النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجواب الشافي وسعى بعضهم لإثبات الوهم فيها من الراوي، فقال النيموي ومن
تبعه أخذًا عن العيني قوله: ((بينما أنا أصلي)) ليس بمحفوظ، ولعل بعض رواة
الحديث فهم من قول أبي هريرة (صَلَّى بِنَا» أنه كان حاضرًا فروى هذا الحديث
بالمعنى على ما زعمه. وقد أخرجه مسلم من خمس طرق، فلفظه في طريقين :
((صلى بنا)). وفي طريق: ((صلى لنا)). وفي طريق: ((أن رسول اللَّهُ وَالـ صلى
ركعتين)). وفي طريق: ((بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه وَّ)). تفرد به يحيى بن أبي
كثير وخالفه غير واحد من أصحاب أبي سلمة وأبي هريرة، فكيف يقبل أن أبا هريرة
قال في هذا الخبر: ((بينما أنا أصلي))؟ انتهى.
قال شيخنا في شرح الترمذي مجيبًا عن كلام النيموي هذا ما لفظه: قلت: يحيى
ابن أبي كثير ثقة ثبت متقن. قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)): أحد الأئمة الثقات
الأثبات. قال شعبه: حديثه أحسن من حديث الزهري. وقال في ((تهذيب
التهذيب)): وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه يحيى من أثبت الناس. إنما يعد مع
الزهري ويحيى بن سعيد، وإذا خالفه الزهري، فالقول قول يحيى، انتهى.
فكيف لا يقبل ما تفرد به مثل هذا الثقة الثبت الذي هو من أثبت الناس، وإذا
خالفه الزهري فالقول قوله، فقول النيموي قوله: ((بينما أنا أصلي)). غير محفوظ
مردود عليه. والحاصل: أن رواية مسلم وأحمد بلفظ: بينما أنا أصلي. صحيحة
محفوظة وهي نص صريح في شهود أبي هريرة قصة ذي اليدين، وليس لمن أنكر
ذلك جواب شاف عن هذه الرواية، انتهى كلام الشيخ.
(إِحْدَى صَلاَتَي الْعَشِيِّ) بفتح العين وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء. قال
الأزهري: العشيّ عند العرب: ما بين زوال الشمس وغروبها. ويبين ذلك ما وقع
في رواية لمسلم: ((إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر)). وفي رواية
للبخاري: ((صلى بنا النبي ◌َّة الظهر أو العصر)). وفي رواية له أيضًا بلفظ: ((الظهر))
بغير شك. ولمسلم من طريق أبي سلمة المذكورة: ((صلاة الظهر)). وله من طريق
أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة: ((صلاة العصر)) من غير شك. قال
الحافظُ: الظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة. وأبعد من قال كالنووي وأبي حاتم
ابن حبان يحمل على أن القصة وقعت مرتين. مرة في صلاة الظهر ومرة في صلاة
٣٢١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
العصر بل روى النسائي من طريق ابن عون عن ابن سيرين، أن الشك فيه من
أبي هريرة، ولفظه: (صلى النبي ◌ُّ إحدى صلاتي العشي)). قال أبو هريرة:
ولكني نسيت. فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غلب على
ظنه أنها الظهر فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر، فجزم بها، وطرأ الشك
في تعيينها أيضًا على ابن سيرين. وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصة من
الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة في حديث عمران في قصة الخرباق الآتية في
الفصل الثالث أنها العصر. فإن قلنا: أنهما قصة واحدة، فيترجح رواية من عين
العصر في حديث أبي هريرة، انتهى.
وقال القاري: الأظهر أن القضية متحدة والصلاة هي العصر. فإنها مجزومة في
جميع الروايات، وإنما التردد في غيرها، فيترك الشك، ويعمل بالمتيقن، انتهى.
(قَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمد. (قد سماها أبو هريرة) أي: تلك الصلاة بالخصوص.
(وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا) أي: هي الظهر أم العصر. وفي رواية للبخاري: قال محمد:
وأكثر ظني أنها العصر. قال القسطلاني: هذا شك آخر من ابن سيرين، وذلك أن
أبا هريرة حدثه بها معينة، كما عينها لغيره، ويدل على أنه عينها له قول البخاري في
بعض طرقه. قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكني نسيت. قال الحافظُ:
وإنما رجح كونها العصر عند ابن سيرين؛ لأن في حديث عمرانِ الجزم بأنها
العصر، كما تقدمت الإشارة إليه قبل. (قَالَ) أي: أبو هريرة. (فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ
ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ) أي: من ذلك الموضع وأتى. (إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ) أي: موضوعة
بالعرض أو مطروحة. (فِي) ناحية. (الْمَسْجِدِ) وفي رواية للبخاري في مقدم
المسجد. وفي رواية لمسلم: ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد، يعني من جذوع
النخل التي كان المسجد مسقوفًا عليها. قال الحافظُ: ولا تنافي بين هذه الروايات؛
لأنها تحمل على أن الجذع قبل اتخاذ المنبر كان ممتدًا بالعرض، وكأنه الجذع
الذي كان ◌َله يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشراح، انتهى.
قلتُ: ليس في شيء من روايات الحديث وطرقه ما يدل على أن المراد به الجذع
الذي كان يستند إليه النبي وَ ل عند الخطبة قبل اتخاذ المنبر، ولا حجة لمن يدعي
أنه كان يرى من ذلك الجذع شيء بعد دفنه، وإليه استند النبي ◌َّ واتكأ عليه في
٣٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EaCE
هذه القصة، ولا على أن الجذع دفن في قبلة المسجد، ولا على أن عمل المنبر كان
قبل بدر. (كَأَنَّه غَضْبَانُ) قال القاري: لعل وجه الغضب تأثير التردد والشك في فعله
أو كان غضبان، فوقع له الشك لأجل غضبه. (عَلَى الْيُسْرَى) أي: على يده
اليسرى. (وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أي: أدخل بعضها في بعض من فوق الكف.
(وخرجت سرعان القوم) وفي بعض النسخ ((الناس)) بدل ((القوم)). ولفظ البخاري
هاهنا ((خرجت السرعان)) أي بالألف واللام وبدون الإضافة. نعم في رواية أخرى
له ولمسلم: ((خرج سرعان الناس))، وهو بفتح السين والراء المهملتين وضم النون
فاعل خرجت. ومنهم من سكن الراء، والمراد بهم أوائل الناس خروجًا من
المسجد. والمستعجلون منهم، وهم أهل الحاجات غالبًا، قال الجزري: السرعان
بفتح السين والراء: أوائل الناس الذي يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة،
ويجوز تسكين الراء، قال عياض: وضبطه الأصيلي في البخاري بضم السين
وإسكان الراء، ويكون جمع سريع، كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، وهو المسرع
الخروج، ومن قال: سرعان بكسر السين فهو خطأ؛ لأنه إنما هو في سرعان الذي
هو اسم فعل أي: سرع. (فَقَالُوا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟) كذا في جميع النسخ بدون همزة
الاستفهام، وكذا وقع في رواية للبخاري، لكن وقع في رواية البخاري هذه،
فقالوا: ((أقصرت؟)) أي: بذكر همزة الاستفهام، قال الحافظُ: فتحمل تلك على
هذه، وفيه دليل على ورعهم؛ إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم. وهابوا النبي وَّه
أن يسألوه وإنما استفهموه؛ لأن الزمان زمان النسخ، انتهى. وقَصُرَت بفتح القاف
وضم الصاد على البناء للفاعل أي: صارت قصيرة. وروي بضم القاف وكسر الصاد
على البناء للمفعول، أي: أن اللَّه قصرها. قال النووي: كلاهما صحيح ولكن
الأول أشهر وأصح. وقال ابن رسلان: الفعل لازم ومتعد فاللازم مضموم الصاد؛
لأنه من الأمور الخلقية كحسن وقبح، والمتعدي بفتح الصاد منه قصر الصلاة
وقصرها بالتخفيف والتشديد وأقصرها على السواء، حكاهن الأزهري. (وَفِي
الْقَوْم) أي: المصلين. (فَهَابَاهُ) من الهيبة وهو الخوف والإجلال، أي: فخاف أبو
بكر وعمر النبي وَلّ تعظيمًا وتبجيلاً وإجلالاً له. (أَنْ يُكَلِّمَاهُ) بما وقع له أنه سهوٌ أَوْ
عمدٌ، وبأنه سلم من ركعتين، فإن يكلماه بدل اشتمال من ضمير ((هاباه)) لبيان أن
المقصود هيبة تكليمه، لا نحو نظره واتباعه. يروى ((فَهَابَا)) بدون الضمير
٣٢٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
المنصوب، وأن مصدرية. والتقدير من التكليم. قال الطيبي: أي: فخشيا أن
يكلما رسول اللَّه وَله في نقصان الصلاة. والمعنى: أنهما غلب عليهما احترامه
وتعظيمه عن الاعتراض عليه. وأما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم.
وقيل: خشيا أن يكلماه لما ظهر عليه من أثر الغضب. (وَفِي الْقَوْم رَجُلٌ) هو
الخرباق السلمي، وكان. (فِي يَدَيْهِ طُولٌ) أي: كانت يداه أطول من يدي القوم،
وهو محمول على الحقيقة. ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل أو بالبذل،
قاله القرطبي. وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعًا. (يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ)
وفي رواية: يدعوه النبي ◌َِّ ذا اليدين. وهذا لقبه، واسمه الخرباق، من بني
سليم، وبقي بعد النبي ◌َّ. قال السهيلي في ((الروض الأنف)): مات ذو اليدين
السلمي في خلافة معاوية، وقال أبو عوانه في ((صحيحه)): ذو اليدين عاش بعد
النبي ◌ُّر، ومات بذي خشب على عهد عمر، ويدل عليه ما رواه الحسن بن سفيان
والطبراني وغيرهما من طريق شعيب بن مطير عن أبيه أنه لقي ذا اليدين بذي
خشب، فحدثه أن النبي ◌ُّ صلى بهم إحدى صلاتي العشي، وهي العصر، فصلى
ركعتين، وخرج سرعان الناس، فذكر الحديث. وروى ابن أبي شيبة من طريق
عمرو بن مهاجر أن محمد بن سويد أفطر قبل الناس بيوم، فأنكر عليه عمر بن عبد
العزيز، فقال: شهد عندي فلان أنه رأى الهلال، فقال عمر: أو ذو اليدين هو؟
ذكره الحافظ في ((الإصابة)) (ج١ : ص٤٨٩) قلتُ: حديث ذي اليدين هذا رواه
أيضًا عبد الله بن أحمد: في ((زيادات المسند)) (ج٤: ص٧٧)، والبيهقي (ج٢ :
ص٣٦٦) من طريق معدي بن سليمان، وكان ثقة، كما في ((مجمع الزوائد)) (ج) :
ص١٥٠)، قال: أتيت مُطَيْرًا لأسأله عن حديث ذي اليدين، فأتيته فسألته، فإذا هو
شيخ كبير، لا يُنْفِذُ الحديث من الكبر. فقال ابنه شعيب: بلى، يا أبت، حدثتني
أنك لقيت ذا اليدين بذي خشب، فحدثك أن رسول اللّه وَ له صلى بهم إحدى
صلاتي العشي، وهي العصر، ركعتين ثم سلم، فذكر الحديث. وفي رواية:
((حدثني شعيب بن مطير، ومطير حاضر، يصدق مقالته، قال: كيف كنت
أخبرتك؟ قال: يا أبتاه، أخبرتني أنك لقيت ذا اليدين بذي خشب ... الحديث.
قال الهيثمي: رواهما عبد الله بن أحمد مما زاده في المسند. وفيه معدي بن
سليمان. قال أبو حاتم شيخ، وضعفه النسائي، انتهى. قلتُ: معدي هذا من رجال
٣٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الترمذي وابن ماجه. قال الشاذكوني: كان من أفضل الناس، وكان يعد من
الأبدال، وقد صحح الترمذي حديثه، كذا في (تهذيب التهذيب)) (ج١٠
ص٢٢٩)، وأما تضعيف النسائي وقول ابن حبان فيه: لا يجوز أن يحتج به فالظاهر
أنه في روايته عن ابن عجلان خاصة. ففي ((تهذيب التهذيب)) قال أبو زرعة: واهي
الحديث يحدث عن ابن عجلان بمناكير، انتهى على أن النسائي وابن حبان من
المتشددين، كما قال النيموى. وأما مُطَيْرٍ فهو بالتصغير ابن سليم شيخ من أهل
وادي القرى من رجال أبي داود، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال البخاري: لم
يثبت حديثه. والظاهر أنه أراد حديثه الذي رواه عن ذي الزوائد، وهو صحابي آخر
أخرج أبو داود حديثه في كتاب الخراج، وذو اليدين هو غير ذي الشمالين
المستشهد ببدر، و اسمه عمیر بن عبد عمرو بن نضلة خزاعي حليف بني زهرة، قال
الحافظ في ((الفتح)): قد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا
الشمالين غير ذي اليدين. ونص على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث، انتهى.
وقال بعد ورقة: وقد تقدم أن الصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين.
وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين: الخرباق بكسر المعجمة وسكون الراء بعدها
موحدة، وآخره قاف؛ اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين. (الآتي في
الفصل الثالث) عند مسلم: وهذا صنيع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث
عمران. وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدد،
انتھی .
وقال ابن رسلان في ((شرح سنن أبي داود)): وللناس خلاف فيما يتعلق بذي
اليدين في موضعين: الأول: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد أو اثنان، ولا خلاف
بين أهل السير أن ذا الشمالين قتل ببدر، فالجمهور على أن ذا اليدين غيره؛
الروايات أبي هريرة في شهوده القصة. قال العلائي: هذا هو الصحيح الراجح.
وقال أبو بكر بن الأثرم: الذي قتل ببدر إنما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو حليف
لبنى زهرة. واختار القاضي عياض في الإكمال بأنهما واقعتان: إحداهما: كانت
قبل بدر، والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبو هريرة بل أرسل روايتها .
والثانية كانت بعد إسلامه، وحضرها أبو هريرة، والمتكلم ذواليدين. والثاني: أن
ذا اليدين هو الخرباق المتكلم في حديث عمران أو غيره، فالذي اختاره عياض
٣٢٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ere
بَابُ السَّهْوِ
وابن الأثير والنووي في غير موضع أنهما واحد. وأما ابن حبان فجعلهما اثنين،
فقال في معجم الصحابة: الخرباق صلى مع رسول اللّه ◌َ ل حيث سها، وهو غير
ذي اليدين. وتوقف ابن عبد البر والقرطبي، فقالا: يحتمل أن يكون الخرباق ذا
اليدين، وأن يكون غيره. وقال ابن الجوزي: في اسم ذي اليدين قولان: أحدهما:
عمير بن عبد عمرو بن نضلة السلمي، ذكره الأكثرون. والثاني : خرباق، ذكره أبو
بكر الخطيب، قال: وقد قيل: إنه ذو الشمالين، وليس بصحيح. قال العلائي:
وعمير بن عبد عمرو بن نضلة هو ذو الشمالين لا ذو اليدين. وابن الجوزي وهم في
هذه التسمية، انتهى.
قلتُ: وادعى الحنفية أن ذا اليدين وذا الشمالين رجل واحد اسمه عمير بن عبد
عمرو بن نضلة، ويقال له: الخرباق أيضًا، وهو سلمي وخزاعي، واختاروا ذلك؛
لأنه ينفعهم في مسألة الكلام في الصلاة سهوًا أو نسيانًا أو عمدًا لإصلاح الصلاة،
وسنذكرها. واستدلوا على ذلك بما وقع عند النسائي من رواية الزهري عن أبي
سلمة وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبي هريرة، ومن رواية عمران بن أبي
أنس، عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ذي الشمالين مكان ذي اليدين. قال
العيني في ((شرح البخاري)) (ج٤: ص٢٦٤) وابن التركماني في ((الجوهر النقي))
بعد ذكر الروايتين، صرح فيهما بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقالا أيضًا: فثبت
أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وهذا أولى من جعله رجلين؛ لأنه خلاف الأصل
في هذا الموضع، انتهى.
قلتُ: في كون رواية الزهري وعمران بن أبي أنس بلفظ: ((ذي الشمالين))
محفوظة نظر؛ لأنه وقع في عامة روايات أبي هريرة الصحيحة لفظ: ذي اليدين
دون ذي الشمالين. وكذلك وقع في حديث عمران بن حصين عند أحمد ومسلم
وغيرهما، وحديث ابن عمر عند أبي داود لفظ: ذي اليدين، وقد ثبت شهود أبي
هريرة قصة ذي اليدين، وشهدها عمران بن حصين أيضًا، كما صرح به الحافظ في
((الفتح)). وعمران بن حصين أسلم عام خيبر، كما نص عليه الحافظ في
((التقريب)). وروى معاوية بن حديج عند أحمد وأبي داود، وغيرهما قصة أخرى
في السهو، ووقع فيها الكلام ثم البناء، وكان إسلامه قبل موت النبي ◌َآل﴾ بشهرين،
كما صرح به البيهقي والنووي والحافظ. وهذا كله يدل دلالة واضحة على أن من
٣٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
روى في حديث أبي هريرة ذا الشمالين فقد وهم. ولذلك قال الحاكم على ما نقل
عنه البيهقي (ج٢: ص٣٦٧): كل من قال ذلك فقد أخطأ، انتهى.
فعلى هذا: لا فائدة في ذكر متابعة عمران بن أبي أنس للزهري على ذكر ذي
الشمالين. ويمكن أن يقال: إن ذا اليدين كان يقال له أيضًا: ذو الشمالين، ويؤيده
أنه وقع في رواية الزهري وعمران بن أبي أنس أولًا لفظ ذي الشمالين، ثم وقع فيها
لفظ ذي اليدين. وعلى هذا: فالمراد بذي الشمالين في روايتهما هو ذو الیدین لا ذو
الشمالين الذي قتل ببدر. واستدل الحنفية أيضًا بأقوال بعض أهل العلم كابن سعد
في ((الطبقات)) وغيره في غيرها مما يدل أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. وفيه:
أنها معارضة بما تقدم عن الحافظ أنه اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين
وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، وقد ثبت شهود أبي هريرة قصة ذي
اليدين، فهذا يرد قول من قال: إن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. قال ابن عبد البر:
ذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل حضور أبي هريرة، ومن ذكرنا قصة
ذي اليدين، وأن المتكلم رجل من بني سليم، كما ذكر مسلم في صحيحه. وفي
روایة عمران بن حصین اسمه: الخرباق ذکره مسلم، فذو الیدین الذي شهد السهو
في الصلاة سلمي، وذو الشمالين المقتول ببدر خزاعي، يخالفه في الاسم
والنسب. وقد يمكن أن يكون رجلان وثلاثة يقال لكل واحد منهم: ذو اليدين وذو
الشمالين، لكن المقتول ببدر غير المذكور في حديث السهو. هذا قول أهل الحذق
والفهم من أهل الحديث والفقه، ثم روی هذا بإسناده عن مسدد. قال ابن عبد البر:
وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنقل
تركه من روايته خاصة، ثم ذكر طرقه، وبين اضطرابها في المتن والإسناد، وذكر
أن مسلم بن الحجاج غلط الزهري في حديثه. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من
أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عول على حديث الزهري في قصة ذي الیدین،
وكلهم تركوه لاضطرابه، وأنه لم يتم له إسنادًا ولا متنًا وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا
الشأن، فالغلط لا يسلم منه بشر، والكمال لله تعالى، وكل أحد يؤخذ من قوله
ويترك إلا النبي وَّة، فقول الزهري: إن ذا اليدين قتل يوم بدر متروك لتحقق غلط
فيه، انتهى كلامه ملخصًا مختصرًا.
(أَنَسِيتَ) بالخطاب. (أَمْ قَصُرَتِ) بالفتح ثم الضم أو الضم ثم الكسر كالسابقة،
٣٢٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
(الصَّلَاةُ) بالضم على الوجهين، وحصر في الأمرين؛ لأن السبب إما من الله، وهو
القصر أو من النبي وَّل، وهو النسيان. (فَقَالَ) بَّ: (لَمْ أَنْسَ) أي: في ظني أي لا
في نفس الأمر، فخرج هذا الكلام على حسب الظن، ويعتبر الظن قيدًا في الكلام،
ترك ذكره بناء على أن الغالب في بيان أمثال هذه الأشياء أن يجري فيها الكلام بالنظر
إلى الظن، فكأنه قال: ما نسيت ولا قصرت في ظني، وهذا الكلام صادق لا غبار
عليه، ولا يتوهم فيه شائبة كذب، وليس مبنى الجواب على كون الصدق المطابقة
للظن، بل على أنه مطابقة الواقع، فافهم. (وَلَمْ تَقْصُرْ) أي: الصلاة وهو بفتح التاء
وضم الصاد على بناء الفاعل، أو ضم التاء وفتح الصاد على بناء المفعول. وهذا
صريح في نفي النسيان، ونفي القصر. وفيه تفسير للمراد بقوله في الرواية الآتية:
((كل ذلك لم يكن))، وتأيد لما قاله أصحاب المعاني أن لفظ: ((كُلِّ)) إذا تقدم وعقبها
النفي كان نفيًا لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول لم يكن كل
ذلك، فإنه يفيد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد. بخلاف الأول، فإنه يقتضى
السلب عن كل فرد، ولهذا أجاب ذو اليدين بقوله: ((قد كان بعض ذلك))، وأجابه
في بعض الروايات التي وقع فيها نفي النسيان، ونفي القصر صريحًا بقوله: ((بَلَى قَدْ
نَسِيتَ))؛ لأنه لما نفي الأمرين، وكان مقررًا عند الصحابي أن السهو غير جائز عليه
في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا بالقصر، وهو حجة لمن قال: إن السهو
جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وقد تقدم الكلام في ذلك. (فَقَالَ) وَهِ بعد
تردده بقول ذي اليدين. (أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟) أي: أتقولون كقوله، أو أكان كما
يقول، أو الأمر كما يقول. وفي رواية بعد قوله: ((لم أنس ولم تقصر)): فقال بل
نسيت يا رسول الله، فأقبل رسول اللَّه وَ له على القوم فقال: ((أصدق ذو اليدين))،
فلما جزم بالنسيان استثبت الَّله فقال: ((أوقع مني أني تركت نصف الصلاة، كما
يقول؟)) وعدل عن ((قال)) لتصوير صورة للحال الماضية حتى يستحضر ويتأمل.
(فَقَالُوا: نَعَمْ) الأمر كما يقول. وفي رواية لمسلم: ((قالوا صدق))، لم تُصَلِّ إلا
ركعتين. قال ابن حجر: فحينئذٍ تيقن ◌َلأنه ترك ركعتين، إما لتذكره أو لكونهم
عدد التواتر أو لإخبار اللَّه له بالحال، كما في رواية أبي داود، ولم يسجد سجدتي
السهو حتى يقنه اللَّه ذلك، أي: ألقى اللَّه تعالى اليقين بوقوع النسيان في قلبه.
(فَتَقَدَّمَ) أي: مشى إلى محل صلاته. ففي رواية لأبي داود: فرجع رسول اللَّه وَهل
٣٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إلى مقامه. (فَصَلَّى مَا تَرََكَ) أي: الذي تركه، وهو الركعتان. ففي رواية: فصلى
ركعتين أخراوين. (ثُمَّ سَلَّمَ) قال العلائي: جميع رواياته وطرقه لم يختلف فيه شيء
منها أن السجود بعد السلام، كذا في شرح ابن رسلان لسنن أبي داود وهذا يهدم
قاعدة المالكية ومن وافقهم أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل السلام. (ثُمَّ
كَبَّرَ) أي: بعد السلام للسجود. واختلف في سجود السهو بعد السلام، هل يشترط
له تكبيرة إحرام أو يكتفي بتكبير السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر
غالب الأحاديث. وحكى القرطبي: أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام
بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام لا بد له من تكبيرة إحرام كسائر
الصلاة لكن لا تبطل بتركها. ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق حماد بن زيد عن
هشام بن حسان عن ابن سيرين في هذا الحديث قال: ((فكبر ثم كبر وسجد للسهو)).
قال أبو داود: لم يقل: ((فكبر ثم كبر)) إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه
الرواية. (وَسَجَدَ) أي: للسهو. (مِثْلَ سُجُودِهِ) الذي للصلاة. والمثل: الشبه. قال
الراغب: المثل عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان، وهو
أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك لأن الند يقال لما يشارك في الجوهر
فقط، والشبه فيما يشاركه في الكيفية فقط، والمساوي فيما يشاركه في الكمية
فقط، والمثل عام في جميع ذلك؛ ولذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ
[الشورى: ١١]. وأما نحو هذا فيقضي المشابهة مع التقريب، انتهى. (أَوْ أَطْوَلَ) منه.
(ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ) أي: للرفع من السجود. (ثُمَّ كَبَّرَ) أي: للسجود الثاني.
(وَسَجَدَ) أي: ثانيًا. (مِثْلَ سُجُودِهِ) الأول أو مثل سجوده للصلاة والأول أقرب
لفظًا، والثاني معنى. (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) منِ السجدة الثانية. (فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ) أي: سألوا
ابن سيرين، هل في الحديث. (ثُمَّ سَلَّمَ) أي: النبي ◌ََّ بعد سجدتي السهو.
فالضمير المنصوب لابن سيرين والمسئول عنه قوله: ((ثم سلم)). (فَيَقُولُ) أي: ابن
سيرين في جواب سؤالهم. (نُبِّئْتُ) بضم النون أي: أخبرت. (أن عمران بن حصين
قال: ثم سلم) هذا يدل على أنه لم يسمع ذلك من عمران، وقد بين أشعث في
روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران، فقال: قال ابن سيرين: حدثني
خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين، أخرجه أبو
داود، والترمذي والنسائي والبيهقي فظهر أن ابن سيرين أبهم ثلاثة، وروايته عن
٣٢٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْوِ
خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر، كذا في الفتح. وقول ابن سيرين هذا، وهو
راوي حديث ذي اليدين يدل، على أنه كان يرى التوحيد بين حديث أبي هريرة
هذا، وحديث عمران بن حصين، وهو الذي رجحه الحافظ في ((الفتح))، كما
تقدم. ووقع عند البخاري من طريق حماد عن سلمة بن علقمة، قال: قلت
لمحمد: في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة. وقد يفهم
منه أنه ورد في حديث غيره، وهو كذلك. فقد رواه الترمذي وغيره من حديث
عمران بن حصين، وسيأتي الكلام في ذلك في الفصل الثاني. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه
أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم.
قال ابن حجر: أي: اتفقا على المقصود منه، فلا ينافيه خلو حديث مسلم عن
ذكر وضع اليد على اليد، والتشبيك. قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١١٢) لهذا
الحديث طرق كثيرة وألفاظ، وقد جمع جميع طرقه الحافظ صلاح الدين العلائي،
وتكلم عليه كلامًا شافيًا، انتهى. (ولفظه للبخاري) في باب تشبيك الأصابع في
المسجد وغيره. (وفي أخرى) أي: في رواية أخرى. (لَهُمَا) أي: للشيخين. وفيه
نظر؛ لأن هذه الرواية من إفراد مسلم، وليست للبخاري. (كُلِّ ذَلِك) أي: كل من
النسيان والقصر. (لَمْ يَكُنْ) أي: في ظني، أي: لم يكن لا ذلك ولا ذا في ظني، بل
ظني: أني أكملت الصلاة أربعًا، فهو في معنى لا شيء منهما بكائن على شمول
النفي وعمومه لثلاثة وجوه: أحدها: الرواية المتقدمة: ((لم أنس ولم تقصر)).
والثاني: القاعدة المتقدمة عن علماء المعاني. والثالث: أنه قال ذو اليدين في
جوابه ◌َّ ((قد كان بعض ذلك)). ومعلوم أن الثبوت للبعض أنما ينافي النفي عن كل
فرد لا النفي عن المجموع. وقوله: ((قد كان بعض ذلك))، موجبة جزئية ونقيضها
السالبة الكلية، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب
الجزئي. (فَقَالَ) أي: ذو اليدين. (قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ) يعني: قصرت الصلاة،
ولكن لا أدري قصرتها سهوًا أو أمر اللَّه تعالى بقصرها، قاله القاري.
واعلم: أن حديث ذي اليدين هذا فيه فوائد كثيرة وقواعد مهمة: منها: جواز
النسيان في الأفعال والعبادات على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين،
وأنهم لا يقرون عليه. ومنها: أن الواحد إذا ادعى شيئًا جرى بحضرة جمع كثير لا
يخفى عليهم سُئِلُوا، ولا يعمل بقوله من غير سؤال. ومنها: إثبات سجود السهو،
٣٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأنه سجدتان، وأنه يكبر لكل واحد منهما، وأنهما على هيئة سجود الصلاة، وأنه
يسلم من سجود السهو. ومنها: جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا
وإن طال زمن الفصل. ومنها: أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأن السلام
ونية الخروج من الصلاة سهوًا لا يقطع الصلاة. ومنها: أنه يرجع الإمام لقول
المأمومين إذا شك. ومنها: جواز التقليب الذي سبيله التعريف دون التهجين.
ومنها: أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس؛ لأنه ئيّ سلم
وتكلم ومشى ناسيًا ولم يسجد إلا سجدتين. وروى ابن أبي شيبة عن النخعي
والشعبي: أن لكل سهو سجدتين، وورد على وفقه حديث ثوبان عند أحمد وأبي
داود والبيهقي (ج٢: ص٣٣٧). وحمل على أن معناه من سها بأي سهو كان شرع له
السجود، أي: لا يختص بالمواضع التي سها فيها النبي وَّ، ولا بالأنواع التي سها
بها. فالحديث سيق للعموم لكل سَاهٍ لا لتعدد السجود عند تعدد مقتضيه. وروى
البيهقي (ج٢: ص٣٤٦) من حديث عائشة سجدتا السهو تجزءان من كل زيادة
ونقصان. ومنها: أن من ظن أنه فعل شيئًا فقال فعلته أو قال: ما فعلته، وفي ظنه أنه
لم يفعل، ثم تبين خلاف ما ظن لم يأثم؛ لأنه مُلَّلها قال: ((كل ذلك لم يكن)) وقد
كان السهو. ومنها: أن العمل الكثير والخطوات إذا كانت في الصلاة سهوًا أو مع
ظن التمام لا تفسد بها الصلاة، فإن في رواية: ((أنه وَّل خرج إلى منزله)). وفي
أخرى: ((يجر رداءه مغضبًا)). وفي أخرى: ((أنه مشى إلى الجذع، واستند إليه،
وخرج السرعان)). وفي أخرى: ((دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس وبني على
صلاته)). قال النووي: الحكم ببطلانها بما ذكر من الأفعال في حديث ذي اليدين
مشكل، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها، انتهى.
ومنها أن من تحول عن القبلة سهوًا لم تكن عليه الإعادة. ومنها: أن الكلام
سهوًّا، أو على ظن تمام الصلاة، لا يقطع الصلاة، خلافًا للحنفية. قالوا: إن قصة
ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة. وفيه: أن هذا مبني على قول
الزهري: إنها قبل بدر. وقد قدمنا أنه إما وهم في ذلك أو تعددت القصة لذي
الشمالين المقتول ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي وَلير، فقد ثبت
شهود أبي هريرة للقصة، كما تقدم، وشهدها عمران بن حصين، وإسلامه متأخر
أيضًا. وروى معاوية بن حديج قصة أخرى في السهو، أي: في صلاة المغرب،
٣٣١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
ووقع فيها الكلام ثم البناء، أخرجها أبو داود وابن خزيمة وغيرهما، وكان إسلامه
قبل موت النبي وَّل بشهرين. قال السندي: من يقول بإبطال الكلام للصلاة مطلقًا
يحمل الحديث على أنه قبل نسخ إباحة الكلام في الصلاة، لكن يشكل عليه أن
النسخ كان قبل بدر، وهذه الواقعة قد حضرها أبو هريرة، وكان إسلامه أيام خيبر.
وقال صاحب البحر من علمائنا الحنفية: ولم أر لهذا الإيراد جوابًا شافيًا، انتهى.
وأما ما روى الطحاوي عن ابن عمر أنه ذكر له حديث ذي اليدين، فقال: كان إسلام
أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين. ففيه: أن هذه الرواية ضعيفة منكرة مخالفة
الروايات الصحيحين، تفرد بها عبد الله بن عمر بن حفص العمري، وهو ضعيف،
كما في ((التقريب)). وقال الذهبي: صدوق في حفظه شيء. وأما ما قيل: إن عمر
كان حاضرًا في حادثة ذي اليدين، وقد حدث به مثل تلك الحادثة بعد النبي وَّ في
صلاته، وفعل فيها بخلاف ما عمل رسول اللّه وَل يوم ذي اليدين، مع أنه كان
حاضرًا في قصته. وهذا يدل على أن قصة ذي اليدين كانت حين كان الكلام مباحًا
في الصلاة، أخرج الطحاوي في ((معاني الآثار)) بإسناده عن عطاء، قال: صلى عمر
ابن الخطاب بأصحابه فسلم في الركعتين، ثم انصرف، فقيل له في ذلك، فقال:
إني جهزت عيرًا من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، فصلى بهم
أربع ركعات. ففيه: أن رواية الطحاوي هذه مرسلة، ومع ذلك ضعيفة جدًّا؛ لأن
مرسل عطاء أضعف المراسيل. قال أحمد: ليس في المرسل أضعف من مرسل
الحسن وعطاء، يأخذان عن كل أحد، انتهى.
فمرسل عطاء هذا لا يصلح للاستدلال، على أن قصة ذي اليدين كانت حين كان
الكلام مباحًا. على أنه يحتمل أن عمر كان إذ ذاك قد ذهل عن قصة ذي اليدين، كما
كان قد ذهل عن قصة التيمم، ولم يتذكر بتذكير عمار مع أنه حضر معه تلك
القصة. وأيضًا: يحتمل أن عمر كان يرى أن من حدث به هذه الحادثة فله أن
يستأنف الصلاة، وله أن يبني ولم ير ما فعله وَّ واجبًا، فإذا جاء الاحتمال بطل
الاستدلال. وقد بسط شيخنا الكلام في هذا الباب في ((أبكار المنن)) (ص ٢٤٧ -
٢٥٧/ ٥١٩ - ٥٤٠) فعليك أن تطالعه. وأما ما توهم بعضهم أن حديث ذي الیدین
مخالف لقول زيد بن أرقم: ((نهينا عن الكلام))، فيحمل قصة ذي اليدين على أنها
كانت قبل النهي والنسخ. ففيه: أنه لا معارضة بينهما؛ لأن قول زيد بن أرقم عام
٣٣٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يشمل كل نوع من الكلام، وحديث ذي اليدين خاص، كما لا يخفى ولا معارضة
بين العام والخاص. قال ابن بطال: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم: ((ونهينا عن
الكلام)) أي: إلا إذا وقع سهوًا وعمدًا لمصلحة الصلاة فلا يعارض قصة ذي
اليدين، انتهى.
ومنها: أن تعمد الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، وهو المشهور من مذهب
مالك والأوزاعي أن التكلم عمدًا على جهة إصلاح الصلاة وبيانها لا يفسدها، وهو
رواية عن أحمد. وأجاب من لم يقل بذلك بأن كلامهم كان جوابًا للنبي وَّه
وجوابه لا يقطع الصلاة. وتعقب بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة.
وأجيب: بأنه ثبت مخاطبته في التشهد، وهو حي بقولهم: السلام عليك أيها
النبي، ولم تفسد الصلاة. والظاهر أن ذلك من خصائصه. ويحتمل أن يقال: ما
دام النبي وَلّه يراجع المصلي فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص
الجواز بالجواب لقول ذي اليدين: ((بلى قد نسيت))، ولم تبطل صلاته. قلت:
الخصوصية لا تثبت بالادعاء والاحتمال، وأيضًا ما الجواب عن قول: ((سرعان
الناس)): ((قصرت الصلاة))، فإنه لم يكن خطابًا للنبي وَّه ولا جوابًا له. والحق أن
الحديث مشكل على المالكية أيضًا، والجواب عما ذكر في رواياته وطرقه من
الأفعال والأقوال صعب على أصحاب المذاهب الأربعة، كما لا يخفى على من له
وقوف على مذاهبهم، ولا عذر عندنا عن العمل بما ورد في الحديث لمن يتفق له
مثل ذلك. وما أحسن كلام ((صاحب المنار)) حيث قال بعد الرد على من ادعى
نسخه ما نصه: ((وأنا أقول: أرجو اللَّه للعبد إذا لقي اللَّه عاملًا بذلك أن يثبته في
الجواب بقوله: صح لي ذلك عن رسولك، ولم أجد ما يمنعه، وأن ينجو بذلك
ويثاب على العمل به، وأخاف على المتكلفين وعلى المجبرين على الخروج من
الصلاة للاستئناف، فإنه ليس بأحوط، كما ترى؛ لأن الخروج بغير دليل ممنوع
وإبطال للعمل))، انتهى.
كِتّابُ الصَّلاةِ
بَابُ السَّهْو
٣٣٣
١٠٢٦ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ وَلِ صَلَّى بِهِمُ
الظَّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى
الصَّلاَةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ
يُسَلَّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٠٢٦ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِاللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) هو عبد الله بن مالك بن القشب
الأسدي أو الأزدي من أزد شنوءة، وأما بُحَيْنَةَ فهي أمه، فاسم أبيه مالك، واسم
أمه بحينة - مصغرًا - بنت الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف. قيل: فينبغي
كتابة ابن بحينة بالألف؛ لئلا يلتبس بالأب، وإذا نسب إليهما وكتب عبد الله بن
مالك ابن بحينة ينبغي أن يكتب ألف ابن وينوّن مالك ليندفع الوهم، ويعرف أن ابن
بحينة نعت لعبد الله لا لمالك. وينبغي أن يحفظ هذا الأصل، فيحتاج إليه في أسماء
كثيرة مثل محمد بن علي ابن الحنفية، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية وغير ذلك.
وعبد الله هذا صحابي مشهور. أسلم قديمًا، كان ناسكًا فاضلاً صائم الدهر، وأمه
بحينة أيضًا صحابية، أسلمت وبايعت رسول اللَّه وَليل وأطعمها من خيبر ثلاثين
وسقًّا، قال في ((الإصابة)): كان عبد اللَّه ينزل ببطن ريم على ثلاثين ميلًا من
المدينة، ومات به في إمارة مروان الأخيرة على المدينة، وأرخه ابن زبير سنة ست
وخمسين. (فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَولَيَيْنِ) بالمثناتين التحتيتين، يعني: أنه قام إلى
الركعة الثالثة حال كونه. (لَمْ يَجْلِسْ) أي: عقب الركعتين للتشهد. ووقع في رواية
ابن عساكر: ولم يجلس بزيادة الواو. وفي ((صحيح مسلم)): ((فلم يجلس)) بالفاء،
وكذا في رواية للبخاري. وزاد في رواية ابن خزيمة: ((فسبحوا به، فمضى حتى
فرغ من صلاته)). وفي حديث معاوية عند النسائي والبيهقي وعقبة بن عامر عند
الحاكم والبيهقي جميعًا نحو هذه القصة بهذه الزيادة. وفيه دليل على أن تارك
الجلوس الأول إذا قام لا يرجع له. (فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) إلى الثالثة؛ اتباعًا لفعله ◌َّه .
(١٠٢٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٢٢٤)، ومُسْلِم (٨٦/ ٥٧٠) عَنْهُ فِيهَا .
٣٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفيه دليل على وجوب متابعة الإمام حيث تركوا القعود الأول وتشهده. (حَتَّى إِذَا
قَضَى الصَّلَاةَ) أي: فرغ منها، وقد استدل به لمن زعم أن السلام ليس من الصلاة
حتى لو أحدث بعد أن جلس، وقبل أن يسلم تمت صلاته. وهو قول بعض
الصحابة والتابعين، وبه قال أبو حنيفة، كما تقدم. وتعقب بأن السلام لما كان
لتحليل من الصلاة كان المصلي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته. ويدل على
ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد عن
الأعرج: حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يسلم، فدل على أن بعض الرواة حذف
الاستثناء لوضوحه. والزيادة من الحافظ مقبولة، كذا في ((الفتح)). وقيل: معناه:
قارب الفراغ من الصلاة. وقال الباجي: ويحتمل أن يراد بالصلاة: الدعاء،
والصلاة على النبي ◌ََّ، فيكون لفظ: ((قَضَى)) على حقيقته، انتهى.
(كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ) جملة حالية. (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ) أي: للسهو بعد التشهد. (قَبْلَ
أَنْ يُسَلِّمَ) وفي رواية: كبر قبل التسليم فسجد سجدتين، وهو جالس، أي: أنشأ
السجود جالسًا. فهي جملة حالية. وفي أخرى لهما: ((يكبر في كل سجدة)). وعند
أحمد: ((فكبر فسجد، ثم كبر فسجد ثم سلم))، قال الحافظ في ((الفتح)): وفي رواية
الأوزاعي: ((فكبر ثم سجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع رأسه
ثم سلم)). أخرجه ابن ماجه. واستدل به على مشروعية التكبير في سجدتي السهو
والجهر به، كما في غيرهما من سجود الصلاة، وأن بينهما جلسة فاصلة. (ثُمَّ سَلَّمَ)
بعد ذلك للانصراف من الصلاة. واستدل به على أن سجود السهو قبل السلام. ولا
حجة فيه في كون جميعه كذلك، نعم، يرد على من زعم أن جميعه بعد السلام
كالحنفية، وتقدم ذكر مستندهم، وما هو الأرجح في ذلك. وزاد في رواية
للبخاري: ((وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس)). وكأنه عرف
الصحابي ذلك من قرينة الحال.
وفي هذه الزيادة فوائد: منها: أن السجود خاص بالسهو، فلو تعمد ترك شيء
مما يجبر بسجود السهو لا يسجد. وهو قول الجمهور، ورجحه الغزالي، وناس
من الشافعية. ومنها: أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يسه
المأموم. ونقل ابن حزم فيه الإجماع. وأما إذا سها المأموم دون إمامه فلا سجود
عليه في قول عامة أهل العلم، كما في المغني (ج١: ص٦٩٩). ومنها: أن
٣٣٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
السجود إنما هو لأجل ترك الجلوس لا لترك التشهد، حتى لو أنه جلس مقدار
التشهد، ولم يتشهد لا يسجد. وجزم أصحاب الشافعي وغيرهم أنه يسجد لترك
التشهد وإن أتى بالجلوس. والحديث فيه دليل على أن الجلوس الأول والتشهد فيه
ليس بفرض؛ لأنه لو كان فرضًا لبطلت الصلاة بتركه، ولم يجبر بالسجود. ولم
يكن بد من الإتيان به، كسائر الفروض، فجبرانه بالسجود عند تركه دل على عدم
فرضيته، ولما احتاج إلى الجبران ظهر أنه مهم، وليس كالسنة التي لا يجب بتركها
شيء، فإذا هو فوق السنة ودون الفرض، وهو المراد بالواجب عند من يقول به.
والله اعلم. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب ((من لم ير التشهد الأول واجبًا)).
والحديث أخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي .
٣٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الفصل الثاني
١٠٢٧ - [٧] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا،
فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الشّرْحُ
١٠٢٧ - قوله: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضم الحاء المهملة، ابن عبيد بن
خلف الخزاعي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر، وصحب وغزا عدة غزوات، وكان
صاحب راية خزاعة يوم الفتح. قال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة
وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حتى
اكتوى، أي: قبل وفاته بسنتين، وكان قد اعتزل الفتنة، فلم يقاتل فيها، وقال أبو
نعيم: كان مجاب الدعوة. وتقدم شيء من ترجمته في باب الإيمان بالقدر.
(فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ) أي: بعد ما سلم، كما يشهد له حديثه الآتي. (ثُمَّ تَشَهَّدَ) المراد
به التشهد المعهود في الصلاة. (ثُمَّ سَلَّمَ) فيه دليل على مشروعية التشهد بعد
سجدتي السهو. واختلف العلماء فيه: فقال أنس والحسن وعطاء: ليس فيهما
تشهد ولا تسليم. وقال ابن سيرين وابن المنذر: فيهما تسليم بغير تشهد. قال ابن
المنذر: التسليم فيهما ثابت من غير وجه، وفي ثبوت التشهد نظر. وروي عن
عطاء: إن شاء تشهد وسلم، وإن شاء لم يفعل. وروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين
أنه قال: أحب إليّ أن يتشهد فيهما. وحكى ابن عبد البر عن يزيد بن قسيط أنه
يتشهد بعدهما ولا يسلم. ورواه أيضًا عن النخعي وغيره. وذهب الشافعي وأحمد
إلى أنه إذا كان سجود السهو قبل السلام سلم عقبه، ولا يعيد التشهد، يعني أنه
أجزأه التشهد الأول، ولم يحتج إلى إعادته بعد سجود السهو، واختلف فيه القول
عن مالك. وأما إذا سجدهما بعد السلام، فذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يتشهد ثم
(١٠٢٧) التِّرْمِذِي (٣٩٥) عَنْه فِي الصَّلاَةِ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْوِ
٣٣٧
يسلم، كما يظهر من كتب الفروع. والراجح عندنا: أنه مخير في التشهد إن شاء
تشهد بعدهما وإن شاء لم يتشهد. وأما التسليم فلا بد منه، والله أعلم. (رَوَاهُ
التِّرْمِذِي وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود وابن حبان والحاكم
(ج١: ص٣٢٣) والبيهقي (ج ٢: ص ٣٥٥) وأخرجه النسائي بدون ذكر التشهد،
كلهم من رواية أشعث عن ابن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي
المهلب عن عمران بن حصين. وقد سكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين
الترمذي وأقره. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. قال الحافظ في
((الفتح)) بعد نقل تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم: وضعفه البيهقي وابن عبد البر
وغيرهما. ووهموا رواية أشعث لمخالفة غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن
المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد. وروى السراج
من طريق سلمة بن علقمة أيضًا في هذه القصة. أي: في قصة ذي اليدين المتقدمة
قلتُ لابن سيرين: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد شيئًا. وقد تقدم من طريق
ابن عون عن ابن سيرين، قال: نبئت أن عمران بن حصين قال: ((ثم سلم)). وكذا
المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد في حديث عمران. يعني: الذي يأتي في
الفصل الثالث، ليس فيه ذكر التشهد كما أخرجه مسلم، فصارت زيادة أشعث
شاذة. ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت، لكن قد
ورد في التشهد، في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن
المغيرة عند البيهقي. وفي إسنادهما ضعف. فقد يقال: إن الأحاديث الثلاثة في
التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن. قال العلائي: وليس ذلك ببعيد. وقد
صح ذلك عن ابن مسعود من قوله، أخرجه ابن أبي شيبة، انتهى.
قلتُ: حديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائي والبيهقي (ج٢:
ص٣٥٦ وص ٣٣٦) من طريق خصيف عن أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله بن
مسعود مرفوعًا بلفظ: ((إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث أو أربع، وأكبر
ظنك على أربع، تشهدت ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلم. ثم
تشهدت أيضًا، ثم تسلم)). قال البيهقي في ((المعرفة)): حديث مختلف في رفعه.
وخصيف غير قوي. وأبو عبيدة عن أبيه مرسل، أي: منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم
يسمع عن أبيه عبد الله بن مسعود. ولفظ المغيرة عند البيهقي (ج ٢: ص ٣٥٥) أن
٣٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النبي ◌َّ تشهد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو. قال البيهقي: تفرد به محمد
ابن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن الشعبي. ولا حجة فيما تفرد به لسوء حفظه وكثرة
خطئه في الروايات، انتهى.
١٠٢٨ - [٨] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا
قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِنِ اسْتَوَى
قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ. وَيَسْجُدُ سَجْدَتَي السَّهْوِ)). [رواه أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرُْ
١٠٢٨ - قوله: (إِذَا قَامَ الْإِمَامُ) أي: شرع في القيام، وفي معناه المنفرد. (فِي
الرَّكْعَتَيْنِ) أي: بعدهما من الثلاثية أو الرباعية قبل أن يقعد ويتشهد. (فَإِنْ ذَكَرَ)
أي: تذكر أن عليه بقية من الصلاة. (قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا) سواء يكون إلى القيام
أقرب أو إلى القعود. قال القاري: وهو ظاهر الرواية، واختاره ابن الهمام، ويؤيده
الحديث، انتهى. ومقابله ما في ((الهداية)) إن كان إلى القعود أقرب عاد، ولو إلى
القیام فلا، انتھی.
قلتُ: أخرج هذا الحديث أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي بألفاظ
متقاربة. وليس فيها ما يدل على هذا التفصيل. فالصحيح هو الأول. وهو المختار
عند الحنفية. (فَلْيَجْلِسْ) أي: ليأتي بالتشهد الأول: زاد في رواية الدار قطني: ((ولا
سهو عليه)). وقد تمسك بها من قال: إن سجود السهو إنما هو لفوات التشهد الأول
لا لفعل القيام. وإلى ذلك ذهب النخعي والأسود وعلقمة والشافعي في أحد قوليه.
وذهب أحمد إلى أنه يجب السجود للسهو لفعل القيام؛ لما روي عن أنس أنه تحرك
للقيام من الركعتين الأخريين من العصر على جهة السهو فسبحوا، فقعد ثم سجد
للسهو. أخرجه البيهقي والدار قطني موقوفًا عليه، إلا أن في بعض طرقه أنه قال:
هذه السنة. قال الحافظ: ورجاله ثقات. وقد رجح حديث المغيرة لكونه مرفوعًا،
ولأنه يؤيده حديث ابن عمر مرفوعًا: ((لا سهو إلا في قيام عن جلوس، أو جلوس عن
(١٠٢٨) أَبُو دَاوُد (١٠٣٦)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٦٤) عَنْهُ فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْوِ
٣٣٩
قيام)). أخرجه الدار قطني والحاكم والبيهقي (ج٢: ص٣٤٥) وفيه ضعف. وقال
ابن حجر: وظاهر الحديث أن قوله الآتي: ((ويسجد سجدتي السهو)) خاص بالقسم
الثاني، فلا يسجد هنا للسهو. وإن كان إلى القيام أقرب، وهو الأصح عند جمهور
أصحابنا، وصححه النووي في عدة من کتبه، انتهى .
قلتُ: واختلف فيه فقهاء الحنفية أيضًا، والأصح هو عدم وجوب السجود؛ لأن
فعله لم يعد قيامًا، فكان قعودًا، كذا في ((شرح المنية)). (وإن استوى قائمًا) ولفظ
أحمد وابن ماجه: ((وإن استتم قائمًا)). (فَلَا يَجْلِسْ) لتلبسه بفرض، فلا يقطعه.
(وَيَسْجُدُ) بالرفع. (سَجْدَتَي السَّهْوِ) لتركه واجبًا، وهو القعدة الأولى. وفي
الحديث: أنه لا يجوز العود إلى القعود، والتشهد بعد الانتصاب الكامل؛ لأنه قد
تلبس بالفرض، فلا يقطعه لأجل ما ليس بفرض، ثم إذا رجع بعد استوائه قائمًا هل
تفسد صلاته؟ مختلف عند الأئمة.
قال الحافظ في ((الفتح)): فمن سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة ثم ذكر
لا يرجع، فقد سبحوا به وَّ، فلم يرجع. فلو تعمد المصلي الرجوع بعد تلبسه
بالركن بطلت صلاته عند الشافعي خلافًا للجمهور، انتهى. واختلف فيه الحنفية.
والراجح عندهم عدم الفساد، كما في ((الدر المختار)). وقال الشوكاني: فإن عاد
عالمًا بالتحريم بطلت صلاته لظاهر النهي، ولأنه زاد قعودًا، وهذا إذا تعمد العود،
فإن عاد ناسيًا لم تبطل صلاته، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٢٥٣، ٢٥٤)
والدار قطني والبيهقي (ج٢: ص ٣٤٣) ومداره في جميع طرقه على جابر الجعفي،
وهو ضعيف جدًّا. وقد قال أبو داود: ليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا
الحديث. وقال المنذري: في إسناده جابر الجعفي، ولا يحتج به، انتهى. وأخرج
أحمد (ج٤: ص٢٤٧ - ٢٥٣) والترمذي وصححه وأبو داود والبيهقي (ج٢ :
ص٣٣٨) عن زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين
قام. ولم يجلس، فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته
سلم ثم سجد سجدتين وسلم. ثم قال: هكذا صنع بنا رسول اللَّه وَل. وأخرجه
البيهقي (ج٢: ص٣٤٤) أيضًا من طريق عامر عن المغيرة.