النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
res
الأقوال، وخالف في ذلك الجمهور الأئمة الأربعة وغيرهم، قالوا: حديث أبي
هريرة وما وافقه مجمل، والأحاديث المفسرة قاضية عليه، فلابد من اعتبارها. قال
أبو عبد الملك: حديث أبي هريرة يحمل على كل ساهٍ وإن حكمه السجود، ويرجع
في بيان حكم المصلي فيما يشك فيه، وفي موضع سجوده من صلاته إلى سائر
الأحاديث المفسرة، قال الشوكاني: ليس في حديثي أبي هريرة وعبد الله بن جعفر
أكثر من أن رسول اللَّه وَ ل أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة. وليس بيان ما
يصنعه من وقع له ذلك. والأحاديث الآخرة قد اشتملت على زيادة، وهي بيان ما
هي الواجب عليه عند ذلك من غير السجود، فالمصير إليها واجب، انتهى.
وحاصله: أن حديث أبي هريرة سيق لبيان حكم ما يجبر به الساهي صلاته.
والمقصود من أحاديث البناء وغيره، بيان ما يصنعه من الإتمام وعدمه، فلا بد من
أخذها والعمل بها. وقيل: حديث أبي هريرة محمول على من طرأ عليه الشك، وقد
فرغ قبل أن يسلم. فإنه لا يلتفت إلى ذلك الشك، ويسجد للسهو، كمن طرأ عليه
بعد أن سلم، فلو طرأ عليه قبل ذلك بنى على اليقين، كما في حديث أبي سعيد.
وعلى هذا فقوله فيه: ((وَهُوَ جَالِسٌ) يتعلق بقوله: ((إِذَا شَكَ)) لا بقوله: ((سَجَدَ)). وقال
ابن عبد البر: حديث أبي هريرة هذا محمول عند مالك على المستنکح الذي لا يكاد
ينفك عنه، ويكثر عليه السهو، ويغلب على ظنه أنه قد أتم، لكن الشيطان يوسوس
له، فيجزيه أن يسجد للسهو دون أن يأتي بركعة؛ لأنه لا يأمن أن ينويه مثل ذلك فيما
يأتي به. وأما من غلب على ظنه أنه لم يكمل صلاته، فيبنى على يقينه، فإن اعتراه
ذلك أيضًا فيما يبني لهى عنه أيضًا، كما قاله ابن القاسم وغيره، وقال ابن رشد في
((البداية)): فأما مالك بن أنس حمل حديث أبي سعيد الخدري - يعني الذي يأتي -
على الذي لم يستنكحه الشك، وحمل حديث أبي هريرة على الذي يغلب عليه
الشك، ويستنكحه. وتأول حديث ابن مسعود على أن المراد بالتحري هنالك هو
الرجوع إلى اليقين، فثبت على مذهبه الأحاديث كلها، انتهى.
وحمل الشافعي حديث أبي هريرة هذا على أحاديث البناء على اليقين، وقال: إن
الشاك يبني على اليقين أي: المتيقن، وهو الأقل في جميع الصور كلها. والبناء
على اليقين هو أن يشك في الواحدة والثنتين، أو الثنتين والثلاث، أو الثلاث
والأربع. فإذا كان كذلك فعليه أن يبني على اليقين، وهو الأقل، وليتم صلاته ثم

E
٣٠١
*
بَابُ السَّهْوِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
يسجد سجدتي السهو على ما في حديث أبي سعيد. وحمل التحري في حديث ابن
مسعود على الأخذ باليقين، كما حمله مالك عليه. قال الشافعي ومن وافقه:
والتحري هو القصد. ومنه قوله تعالى. ﴿فَأَوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، فمعنى
الحديث: فليقصد الصواب، فيعمل به. وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي
سعيد وغيره. قال الشوكاني: قال الشافعي وداود وابن حزم: التحري هو البناء على
اليقين. وحكاه النووي عن الجمهور، انتهى.
وقيل: التحري غير البناء على اليقين. قال أحمد: ترك الشك على وجهين:
أحدهما: إلى اليقين، والآخر: إلى التحري. فمن رجع إلى اليقين فهو أن يلقى
الشك، ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد. وإذا رجع إلى التحري، وهو
أكبر الوهم سجد للسهو بعد السلام على حديث ابن مسعود، ذكره ابن عبد البر في
((التمهيد))، والخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص٢٣٩). وقال ابن حبان: قد يتوهم
من لم يحكم صناعة الأخبار، ولا تفقه في صحيح الآثار أن التحري في الصلاة،
والبناء على اليقين واحد وليس كذلك؛ لأن التحري هو أن يشك المرء في صلاته
فلا يدري ما صلى فإذا كان ذلك فعليه أن يتحري الصواب وليين على الأغلب عنده
على خبر ابن مسعود، والبناء على اليقين هو أن يشك في الثنتين والثلاث، أو
الثلاث والأربع. فإذا كان كذلك فعليه أن يبنى على اليقين، وهو الأقل، وليتم
صلاته على خبر عبد الرحمن بن عوف وأبي سعيد، انتهى مختصرًا. وبهذا كله ظهر
أن مالكا والشافعي أوّلا أحاديث التحري والبناء على الأقل إلى أحاديث البناء على
اليقين. وأما حديث أبي هريرة فحمله مالك على المستنكح، وحمله الشافعي على
أحاديث البناء على اليقين، واتفقا جميعًا على إهمال حديثي عبادة بن الصامت
وميمونة بنت سعد الدالين على إعادة الصلاة. وذلك لعدم صلاحهما للاحتجاج.
وأما أحمد فله في ذلك ثلاث روايات، كما في ((المغني)) (ج١: ص٦٧١ - ٦٧٣):
إحداها: البناء على اليقين أي الأقل مطلقًا للإمام والمنفرد كليهما. والثانية: البناء
على اليقين للإمام والمنفرد إذا لم يكن لهما ظن، ومتى كان لهما غالب ظن عملا
عليه. قال ابن قدامة: فعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد على من استوى عنده
الأمران، فلم يكن له ظن. وحديث ابن مسعود على من له رأي وظن. يعمل بظنه،

٣٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جمعًا بين الحديثين، وعملا بهما، فيكون أولى، ولأن الظن دليل في الشرع،
فيجب اتباعه، والثالثة التفريق بين المنفرد، فيبني على اليقين مطلقًا، والإمام فيبنى
على غالب ظنه إذا كان له ظن. وإن لم يكن له ظن بل استوى الأمران عنده بنى على
اليقين أيضًا، اختار هذه الرواية الخرقي، وهو الظاهر في المذهب.
وقال الشعبي والأوزاعي وجماعة من السلف: إذا لم يدر كم صلى لزمه أن يعيد
الصلاة مرة بعد أخرى حتى يستيقن. وقال بعضهم: يعيد ثلاث مرات، فإذا شك
في الرابعة فلا إعادة عليه. واستدل هؤلاء بحديثي عبادة وميمونة. وقد عرفت
أنهما لا يصلحان للاحتجاج لضعفهما. وأما الحنفية فقالوا بالتفصيل، وحاولوا
الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة، قالوا: إذا شك وهو مبتدأ بالشك، لا
بمبتلى فيه استأنف الصلاة، والمراد بقولهم: مبتدأ بالشك على ما في البدائع: أنه
لم يصر عادة له، لا أنه لم يسه في عمره قط. فحملوا حديثي عبادة وميمونة الدالّْنِ
على الإعادة على من لم يصر الشك عادة له، قالوا: وإن كان يعرض له الشك كثيرًا
تحرى وبنى على أكبر رأيه وأكثر ظنه على حديث ابن مسعود، ولم يمض على
اليقين، أي: الأقل، وإن لم يكن له رأي بنى على اليقين على حديث أبي سعيد،
قالوا: حديث أبي سعيد لا يخالفنا؛ لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه، ومن
شك ولم يترجح له أحد الطرفين يبني على الأقل بالإجماع، بخلاف من غلب على
ظنه أنه صلى أربعًا مثلاً، وفيه: أن تفسير الشك بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح
طارئ للأصوليين. وأما في اللغة: فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى
شكًّا، سواء المستوي والراجح والمرجوح. والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن
هناك حقيقة شرعية أو عرفية .
ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح، قاله النووي. وقال
الشوكاني: والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقل والبناء على
اليقين وتحري الصواب. وذلك؛ لأن التحري في اللغة: هو طلب ما هو أحرى إلى
الصواب. قد أمر به وَله وأمر بالبناء على اليقين. والبناء على الأقل عند عروض
الشك. فإن أمكن الخروج بالتحري عن نائرة الشك لغة، ولا يكون إلا بالاستيقان
بأنه قد فعل من الصلاة كذا ركعات، فلا شك أنه مقدم على البناء على الأقل؛ لأن
الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقل عدم الدراية، كما في حديث

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّھْو
٣٠٣
عبد الرحمن بن عوف. وهذا المتحري قد حصلت له الدراية. وأمر الشاك بالبناء
على ما استيقن، كما في حديث أبي سعيد، ومن بلغ به تحريه إلى اليقين قد بنى
على ما استيقن. وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكورة، وأن التحري
المذكور مقدم على البناء على الأقل. وقد أوقع الناس ظن التعارض بين هذه
الأحاديث في مضائق ليس عليها أثارة من علم، كالفرق بين المبتدأ والمبتلى
والركن والركعة، انتهى.
قلتُ: هذا تحقيق جيد حقيق بالقبول. وأما ما ذهب إليه الحنفية من البناء على
أكبر الرأي وأكثر الظن وأغلبه، فلم أجد فيه حديثًا صريحًا مرفوعًا صحيحًا أو
حسنًا. وأيضًا هو مبنى على أخذ الشك الواقع في حديث أبي سعيد وغيره في
المعنى المصطلح وقد عرفت ما فيه. وأما استدلالهم على ذلك بلفظ التحري في
حديث ابن مسعود الآتي ففيه ما تقدم آنفًا، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. ثم إن
ظاهر قوله: ((إن أحدكم إذا قام يصلي))، وقوله: ((إذا شك أحدكم في صلاته)) في
حديثي أبي سعيد وابن مسعود، وقوله: ((من صلى صلاة)) في حديث عبد الرحمن
ابن عوف، يدل على ما ذهب إليه الجمهور من أن سجود السهو مشروع في صلاة
النافلة، كما هو مشروع في صلاة الفريضة؛ لأن الجبران وإرغام الشيطان يحتاج
إليه في النفل، كما يحتاج إليه في الفريضة. وذهب ابن سيرين وقتادة وعطاء إلى أن
التطوع لا يسجد فيه. وهذا يبني على الخلاف في اسم الصلاة الذي هو حقيقة
شرعية في الأفعال المخصوصة، هل هو متواطئ، فيكون مشتركًا معنويًّا فيدخل
تحته كل صلاة؟ أو هو مشترك لفظي بين صلاتي الفريضة والنافلة؟ فذهب الفخر
الرازي إلى الثاني، لما بين صلاتي الفرض والنفل من التباين في بعض الشروط
كالقيام واستقبال القبلة وعدم اعتبار العدد المَنْوِي وغير ذلك. قال العلائي: والذي
يظهر أنه مشترك معنوي؛ لوجود القدر الجامع بين كل ما يسمى صلاة، وهو
التحريم والتحليل مع ما يشمل الكل من الشروط التي لا تنفك. قال الحافظُ: وإلى
كونه مشتركًا معنويًّا ذهب جمهور أهل الأصول. قال ابن رسلان: وهو أولى لأن
الاشتراك اللفظي على خلاف الأصل، والتواطؤ خير منه، انتهى.
فمن قال: إن لفظ الصلاة مشترك معنوي، قال بمشروعية سجود السهو في

٣٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صلاة التطوع. ومن قال بأنه مشترك لفظي؛ فلا عموم له حينئذٍ إلا على قول
الشافعي: إن المشترك يعم جميع مسمياته. وقد ترجم البخاري على حديث أبي
هريرة هذا: ((باب السهو في الفرض والتطوع))، وذكر عن ابن عباس أنه سجد
سجدتين بعد وتره.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي
وابن ماجه والبيهقي. واعلم أن المذكور في هذا الحديث وغيره من حديث أبي
سعيد وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف، هو حكم الشك في الصلاة. والفرق
بين السهو والشك: أن السهو يكون فيه أحد الطرفين مجزومًا بخلاف الشك. ولما
كان الشك في الصلاة كالسهو والنسيان في مشروعية السجود ذكر المصنف هذه
الأحاديث في باب السهو. والله أعلم.
١٠٢٢ - [٢] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه : ((إِذَا شََكَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَح
الشََّكَ، وَلْيَيْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ، فَإِنْ كَانٍّ
صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِنَّمَامًا لِأَرْبَع كَانَتَا تَرْغِيمًا
لِلشَّيْطَانِ)) .
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٠٢٢ - قوله: (إِذَا شََكَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ) ليس المراد بالشك التردد مع
التساوي، بل مطلق التردد في النفس وعدم اليقين على ما في اللغة، فيشمل الشك
المصطلح عند الأصوليين والوهم والظن وغالب الظن. قال الحموي في حواشي
((الأشباه والنظائر)): الشك لغة: مطلق التردد. وفي اصطلاح الأصول: استواء
طرفي الشيء، وهو الوقوف بحيث لا يميل القلب إلى أحدهما، فإن ترجح أحدهما
ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإن طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين. وأما
عند الفقهاء: فهو كاللغة لا فرق بين المساوي والراجح. وقال في ((فتح القدير)) نقلًا
(١٠٢٢) مُسْلِم (٨٨/ ٥٧٦) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
٣٠٥
عن الحموي: اعلم أن مراد الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة
والطلاق وغيرها، هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان سواء أو
أحدهما راجحًا. فهذا معناه في اصطلاح الفقهاء. وأما أصحاب الأصول فإنهم
فرقوا بين ذلك، فقالوا: التردد إن كان على السواء فهو الشك، فإن كان أحدهما
راجحًا فالراجح ظن والمرجوح وهم، انتھی.
وعند الحنفية: المراد به التردد من غير رحجان. قال السندي: حمله علماؤنا
على ما إذا لم يغلب ظنه على شيء، وإلا فعند غلبة الظن لم يبق شك، فمعنى ((إِذَا
شَكَ أَحَدُكُمْ)) أي: إذا بقى شاكّا ولم يترجح عنده أحد الطرفين بالتحري، وغيرهم
حملوا الشك على مطلق التردد في النفس وعدم اليقين، انتهى.
(فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا) تمييز رافع لإبهام العدد في ((كَمْ)). (أَوْ أَرْبَعًا) أي:
مثلًا. (فَلْيَطْرَح الشَّك) أي: المشكوك فيه، وهو الأكثر، أي: ليطرح الزائد الذي
هو محل الشك، ولا يأخذ به في البناء يعني: الركعة الرابعة يدل عليه قوله:
(وَلْيَيْنِ) بسكون اللام وكسره. (عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ) أي: علم يقينا، وهو ثلاث ركعات
وفي رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه: ((وَلْيَيْنِ على اليقين)) أي: المتيقن به،
وهو الأقل فلا يقال: إنه لا يقين مع الشك؛ لأن المراد باليقين هاهنا المتيقن،
فالثلاث هو المتيقن، والشك والتردد إنما هو في الزيادة، فيبنى على المتيقن لا
على الزائد الذي يشك فيه. (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) قال القاري: بالجزم. وفي
نسخة: بالرفع. في ((الأزهار)) يجوز فيه الجزم عطفًا على ((لِيَيْنِ))، والرفع خبر (لو))
بمعنى الأمر إشارة إلى المغايرة في الحكم وجوبًا أو ندبًا، انتهى.
وهذا الحديث كما ترى مفصل للإجمال الوارد في حديث أبي هريرة المتقدم،
وحديث عبد الله بن جعفر، وحديث أبي سعيد عند الترمذي وأبي داود. فعليه
التعويل، ويجب إرجاع الإجمال إليه. وفيه رد على من فصل في الشك من كونه
أول ما سهى أو ثانيًا؛ لأن الحديث مطلق وهو أوفق بالناس، والنبي وَّ أرسل
رحمة ورأفة لهم. واحتج به للجمهور مالك والشافعي ومن تبعهما فيما ذهبوا إليه
من وجوب طرح الشك والبناء على المتيقن، أي: الأقل، وعدم إجزاء التحرى،
كما تقدم الإشارة إليه. (قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ) فيه دليل لمن قال: إن السجود للسهو قبل

٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السلام. وسيأتي الكلام فيه. (فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا) أي: في رباعية وهو تعليل
للأمر بالسجود، أي: فإن كان ما صلاه في الواقع أربعًا فصار خمسًا بإضافته إليه
ركعة أخرى. (شَفَعْنَ) بتخفيف الفاء وتشديدها. (لَّهُ صَلَاتَهُ) قال الطيبي: الضمير
في ((شَفَعْنَ)) للركعات الخمس وفي (لَهُ)) للمصلي، يعني: شفعت الركعات الخمس
صلاة أحدكم بالسجدتين، يدل عليه قوله الآتي: ((شفعها بهاتين السجدتين)) أي:
شفع المصلى الركعات الخمس بالسجدتين. وقال ابن حجر: أي: الركعة
الخامسة والسجدتان، لرواية أبي داود: كانت الركعة نافلة والسجدتان، أي:
وصارت صلاته شفعًا باقيًا على حاله، انتهى.
وفي رواية النسائي: ((شفعتا)) أي: بصيغة التثنية. والمعنى: ردت السجدتان
صلاته إلى الشفع. قال السندي: إن السجدتان صارتا له كالركعة السادسة،
فصارت الصلاة بهما ست ركعات، فصارت شفعًا، انتهى. وكان المطلوب من
الرباعية الشفع وإن زادت على الأربع.
(وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَع) قيل: نصبه على أنه مفعول له، يعني: إن كان صلى
ما يشك فيه لإتمام أربع. وقيلَ: إنه حال أي: إن صلى ما شك فيه حال كونه متممًا
للأربع، فيكون قد أدى ما عليه من غير زيادة ولا نقصان. (كانتا ترغيمًا للشيطان)
أي: وإن صارت صلاته بتلك الركعة أربعًا كانتا أي: السجدتان ترغيمًا، أي: سببًا
الإغاظة الشيطان وإذلاله وإهانته له حيث تكلف في التلبيس، فجعل الله تعالى له
طريق جبر بسجدتين، فَأَضَلَّ سعيه حيث جعل وسوسته سببًا للتقرب بسجدة استحق
هو بتركها الطرد.
قال النووي: المعنى: إن الشيطان لبس عليه صلاته وتعرض لإفسادها
ونقصانها، فجعل الله للمصلي طريقًا إلى جبر صلاته، وتدارك ما لبسه عليه،
وإرغام الشيطان ورده خاسئًا مبعدًا عن مراده، وكملت صلاة ابن آدم لما امتثل أمر
اللَّه الذي عصى به إبليس من امتناعه من السجود، انتهى.
قال القاضي: القياس أن لا يسجد؛ إذ الأصل أنه لم يزد شيئًا، لكن صلاته لا
تخلوا عن أحد خللين: إما أداء الزيادة، وإما أداء الرابعة على التردد، فيسجد جبرًا
للخلل، والتردد لما كان من تسويل الشيطان وتلبيسه سمى جبره ترغيمًا له.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْوِ
٣٠٧
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان
والحاكم والبيهقي (ج٢: ص٣٣١).
١٠٢٣ - [٣] ورَوَاهُ مَالِكَ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا، وَفِي رِوَايَتِهِ: ((شَفَعَهَا
بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ)).
الشّرْحُ
١٠٢٣ - قوله: (وَرَوَاهُ مَالِك عَنْ عَطَاءِ مُرْسَلًا) وأخرجه أبو داود والبيهقي
أيضًا مرسلًا عن عطاء. قال الزرقاني في ((شرح الموطأ)): هكذا مرسلاً عند جميع
الرواة. ((أي رواة الموطأ)) وتابع مالكًا على إرساله الثوري وحفص بن ميسرة
ومحمد بن جعفر وداود بن قيس في رواية. ووصله الوليد بن مسلم ويحيى بن
راشد المازني، كلاهما عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد
الخدري. وقد وصله مسلم من طريق سليمان بن بلال وداود بن قيس، كلاهما عن
زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد. وله طرق عند أبي داود والنسائي وابن ماجه
عن زيد موصولًا؛ ولذا قال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث وإن كان الصحيح
فيه عن مالك الإرسال؛ فإنه متصل من وجوه ثابتة من حديث من تقبل زيادته؛
لأنهم حفاظ فلا يضره تقصير من قصر في وصله إلا أن الصحيح أنه من مسند أبي
سعيد الخدري. وما أخرجه النسائي من طريق عبد العزيز الدراوردي عن زيد بن
أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس. قال ابن حبان: وهم عبد العزيز في قوله :
ابن عباس، وإنما هو عن أبي سعيد. وقال الأثرم لأحمد بن حنبل: أتذهب إلى
حديث أبي سعيد،؟ قال: نعم. قلتُ: إنهم يختلفون في إسناده، قال: إنما قصر به
مالك وقد أسنده عدة منهم: ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة، انتهى.
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص٢٤٠): قد ضعف حديث أبي سعيد
الخدري قوم زعموا أن مالكًا أرسله عن عطاء بن يسار ولم يذكر فيه أباسعيد
(١٠٢٣) ((موطأ مالك)) (٩٢/٣١٥).

٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الخدري. وهذا مما لا يقدح في صحته، ومعلوم عن مالك أنه يرسل الأحاديث
وهي عنده مسندة، وذلك معروف من عادته، وقد رواه أبو داود من طريق ابن
عجلان عن زيد بن أسلم، وذكر أن هشام بن سعد أسنده فبلغ به أباسعيد، وقد أسنده
أيضًا سليمان بن بلال، انتهى.
قلتُ: رواية هشام بن سعد أخرجها البيهقي في ((السنن الكبرى)) وفي ((معرفة
السنن)). وأما رواية الدراوردي عن زيد عن عطاء عن ابن عباس، فلم أجدها في
((الصغرى)) من سنن النسائي. فلعلها في ((الكبرى))، نعم، ذكرها الخطابي في
((المعالم)) (ج١: ص ٢٤٠) قال: قال الشيخ: ورواه ابن عباس أيضًا، حدثونا به عن
محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا ابن قعنب، حدثنا عبد العزيز بن محمد،
عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أن رسول اللَّهُ وَ لَه قال: ((إذا
شك أحدكم ... )) الحديث. قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١١٢) وروي عن ابن
عباس وهو وهم. وقال ابن المنذر: حديث أبي سعيد أصح حديث في الباب،
انتھی .
(وَفِي رِوَايَتِهِ) أي: رواية مالك المرسلة بدل ((شَفَعْنَ لَّهُ صَلَاتَهُ)). (شَفَعَهَا) أي:
صيرها شفعًا. (بهاتين السجدتين) اللتين سجدهما للسهو، أي: لما بنى على اليقين
وصلى ركعة أخرى، فإن صارت صلاته خمسًا شفعها، أي: جعل الخمس شفعًا
بهاتين السجدتين؛ لأنها تصير ستًّا بهما حيث أتى بمعظم أركان الركعة وهو
السجود، فكأنه أتى بالركعة السادسة. وقال ابن رسلان: يعني: لو لم يسجد
للسهو لكانت الخامسة، لا يناسب أصل المشروعية، فلما سجد سجدتي السهو
ارتفعت الوترية، وجاءت الشفعية المناسبة للأصل، انتهى.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
KE
٣٠٩
١٠٢٤ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ صَلَّى
الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالَ: صَلَّيْتَ
خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ، وَفِي رَوَايةٍ: قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ،
أَنْسَى كَمَا تَْسَوْنَ، فَإِذَّا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شََّكَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ،
فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ؛ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلَّمْ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنٍ). [متفق عليه]
الشَّرْجُ
١٠٢٤ - قوله: (صَلَّى الظَّهْرَ خَمْسًا) أي: خمس ركعات. (فَقِيلَ لَّهُ) أي:
لرسول اللَّهِ وَ لل بعد أن سلم. (أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟) بهمزة الاستفهام للاستخبار.
(فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟) أي: وما سؤالكم عن الزيادة في الصلاة. وفي رواية لمسلم:
((فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ((ما شأنكم))، قالوا: يا رسول الله، هل
زيد في الصلاة؟ قال: ((لا)) وقد تبين بهذه الرواية أن سؤالهم لذلك كان بعد
استفساره لهم عن مشاورتهم. وهو دال على عظيم أدبهم معه وَهُ. (فَسَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ) أي: للسهو. (بَعْدَ مَا سَلَّمَ) كلمة ((مَا)) مصدرية أي: بعد سلام الصلاة.
وفي رواية للشيخين: ((فثنى رجليه واستقبل القبلة،وسجد سجدتين ثم سلم))، أي:
من سجدتي السهو. وقد روى أحمد ومسلم وابن خزيمة وغيرهم هذا الحديث
مختصرًا أيضًا بلفظ: إن النبي ◌َّ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام. قال
ابن خزيمة: إن كان المراد بالكلام قوله: ((وما ذاك؟»، في جواب قولهم: ((أَزِيدَ فِي
الصَّلَاةِ؟»، فهذا نظير ما وقع في قصة ذي اليدين. وسيأتي البحث فيه فيها. وإن
كان المراد به قوله: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)). فقد اختلفت الرواة في
الموضع الذي قالها فيه: ففي رواية منصور: أن ذلك كان بعد سلامه من سجدتي
السهو، وفي رواية غيره أن ذلك كان قبل. ورواية منصور أرجح، انتهى.
واحتج به من قال: إن سجود السهو كله بعد السلام، وهم الحنفية، وتعقب بأنه
لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه هل زيد في الصلاة؟ وقد اتفق
(١٠٢٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٤٠١)، ومُسْلِم (٨٩/ ٥٧٢) فِيهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والتِّرْمِذِي (٣٩٢).

٣١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله لعدم علمه
بالسهو. وأجاب بعضهم مما وقع في هذا الحديث من الزيادة الآتية القولية.
وأجيب: بأنه معارض بحديث أبي سعيد المتقدم. فالظاهر: أن ذلك كان منه وَله
لبيان الجواز، والتوسع في الأمرين. كما تقدم، وقد رجح البيهقي: التخيير في
سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونقل الماوردي وغيره الإجماع على الجواز.
وإنما الخلاف في الأفضل. وكذا قال النووي، واستدل بالحديث على أن من صلى
خمسًا ساهيًا ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد، خلافًا للكوفيين. وقولهم:
يحمل هذا على أنه قعد في الرابعة يحتاج إلى دليل، بل السياق يرشد إلى خلافه.
وعلى أن الزيادة في الصلاة على سبيل السهو لا تبطلها، وعلى أن من لم يعلم
بسهوه إلا بعد السلام يسجد للسهو، وعلى أن الكلام العمد فيما يصلح به الصلاة لا
يفسدها، وعلى أن من تحول عن القبلة ساهيًا لا إعادة عليه. كذا في ((الفتح)).
قلتُ: ذهب الجمهور مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم إلى أنه
إذا صلى الرجل الظهر خمسًا فصلاته جائزة، وسجد سجدتي السهو. وإن لم
يجلس في الرابعة. والحديث حجة لهم. ومسلك الحنفية في ذلك على ما في
((الهداية)) وحواشيه: إن من سها عن القعدة الأخيرة حتى قام إلى الخامسة رجع إلى
القعدة ما لم يسجد؛ لأن فيه إصلاح صلاته، وأمكنه ذلك؛ لأن ما دون الركعة
بمحل الرفض، وألغى الخامسة، وسجد للسهو لتأخير الفرض، وهي القعدة، وإن
قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه؛ لأنه تحقق شروعه في النافلة قبل إكمال الفرض،
فإن القعدة الأخيرة فرض عندهم، وبترك الفرض تبطل الصلاة، وتحولت صلاته
نفلًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبطلت عند محمد، فيضم إليها ركعة، ولو لم
يضم لا شيء عليه، ولو قعد في الرابعة، ثم قام، ولم يسلم عاد إلى القعدة ما لم
يسجد للخامسة وسلم، وإن قيد الخامسة بالسجدة، ثم تذكر ضم إليها ركعة
أخرى، وتم فرضه؛ لأن الباقي إصابة لفظ السلام، وهي غير فرض عندهم، وإنما
يضم إليها أخرى لتصير الركعتان نفلًا؛ لأن الركعة الواحدة لا تجزيه عندهم
لحديث النهي عن البتيراء. وحملوا حديث ابن مسعود هذا على أنه جلس على
الرابعة. وفيه: أنه محتاج إلى دليل، بل سياق الحديث يرشد إلى خلافه.
قال ابن قدامة في ((المغني)) (ج١: ص٦٨٩): الظاهر: أنه وَّ لم يجلس عقيب

٣١١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
الرابعة؛ لأنه لم ينقل، ولأنه قام إلى الخامسة معتقدًا أنه قام عن ثالثه، ولم تبطل
صلاته بهذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى. وحديث أبي سعيد أيضًا حجة
عليهم، فإنه جعل الزائدة نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس،
وجعل السجدتين يشفعانها، ولم يضم إليها ركعة أخرى. وهذا كله خلاف لما
قالوه. فقد خالفوا الخبرين جميعًا. وقولنا يوافق الخبرين جميعًا، انتهى.
وقال السندي: حمله علماؤنا الحنفية على أنه جلس على الرابعة؛ إذ ترك هذا
الجلوس عندهم مفسد. ولا يخفى أن الجلوس على رأس الرابعة إما على ظن أنها
رابعة أو على ظن أنها ثانية، وكل من الأمرين يفضي إلى اعتبار الواقعة منه أكثر من
سهو واحد. وإثبات ذلك بلا دليل مشكل. والأصل عدمه. فالظاهر أنه ما جلس
أصلًا. وذلك؛ لأنه إن ظن أنها رابعة، فالقيام إلى الخامسة يحتاج إلى أنه نسي
ذلك، وظهر له أنها ثالثة مثلاً، واعتقد أنه خطأ في جلوسه. وعند ذلك ينبغي أن
يسجد للسهو فتركه لسجود السهو. أولا يحتاج إلى القول أنه نسي ذلك الاعتقاد
أيضًا، ثم قوله: ((وما ذاك؟)) بعد إن قيل له، يقتضي أنه نسي بحيث ما تنبه له
بتذكيرهم أيضًا. وهذا لا يخلو عن بُعد. وإن قلنا: إنه ظن أنها ثانية سهوًا ونسيانًا
فذاك النسيان مع بعده يقتضي أن لا يجلس على رأس الخامسة، بل يجلس على
رأس السادسة، فالجلوس على رأس الخامسة يحتاج إلى اعتبار سهو آخر، انتهى.
G تنبيه:
قال العيني في ((شرح البخاري)) (ج٧: ص٣٠٧): مستدلا على وقوع الجلوس
منه ◌َّ عقيب الرابعة: إن المذكور في الحديث ((صَلَّى الظَّهْرَ خَمْسًا)) والظهر اسم
للصلاة المعهودة في وقتها بجميع أركانها. وفيه: إن إطلاق لفظ الظهر لا يدل على
أنه جلس في الرابعة بل قوله: ((خمسًا)) يرشد إلى خلاف ذلك، وإنما هذا كقول
الراوي في قصة ذي اليدين: ((صلى بنا النبي وَّ الظهر، وفي رواية: العصر فسلم
مع أنه وَ له قد ترك الركعتين الأخيرتين نسيانًا)). وقال بعضهم: حديث ابن مسعود
واقعة حال، لا عموم لها، فلا يشكل على الحنفية إلا بعد إثبات أنه عليه الصلاة
والسلام لم يجلس على الرابعة وهو لم يثبت بعد، بل هو محتمل، ولا يحتاج
الحنفية إلى إثبات القعدة، كما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا: إن القعدة فرض فلا يترك

٣١٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إلا بنص يخالفه لا بمحتمل. وفيه: أنه لم يقم دليل يثبت به كون القعدة الأخيرة
فرضًا بالمعنى المصطلح عندهم. ولا بد لمن يدعي قعوده رَّ على الرابعة أن يأتي
بدليل يدل صراحة على ذلك. ولا يكفي الاحتمال في مثل هذا. والحديث ليس
بظاهر في ثبوت القعود، بل هو ظاهر في نفيه، كما يرشد السياق إليه. بل ذكر
الشيخ محمد أنور الحنفي تصريح نفي الجلوس عقب الرابعة عن ((معجم
الطبراني)) حيث قال: وفي ((المعجم للطبراني)) (١٠/ ٣٤) نفي القعدة على الرابعة
صراحة، فأشكل الأمر علينا، ولا بد له من جواب، انتهى. (فيض الباري ج٢ :
ص٣٣٩) قال جامعه: ولم أسمع منه - يعني من شيخه محمد أنور - جوابه، ولا
اتفق لي السؤال عنه. والله تعالى يدري ما كان جوابه عنده. ولا ريب أن الأمر
أمر، انتهى.
قلتُ: لا شك أن الحديث مشكل جدًّا على الحنفية ولم أر لهم جوابًا عنه إلا
ادعاء القعود على الرابعة من غير دليل مع كونه مخالفًا لما في الطبراني من نفي
القعدة صراحة على ما قال صاحب ((فيض الباري)). ولو صرفنا النظر عن ذلك،
وسلمنا أنه قعد في الرابعة أشكل عليهم أيضًا؛ لأنه لم يضم السادسة، بل اكتفى
بسجدتي السهو. وضم الركعة السادسة مؤكد، بل واجب عندهم.
وأما قول العيني: لا يضرنا ذلك؛ لأنا لا نلزمه بضم الركعة السادسة على طريق
الوجوب حتى قال ((صاحب الهداية)): ولو لم يضم لا شيء عليه؛ لأنه مظنون.
وقال صاحب ((البدائع)): والأولى أن يضيف إليها ركعة أخرى ليصيرا نفلاً إلا في
العصر. ففيه: أن هذا مخالف لقولهم: لا بد من أن يضم سادسة؛ لأن الركعة
الواحدة لا تجزيه لنهيه لعلَّلاعن البتيراء، فإنه ظاهر في وجوب ضم السادسة في هذه
الصورة. واعلم: أن حديث النهي عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد))
بسنده من رواية أبي سعيد الخدري بلفظ: أن رسول اللَّه وَ له نهى عن البتيراء، أن
يصلي الرجل واحدة يوتر بها، ذكره عبد الحق في ((أحكامه))، وقال: الغالب على
حديث عثمان بن محمد بن ربيعة أحد رواة هذا الحديث الوهم. وقال ابن القطان
في كتابه ((الوهم والإيهام)) بعد ذكره من جهة ابن عبد البر: الحديث شاذ، لا يعرج
عليه ما لم يعرف عدالة راويه. وعثمان بن محمد بن ربيعة الغالب على حديثه
الوهم، انتھی.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
٣١٣
وقال ابن حزم: لم يصح عن النبي وَّال نهي عن البتيراء، انتهى. وهو أيضًا
معارض بما ثبت. وصح عن النبي وَله من الإيتار بركعته قولاً وفعلاً. (وَفِي رِوَايَةٍ
قَالَ) أي: رسول اللَّه ◌َ له بعد سلامه من سجدتي السهو. (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي:
في جميع الأمور البشرية إلا أنه يوحى إليّ. قال الشوكاني: هذا حصر له في
البشرية باعتبار من أنكر ثبوت ذلك. ونازع فيه عنادًا وجحودًا، وأما باعتبار غير
ذلك مما هو فيه فلا ينحصر في وصف البشرية؛ إذ له صفات أخر، ككونه جسمًا
حيًّا متحركًا، نَبِيًّ رسولًا، بشيرًا نذيرًا، سراجًا منيرًا وغير ذلك. (أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ)
زاد النسائي ((وَأَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ)). وفيه دليل على جواز السهو والنسيان عليه وَلّ
فيما طريقه التشريع. وقد نقل عياض الإجماع على عدم جواز دخول السهو في
الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه. نعم، اتفق من جوز
ذلك على أنه لا يقر عليه بل يقع له بيان ذلك إما متصلاً بالفعل أو بعد، كما في
حديث ذي اليدين من قوله: ((لم أنس ولم تقصر))، ثم تبين أنه نسي. وفائدة جواز
السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي، إذا وقع مثله لغيره. (فَإِذَا نَسِيتُ
فَذَكِّرُونِي) فكان حقهم أن يذكروه بالإشارة ونحوها عند إرادة قيامه إلى الخامسة.
(فَلْيَتَحَزَّ الصَّوَابَ) قال الطيبي: التحري: القصد والاجتهاد في الطلب. والعزم
على تحصيل الشيء بالفعل. والضمير البارز في. (فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ) راجع إلى ما دل عليه
((فَلْيَتَحَرَّ))، والمعنى فليتِمَّ على ذلك ما بقي من صلاته، بأن يضم إليه ركعة.
ولمسلم في رواية: ((فأيكم شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب)). وله
أيضًا: ((فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب)). وفي لفظ له: ((فليتحر الذي يرى أنه
الصواب)). واستدل به من قال بالعمل بغالب الظن، وتقديمه على البناء على
اليقين، أي: الأقل وهم الحنفية. قال القاري: معناه: فليطلب بغلبة ظنه واجتهاده
الصواب. وقال السندي: أي: فليطلب ما يغلب على ظنه ليخرج به عن الشك،
فإن وجد فليبن عليه، وإلا فليبن على الأقل لحديث أبي سعيد السابق، انتهى.
قال الحافظُ: وهو أي كون التحري بمعنى الأخذ بغالب الظن ظاهر الروايات
التي عند مسلم، انتهى. وحمله الجمهور على اليقين. قال الخطابي في ((المعالم))
(ج١: ص٢٣٩): ومعنى التحري في حديث ابن مسعود عند أصحاب الشافعي:
هو البناء على اليقين على ما جاء تفسيره في حديث أبي سعيد الخدري. وحقيقة

Seex
٣١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
التحري: هو طلب أحرى الأمرين وأولاهما بالصواب. وأحراهما ما جاء في
حديث أبي سعيد من البناء على اليقين لما كان فيه من كمال الصلاة والاحتياط لها
ومما يدل على أن التحري قد يكون بمعنى اليقين قوله تعالى. ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَكَ
تَحَرَّوْاْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] انتهى.
وقال الشافعي: فليتحر الصواب: معناه: فليتحر الذي يظن أنه نقصه فيتمه، فيكون
التحري أن يعيد ما شك فيه، ويبني على ما استيقن، وهو كلام عربي مطابق لحديث أبي
سعيد إلا أن الألفاظ تختلف لسعة الكلام في الأمر الذي معناه واحد، انتهى.
وقدمنا طرفًا من الخلاف في كون التحري والبناء على اليقين شيئًا واحدًا أم لا .
(ثُمَّ لِيُسَلَّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ) بالجزم. وقيل: بالرفع. و((ثم)) لمجرد التعقيب، وفيه دليل
لمن قال: إن سجود السهو بعد السلام. وقد اختلف أهل العلم في ذلك على عشرة
أقوال :
الأول: إن سجود السهو كله بعد السلام. وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين
وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه عملًا بحديث ابن مسعود، وحديث ذي اليدين
التالي، وحديث عمران بن حصين في الفصل الثالث، وحديث عبد الله بن جعفر
المتقدم، وحديث ثوبان عند أبي داود وابن ماجه مرفوعًا: ((لكل سهو سجدتان بعد
ما يسلم)). قال الحافظُ: في سنده اختلاف، وقال العراقي: حديث مضطرب.
الثاني: أنه كله قبل السلام. وبه قال الشافعي أخذًا بحديث أبي سعيد الخدري،
وحديث عبد الرحمن بن عوف، وقد ذكرنا لفظه، وحديث عبد الله ابن بحينة
الآتي.
الثالث: التفرقة بين الزيادة والنقصان فيسجد للزيادة بعد السلام؛ أخذًا بحديث
ذي اليدين، وللنقص قبله أخذًا بحديث ابن بحينة. قيل: وهذا مذهب مالك.
وفيه: أن هذا الفرق غير صحيح؛ لأن قصة ذي اليدين وقع السجود فيها بعد
السلام، وهي عن نقصان، وأيضًا من جمع عليه السهوان: أحدهما في الزيادة،
والثاني، في النقصان، فلا يكون مساغ له. وما قالوا: يسجد قبل السلام؛ تغلبًا
لجانب النقص لا دليل عليه.
الرابع: أنه يستعمل كل حديث، كما ورد، ففي السلام من اثنتين بعد السلام

٣١۵
بَابُ السَّهْو
كِتَابُ الصَّلَاةِ
لحديث ذي اليدين، وكذا إذا سلم من ثلاث لحديث عمران، وفي التحري بعد
السلام لحديث ابن مسعود، وفي القيام من ثنتين قبل السلام لحديث ابن بحينة،
وفي الشك يبني على اليقين، ويسجد قبل السلام لحديث أبي سعيد، وما عدا هذه
المواضع يسجد كله قبل السلام. وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل.
الخامس: أنه یستعمل کل حديث، كما ورد، وما لم يرد فيه شيء مما كان نقصًا
سجد له قبل السلام، وفي الزيادة بعد السلام. وبه قال إسحاق بن راهويه. وقد
تبين بهذا بأن الشافعي وأبا حنيفة سلكا مسلك الترجيح، ومالكًا وأحمد وإسحاق
سلكوا مسلك الجمع .
السادس: أن الباني على الأقل عند شكه يسجد قبل السلام على حديث أبي
سعيد، والمتحري في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود.
وإلى ذلك ذهب أبو حاتم بن حبان.
السابع: أنه يتخير الساهي بين السجود قبل السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو
نقص، حكاه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) عن علي، وحكاه الرافعي قولًا
للشافعي. قال الحافظ: ورجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام
أو بعده؛ ودليلهم أن النبي ◌َّل صح عنه السجود قبل السلام وبعده فكان الكل سنة.
الثامن: أن كله بعد السلام إلا في موضعين، فإن الساهي فيهما مخير،
أحدهما: من قام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد. والثاني: أن لا يدري
أصلى ركعة أم ثلاثًا أم أربعًا؟ فيبني على الأقل، ويخير في السجود. وإلى ذلك
ذهب أهل الظاهر، وبه قال ابن حزم.
التاسع: أنه لا يشرع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد النبي وَّ فيها
فقط. وهو مذهب داود الظاهري.
العاشر: ما اختاره الشوكاني في ((النيل)) حيث قال: وأحسن ما يقال في المقام:
إنه يعمل على ما يقتضيه أقواله وأفعاله وجَ لّ من السجود قبل السلام وبعده، فما كان
من أسباب السجود، مقيدًا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيدًا بعد السلام
سجد له بعده، وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيرًا بين السجود قبل السلام وبعده
من غير فرق بين الزيادة والنقص، انتهى.

٣١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهذا الخلاف إنما هو في الاختيار والأفضل، لا في الجواز وعدمه، قال عیاض
وجماعة من أصحاب الشافعي: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من
العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة، أو للنقص أنه يجزئه، ولا تفسد
صلاته وإنما اختلافهم في الأفضل. وفي ((الهداية)): هذا الخلاف في الأولوية،
وكذا قال الماوردي في الحاوي، وابن عبد البر وغيرهم، قاله العيني. وقال
النووي: جميع العلماء قائلون بجواز التقديم وجواز التأخير، ونزاعهم في
الأفضل، انتهى.
والراجح عندي القول السابع أعني: التخيير من غير تفصيل وترجيح، والله
أعلم.
G تنبيه:
المشهور في كتب شروح الحديث من مذهب أبي حنيفة أن سجود السهو كله
بعد السلام، كما تقدم. وهذا صريح في أنه سلك مسلك الترجيح، وترك أحاديث
السجود قبل السلام، لكن قال بعض الحنفية: إن فيما قاله الحنفية جمعًا بين
روايات فعله وَله؛ لأنهم قالوا: إنه يسلم بعد التشهد عن يمينه فيسجد سجدتي
السهو، فيتشهد ويصلي ثم يسلم. وهكذا ورد في بعض الروايات المفصلة في
فعله وَالر، فهذا أوجه ما يجمع به اختلاف الحديث. فالروايات التي ورد فيها
سجوده محلية قبل السلام فالمراد فيها من السلام سلام الانصراف عن الصلاة، وهو
التسليم الثاني في قولنا، وما ورد فيه السجود بعد السلام فالمراد فيه سلام الفصل
بين الصلاة والسجدتين، قال: وفيه العمل بكل من روايات القول والفعل، فهذا
الجمع لشموله لجميع الروايات أولى، انتهى.
قلتُ: هذا الجمع ليس بوجيه فضلاً عن أن يكون أولى بل هو بعيد جدًّا يرده
ظاهر سياق الأحاديث الواردة في المسألة؛ لأن المراد من السلام المذكور في هذه
الأحاديث هو التسليمتان؛ لأنه هو المعهود لا السلام الواحد. فالأحاديث التي ذكر
فيها سجود السهو بعد السلام المراد من السلام فيها تسليمتا التحليل بعد التشهد
وبعد الصلاة على النبي والأدعية المأثورة. وما ورد فيه السجود قبل السلام فالمراد
منه أنه تشهد وصلى ثم سجد للسهو، ثم سلم السلام المعهود وهو التسليمتان.
وهذا كله مخالف لما ذكره هذا البعض من تفصيل مذهب الحنفية. ففي قولهم هذا
طرح لجميع الروايات الواردة في الباب، لا إعمالها، ولم يرد هذا التفصيل في

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
٣١٧
حديث مرفوع صحيح أو ضعيف فهو مردود على قائله. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا
البيهقي، وأخرج الرواية الأولى أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
أيضًا، والرواية الثانية أخرجها أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. قال ابن
حجر: صريح كلام المصنف، أن قوله: ((بَعْدَ مَا سَلَّمَ)) رواه الشيخان، وليس
كذلك؛ إذ لم يروه مسلم، وإنما رواه البخاري. والمصنف كأصله يقع له ذلك
كثيرًا لكن عذره أنه يريد اتفاق الشيخين على أصل إخراجه وإن لم يتساويا في كل
ألفاظه، فاستحضر ذلك فإنه ينفعك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، انتهى.
١٠٢٥ - [٥] وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا
رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ إِحْدَى صَلَاتَيَ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَدْ سَمَّاهَا
أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنٍ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى
خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّه غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَىِ
عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَّى ظَهْرِ كَفِّهِ
الْيُسْرَى، وَخَرَجَتْ سَرَعَانُ الْقَوْمَ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ
الصَّلَاةُ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي
الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيَّهِ طُولٌ يُقَّالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ
قَصُرَتِ الصَّلََّةُ؟ فَقَالَ: ((لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقَّصُرْ))، فَقَالَ: ((أَكَمَا يَقُولُ ذُو
الْيَدَيْنِ؟)) فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمُ فَصَلَى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ، وَسَجَدَ مِثْلَ
سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ،
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ، ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ: نُبِئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنِ
قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ.
[متفق عليه]
وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِّ. وَفِي أُخْرَى لَهُمَا: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بَدَلُ ((لَمْ أَنْسَ وَلَمْ
تَقْصُرْ)): ((كُلَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ)) فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
الشَّرْجُ
١٠٢٥ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ) بكسر السين والراء، قال القاري: إنه
(١٠٢٥) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٦٠٥١)، ومُسْلِم (٩٧/ ٥٧٣) عَنْهُ فِيهَا .

٣١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مضبوط في جميع النسخ المصححة والأصول الحاضرة بالفتح. أي: بفتح النون
على أنه غير منصرف ويوجه منع صرفه على رأي أبي على الفارسي في اعتبار مطلق
الزائدین کحمدون وعليون على ما ذكره الجعبري، انتهى.
وسيرين هو مولى أنس بن مالك من سبي عين التمر، أدرك الجاهلية، وسبي في
خلافة أبي بكر رضي الله عنه، كاتبه أنس على عشرين ألف درهم، فأداها وعتق،
والمراد بابن سيرين محمد أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري ثقة ثبت عابد كبير
القدر من كبار التابعين، أخو أنس ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة أولاد سيرين أبي
عمرة. وإذا أطلق ابن سيرين فهو محمد هذا. وهؤلاء الستة كلهم تابعيون. قال ابن
سعد: كان محمد ثقة مأمونًّا عاليًا فقيهًا رفيعًا إمامًا كثير العلم. وقال أبو عوانة:
رأيت ابن سيرين في السوق، فما رآه أحد إلا ذكر الله. وروي: أنه اشترى بيتًا
فأشرف فيه على ثمانين ألف دينار، فعرض في قلبه شيء، فتركه. قال الحافظُ :
كان لا يرى الرواية بالمعنى. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ومات لتسع
مضين من شوال سنة ١١٠هـ، وله سبع وسبعون سنة. (عن أبي هريرة قال: صلى بنا
رسول اللّه وَلَّ﴾ أي: أَمَّنَا، يدخل فيه حرف التعدية فيفيد معنى قولنا: أمنا فجعلنا
من المؤتمين بصلاته. وفي رواية لمسلم وغيره: ((صلى لنا)). واللام فيه قائم مقام
الباء. ويصح أن يراد: صلى من أجلنا؛ لما يعود إليهم من فائدة الجماعة، ويصيب
إليهم من البركة بسبب الاقتداء. واللفظان ظاهران، بل صريحان في أن أبا هريرة
حضر قصة السهو. وحمله الطحاوي على المجاز فقال: إن المراد به صلى
بالمسلمين. متمسكًا بما قاله الزهري أن القصة لذي الشمالین المستشهد ببدر قبل
إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، فإن مقتضاه أن تكون القصة وقعت قبل
بدر لكن اتفق أئمة الحديث، كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في
ذلك، فالصواب: أن القصة لذي اليدين وهو غير ذي الشمالين. نَصَّ على ذلك
الشافعي في اختلاف الحديث وأبو عبد الله الحاكم والبيهقي وغيرهم.
وقال النووي في ((الخلاصة)): إنه قول الحافظ وسائر العلماء إلا الزهري،
واتفقوا على تغليطه، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر وهو خزاعي، واسمه عمير
بن عبد عمرو بن نضلة. وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبي ول بمدة؛ لأنه حدث بهذا
الحديث بعد النبي وَّر، كما أخرجه الطبراني وغيره وهو سلمي، واسمه الخرباق.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْوِ
٣١٩
ISE
وقد جوز بعض الأئمة أن القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي اليدين، وأن
أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما، وهو قصة ذي الشمالين، وشاهد الآخر،
وهي قصة ذي اليدين. وهذا محتمل من طريق الجمع. وقيل: يحمل على أن ذا
الشمالين كان يقال له أيضًا: ذو اليدين وبالعكس. فكان ذلك سببًا للاشتباه. قلتُ:
قد وقع في رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلي مع رسول اللّه وَله
وهي صريحة في أن أبا هريرة كان حاضرًا في الصلاة، وهي تبطل تأويل
الطحاوي. قال الحافظُ: ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي، ما رواه مسلم
وأحمد وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث عن
أبي هريرة بلفظ: ((بينما أنا أصلي مع رسول الله)) وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي
في ((التعليق الممجد)) (ص١٠٤): قال بعضهم: إن أبا هريرة لم يحضر القصة،
وإنما رواه مرسلًا بدليل أن ذا الشمالين قتل يوم بدر، وهو صاحب القصة، وردوه
بأن رواية مسلم وغيره صريحة في حضور أبي هريرة تلك القصة، والمقتول بيدر
هو ذو الشمالين، وصاحب القصة هو ذو اليدين، وهو غيره، انتهى.
وقال البيهقي في ((المعرفة)): إن هذا ترك الظاهر على أنه رواه يحيى بن أبي كثير
عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلي مع رسول اللّه وَّ. فلم يجز في
هذا القول، معناه: صلى بالمسلمين، انتهى.
قلتُ: رواية أحمد ومسلم والبيهقي بلفظ: بينما أنا أصلي مع رسول اللّه وَله ..
نص صريح في حضور أبي هريرة قصة ذي اليدين، وليس عند من ادعى عدم
حضوره عن هذه الرواية الصحيحة الصريحة جواب شاف. وقد اعترف به صاحب
((البحر الرائق)) من الحنفية، وقد اعترف به صاحب ((العرف الشذي)) أيضًا حيث
قال: ولكن الطحاوي لم يجب عما في طريق مسلم عن أبي هريرة. ((بينما أنا
أصلي ... )) إلخ. وقال صاحب البحر: لم أجد جوابًا شافيًا عن هذه. وقال ابن
عابدين ما قال، وتعجب من عدم جواب البحر. أقول: إن ابن عابدين غفل عما في
مسلم، فإن الرواية هاهنا: ((أنا أصلي ... )) رواها مسلم، وأما أنا فلم أجد جوابًا
شافیًا أيضًا، انتهى.
ثم إنه لما عجز الحنفية عن جواب هذه الرواية اعترف بعضهم بعدم وجدان