النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢٠
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
قال الحافظُ: وكلام معاوية مشعر بأن من خاطبهم كانوا يصلون بعد العصر
ركعتين على سبيل التطوع الراتب لها كما يصلى بعد الظهر، وما نفاه من رؤية صلاة
النبي وَيّلهما قد أثبته غيره، والمثبت مقدم على النافي، وسيأتي قول عائشة: كان
لا يصليهما في المسجد، لكن ليس في رواية الإثبات معارضة للأحاديث الواردة
في النهي؛ لأن رواية الإثبات لها سبب - كما تقدم - فألحق بها ما له سبب وبقي ما
عدا ذلك على عمومه، والنهي فيه محمول على ما لا سبب له، وأما من يرى عموم
النهي ولا يخصه بما له سبب فيحمل إنكار معاوية على من يتطوع، ويحمل الفعل
على الخصوصية، ولا يخفى رجحان الأول، انتهى.
(يَعْنِي) أي: يريد معاوية بهما. (الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: بعد صلاة العصر.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص٩٩، ١٠٠) والبيهقي.
١٠٥٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ، وَقَدْ صَعَدَ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ: مَنْ
عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدُبٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَل
يَقُولُ: ((لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلاَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ
الشَّمْسُ إِلاَّ بِمَكَّةَ إِلاَّ بِمَكَّةً إِلاَّ بِمَكَّةَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَزِينٌ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٠٥٨ - قوله: (قَالَ) أي: أبو ذر. (وَقَدْ صَعَدَ) حال من ضمير ((قال))، أي:
طلع أبو ذر. (عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ) قال القاري: الدرجة بفتحتين هي الآن خشب
يلصق بباب الكعبة ليرقى فيه إليها من يريد دخولها، فإذا قفلت حُوِّل لمحل آخر
قريب من الطواف بجنب زمزم، فيحتمل أن يكون في ذلك الزمان كذلك،
ويحتمل أن يكون بكيفية أخرى، ولا يبعد أن يكون المراد بالدرجة عتبة الكعبة،
ويؤيد هذا رواية البيهقي بلفظ: قام فأخذ بحلقة باب الكعبة. (مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ
عَرَفَنِي ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَّا جُنْدُبٌ) بضم الدال وبفتح. قال الطيبي: اتحاد الشرط
والجزاء للإشعار بشهرة صدق لهجته، والشرطية الثانية تستدعى مقدرًا، أي: ومن
(١٠٥٨) أَحْمَد (٥/ ١٦٥ - ١٦٦) عنه.
٤٢١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
** E
بَابٌ أَوْقَاتِ النَّھْي
لم يعرفني فليعلم أني جندب. (لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْح) أي: بعد فرض الصبح. (وَلَا
صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: فرضه. (إِلاَّ بِمَكَّةَ إِلاَّ بِمَكَّةَ إِلاَّ بِمَكَّةَ) ثلاث مرات للتأكيد.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَزِينٌ) بن معاوية العبدري، أخرجه أحمد (ج٥ : ص١٦٥) عن يزيد،
عن عبد الله بن المؤمل، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، عن أبي ذر، وأخرجه
الشافعي والدار قطني والبيهقي كلاهما من طريقه، عن عبد الله بن المؤمل، عن
حميد مولى عفراء، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، فزادوا حميدًا في سندهم،
وأخرجه ابن عدي في ((الكامل)) وابن خزيمة في ((صحيحه)) والبيهقي من حديث
سعيد بن سالم، عن عبد الله بن المؤمل، عن حميد، عن مجاهد، عن أبي ذر فلم
يذكروا فيه قيسًا، وأخرجه ابن عدي والبيهقي من طريقه من حديث اليسع بن طلحة
القرشي: سمعت مجاهدًا يقول: بلغنا أن أبا ذر ... فذكره. قال البيهقي: واليسع
بن طلحة ضعفوه، وعبد الله أيضًا ضعيف، والحديث منقطع؛ مجاهد لم يدرك أبا
ذر. ويقال: إن عبد اللّه تفرد به، ولكن تابعه إبراهيم بن طهمان في ذلك عن حميد،
وأقام إسناده، ثم ساقه بسنده إلى خلاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان:
ثنا حميد مولى عفراء، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، قال: جاءنا أبو ذر فأخذ
بحلقة الباب ... الحديث. قال البيهقي: وحميد الأعرج ليس بالقوى. قال
أبو حاتم الرازي: لم يسمع مجاهد من أبي ذر، وكذا أطلق ذلك ابن عبد البر
والبيهقي والمنذري وغير واحد. قال البيهقي: قوله في رواية ابن طهمان: جاءنا أبو
ذر، أي: جاء بلدنا. قال الزيلعي: قال الشيخ في ((الإمام)): حديث أبي ذر هذا
معلول بأربعة أشياء: أحدها: انقطاع ما بين مجاهد وأبي ذر. والثاني: اختلاف في
إسناده. والثالث: ضعف ابن المؤمل؛ ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أحمد:
أحاديثه مناكير. والرابع: ضعف حميد مولى عفراء، انتهى مختصرًا.
لكن قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): وهذا حديث وإن لم يكن بالقوي؛ لضعف
حميد مولى عفراء ولأن مجاهدًا لم يسمع من أبي ذر. ففي حديث جبير بن مطعم -
المتقدم - ما يقويه مع قول جمهور العلماء من المسلمین به، انتهى.
قلتُ: الظاهر أن حميد هذا هو حميد بن قيس الأعرج المكي أبو صفوان القارئ
الأسدي مولاهم، وقيل: مولى عفراء، من رجال الجماعة، وثقه الترمذي
والبخاري وأحمد في رواية أبي طالب عنه، وابن معين وأبو زرعة وأبو داود
٤٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويعقوب بن سفيان والعجلي وابن خراش. وقال أبو حاتم والنسائي وابن عدي:
ليس به بأس: وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: ليس بالقوي، فتعليل الحديث
بضعف حميد ليس مما يلتفت إليه. وهاهنا حميد آخر، وهو حميد الأعرج الكوفي
القاص الملائي، واختلف في اسم أبيه، فقيل: حميد بن عطاء، وقيل: ابن علي،
وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن عبيد، وهو من رجال الترمذي ضعيف بالاتفاق.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ONBax E
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٢٣
se
٢٣ - بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
(بَابُ الْجَمَاعَةِ) أي: أحكامها وآدابها. (وَفَضْلِهَا) أي: زيادة ثوابها. اعلم أنهم
اختلفوا في بدأ مشروعية صلاة الجماعة، فجزم ابن حجر المكي في ((تحفة
المحتاج في شرح المنهاج)) للنووي أنه شرعت بالمدينة، وفي ((روضة المحتاجين))
للشيخ رضوان العدل: أصل مشروعيتها بمكة بدليل صلاة جبريل بالنبي وَله
وبالصحابة صبيحة ليلة الإسراء، وصلاة النبي ◌َّلر أيضًا بخديجة وبعلي ؤها، لكنها
لم تظهر ولم يواظب عليها إلا بالمدينة، ولذا قيل: إنها شرعت بالمدينة، وكانت
الصحابة بمكة يصلون في بيوتهم لتسلط المشركين عليهم وقهرهم، انتهى.
واختلفوا أيضًا في حكمها من الندب والوجوب، فقال الحافظ في ((الفتح)):
ذهب إلى القول بأنه فرض عين: عطاء والأوزاعي وأحمد، وجماعة من محدثي
الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر، وبالغ داود ومن تبعه فجعلها شرطًا
لصحة الصلاة - وروي مثل ذلك عن أحمد، والمشهور عنه أنها واجبة غير شرط -
وظاهر نص الشافعي: أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه،
وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنه سنة مؤكدة، انتهى.
وفي ((شرح الهداية)): عامة مشائخنا أنها واجبة، وفي المفيد: الجماعة واجبة
وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة، وقيل: فرض كفاية، وهو اختيار الطحاوي
والكرخي وغيرهما، انتهى. واختار البخاري وجوبها وجوب عين؛ حيث بوب
علي حديث أبي هريرة ثاني أحاديث الباب بقوله: باب وجوب صلاة الجماعة،
وذكر فيه قول الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها، وقد
عرف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها وتعيين أحد
الاحتمالات في حديث الباب، فأثر الحسن هذا يشعر بكونه يريد أن صلاة الجماعة
واجبة وجوب عين. وأقرب الأقوال عندي: أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة قريبة من
الواجب، وبهذا تجتمع الأحاديث المشعرة بالوجوب، والأحاديث المقتضية لعدم
الوجوب. هذا، وقد ذكر الشاه ولي اللَّه الدهلوي في ((حجته)) (ج٢: ص١٩)
كلامًا جيدًا في حكمة تشريع الجمعة والجماعات، فارجع إليه .
٤٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١٠٥٩ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((صَلَةُ الْجَمَاعَةِ
[متفق عليه]
تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذَّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً)).
الشَّرْجُ
١٠٥٩ - قوله: (صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ) الإضافة لأدنى ملابسة، أي: صلاة أحدكم
مع الجماعة، أو بحذف المضاف، أي: صلاة آحاد الجماعة، وإلا فليس
المطلوب تفضيل صلاة الجماعة كلها على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد
على صلاته باعتبار الحالين؛ لأنه لا فائدة في كون صلاة الجماعة كلها فاضلة هذا
الفضل. (تَفْضُلُ) بفتح التاء وسكون الفاء وضم الضاد المعجمة، أي: تزيد في
الأجر والثواب. (صلَاةَ الْفَذَّ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة، أي: الفرد
بمعنى المنفرد، وفي رواية لمسلم: ((صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته
وحده). (بِسَبْعِ وَعِشْرِينَ)، قال الترمذي: عامة من روى عن النبي ◌ُّ إنما قالوا:
((خمس وعشرين)) إلا ابن عمر، فإنه قال: ((بسبع وعشرين))، قال الحافظُ: لم
يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع فقال
فيه: ((خمس وعشرين))، لكن العمري ضعيفٍ، ووقع عند أبي عوانة في
((مستخرجه)) من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع فإنه قال:
((بخمس وعشرين))، وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله
وأصحاب نافع، وإن كان راويها ثقة، وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن
عثمان عن نافع بلفظ: ((بضع وعشرين)). فليست مغايرة لرواية الحفاظ؛ لصدق
البضع على السبع، وأما غير ابن عمر فصح عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا
الباب - أى: باب فضل الجماعة عند البخاري بلفظ: ((خمس وعشرين)) وعن ابن
مسعود عند أحمد وابن خزيمة، وعن أبي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم، وعن
(١٠٥٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٦٤٥)، ومُسْلِم (٢٤٩/ ٦٥٠) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
٤٢٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
عائشة وأنس عند السراج، وورد أيضًا من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله
ابن زيد وزيد بن ثابت، وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين،
سوى رواية أبي فقال: أربع أو خمس على الشك، أو سوى رواية أُبَيِّ هريرة عند
أحمد قال فيها: ((سبع وعشرون))، وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه
ضعف، وفي رواية لأبي عوانة بضعًا وعشرين، وليست مغايرة أيضًا؛ لصدق
البضع على الخمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع؛ إذ لا أثر
للشك، انتھی .
واختلف في توجيه هذا الاختلاف، فمنهم من حاول الترجيح فقيل: رواية
الخمس أرجح لكثرة رواتها، وإليه مال الترمذي كما يشير إليه كلامه المتقدم،
وقيل: رواية السبع؛ لأن فيها زيادة من عدل حافظ، ومنهم ما مال إلى الجمع بين
هذين العددين، وذلك بوجوه منها: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد
غير مراد، فرواية الخمسِ داخلة تحت رواية السبع. ومنها: أنه وَّ لَعَلَّهُ أخبر
بالخمس أولًا ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فالزائد متأخر عن الناقص؛ لأن الله
تعالى يزيد عباده من فضله ولا ينقصهم من الموعود شيئًا. ومنها: الفرق بقرب
المسجد وبُعده. ومنها: الفرق بحال المصلي؛ كأن يكون أعلم أو أخشع. ومنها:
الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره. ومنها: الفرق بإدراك كلها أو بعضها. ومنها: الفرق
بكثرة الجماعة وقلتهم. ومنها: أن السبع مختصة بالفجر والعشاء، وقيل: بالفجر
والعصر لاجتماع الملائكة، والخمس بما عدا ذلك. ومنها: أن السبع مختصة
بالجهرية، والخمس بالسرية، ورجحه الحافظ في ((الفتح))، ورجح الشوكاني:
الأول. واعلم أن التخصيص بهذا العدد من أسرار النبوة التي تقصر العقول عن
إدراكها .
قال التُّورْبَشْتِي: أما وجه قصر الفضيلة على خمس وعشرين تارة، وعلى سبع
وعشرين أخرى، فمرجعه إلى العلوم النبوية التي لا يدركها العقلاء إجمالًا فضلًا
عن التفصيل، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النبوة هي اجتماع المسلمين على
إظهار شعار الإسلام، انتهى.
وقد تعرض جماعة - منهم الكرماني والبلقيني - للكلام على وجه الحكمة في
هذا العدد الخاص، وذكروا مناسبات وتعليلات، وهي أقوال تخمينية ليس عليها
٤٢٦
era
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
نص، وقد طول الكلام في ذلك الحافظ في ((الفتح))، من أحب الوقوف على ذلك
رجع إليه. (دَرَجَةً) هو مميز العدد المذكور، وفي الروايات كلها التعبير بقوله:
درجة، أو حذف المميز، إلا طرق حديث أبي هريرة؛ ففي بعضها: ضِعْفًا، وفي
بعضها: جُزْءًا، وفي بعضها: دَرَجَةً، وفي بعضها: صَلَاةً، ووقع هذا الأخير في
بعض طرق حديث أنس، والظاهر: أن ذلك من تصرف الرواة ويحتمل أن يكون
ذلك من التفنن في العبارة. قال ابن سيد الناس: هل هذه الدرجات والأجزاء
بمعنى الصلوات، فيكون صلاة الجماعة بمثابة خمس وعشرين أو سبع وعشرين
صلاة، أو يقال: إن لفظ الدرجة والجزء لا يلزم منهما أن يكون بمقدار الصلاة؟
الظاهر: الأول، ففي حديث لأبي هريرة، أن رسول اللَّه وَلّه قال: ((صَلَةُ الْجَمَاعَةِ
تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً مِنْ صَلَاةِ الفَذَّ»، رواه السرج. وفي لفظ له: ((صَلَاةٌ مَعَ
الإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَةً يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ))، إسنادهما صحيح، وفي
حديثٌ ابن مسعود ((بِخُّمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً))، انتهى.
قلتُ: حديث أبي هريرة أخرجه أيضًا مسلم بكلا اللفظين، وحديث ابن مسعود
أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات. قال الحافظُ: معنى الدرجة أو الجزء حصول
مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للجمع، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن
بعضهم زعم خلاف ذلك، قال: والأول أظهر؛ لأنه قد ورد مبينًا في بعض
الروايات، انتهى. وكأنه يشير إلى ما ذكرنا من الروايات. ثم ظاهر قوله:
(تفضل))، وكذا قوله: ((تزيد)) في رواية لمسلم، وكذا قوله: ((تضعف)) في حديث
أبي هريرة عند البخاري أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العدد
المذكور، فيكون لمصلي الجماعة ثواب ست أو ثمان وعشرين من صلاة الفذ.
قال الباجي: يقتضي هذا أن صلاة المأموم تعدل ثمانية وعشرين درجة من صلاة
الفذ؛ لأنه تزيد سبعًا وعشرين درجة، انتهى.
وهل هذا التضعيف يختص بالتجمع في المسجد أو لا يختص به؟ الظاهر:
الأول، قال الحافظُ: وهو الراجح في نظري. والحديث: حث على الجماعة،
وفيه: دليل على عدم وجوبها وأنها ليست شرطًا لصحة الصلاة. قال الباجي:
والاستدلال منه بمعنيين: الأول: بلفظ: ((تفضل))، فلو لم تكن صلاة الفذ مجزئة
لما وصفت بأنها تفضل؛ لأنه لا تفاضل بين صلاة الجماعة وبين ما ليس بصلاة.
٤٢٧
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
ENE
كِتَابُ الصَّلاةِ
والثاني: بالدرجات، فلو لم تكن لصلاة الفذ درجة لما جاز أن يقال: إن صلاة
الجماعة تزيد عليها سبعًا وعشرين درجة، انتهى.
ويدل عليه أيضًا ما ورد في رواية لمسلم من حديث ابن عمر بلفظ: ((صَلَاةُ
الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الفَذَّ))؛ لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل الفضل،
فإن ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه.
وقال الشوكاني: والمشترك هاهنا لابد أن يكون هو الإجزاء والصحة، وإلا فلا
صلاة فضلاً عن الفضل. وقال السندي: استدلوا بهذا الحديث وأمثاله على عدم
وجوب الجماعة؛ لأن تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بتلك الدرجات فرع
صحة صلاة الفذ، وهذا ليس بشيء؛ لأن معنى وجوب الجماعة عند غالب من
يقول به من العلماء: هو أنها واجبة على المصلي حالة الصلاة يأثم المصلي بتركها
بلا عذر، لا أنها من واجبات الصلاة، بمعنى أنها شرط في صحتها، تبطل الصلاة
بانتفائها، فإنه ما قال بالمعنى الثاني إلا شِرْذِمَةٌ قليلون، انتهى.
وأجيب أيضًا بأن المراد من الحديث إنما هو الترغيب في الجماعة ببيان زيادة
ثوابها على صلاة المنفرد لا غير، وأما الوجوب فله دليل آخر، والحاصل: أن
الحديث إنما سيق لبيان فضل الجماعة والترغيب فيها، لا لبيان السنية أو الوجوب،
وإنما ذكر صلاة الفذ وقابل بها ليظهر فضل صلاة الجماعة، فهو لتعقل صورة
الحساب فقط كما في حديث الزكاة عند أبي داود: ((فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمَّا دِرْهَمٌ))،
فإنه لم يرد به بيان النصاب ليجب درهم على من كان عنده أربعون درهمًا، إنما أراد
به بيان الحساب بأن الخمسة في المئتين كالدرهم في الأربعين. هكذا حديث ابن
عمر هذا وما شابهه إنما سيق لبيان الحساب لا لصحة صلاة المنفرد بمعنى عدم
نقصان فيها، فتأمل. وقال بعضهم: إن صيغة أفعل قد ترد لإثبات صفة الفضل في
إحدى الجهتين؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وتعقب بأنه إنما يقال
ذلك على قلة حيث ترد صيغة أفعل مطلقة غير مقيدة بعدد معين، فإذا قلنا: هذا
العدد أزيد من هذا بكذا، فلابد من وجود أصل العدد. وقال بعضهم: يحمل الفذ
في الحديث على المعذور أي: المنفرد لعذر. وتعقب بأن قوله: ((صلاة الفذ))،
صيغة عموم، فيشمل من صلى منفردًا بعذر وبغير عذر، فَحَمْلُهُ على المعذور
٤٢٨
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يحتاج إلى دليل. وأيضًا ففضل الجماعة حاصل للمعذور؛ لأن الأحاديث قد دلت
على أن أجره لا ينقص عما يفعله لولا العذر، فروى أبو موسى عن النبي وَّ: ((إِذَا
مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا)). رواه أحمد
والبخاري وأبو داود، وعن أبي هريرة مرفوعًا: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ رَاحَ
فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوا، أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ أَجْرٍ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ
أُجُورِهِمْ شَيْئًا)» .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي والنسائي وابن ماجه
والبيهقي .
١٠٦٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (وَالَّذِى
نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا،
ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفََ إِلَى رِجَالٍ)). وَفِي رِوَايَةٍ: (لَا يَشْهَدُونَ
الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ
عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمِ نَحْوَهُ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٠٦٠ - قوله: (وَالَّذِي نَفْسِي) أي: ذاتي أو روحي. (بِيَدِهِ) هو قَسَمٌ كان
النبي وَّ كثيرًا ما يقسم به، والمعنى: أن أمر نفوس العباد بيد الله، أو بتقديره
وتدبيره أو في ملكه وتحت تصرفه، وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه،
تنبيهًا على عظم شأنه. (لَقَدْ هَمَمْتُ) هو جواب القسم أكده باللام وقد، والهم:
العزم، وقيل دونه، والمعنى: لقد قصدت. وزاد مسلم في أوله: أنه ◌ّ فقد ناسًا
في بعض الصلوات، فقال: ((لقد هممت))، فأفاد ذكر سبب الحديث. (أَنْ آمُرَ)
بالمد وضم الميم، أي: خدمي لما في رواية: ((فتيتي)). (بِحَطَبِ) بفتحتين، ما أعد
من الشجر وقودًا للنار. قال القاري: أي: بجمع حطب عظيم. (فَيُحْطَبَ) بالفاء
(١٠٦٠) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٤٤)، ومُسْلِم (٢٥١/ ٦٥١) فِيهَا عَنْهُ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٢٩
وضم المثناه التحتية مبنيًا للمفعول منصوبًا عطفًا على المنصوب المتقدم، وكذا
الأفعال الواقعة بعده، أي: فيجمع الحطب. قال الطيبي: يقال: حطبت الحطب
واحتطبته أي جمعته. قال المؤلف: ((فَيُحْطَبَ)) كذا وجدناه في ((صحيح البخاري))
و(الجمع)) للحميدى و((جامع الأصول)) و((شعب الإيمان)). وفي ((المصابيح)):
((فيحتطب)) أي: من الاحتطاب. قلتُ: وكذا وقع لأبي الوقت في رواية البخاري
وللبيهقي (ج٣ ص ٥٥). وحطب واحتطب بمعنى واحد. (ثُمَّ آمُرَ) بالمد وضم
الميم. (بِالصَّلَاةِ) العشاء أو الفجر أو الجمعة أو مطلقًا، كلها روايات، ولا تضاد
لجواز تعدد الواقعة، قاله القسطلاني. قلتُ: عامة الروايات عن أبي هريرة على
الإبهام، نعم، يومئ آخر هذه الرواية أنها العشاء لقوله: ((لَشَهِدَ العِشَاءَ)). وفي
رواية مسلم: ((لَشَهِدَهَا))، يعني: صلاة العشاء، ولذلك فسرها القاري بالعشاء،
قال: ويحتمل بقاؤه على عمومه إن تعددت القصة. وقال النووي: جاء في رواية أن
هذه الصلاة التي همّ بتحريقهم للتخلف عنها هي العشاء، وفي رواية: أنها
الجمعة، وفي رواية: ((يتخلفون عن الصلاة))، مطلقًا، وكله صحيح، ولا منافاة
بين ذلك، أي: لحمله على تعدد القضية. (فَيُؤَذِّنَ) بفتح الذال المشددة. (لَهَا)
أي: لأجلها. (ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ) فيه دليل لجواز استخلاف الإمام وانصرافه
لعذر. (ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ) أي: آتيهم من خلفهم. وقال الجوهري: خالف إلى
فلان، أي: أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى: أخالف المشتغلين بالصلاة قاصدًا إلى
بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة فأحرقها عليهم، وقيل: معناه: أذهب
إليهم، وقيل: المعنى: أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة فأتركه وأسير
إليهم، أو أخالف ظنهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم. والتقييد
بالرجال يخرج النساء والصبيان، وهو منصوص في رواية لأحمد بلفظ: ((لَوْلَا مَا فِي
الْبِيوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّرِّيَّةِ)) ... الحديث.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أي: أخرى. (لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ) أي: لا يحضرون الجماعة من
غير عذر. قال المؤلف: وليس في الصحيح في هذه الرواية: ((لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاة))
بل في رواية أخرى، نقله الطيبي. قلتُ: هذا اعتراض من صاحب ((المشكاة)) على
البغوي حيث ذكر سياق الحديث في ((المصابيح)) بلفظ: ((ثم أخالف إلى رجال لا
يشهدون الصلاة)) ... إلخ، فإن الظاهر منه أن قوله: ((لا يشهدون الصلاة))، موجود
Beexx
٤٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في الرواية التي ساق البغوي لفظها، مع أن هذا اللفظ ليس في هذه الرواية بل في
رواية أخرى، فكان عليه أن ينبه على ذلك، ويقول بعد قوله: ((إِلَی رِجَالٍ)». وفي
رواية: ((لَا يَشْهَدونَ الصَّلَاةَ»، كما قال المؤلف. وهذا الاعتراض متجه عندي كما
لا يخفى، وفي رواية لأبي داود: ((ثُمَّ آتِى قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عَلَّةٌ»،
فيكون الوعيد على ترك الجماعة بغير عذر لا على ترك الصلاة، وفيه دلالة على أن
الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا: إنها فرض، وكذا الجمعة. (فَأُحَرِّقَ)
بتشديد الراء وفتح القاف وضمها كسابقه، وهو مشعر بالتكثير والمبالغة في
التحريق. (عَلَيْهِمْ) أي: على المتخلفين عن الجماعة. (بُيُوتَهُمْ) بالنار عقوبة لهم،
وفيه إشعار بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين
وبيوتهم، وفي رواية لمسلم: ((ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتًا عَلَى مَنْ فِيهَا». والحديث قد استدل
به لأحمد ومن وافقه على أن الجماعة واجبة وجوب عين، وهو من أوضح أدلة
القائلين بالوجوب.
قال الحافظ في ((الفتح)): الحديث ظاهر في كون الجماعة فرض عين؛ لأنها لو
كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول
ومن معه. وأجاب الجمهور عنه بأجوبة: الأول: أن نفس الحديث يدل على
خلاف المدعى وهو عدم الوجوب؛ لكونه وَّله هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو
كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه. وتعقب: بأن الواجب يجوز
تركه لما هو أوجب منه، وبأن تركها لحال التحريق لا يستلزم الترك مطلقًا؛ لإ مكان
أن يتداركها في جماعة آخرين قبل التحريق أو بعده. والثاني: أن الخبر ورد مورد
الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم
بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين
بذلك. وأجيب: بأن ذلك وقع قبل تحريم التعذيب بالنار، فحمل التحديد على
حقيقته غير ممتنع، على أنه لو فرض أن هذا التواعد وقع بعد التحريم لكان
مخصصًا له، فيجوز التحريق في عقوبة تارك الصلاة بالجماعة. والثالث:
كونه وقال# ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا ما عفا عنهم. وتعقب: بأنه لا
يهمُّ إلا بما يجوز له فعله لو فعله، والترك لا يدل على عدم الوجوب؛ لاحتمال أن
يكونوا انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه جاء في رواية
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٣١
لأحمد بيان سبب الترك، وهو قوله وَله: ((لَوْلًا مَا فِي الْبِيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ والذُّرِّيَّةِ
أَقَمْتُ صَلَاةَ العِشَاءِ وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحَرِّقُونَ مَا فِي البِيُوتِ بِالنَّارِ))، وسيأتي هذا
الحديث. والرابع: أن التهديد لقوم تركوا الصلاة رأسًا لا مجرد الجماعة.
وتعقبٍ: بما تقدم من رواية أبي داود بلفظ: ((ثُمَّ آتِي قَوْمًا يُصَلَّونَ فِي بِيُوتِهِمْ لَيْسَتْ
بِهِمْ عِلَّةٌ))، وبقوله: (لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ)) بمعنى: لا يحضرون الجماعة، وفي
رواية عند أحمد: لا يشهدون العشاء في الجميع أي: في الجماعة، وفي حديث
أسامة بن زيد عند ابن ماجه مرفوعًا: (لَيَتْتَهِيَنَّ رِجَالٌ عَنْ تَرْكِهِمُ الْجَمَاعَاتِ أَوْ
لَأُحَرِّقَنَّ بِيُوتَهُمْ. والخامس: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل
النفاق والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل. وهو
قريب من الوجه الثاني. والسادس: أن الحديث ورد في حق المنافقين خاصة،
فليس التهديد على ترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل. وتعقب: باستبعاد
الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة، مع العلم بأنه لا صلاة لهم،
وبأنه وَالّ كان معرضًا عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم، وقال: ((لَا يُحَدِّثُ
النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)). وتعقب هذا التعقب: بأنه لا يتم إلا إن ادعى أن
ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيرًا
فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم.
قال الحافظُ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين؛ لقوله في رواية من
حديث أبي هريرة هذا عند الشيخين: ((لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْعِشَاءِ
وَالْفَجْرِ .. )) الحديث. لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاقِ الكفر، يدل على ذلك
ما في رواية أبي داود: ((وَيُصَلّونَ فِي بُيوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ))، ففيه دليل على أن
نفاقهم نفاق معصية لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد
رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، وأيضًا
قوله في رواية أحمد: ((لَوْلَا مَا فِي البِيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّرِّيَّةِ))، يدل على أنهم لم
يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك
وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث
نفاق الكفر فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات
المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة
المبالغة في ذم من تخلف عنها .
٤٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الطيبي: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء
جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم وعادتهم،
وأنه مناف لأحوالهم؛ لأنه من صفات المنافقين، ولو دخلوا في هذا الوعيد ابتداء
لم يكن بهذه المثابة. ويعضده ما روي عن ابن مسعود من قوله: ((لقد رَأَيْتُنَا وما
يتخلف عن الجماعة إلا منافق قد علم نفاقه))، رواه مسلم، انتهى كلامه.
لا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه - السادس لانتفاء أن
يكون المؤمن قد تخلف، وإنما ورد الوعيد في حق من تخلف؛ لأني أقول: بل
هذا يقوي ما ظهر لي أولًا أن المراد بالنفاق نفاق المعصية لا نفاق الكفر، فعلى هذا
الذي خرج هو المؤمن الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق عليه مجازًا؛
لما دل عليه مجموع الأحاديث، انتهى كلام الحافظ.
والسابع: أن فريضة الجماعة كانت في أول الإسلام؛ لأجل سد باب التخلف
عن الصلاة على المنافقين ثم نسخ، حكاه عياض. قال الحافظُ: ويمكن أن يتقوى
بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما
يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، انتهى.
قال النووي: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن
الصلاة والغال في الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق
متاعهما، انتهى. هذا وهاهنا وجوه أخرى للجواب عن هذا الحديث تركناها
للاختصار، وأقرب الأجوبة عندي هو الوجه الثاني، يعني: أن الحديث خرج
مخرج الزجر لا الحقيقة، وإنما المراد المبالغة؛ بدليل أنه لم يفعله تَّ، ولا دليل
على أنهم انزجروا وتركوا التخلف، وكان يمكن له وقليل أن يحرق ما في بيوتهم بعد
إخراج النساء والذرية منها.
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أعاد القسم للمبالغة في التأكيد. (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ) أي:
الذين لا يشهدون الصلاة. (أَنَّهُ يَجِدُ) أي: في المسجد. (عَرْقًا) بفتح العين
المهملة وسكون الراء وبالقاف، العظم الذي عليه بقية لحم. قال الطيبي: العرق
بالسكون: العظم الذي أخذ منه اللحم - أي: معظمه - وبقي عليه لحم رقيق،
يقال: عرقت العظم إذا أخذت أكثر ما عليه من اللحم نهشًا. وفي ((المحكم)) عن
الأصمعي: العرق بسكون الراء: قطعة لحم، قيل: هو اللائق هنا، وقيل: الأول؛
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٣٣
لأنه أشد مبالغة في إظهار الخساسة المقصودة. ولفظ ((الموطأ)) و((النسائي)):
((عظمًا)) قيل: هو أنسب للوصف بقوله: (سَمِينًا) قال ابن حجر: قيد به؛ لأن العظم
السمين فيه دسومة قد يرغب في مضغه لأجلها .
(أَوْ مِرْمَاتَيْنٍ) تثنية مرماة بكسر الميم وقد تفتح: ظلف الشاة أو ما بين ظلفيها من
اللحم، قاله الخليل. وكذا قال البخاري فيما نقله المستملي في روايته في كتاب
(الأحكام)) عن الفربري.
قال عياض: فالميم على هذا أصلية، وقال الأخفش: المرماة: لعبة كانوا
يلعبونها بنضال محددة يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب،
وهي المرماة والمدحاة، قيل: ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث لأجل التثنية.
وحكى الحربي عن الأصمعي: أن المرماة: سهم الهدف، وقال: ويؤيده ما روي
عن أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: ((لَوْ أَنَّ أَحَدُهُمْ إِذَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعِي كَانٍ لَّهُ عَظْمٌ
مِنْ شَاةٍ سَمِينَةٍ أَوْ سَهْمَانٍ لَفَعَلَ)). وقيل: المرماة سهم يُتعلم عليه الرمي، وهو سهم
دقيق مستو غير محدد، وهو أحقر السهام وأرذلها. قال الزين بن المنير: ويدل على
ذلك التثنية فإنها مشعرة بتكرر الرمي، بخلاف السهام المحددة الحربية فإنها لا
يتكرر رميها. وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذکر
العرق معه، ووجهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين وكان مما يؤكل أتبعه
بالسهمین؛ لأنهما مما یتلھی به، انتهى.
(حَسَنَتَيْن) بفتحتين، أي: جيدتين. قال الحافظُ: إنما وصف العرق بالسِّمَنِ
والمرماة بِالْحُسْنِ ليكون ثَمَّ باعث نفساني على تحصيلهما. (لَشَهِدَ الْعِشَاءَ) أي:
صلاتها، فالمضاف محذوف، والمعنى: لو علم أنه لو حضر الصلاة يجد نفعًا
دنيويًّا وإن كان خسيسًا حقيرًا لحضرها؛ لقصور همته على الدنيا، ولا يحضرها لما
لها من مثوبات الآخرة ونعيمها، ففيه توبيخ وإشارة إلى ذم المتخلفين بوصفهم
بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم أو ملعوب به، مع التفريط فيما يحصل به
رفيع الدرجات ومنازل الكرامات. وفي الحديث من الفوائد: تقديم التهديد
والوعيد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزواجر اكتفي به
عن الأعلى من العقوبة، فهو من باب الدفع بالأخف. وفيه: جواز العقوبة بالمال،
كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم. وفيه: جواز أخذ أهل
٤٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الجرائم على غرة؛ لأنه وَّليل هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال
بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه
أحد، وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا
التهديد بالفعل، وترجم عليه البخاري في كتاب الأشخاص وفي كتاب الأحكام:
باب: إخراج أهل المعاصي والريب من البيوت بعد المعرفة، يريد أن من طلب
منهم بحق فاختفى أو امتنع في بيته لددًا ومطلًا، أخرج منه بكل طريق يتوصل إليه
بها، كما أراد النبي ◌ّ إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم.
وفيه: الرخصة للإمام أو نائبة في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته
ويتركها، ولا بعد أن يلحق بذلك الجمعة، فقد ذكروا من الأعذار في التخلف
عنها: خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم في حق الإمام كالغرماء. واستدل به
ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك. قال العيني:
وكذلك روي عن بعض أصحابنا، وادعى الجمهور النسخ. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في
الصلاة وفي كتاب الأشخاص وكتاب الأحكام، وأخرجه أيضًا أحمد ومالك
والنسائي والبيهقي. (وَلِمُسْلِم نَحْوَهُ) وكذا للترمذي وأبي داود وابن ماجه.
١٠٦١ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ أَنْ يُرَخِّصَ
لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: ((هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ
بِالصَّلَاةِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَأَجِبْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠٦١ - قوله: (رَجُلٌ أَعْمَى) قال النووي وغيره: هو ابن أم مكتوم كما جاء
مفسرًا في ((سنن أبي داود)) وغيره، يعني بذلك رواية أبي داود والنسائي الآتية في
الفصل الثالث. (لَيْسَ لِي قَائِدٌ) القائد هو الذي يمسك يد الأعمى ويأخذها ويذهب
به حيث شاء ويجره، من القود وهو ضد السوق فهو من أمام، وذاك من خلف،
(١٠٦١) مُسْلِم (٦٥٣/٢٥٥)، وَالنَّسَائِي (١٠٩/٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.
٤٣٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
والمراد: نفي القائد الملائم، أي: الموافق المساعد، لا نفي القائد مطلقًا، جمعًا
بينه وبين ما وقع في الرواية الآتية عند أبي داود: ((ولي قائد لا يلائمني))، إذا كان
الأعمى المذكور في حديث أبي هريرة هذا هو ابن أم مكتوم، وقيل: هما واقعتان.
(يَقُودُنِي) أي: يمسكني ويأتي معي. (إِلَى الْمَسْجِدِ) لصلاة الجماعة، وفي رواية
النسائي: ((إلى الصلاة)). (أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ) أي: في ترك الجماعة في المسجد.
(فَيُصَلَّيَ فِي بَيْتِه) إما جماعة أو منفردًا. (فَرَخَّصَ لَهُ) أي: رخص أولًا. (فَلَمَّا وَلَّى)
أي: رجع وأدبر. (هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟) أي: التأذين بها .
(فَأَجِبْ) أمر من الإجابة، أي: أجب النداء واتبعه بالفعل، يعني: فَأْتِ
الجماعة، قيل: الترخيص في أول الأمر اجتهاد منه وَّر، والأمر بالإجابة بوحي
جديد من اللَّه تعالى نزل في الحال، أو أنه تغير اجتهاده وَّ إذا قلنا بالصحيحِ،
وقول الأكثرين أنه يجوز له الاجتهاد. وقيل: أطلق له الجواب، أي: رخص له أولًا
مطلقًا ثم قيده بقيد عدم سماع النداء، ومفهومه أنه إذا لم يسمع النداء كان ذلك
عذرًا له، وإذا سمعه لم يكن له عذر عن الحضور. وقيل: الترخيص أولًا باعتبار
العذر، والأمر بالإجابة للندب، فكأنه قال: الأفضل لك والأعظم لأجرك أن
تجيب وتحضر فأجب، ويدل لكون الأمر للندب مع العذر حديث ابن عباس الآتي
في الفصل الثاني، والحديث ظاهر في وجوب الجماعة وجوب عين، فيأثم
المصلي بتركها. وأجاب الجمهور عن ذلك، بأنه سأل هل له رخصة في أن يصلي
في بيته وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره فقيل: لا. ويؤيد هذا أن حضور
الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ومن جملة العذر الأعمى إذا لم يجد
قائدًا، كما في حديث عتبان بن مالك في ((الصحيحين)) أنه رخص له حيث شكا
بصره أن يصلي في بيته. وتعقب بأن هذا التأويل ضعيف؛ لما تقدم أن المعذور لا
ينقص أجره عما يفعله لولا العذر، كما يدل عليه حديث أبي موسى. وما ادعى أحد
أن الجماعة فرض عين مع وجود العذر أيضًا، فتدبر. وحمل بعضهم حديث
الأعمى على أن النبي ◌ّ﴾ علم منه أنه يمشي بلا قائد؛ لحذقه وذكائه كما هو مشاهد
في بعض العميان يمشي بلا قائد، لاسيما إذا كان يعرف المكان قبل العمى أو بتكرر
المشي إليه يستغني عن القائد. وأجاب بعضهم: بأن الدعوى وجوب الجماعة في
المسجد عينًا سمع النداء أو لم يسمع، والحديث إنما يدل على وجوب الجماعة
٤٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عينًا على من سمع النداء فقط لا مطلقًا، وهو أخص من الدعوى، فلا يتم التقريب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائي والبيهقي وغيرهما.
١٠٦٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتٍ بَرْدٍ وَرِيح،
ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلَّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَّ،
إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يَقُولُ: ((أَلَا صَلَّوا فِي الرِّحَالِ)). [متفق عليه]
الشّرْجُ
١٠٦٢ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَذَّنَ) عبارة البخاري هنا عن نافع أن ابن
عمر أذن، وفي باب الأذان للبخاري أيضًا قال: (أي نافع) أذن ابن عمر، وهذا
صريح في أن أذن على صيغة المعروف. (فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ) بسكون الراء. (وَرِيحٍ)
وكان ابن عمر؛ إذ ذاك مسافرًا فأذن في ليلة باردة بضجنان كما في رواية للبخاري،
وهو بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم وبنونين بينهما ألف على وزن فعلان، غير
منصرف. قال الزمخشري في ((الفائق)): جبل بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلًا.
(ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عمر بعد فراغ الأذان. (أَا) بتخفيف اللام للتنبيه (صلَّوْا) بصيغة
الأمر. (فِي الرِّحَالِ) بكسر الراء بعدها حاء مهملة جمع رحل، وهو مسكن الرجل
وما فيه من أثاثه، أي: صلوا في منازلكم. (كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ) أي:
وقعت. (لَيْلَةٌ) بالرفع. (ذَاتِ بَرْدٍ) صفتها والمراد البرد الشديد. (وَمَطَرٍ) أي:
كثير، وفي رواية للبخاري: في الليلة الباردة أو المطيرة أي: الماطرة. وفي
((صحيح أبي عوانة)): ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح. وقوله: ((أو)) ليس
للشك، بل للتنويع، وفيه: رد على من قال: إن ابن عمر قاس الريح على المطر
بجامع المشقة العامة؛ لأنه نص فيه على الريح، وفيه أيضًا: أن كل واحد من البرد
والمطر والريح عذر بانفراده في التأخر عن الجماعة، وبه قال الجمهور. ونقل ابن
بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية والمالكية والحنفية أن الريح عذر
في الليل فقط، وأما المطر والبرد فقالوا: إن كُلَّ منهما عذر في الليل والنهار
(١٠٦٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٦٦٦)، ومُسْلِم (٦٩٧) عَنْهُ فِيهَا، وأَبُو دَاوُد (١٠٦٣).
٤٣٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
كليهما. وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في ((سنن أبي داود)) من
طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث: في الليلة والغداة القرة، وفيها بإسناد
صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنهم: ((مطروا يومًا)). (أي يوم حنين)
فرخص لهم، وكذا في حديث ابن عباس عند الشيخين أنه قال لمؤذنه في يوم
مطير ... الحديث، قال الحافظُ: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخص بعذر
الريح في النهار صريحًا لكن القياس يقتضي إلحاقه، انتهى.
(يَقُولُ) أي: بعد الفراغ من الأذان، ففي رواية للبخاري: كان يأمر مؤذنًّا يؤذن
ثم يقول على أثره - يعني أثر الأذان - فإنه صريح في أن قوله: ((ألا صلوا في
الرحال)). كان بعد فراغ الأذان. فإن قلتَ: في حديث ابن عباس عند الشيخين:
فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة فأمره أن ينادي ((الصلاة في الرحال)). وقال: فعل
هذا من هو خير منه، وهو يقتضي أن ذلك يقال بدلًا عن الحيعلتين، وظاهر الحديث
أنه يقال بعد الفراغ من الأذان، فما الجمع بينهما؟ أجيب: بأن الأمرين جائزان،
لأمره وَّله بكل منهما لكن بعده أحسن لئلا ينخرم نظام الأذان، وقد ورد الجمع
بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح، عن نعيم بن النحام
قال: أذن مؤذن النبي وَلّ للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا
حرج، فلما قال: الصلاة خير من النوم قالها، ولا منافاة بين الجمع بينهما، سواء
زيد في أثناء الأذان بعد الحيعلتين أو زِيدَ بعد فراغه؛ لأنه يمكن أن يقال: إن المراد
من قوله: ((الصلاة في الرحال))، الرخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى حي على
صلاة، أي: هلموا إليها، الندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو بحمل المشقة.
وفي حديث جابر عند مسلم ما يؤيد ذلك ولفظه: خرجنا مع رسول اللّه وَ لّ في سفر
فمطرنا، فقال: ((ليصل من شاء منكم في رحله))، وقد تبين بقوله: ((من شاء)) أن أمره
◌َلَّ بقوله: ((ألا صلوا في الرحال))، ليس أمر عزيمة، حتى لا يشرع له الخروج إلى
الجماعة، وإنما هو راجع إلى مشيئتهم، فمن شاء صلى في رحله، ومن شاء خرج
أ
إلى الجماعة. (أَلَا صَلَّوا) أمر إباحة كما تقدم آنفًا.
(فِي الرِّحَالِ) العذر، والصلاة في الرحال أعم من أن تكون جماعة أو منفردة،
لكنها مظنة الانفراد، والمقصود الأصلي في الجماعة إيقاعها في المسجد، وزاد
٤٣٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البخاري في رواية: في السفر، قال الحافظُ: ظاهره اختصاص ذلك بالسفر،
ورواية مالك عن نافع الآتية، يعني رواية الباب مطلقة، وبها أخذ الجمهور، لكن
قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقًا، ويلحق به
من تلحقه بذلك مشقة في الحضر دون من لا تلحقه، انتهى.
قلتُ: في ((سنن أبي داود)) من طريق محمد بن إسحاق عن نافع في هذا
الحديث: في المدينة في الليلة المطيرة والغداة القرة، فصرح بأن ذلك في المدينة
ليس في سفر، لكن ابن إسحاق رواه عن نافع بالعنعنة، وهو مدلس، وقد خالفه
الثقات، فإنهم قالوا فيه: في السفر. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والبيهقي، وفي الباب عن ابن عباس، وقد تقدم لفظه، وعن
سمرة أخرجه أحمد وعن أبي المليح عن أبيه، وعن جابر وتقدم لفظهما، وعن
عبد الرحمن بن سمرة، أخرجه الحاكم وعبد الله بن أحمد، قال: وجدت في
كتاب أبي بخط يده وأكبر علمي أني قد سمعته منه ثنا على بن عبد الله ... إلخ (ج٥
ص٦٢) وعن نعيم بن النحام، وعن عمرو بن أوس عن صحابي لم يسم أخرج
حديثهما أحمد .
١٠٦٣ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ
وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ)). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ
يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ
الْإِمَامِ.
[متفق عليه]
الشَّرْخُ
١٠٦٣ - قوله: (إِذَا وُضِعَ) بصيغة المجهول. (عَشَاءُ أَحَدِكُمْ) بفتح العين في
الموضعين، طعام آخر النهار، ويفهم منه أن تقديم الطعام إذا وضع بين يدي
الآكل، لا إذا وجده مطبوخًا أو مغروفًا في الأوعية، ويدل عليه أيضًا ما في حديث
أنس عند البخاري: ((إذا قدم العشاء))، ولمسلم: ((إذا قرب العشاء))، وعلى هذا فلا
(١٠٦٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٧٣)، ومُسْلِم (٦٦ /٥٥٩) عَنْهُ فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٣٩
*9
يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، ولكنه لم يقرب للأكل كما لو لم يقرب.
(وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) قيل: الألف واللام للعهد، والمراد بالصلاة: المغرب، لقوله:
((فابدؤوا بالعشاء))؛ ولقوله في حديث أنس عند البخاري: ((فابدوؤا به قبل أن تصلوا
المغرب)). وفي رواية ابن حبان والطبراني: ((إذا وضع العشاء وأحدكم صائم)).
وقيل: اللام لتعريف الماهية، والمراد حقيقة الصلاة. قال الفاكهاني: ينبغي حمله
على العموم نظرًا إلى العلة، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذكر
المغرب لا يقتضي الحصر فيها؛ لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل
من الصائم، انتهى.
قال الحافظ بعد ذكر هذين القولين: وحمله على العموم نظرًا إلى العلة، إلحاقًّا
للجائع بالصائم وللغداء بالعشاء، لا بالنظر إلى اللفظ الوارد، انتهى. قلتُ: حديث
عائشة الآتي يؤيد العموم. (فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ) أي: بأكله، واختلفوا في هذا الأمر،
فالجمهور على أنه للندب. وقيل: للوجوب، وبه قالت الظاهرية. واستدل
الجمهور بفعله تعالَّل من كونه ألقى الكتف أثناء أكله منها حين دعي إلى الصلاة.
أخرجه البخاري من حديث عمرو بن أمية؛ لأنه لو كان تقديم الأكل واجبًا لما قام
إلى الصلاة. وتعقب: بأنه يحتمل أن يكون اتفق في تلك الحالة أنه قضى حاجته
من الأكل فلا تتم الدلالة به، ثم اختلف الجمهور، فمنهم: من قيده بمن إذا كان
محتاجًا إلى الأكل شديد التوقان إليه، وهو المشهور عن الشافعية، وزاد الغزالي:
ما إذا خشي فساد المأكول. ومنهم: من قيده بما إذا كان الطعام خفيفًا أو مما يؤتى
عليه مرة واحدة كالسويق واللبن، وإلا يبدأ بالصلاة، نقله ابن المنذر عن مالك.
ومنهم: من لم يقيده، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، وعليه يدل فعل ابن عمر
الآتي. وأفرط ابن حزم وقال: تبطل الصلاة. والراجح عندي: ما قاله أحمد ومن
وافقه، فيستحب تقديم العشاء مطلقًا، أي: سواء كان محتاجًا إليه أم لا، وسواء
كان خفيفًا أم لا، وسواء خشي فساد المأكول أم لا. واستدل بعض الشافعية
والحنابلة بقوله: ((فابدؤوا))، على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، وأما من
شرع فيه ثم أقيمت الصلاة فلا يتمادى بل يقوم إلى الصلاة، لكن صنيع ابن عمر
يبطل ذلك. قال النووي: وهو الصواب. وتعقب: بأن صنيع ابن عمر اختيار له،
وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه؛ لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما يدفع به