الواحد بن زياد عن عاصم،
وقال: ((يصلي ركعتين قبل أن يَصِلَ إلى الصف)). وهذا يرد قول من زعم أنه إنما
أنكره لإيصاله بالصفوف في حال اشتغاله بالركعتين، أو لأنه لم يجعل بين النفل
والفرض فصلًا بتقدم أو تكلم؛ لأن هذا قد أخبر بأنه صلاهما في جانب المسجد
قبل أن يصل إلى الصف، ثم دخل مع النبي ◌َّ، انتهى.
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص٢٧٤): في هذا دليل على أنه إذا صادف
الإمام في الفريضة لم يشتغل بركعتي الفجر وتركهما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة.
وقوله: ((أيتهما صلاتك؟)) في رواية أبي داود مسألة إنكار يريد بذلك تبكيته على
فعله وفيه: دلالة على أنه يجوز له أن يفعل ذلك وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما
قبل خروج الإمام من صلاته؛ لأن قوله: ((أو التي صليت معنا)) يدل على أنه قد
أدرك الصلاة مع رسول اللَّه وَ ل بعد فراغه من الركعتين، انتهى.
وقال النووي في ((شرح مسلم)) (ج١ ص٢٤٧): فيه دليل على أنه لا يصلي بعد
الإقامة نافلة وإن كان يدرك الصلاة مع الإمام، ورد على من قال: إن علم أنه يدرك
الركعة الأولى والثانية يصلي النافلة، وقال ابن عبد البر: كل هذا إنكار منه لذلك
الفعل، فلا يجوز لأحد أن يصلي في المسجد شيئًا من النوافل إذا قامت المكتوبة،
كذا في ((شرح الموطأ)) للزرقاني، وأما ما قال الطحاوي تحت ما رواه من حديث
ابن سرجس: أنه قد يجوز أن يكون قوله: كان خلف الناس أي: كان خلف
صفوفهم لا فصل بينه وبينهم، فكان شبيه المخالط، وهذا مكروه عندنا، وإنما
يجب أن يصليهما في مؤخر المسجد، ثم يمشي من ذلك المكان إلى أول
المسجد، فأما أن يصليهما مخالطًا لمن يصلي الفريضة فلا، فهو مردود عليه؛ لأن
المراد من خلف الناس هو جانب المسجد، كما جاء مصرحًا في رواية مسلم:
((فصلى ركعتين في جانب المسجد))، فإنه صريح في أنه صلى في جانب من
جوانب المسجد وزاوية من زواياه، والروايات يفسر بعضها بعضًا، ومع ذلك نهاه

٤٥١
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
كِتَابُ الصَّلاةِ
النبي وَله، فعلم أن أداء السنة حال إقامة الصلاة والاشتغال بالنافلة عن الفرض،
سواء كان في مقدم المسجد أو مؤخره ممنوع. قال الشيخ سلام اللّه الدهلوي في
((المحلى شرح الموطأ)) وهو من العلماء الحنفية من أولاد الشيخ عبد الحق
الدهلوي صاحب ((اللمعات)): ومن الحنفية من قال: إنما أنكر النبي وَلّه؛ لأن
الرجل صلاها في المسجد بلا حائل فشوش على المصلين، ويرده ما في مسلم عن
ابن سرجس: ((دخل رجل المسجد وهو ◌َّ في صلاة الغداة فصلى ركعتين في
جانب المسجد ... )) الحديث. فإنه يدل على أن أداء الرجل كان في جانب لا
مخالطًا للصف بلا حائل، انتهى ملخصًا.
وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((التعليق الممجد)) (ص٨٦): وحمل
الطحاوي هذه الأخبار. أي أحاديث ابن سرجس وابن بحينة وغيرهما على أنهم
صلوا في الصفوف لا فصل بينهم وبين المصلين بالجماعة، فلذلك زجرهم
النبي ◌َّر، لكنه حمل من غير دليل معتد به، بل سياق بعض الروايات يخالفه،
وقال فيه أيضًا: ذكر الطحاوي أن معنى قوله: ((فلا صلاة إلا المكتوبة)) النهي عن
أداء التطوع في موضع الفرض، فإنه يلزم حينئذٍ الوصل، وبسط الكلام فيه، لكن لا
يخفى على الماهر أن الظاهر الأخبار المرفوعة هو المنع، انتهى.
فإن قلت: قال ابن الملك والعيني وغيرهما من الحنفية: إن قوله عليه السلام:
((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) ليس على عمومه، بل خصت منه سنة
الفجر؛ لقوله عليه السلام: ((لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل))، أخرجه أبو داود،
فيكره أداء السنن عند الإقامة إلا سنة الفجر فيجوز أداؤها، ويجمع بين الفضيلتين،
يعني فضيلة ركعتي الفجر وفضيلة الجماعة. قلتُ: لا يجوز تخصيصها من عموم
قوله: ((إذا أقيمت الصلاة ... )) إلخ؛ لأنه ورد النهي الصريح في أداء سنة الفجر عند
الإقامة من غير احتمال ولا تأويل كحديث عبد الله بن سرجس وأبي موسى
الأشعري وابن عباس وأنس بن مالك، وقد ذكرنا ألفاظهم، وكحديث عبد الله
مالك ابن بحينة قال: مر النبي وَله برجل وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما
انصرف رسول اللَّه وَللاث به الناس، فقال: ((الصبح أربعا؟ الصبح أربعا؟))
أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه والدارمي والطحاوي. ولفظ مسلم في رواية :

٤٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((أتصلي الصبح أربعا؟)) قال النووي: هو استفهام إنكار، ومعناه: أنه لا يشرع بعد
الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة ثم صلى معهم
الفريضة صار في معنى من صلى الصبح أربعًا؛ لأنه صلى بعد الإقامة أربعًا. وقال
العيني: والمراد: أن الصلاة الواجبة إذا أقيم لها؛ لم يُصَلُّ في زمانها غيرها من
الصلاة، فإنه إذا صلى ركعتين مثلاً بعد الإقامة نافلة لها ثم صلى معهم الفريضة
صار في معنى من صلى الصبح أربعًا؛ لأنه صلى بعد الإقامة أربعًا، انتهى.
فأحاديث هؤلاء الصحابة كما ترى صريحة في أنه وُّ نهى عن ركعتي الفجر عند
الإقامة، فلا يصح تخصيصهما من عموم حديث أبي هريرة، ومن يخصصهما بعد
هذا النهي الصريح، فهو معاند للسنة ومتعصب مفرط، وأما الجمع بين الفضيلتين
يعني: فضيلة ركعتي الفجر وفضيلة الجماعة فهو ممكن بأن يدخل في الجماعة
وبعد الفراغ من الفجر يؤدي الركعتين، فإن تلك الساعة وقت لها في حقه. وأما ما
يذكر عن ابن مسعود أنه صلى ركعتي الفجر إلى اسطوانة من المسجد ثم دخل في
الصلاة، وعن أبي الدرداء، أنه كان يصلي الركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل
مع القوم في الصلاة، وعن ابن عباس أنه صلى ركعتين في المسجد ثم دخل مع
الإمام، وعن مسروق وأبي عثمان النهدي والحسن البصري مثل ذلك. ففيه ما قال
العلامة العظيم آبادي في إعلام أهل العصر: إن في طبقة الصحابة إن كان ابن
مسعود وأبو الدرداء يريان جواز فعلمها فعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر
وأبو هريرة وأبو موسى الأشعري وحذيفة لا يرون ذلك، أما عمر فيضرب الناس
لأجلها، وابنه عبد الله يحصب على من يصلي، وأبو هريرة ينكر على ذلك، وأبو
موسى وحذيفة دخلا في الصف ولم يركعا كما ركع ابن مسعود. وأما ابن عباس
فقد تعارض بين روايته وفعله، والحجة في روايته دون فعله. وأما في طبقة التابعين
ومن بعدهم من الأئمة، فإن كان مسروق والحسن ومجاهد ومكحول وحماد بن
أبي سليمان وأبو حنيفة النعمان يرون ذلك. فسعيد بن جبير وابن سيرين وعروة بن
الزبير وإبراهيم النخعي وعطاء والشافعي وأحمد وابن المبارك وإسحاق وجمهور
المحدثين لا يرون ذلك. وَلَنِعْمَ ما قال ابن عبد البر: ((والحجة عند التنازع السنة،
فمن أدلى بها فقد أفلح)). وترك التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض
أقرب إلى اتباع السنة. فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره.

٤٥٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: كان
النبي بَل يصلي ركعتين عند الإقامة، فهو حديث ضعيف جدًّا لا تقوم بمثله
الحجة، فيه الحارث الأعور وهو ضعيف، بل قد رمي بالكذب. واختلف فيمن
شرع في النافلة قبل الإقامة هل يقطع الصلاة أم يتمها؟ قال المنذري: ذهب بعض
الظاهرية إلى أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه الصلاة. وقال الحافظ في ((الفتح)):
واستدل بعموم قوله: ((فَلاَ صَلاَةَ إِلَّ الْمَكْتُوبَةُ)) لمن قال: يقطع النافلة إذا أقيمت
الفريضة، وبه قال أبو حامد وغيره من الشافعية، وخص آخرون النهي بمن ينشئ
النافلة عملاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وقال العراقي: قال
الشيخ أبو حامد من الشافعية: إن الأفضل خروجه من النافلة إذا أداه إتمامها إلى
فوت فضيلة التحریم. وهذا واضح، انتهى.
قلتُ: الراجح عندي: أن يقطع صلاته عند الإقامة. إن بقيت عليه ركعة، فإن
أقل الصلاة ركعة، وقد قال ◌َله: ((لا صلاة بعد الإقامة إلا المكتوبة))، فلا يجوز له
أن يصلي ركعة بعد الإقامة. وأما إذا أقيمت الصلاة وهو في السجدة أو التشهد فلا
بأس لو لم يقطعها وأتمها؛ لأنه لا يصدق عليه أنه صلى صلاة أي ركعة بعد
الإقامة. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فقد سبق في توجيهه ما لا يخدش
هذا الاستدلال، فتذكر. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))
والطحاوي والبيهقي كلهم من رواية عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي
هريرة. واختلف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه. وقيل: إن ذلك هو السبب في
كون البخاري لم يخرجه، والمرفوع أصح؛ لأن الرفع زيادة ثقة، ولا يقدح عدم
إخراج البخاري في ((صحيحه)) في رفعه وصحته، كما لا يخفى على المنصف غير
المتعسف، قال الطحاوي: أصل الحديث عن أبي هريرة، أي: من قوله لاعن
النبي ◌َّ، هكذا رواه الحفاظ عن عمرو بن دينار حدثنا أبو بكرة ثنا أبو عمر
الضرير، أنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن
أبي هريرة بذلك ولم يرفعه، فصار أصل هذا الحديث عن أبي هريرة لا عن النبي
وَله. قلت: كلام الطحاوي هذا مبني على فرط تعصبه، جعل المرفوع موقوفًا
حمية لمذهبه. والحديث رواه جمع من الحفاظ مثل ورقاء بن عمر، وزكريا بن

٤٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إسحاق، وابن جريج، وأيوب وزياد بن سعد، وإسماعيل بن مسلم، ومحمد بن
جحادة، وإسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، كلهم عن عمرو بن دينار مرفوعًا إلى
النبي ◌َّر، ورواه بعض الحفاظ كحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة عن
عمرو بن دينار موقوفًا على أبي هريرة، لكن ذكر البيهقي في ((المعرفة)) بعد روايته
من طريق سعيد بن منصور عن سفيان موقوفًا إلا أنه - أي: سعيد بن منصور - قال
في آخره: قلت لسفيان: مرفوعًا؟ قال: نعم. وأما حماد بن سلمة فاختلف عليه:
فروى مسلم بن إبراهيم عند أبي داود والدارمي، وموسى بن إسماعيل عند البيهقي
عن حماد بن سلمة مرفوعًا، وروى أبو عمر الضرير عنه عند الطحاوي موقوفًا. فقد
ظهر من هذا أن أكثر الرواة رفعوه، ومن المعلوم أن الرفع مقدم على الوقف، وإن
كان عدد الرافعين أقل، فكيف إذا كان أكثر؟! فالحديث لا يشك من له أدنى عقل
وخبرة في أن أصله من النبي ◌َّ لا عن أبي هريرة، ولذا اتفق الحفاظ كالترمذي
والبيهقي والنووي وغيرهم على أن الحديث المرفوع أصح. وأما ما وقع في
«صحيح مسلم)) من أنه قال حماد بن زيد - الراوي عن أيوب عن عمرو بن دينار
مرفوعًا -: ثم لقيت عمرًا فحدثني به ولم يرفعه، فلا يقدح في صحة الحديث
ورفعه؛ لأن غاية ما فيه أنه يدل على أن عمرو بن دينار كان لا يرفعه تارة ووقفه مرة
أو مرتين، لا يخرج الحديث من أن يكون مرفوعًا في الأصل؛ لأن أكثر الرواة
رفعوه، والرفع مقدم، وإن كان عدد الرفع أقل، فكيف إذا كان أكثر.
١٠٦٦ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَِّيُّ ◌َِ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ
أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يَمْنَعْهَا».
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٠٦٦ - قوله: (إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ) أي: زوجَها في الذهاب. (إِلَى
الْمَسْجِدِ) أو ما في معناه كشهود العيد وعيادة المريض. (فَلَا يَمْنَعْهَا) بالجزم
والرفع. وفي بعض النسخ: ((فلا يمنعنَّها)) بالنون الثقيلة المؤكدة. وفي
(١٠٦٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٢٣٨) (٨٧٣)، ومُسْلِم (١٣٤ / ٤٤٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهَا.

٤٥٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
((الصحيحين)): ((فلا يمنعها)) بغير النون كما في الكتاب، وهو عام يشمل الليل
والنهار، فما وقع في بعض طرق حديث ابن عمر عند الشيخين قوله: ((بالليل)) من
ذكر فرد من أفراد العام فلا يخصص على الأصح في الأصول كحديث: ((دِبَاغُهَا
طَّهُورُهَا)) في شاة ميمونة مع حديث: ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)). وقيل : خص الليل
بالذكر لما فيه من الستر بالظلمة. وقيل: التقييد بالليل من مفهوم الموافقة؛ لأنه إذا
أذن لهن بالليل مع أنه مظنة الريبة فالإذن بالنهار بطريق الأولى. ثم مقتضى هذا
النهي أن منع المرأة من الخروج إلى المسجد إما مطلقًا في الأزمان كما في هذه
الرواية، أو مقيدًا بالليل كما في بعض الروايات من حديث ابن عمر يكون محرمًا
على الزوج. وقال النووي: النهي محمول على كراهة التنزيه. قال البيهقي: وبه
قال كافة العلماء. ومقتضى الحديث أن جواز الخروج يحتاج إلى إذن الزوج. وقال
السندي: الحديث مقيد بما علم من الأحاديث الأخر من عدم استعمال طيب
وزينة، فينبغي أن لا يأذن لها إلا إذا خرجت على الوجه الجائز، وينبغي للمرأة أن لا
تخرج بذلك الوجه للصلاة في المسجد إلا على قلة؛ لما علم أن صلاتها في البيت
أفضل. نعم، إذا أرادت الخروج بذلك الوجه فينبغي أن لا يمنعها الزوج. وقول
الفقهاء بالمنع مبني على النظر في حال الزمان، لكن المقصود يحصل بما ذكرنا من
التقييد المعلوم من الأحاديث، فلا حاجة إلى القول بالمنع، انتهى.
وقال النووي: الحديث ظاهر في أنها لا تمنع المسجد، لكن بشروط ذكرها
العلماء مأخوذة من الأحاديث وهي: أن لا تكون متطيبة ولا متزينة، ولا ذات
خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها
ممن يفتتن بها. وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها، انتهى.
وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث عام في النساء، إلا أن الفقهاء خصوه بشروط
وحالات: منها: أن لا تتطيب، قال: ويلحق بالطيب ما في معناه؛ فإن الطيب إنما
منع لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم، وربما يكون سببًا لتحريك شهوة
المرأة أيضًا، فما أوجب هذا المعنى التحق به؛ كحسن الملبس ولبس الحلي الذي
يظهر أثره في الزينة، وكذا الاختلاط بالرجال. قال الحافظُ: وفرَّق كثير من الفقهاء
المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها. وفيه نظر، إلا أن أخذ الخوف عليها من
جهتها؛ لأنها إذا عريت مما ذكر وكانت مستترة حصل الأمن عليها، ولاسيما إذا

٤٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كان ذلك بالليل. وقد ورد في بعض الأحاديث ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها
أفضل من صلاتها في المسجد. ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل: تحقق
الأمن فيه من الفتنة ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة،
ومن ثم قالت عائشة ما قالت - يشير بذلك إلى ما رواه الشيخان عن عمرة عن
عائشة قالت: لو أن رسول اللّه وَله رأى من النساء ما أحدثن لمنعهن من المسجد
كما منعت نساء بني إسرائيل ... )) الحديث. وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع
النساء مطلقًا. وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم؛ لأنها علقته على شرط
لم يوجد بناء على ظن ظنته فقالت: لو رأى لمنع، فيقال عليه لم ير ولم يمنع،
فاستمر الحكم حتى أن عائشة لم تصرح بالمنع وإن كان كلامها يشعر بأنها ترى
المنع، وأيضًا فقد علم الله سبحانه تعالى ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه بمنعهن.
ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق
أولى. وأيضًا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعين المنع
فليكن لمن أحدثت. والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب؛
لإسارته وية إلى ذلك بمنع التطيب والزينة، وكذلك التقييد بالليل، انتهى كلام
الحافظ مختصرًا.
قلتُ: حمل الحنفية الأحاديث الدالة على جواز خروج النساء إلى المساجد
للجماعة على العجائز الغير المشتهاة، وقيدوها بالليل، أي: بصلاة الفجر
والمغرب والعشاء، وأفتى المتأخرون منهم بمنع العجائز أيضًا كالشواب، وقالوا:
خروج النساء للجماعة في زماننا مكروه لفساده، واحتجوا لذلك بأثر عائشة
المذكور. وفيه: أنه لا دليل على حمل أحاديث الباب على العجائز، بل يرده
ويبطله عموم هذه الأحاديث وإطلاقها، وتعامل الصحابة بعده وَالخير. والقول
بكراهة الخروج ومنعه مطلقًا أبطل وأبطل، وليس في أثر عائشة حجة لجواز منعهن
المساجد كما سلف في كلام الحافظ أخذًا من ((المحلى)) لابن حزم. قال الشيخ
أحمد محمد شاكر: الشريعة استقرت بموته وّله، وليس لأحد أن يحدث بعده
حكمًا يخالف ما ورد عنه أو علة استحسنها. وكما قال الشافعي في ((الرسالة)): ومن
وجب عليه اتباع سنة رسول اللّه وَ ليل لم يكن خلافها، ولم يقم مقام أن ينسخ شيئًا
منه، انتھی.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٥٧
واللَّه سبحانه أنزل على عبده محمد ◌ّلو شريعة كاملة بينة، وهو سبحانه يعلم ما
يكون، فلو شاء أن يمنع النساء المساجد لما قالت عائشة لأَوْحَى بذلك إلى رسوله،
ولكنه أذن بخروجهن إلى المساجد، وحرم منعهن شهود الجماعة، ونهاهن عن
التبرج وإظهار زينتهن، وكلا الأمرين واجب اتباعه لا يعارض أحدهما الآخر،
وعلى الناس الطاعة. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) للحديث عند الشيخين وغيرهما طرق وألفاظ،
واللفظ المذكور ((أَحَدُهَا)) لكن ليس في البخاري في الطريق الذي ذكر المصنف
لفظة التقييد بالمسجد، وأخرجه باللفظ المذكور أحمد والنسائي والبيهقي أيضًا.
١٠٦٧ - [٩] وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَت: قَالَ لَنَا
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ، فَلَا تَمَسَّ طِيبًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٠٦٧ - قوله: (وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) هي زينب بنت معاوية.
وقيل: بنت أبي معاوية. وقيل: بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب بن الأسود الثقفية
زوج ابن مسعود، صحابية، روت عن النبي وَّلَ وعن زوجها عبد الله بن مسعود
وعن عمر بن الخطاب، لها أحاديث اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث،
ومسلم بآخر، وروى عنها ابنها أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وابن أخيها ولم
يسم وعمرو بن الحارث بن ضرار وغيرهم. (إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ) أي: إذا
أرادت شهود المسجد وحضوره. (فَلَا تَمَسَّ) بالفتح بغير النون. (طِيْبًا) بكسر
الطاء، أي: لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم، ولذلك ورد في حديث
أبي هريرة عند أحمد وأبي داود: ((وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ))، وهو بفتح التاء وكسر الفاء
أي غير متطيبات، ويقال: امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح، ولحديث زينب هذا
طرق وألفاظ عند أحمد ومسلم والنسائي. وقد بسط السيوطي طرقه في ((تنوير
الحوالك)» ولفظه في رواية لمسلم: ((إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ العِشَاءَ فَلاَ تَطَيَّب تِلْكَ
(١٠٦٧) مُسْلِم (١٤٣ / ٤٤٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فيها .

٤٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اللَّيْلَةِ)). قال النووي: معناه إذا أرادت شهودها، وأما من شهدتها ثم عادت إلى بيتها
فلا تمنع من التطيب بعد ذلك، انتهى.
ولعل التخصيص بالعشاء؛ لأن الخوف عليهن في الليل أكثر، ووقوع الفتنة فيه
أقرب، أو لأن عادتهن استعمال الطيب في الليل لأزواجهن، والله تعالى أعلم.
وفي الحديث: دليل على أن الخروج من النساء إلى المساجد إنما يجوز إذا لم
يصحب ذلك ما فيه فتنة كما تقدم. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج)٦
ص٣٦٣) والنسائي في الزينة، والبيهقي في الصلاة (ج٣ ص ١٣٣) وأخرجه مالك
بلاغًا عن بسر بن سعيد مرسلاً.
١٠٦٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ
أَصَابَتْ بَخُورًا، فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٠٦٨ - قوله: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا) بفتح الباء الموحدة وخفة الخاء
المعجمة: أخذ دخان المحروق. وقيل: هو ما يبتخر به ويتعطر كالسحور
والفطور، والمراد هنا: الرائحة الطيبة التي فاحت بإحراق البخور، ويلحق
بالبخور ما في معناه من محركات الشهوة، وما كان في تحريك الشهوة فوق
البخور فهو داخل بالأولى. (فَلَا تَشْهَدْ) بسكون الدال، أي: لا تحضر.
(مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ)؛ لأنها وقت الظلمة، والعطر يهيج الشهوة فلا تأمن المرأة
حينئذٍ من كمال الفتنة، فالتخصيص بالعشاء الآخرة لمزيد التأكيد، وقد تقدم أن
مس الطيب يمنع المرأة من حضور المسجد مطلقًا.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود في الترجل والنسائي في الزينة والبيهقي في
الصلاة، كلهم من طريق عبد الله بن محمد أبي فروة، عن يزيد بن خصيفة، عن
بسر بن سعيد، عن أبي هريرة، قال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع يزيد بن خصيفة عن
(١٠٦٨) مُسْلِم (١٤٣ /٤٤٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
age
٤٥٩
بسر بن سعيد على قوله عن أبي هريرة، وقد خالفه يعقوب بن عبد الله بن الأشج،
رواه عن زينب الثقفية، ثم ساق حديث بسر عن زينب الثقفية من طرق، انتهى. وقد
ذكر المنذري كلام النسائي هذا في ((مختصر السنن)) وأقرّه.