النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فذكره من غير نسب فلم ينص على أنه هذا أو ذاك، وتلك الرواية المقيدة قرينة
واضحة على أن عليًّا في رواية عبد الملك هو ابن طلق، لا ابن أبي طالب. ومجرد
ذكر الإمام أحمد أو ابنه أو غيرهما ممن رتب المسند وهذبه هذه الرواية المطلقة،
أي: رواية عبد الملك بن مسلم عن أبيه عن علي من غير نسب في مسند علي بن
أبي طالب لا يدل على أن عليًّا هذا هو ابن أبي طالب؛ لأن هذا ليس مجرد الرأي
والفهم، وهو ليس بحجة على غير صاحبه. وليس فيه أيضًا دليل على وقوع الخطأ
من عيسى بن حطان في ذكر النسب، فنسبه الخطأ إلى عيسى تحكم محض عندي.
وأَيُّ بُعْدٍ في خفاء مثل هذا على الإمام أحمد وابنه فقد خفي ما هو دون ذلك على
من هو أكبر وأعظم في هذا الشأن منهما، والله اعلم.
(إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ) أي: خرج من دبره ريح بلا صوت، سواء تعمد خروجه أو لم
يتعمده، فعل ماض من فَسَا يفسوا فَسْوًّا وفُسَاءً. قال في ((المصباح)): الفساء بالضم
والهمزة والمد: ريح يخرج بغير صوت يسمع. قال الطيبي: أي أحدث بخروج
ريح من مسلكه المعتاد. (فَلْيَنْصَرِفْ) أي: عن صلاته. (فَلْيَتَوَضَّأُ وَلْيُعِد الصَّلَاةَ) فيه
دليل على أن الحدث ناقض للوضوء، وأنه تبطل به الصلاة ويجب عليه إعادتها،
ولا يجوز البناء عليها، سواء كان الحدث عمدًا أو سبقه من غير قصد لإطلاق
الحديث، وبناء على أن الأمر بإعادة الصلاة للوجوب، كما أن الأمر بالوضوء
للوجوب اتفاقًا، وبه أخذ الشافعي في الجديد، فقال: إذا سبقه الحدث وهو في
الصلاة من غير اختياره بطلت صلاته، كما تبطل في صورة خروج الحدث باختياره
وقصده. وهذا هو الراجح عندي. وفرق الشافعي في القديم، وأحمد في رواية،
ومالك وأبو حنيفة بين العمد والسبق من غير اختيار، فقالوا: يعيد الصلاة في
الأول، ويبني في الثاني بالشروط المذكورة في الفروع، ولو استأنف فيه أيضًا لكان
أفضل للبعد عن شبهة الخلاف، فعندهم الأمر بالإعادة في الحديث إذا كان
الحدث عمدًا، محمول على الوجوب، وأما إذا سبقه الحدث ولم يتعمده،
فمحمول على الاستحباب واختيار الأفضل. واستدل لهم على ذلك بما رواه ابن
ماجه والدار قطني عن عائشة مرفوعًا: ((من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي،
فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليين على صلاته)) وهو لا يتكلم في ذلك. فجمع هؤلاء بين
الحديثين بحمل حديث علي بن طلق على تعمد الحدث في الصلاة، وحديث
٢٨١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
عائشة هذا على سبق الحدث من غير تعمد، وفيه: أن حديث عائشة ضعيف لا
يقاوم حديث الباب، فقد أعله غير واحد من الأئمة بأنه من رواية إسماعيل بن
عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وابن جريج حجازي، ورواية
إسماعيل بن عياش عن الحجازيين ضعيفة. وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن
جريج، فرووه عن ابن جريج عن أبيه عن النبي وَلّ مرسلاً. وصحح هذه الطريقة
المرسلة الذهلي والدارقطني في العلل وأبو حاتم، وقال: رواية إسماعيل خطأ.
وقال ابن معين: حديث ضعيف. وقال أحمد: الصواب عن ابن جريج عن أبيه عن
النبي ◌َّر، أي: مرسلًا. والمرسل على القول الأصح ليس بحجة، فيترجح عليه
حديث علي بن طلق، وأيضًا قد صححه ابن حبان وحسنه الترمذي، ولم يضعفه
أحد غير ابن القطان، كما سيأتي، وأما حديث عائشة فلم يصححه أحد غير الزيلعي
الحنفي بل ضعفه جمهور الأئمة الشافعي وأحمد وأبو حاتم وأبو زرعة والدار قطني
وابن عدي والحازمي والبيهقي وابن معين والذهلي، كما في ((نصب الراية))
و((التلخيص)) و((الدراية)). وأما ما أجاب به الزيلعي في تخريجه، وابن التركماني
في ((الجوهر النقي)) عن تضعيف هؤلاء الأئمة، فلا يخفى سخافته على من له أدنى
بصيرة ودراية، فلا حاجة إلى ذكره ثم الرد عليه. وقد أشبع ابن حزم في ((المحلى))
(ج٤ : ص ١٥٣ - ١٥٦) الكلام في الرد على من قال بجواز البناء، فارجع إليه إن
شئت .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في موضعين، في باب من يحدث في الصلاة، من كتاب
الطهارة. وفي باب إذا أحدث في صلاته يستقبل، من كتاب الصلاة، لكن من
حديث علي بن طلق لا من حديث طلق بن علي، وكذا رواه الترمذي وغيره من
حديث علي بن طلق كما تقدم.
(وروى التِّرْمِذِي) أي: نحوه في كتاب الرضاع لكن. (مع زيادة ونقصان) وقد
ذكر المصنف في باب ما يوجب الوضوء، وتقدم هناك شرحه، فارجع إليه.
والحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان كما في ((التلخيص))، و((بلوغ
المرام)). وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال
الترمذي: سمعت محمدًا يقول: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي وَّ غير هذا
الحديث الواحد، ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي السحيمي.
٢٨٢
Be
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
*E
وكأنه رأى أن هذا رجل آخر من أصحاب النبي بَّر، انتهى.
وقد نقل الحافظ عبارة الترمذي هذه في ((تهذيب التهذيب))، وفيه: ولا أعرف هذا
من حديث علي بن طلق السحيمي، انتهى. وهذا خطأ عندي، وهو ظاهر لمن تأمل
فيما قدمنا من الكلام في ترجمة علي بن طلق، ويدل أيضًا على صحة ما وقع في
نسخ الترمذي الحاضرة عندنا، ما نقل الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٠٦)
والمنذري في ((تلخيص السنن)) والشوكاني في ((النيل)) والقاري في ((المرقاة)) (ج١ :
ص٢٧٧) عن ميرك عن جامع الترمذي بلفظ: لا أعرف هذا الحديث من حديث
طلق بن علي السحيمي مثل ما وقع في نسخ الترمذي الموجودة عندنا، والحديث
ضعفه ابن القطان بأن مسلم بن سلام الحنفي أبا عبد الملك الراوي عن علي بن طلق
مجهول الحال. وأجيب عنه: بأن ابن حبان وثقة، كما في ((الخلاصة)).
وقال الحافظ في ((التقريب)): مقبول، ومن عرف حجة على من جهل. وقال
النيموي: زيادة قوله في الحديث ((فليعد صلاته)) ليست بمحفوظة؛ لأنه تفرد بها
جرير بن عبد الحميد، كما صرح به ابن حبان في صحيحه، وجرير هذا قال أحمد
ابن حنبل فيه: لم يكن بالذكي في الحديث، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم
الأحول حتى قدم عليه بهز فعرفه، انتهى. وهذا الحديث من طريق جرير بن عبد
الحميد، عن عاصم الأحول. وقال البيهقي في ((سننه)) في ثلاثين حديثًا لجرير: قد
نسب في آخر عمره إلى سوء حفظه.
قلتُ: قال الحافظ في مقدمة ((الفتح)): جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي
الرازي، وكان منشأه بالكوفة، قال اللالكائي: أجمعوا على ثقته، وكذا قال
الخليلي. وقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس، وروى الشاذكوني عنه ما يدل على
التدليس، لكن الشاذكوني فيه مقال. وقال ابن سعد: كان ثقة يرحل إليه. وقال
أحمد وابن معين: هو أثبت من شريك، ووثقه العجلي والنسائي وأبو حاتم،
وقال: يحتج بحديثه. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي. وقال البيهقي: نسب
في آخر عمره إلى سوء الحفظ، ولم أر ذلك لغيره بل احتج به الجماعة، انتهى. ما
في مقدمة الفتح. فظهر أن جرير بن عبد الحميد الضبي مجمع على ثقته، ولم
يعتمد على قول البيهقي: ((نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ))، وكذلك لم يعتمد
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
SE
٢٨٣
على قول أحمد ((لم يكن بالذكي))، بل احتج به الجماعة ولم يثبت أنه في رواية
الزيادة المذكورة خالف الثقات أو أوثق منه، فكيف يكون ما زاده غير محفوظ؟
ولهذا الحديث شاهد ضعيف من حديث ابن عباس مرفوعًا أخرجه الدارقطني
والطبراني، ذكره الحافظ في ((الدراية)) (ص١٠٢) والزيلعي في ((نصب الراية))
(ج١: ص٦٢) وفي إسناده سليمان بن أرقم، وهو ضعيف كذا في ((أبكار المنن))
(ص٥٤٩/٢٦٢).
١٠١٤ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ رِّ، أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِذَا
أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٠١٤ - قوله: (إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ) ندبًا، وفي رواية
ابن ماجه ((فَلْيُمْسِكْ عَلَى أَنْفِهِ)) والحديث فيه ندب لستر ما لا يحسن إظهاره بما لا
يكون فيه كذب. وقد روى البخاري في ((الأدب المفرد)) والبيهقي في ((الشعب))
والطبراني في ((الكبير))، عن عمران بن حصين موقوفًا: أن في المعاريض لمندوحة
عن الكذب. قال البيهقي: وقد روى عنه مرفوعًا، والموقوف هو الصحيح. قال
الخطابي في المعالم (ج١: ص٢٤٨): إنما أمره أن يأخذ بأنفه؛ ليوهم القوم أن به
رعافًا. وفي هذا باب من الأخذ بالأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح من الأمر
والتورية بما هو أحسن منه، وليس يدخل هذا في باب الرياء والكذب، وإنما هو
من باب التجمل، واستعمال الحياء، وطلب السلامة من الناس، انتهى.
وقال التُّورْبَشْتِي: أمره بأخذ الأنف ليخيل أنه مرعوف، وهذا ليس من قبيل
الكذب، بل من المعاريض بالفعل، ورخص له فيها وهدى إليها لئلا يسول له
الشيطان المضي، أي: في الصلاة؛ استحياء من الناس. وفيه أيضًا تنبيه على إخفاء
في تلك الحالة، انتهى.
(١٠١٤) أَبُو دَاوُد (١١١٤) عَنْهَا فِيهَا .
٢٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ) بكسر اللام وسكونها. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أبواب الجمعة من
طريق ابن جريج عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة، وأخرجه ابن ماجه من
طريق عمر بن علي المقدمي عن هشام ومن طريق عمر بن قيس عن هشام. قال في
((الزوائد)): إسناده صحيح، ورجاله ثقات. والطريق الثانية ضعيفة لاتفاقهم على
ضعف عمر بن قيس. والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان والدار قطني (ص٥٧)
والحاكم (ج١: ص١٨٤) وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي والبيهقي
(ج٢: ص٢٥٤).
١٠١٥ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا
أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَّتِهِ قَبَّلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَدِ اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ] (ضعيف}
الشّرْحُ
١٠١٥ - قوله: (إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ) كذا في جميع النسخ الحاضرة عندنا،
وكذا وقع في ((المصابيح)). والذي في الترمذي هو ((إِذَا أَحْدَثَ، يَعْنِي: الرَّجُلَ))،
وضمير (يَعْنِي)) يرجع إلى رسول اللَّه ◌َّةِ، وهذا تفسير الضمير المستتر في ((أَحْدَثَ))
من بعض الرواة. قال القاري: أي: عمدًا عند أبي حنيفة، ومطلقًا عند صاحبيه،
بناء على أن الخروج من الصلاة بِصُنْعِهِ فرض عنده خلافًا لهما، انتهى. قال الشيخ:
ليس في الحديث تقييد بالعمد، فالظاهر ما قال صاحبا أبي حنيفة، انتهى. (وَقَدْ
جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ) قال القاري: أي: قدر التشهد، انتهى.
قلتُ: ليس في الحديث بيان مقدار الجلوس. وأما ما روي في ذلك مما يدل
على بيان قدر الجلوس؛ كحديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود وغيرهما،
وكحديث عطاء عند أبي نعيم، وكحديث علي عند البيهقي والدارقطني، فكله
ضعيف لا يصلح للاحتجاج؛ أما حديث ابن مسعود فقد تقدم الكلام عليه. وأما
(١٠١٥) أَبُو دَاوُد (٤٠٨)، وَالتِّرْ مِذِي (٤٠٨) فِيهَا عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَقَالَ التِّرْ مِذِي رَوْتَهُ: وَلَيْسَ
إِسْنَادُهُ بِذَلِكَ القَوِيِّ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِى الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
Ex
٢٨٥
حديث عطاء فهو مرسل، ومرسلات عطاء أضعف المراسيل، فإنه كان يأخذ عن
كل أحد كما في ((التدريب)) وغيره. وأما حديث علي فهو موقوف.
(فَقَدْ جَازَتْ صَلاَتُهُ) أي: تمت وأجزأت. واستدل به لأبي حنيفة وأصحابه على
أن المصلي إذا أحدث في آخر صلاته بعد ما جلس قدر التشهد فقد جازت صلاته
خلافًا للأئمة الثلاثة؛ فإن الصلاة تبطل عندهم بذلك؛ لكون التسليم فرضًا
عندهم، وفي الاستدلال بهذا الحديث لما ذهب إليه أبو حنيفة نظر ظاهر؛ لأنه
ضعيف، لا يصلح للاحتجاج، كما ستقف عليه. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ :
ص١٧٥): هذا الحديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته
الأحاديث التي فيها إيجاب التسليم والتشهد، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال
بظاهره؛ لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته قد تمت بنفس القعود حتى يكون
ذلك بقدر التشهد، على ما رووا عن ابن مسعود، ثم لم يقودوا قولهم في ذلك؛
لأنهم قالوا: إذا طلعت عليه الشمس، أو كان متيممًا فرأى الماء وقد قعد مقدار
التشهد قبل أن يسلم فسدت صلاته، وقالوا فيمن قهقه بعد الجلوس قدر التشهد :
إن ذلك لا يفسد صلاته ويتوضأ، ومن مذهبهم أن القهقهة لا تنقض الوضوء إلا أن
تكون في صلاة. والأمر في اختلاف هذه الأقاويل ومخالفتها الحديث بين،
انتھی .
وقد ذكر ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٤: ص٢٧٦، ٢٧٧) مسائل نحو ما ذكر
الخطابي، تناقض فيها أقوال أهل الرأي، والبحث نفيس جدًّا فارجع إليه، قال
القاري: ووجه مناسبة هذا الحديث للباب: أنه وجد منه حدث في الصلاة، ولم
يبطلها مع أن من شأنه إبطالها. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا أبو داود والدار قطني
والبيهقي (ج٢: ص١٧٦) وأبو داود الطيالسي. (وَقَالَ) أي: الترمذي: (هَذَا
حَديثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَويِّ، وَقَدِ اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ) لم يبين الترمذي اضطراب
إسناده، ولكنه ذكر في آخر الباب كلامهم في عبد الرحمن بن زياد بن أنعم
الأفريقي، الذي عليه مدار أسانيد هذا الحديث، وتضعيف بعض أهل العلم له،
قال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمته: ضعيف في حفظه. والظاهر: أن هذا
الحديث مما أخطأ فيه حفظه. وهو أيضًا مخالف للحديث الصحيح: ((وَتَحْلِيلُهَا
التَّسْلِيمُ)). وقد تقدم، فلا يقوى حديث عبد الله بن عمرو هذا لمعارضته. قال
٢٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الزيلعي في (نصب الراية)) (ج ٢: ص ٦٢ - ٦٣) بعد ذكر كلام الترمذي المتقدم:
وأخرجه الدارقطني ثم البيهقي في ((سننهما)).
قال الدارقطني: وعبد الرحمن بن زياد لا يحتج به. وقال البيهقي: وهذا
الحديث إنما يعرف بعبد الرحمن الإفريقي، وقد ضعفه يحيى بن معين ويحيى بن
سعيد القطان وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي، قال: وإن صح قائمًا كان
قبل أن يفرض التسليم، ثم روى بإسناده عن عطاء بن أبي رباح، قال: كان
رسول اللَّه ◌َله إذا قعد آخر صلاته أقبل على الناس بوجهه. وذلك قبل أن ينزل
التسليم، انتهى. وقال القاري بعد ذكر كلام الترمذي المذكور: قال ابن الصلاح:
المضطرب هو الذي يروى على أوجه مختلفة متفاوتة، والاضطراب قد يقع في
السند أو المتن أو من رَاوٍ أو من رُوَاة. والمضطرب ضعيف لإشعاره بأنه لم يضبط،
ذكره الطيبي .
قال القاري: لهذا الحديث طرق ذكرها الطحاوي. وتعدد الطرق يبلغ الحديث
الضعيف إلى حد الحسن، انتهى كلام القاري.
وفيه: أن تعدد طرق الحديث إنما يبلغه إلى حد الحسن إذا كانت تلك الطرق
متباينة، ولم يكن مدار كلها على ضعيف لا يحتج به. وطرق هذا الحديث التي
ذكرها الطحاوي ليست متباينة، بل مدار كلها على عبد الرحمن بن زياد الإفريقي.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٨٧
EXTHE
الفصل الثالث
١٠١٦ - [٣٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ بَّهَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا
كَبَّرَ انْصَرَفَ، وَأَوْمَى إِلَيْهِمْ، أَنْ: كَمَا كُنْتُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ
يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّ صَلَّى قَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ جُنُّبًا، فَتَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {حسن}
الشَّرْجُ
١٠١٦ - قوله: (خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: قاصدًا إليها. (فَلَمَّا كَبَّرَ) أي: تكبيرة
الإحرام. (انْصَرَفَ) أي: إلى حجرته. وفيه دليل على أنه وَّ انصرف بعد ما دخل
في الصلاة وكبر للإحرام. ويدل عليه أيضًا رواية ابن ماجه والدار قطني والبيهقي
(ج ٢: ص ٣٩٧) لحديث أبي هريرة هذا من طريق أسامة بن زيد، عن عبد الله بن
يزيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة. قال الحافظ بعد عزوه
لابن ماجه: في إسناده نظر. وقال في ((الزوائد)): إسناده ضعيف؛ لضعف أسامة بن
زیاد، انتهى.
قلتُ: لم يتعين لي أنه أسامة بن زيد بن أسلم العدوي أو أسامة بن زيد الليثي
المدني. والأول ضعيف من قبل حفظه، والثاني صدوق يهم، كما في ((التقريب)).
ويدل عليه أيضًا ما رواه الدار قطني والبيهقي (ج٢: ص٣٩٩) من طريق سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة عن أنس بلفظ: ((دخل رسول اللَّه وَ ليل في صلاته فكبر وكبرنا
معه، ثم أشار إلى القوم)). قال الحافظُ: واختلف في إرساله ووصله، انتهى. ورواه
الطبراني في ((الأوسط)) بنحوه. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص٦٩):
رجاله رجال الصحيح. وما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي (ج٢ :
ص٣٩٧) من حديث الحسن عن أبي بكرة: أن رسول اللّه وَل دخل في صلاة
الفجر، فأومأ بيده: ((أن مكانكم)). قال الحافظُ: صححه ابن حبان والبيهقي
(١٠١٦) أَحْمَد (٢ / ٤٤٨) عنه.
٢٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واختلف في وصله وإرساله. وما رواه الدار قطني عن بكر بن عبد الله المزني: أن
رسول اللّه وَ ل دخل في صلاة فكبر وكبر من خلفه فانصرف، مرسل. وما رواه
أحمد والبزار والطبراني في ((الأوسط)) عن علي بن أبي طالب، قال: بينما نحن مع
رسول اللّه ◌َله نصلي، إذا انصرف ونحن قيام ... إلخ. وفيه ابن لهيعة، وما رواه
مالك في ((الموطأ)) عن عطاء بن يسار مرسلًا: أن رسول اللَّه وَل كبر في صلاة من
الصلوات ثم أشار إليهم بيده: ((أن امكثوا))، فذهب ثم رجع وعلى جلده أثر الماء.
وما رواه أبو داود عن محمد بن سيرين والربيع بن محمد مرسلاً: أن النبي ◌ُّ كبر.
وقد روى الشيخان عن أبي هريرة ما يدل على أنه ◌ّ انصرف قبل أن يدخل في
الصلاة. ففي رواية للبخاري: أن رسول اللَّه وَل خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت
الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف قال: ((على مكانكم)).
وفي رواية لمسلم: فأتى رسول اللَّه حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر
فانصرف وقال لنا: ((مكانكم))، فرواية ((الصحيحين)) معارضة لما تقدم من أحاديث
أنس وأبي بكرة وأبي هريرة وعلي، ومراسيل بكر وعطاء ومحمد بن سيرين والربيع
ابن محمد، ويمكن أن يجمع بينهما بأن يقال: إن معنى قوله: ((كَبَّرَ)) في حديث
الباب وما يوافقه، أراد أن يكبر للإحرام، ومعنى دخل في الصلاة، أنه قام في
مقامه للصلاة وتهيأ للإحرام بها، ويحتمل أنهما قصتان ذكر في الأولى قبل التكبير
والتحرم بالصلاة، وهي رواية ((الصحيحين))، وفي الثانية لم يذكر إلا بعد أن
أحرم، كما في حديث أبي بكرة وما وافقه. قال الحافظُ في ((الفتح)) بعد ذكر رواية
مسلم وحديث أبي بكرة وأثر عطاء: ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله: ((كَبَّرَ)) على
أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان. أبداه عياض والقرطبي احتمالاً. وقال النووي: إنه
الأظهر، وجزم به ابن حبان كعادته، فإن ثبت وإلا فما في الصحيح أصح، انتهى.
واعلم: أنه استدل بحديث أبي بكرة وما وافقه لمالك والشافعي وأحمد من
وافقهم على أنه لا إعادة على من صلى خلف من نسي غسل الجنابة وصلى ثم
تذكر، إنما الإعادة على الإمام فقط خلافًا لأبي حنيفة، فإنه قال: يجب الإعادة
على المأمومين أيضًا. وفيه: أنه لا يتم استدلال الأئمة الثلاثة إلا إذا قيل بتعدد
القصة، ومع ذلك إذا ثبت أن القوم أيضًا كبروا ودخلوا في الصلاة، لكن لم يذكر
ذلك إلا في حديث أنس عند الدار قطني والطبراني، وقد تقدم أنه اختلف في إرساله
٢٨٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
**
ووصله، فرواه معاذ بن معاذ، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مسندًا،
ورواه عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن بكر بن
عبد الله المزني مرسلًا، أخرجهما الدار قطني. وأما إذا قيل بوحدة الواقعة في
روايات ((الصحيحين)) وغيرهما، أو بأن القوم لم يدخلوا في الصلاة ولم يكبروا
على القول بتعدد القصة، فلا يكون حديث أبي بكرة وما وافقه دليلاً على ما ذهب
إليه الأئمة الثلاثة. والظاهر عندي: توحد القضية، ويحمل قوله: ((كبر ودخل))
على المجاز، أي: أراد أن يكبر للإحرام وتهيأ للدخول في الصلاة، وأن القوم لم
يدخلوا في الصلاة، كما أنه ◌َّل ـ لم يدخل فيها، فإن كان كذلك، وإلا فما في
الصحيح أصح. (وَأَوْمَى إِلَيْهِمْ) بالياء. وفي بعض النسخ بالهمزة.
قال القاري: ويبدل الهمزة، فيكتب بالياء أي: أشار. (أَنْ) وفي رواية
الدار قطني ((أَيْ)). (كَمَا كُنْتُمْ) وفي بعض النسخ: ((كما أنتم))، أي: على ما أنتم
عليه من حال الاجتماع، وعدم التفرق. قال الطيبي: أي كونوا كما كنتم. و((أَنْ))
مفسرة لما في الإيماء من معنى القول. ويجوز أن تكون مصدرية، والجارة
محذوفة، أي: أشار إليهم بالكون على حالهم، انتهى. (ثُمَّ خَرَجَ) أي: من
المسجد. (وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ) بضم الطاء، أي: شعر رأسه يقطر ماء بسبب الاغتسال،
يعني: لم ينشف إما للعجلة، وإما لأنه أفضل. (فَصَلّى بِهِمْ) وفي رواية مسلم
المتقدمة: ((فكبر وصلى بنا)). وفي رواية للبخاري: ((فكبر فصلينا معه)). (فَلَمَّا
صَلَّى) أي: فرغ من صلاته. (قَالَ) مشيرًا إلى السبب فيما وقع له. (إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا،
فَتَسِيتُ) بفتح النون وكسر السين المخففة، كذا في النسخ. ولعل الأولى ضم
النون وتشديد السين، قاله القاري. (أَنْ أَغْتَسِلَ) أي: الاغتسال. وفي الحديث
فوائد: منها: جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع، ومنها:
طهارة الماء المستعمل، ومنها: جواز الفصل بين الإقامة والصلاة؛ لأن قوله
((فصلى)) ظاهر في أن الإقامة لم تعد ولم تجدد، والظاهر أنه مقيد بالضرورة،
وبأمن خروج الوقت. وعن مالك: إذا بعدت الإقامة من الإحرام تعاد. وينبغي أن
يحمل على ما إذا لم يكن عذر، ومنها: أنه لا حياء في أمر الدين، وسبيل من غلب
أن يأتي بعذر موهم كأن يمسك بأنفه ليواهم أنه رعف، كما تقدم، ومنها: أنه لا
يجب على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم، ومنها: جواز الكلام
٢٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Secrenine
بين الصلاة والإقامة. ومنها: جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث. ومنها:
خروج الإِمام بعد الإقامة للغسل. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) يعني: موصولًا، وله عنده طرق
وألفاظ، وأخرجه أيضًا ابن ماجه والدار قطني والبيهقي (ج٢: ص٣٩٨).
١٠١٧ - [٣٣] وَرَوَى مَالِكَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا.
{صحيح مرسل}
الشّرْحُ
١٠١٧ - (وَرَوَى مَالِك) في ((الموطأ))، وكذا البيهقي عن إسماعيل بن أبي
حكيم. (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونة زوج النبي ◌ِّ. (مُرْسَلًا) وقد تقدم لفظه.
قال ابن عبد البر: هذا مرسل، وقد روى متصلًا مسندًا من حديث أبي هريرة وأبي
بکرة، انتهى.
قال ميرك: لم يظهر وجه مناسبة هذا الحديث لباب ما لا يجوز من العمل في
الصلاة وما يباح منه، فتأمل. قال القاري: ولعل المصنف وهم أن قوله: ((فَلَمَّا
كَبَّرَ)) على ظاهره، فيكون دليلًا على عدم البناء مطابقًا لمذهبه، انتهى.
قلتُ: وذلك لأن حكم الحدث السابق واللاحق عند الشافعية والمالكية واحد،
يعني: إذا صلى الإمام ناسيًا محدثًا أو جنبًا ثم تذكر يفسد صلاته، ولا يجوز البناء
عليها. وكذلك إذا أحدث في أثناء الصلاة. فلما حمل قوله: (كَبَّرَ)) على ظاهره،
دل الحديث على بطلان الصلاة. وعدم جواز البناء، ووجوب الإعادة. ولذلك
بوب مالك على حديث عطاء إعادة الجنب الصلاة وغسله، إذا صلى ولم يذكر.
وهذا كما ترى حمله مالك على قصة الجنابة المذكورة في رواية أبي هريرة وعلي
وأنس وأبي بكرة، وأما تلميذه محمد فحمله على سبق الحدث في الصلاة، كما هو
ظاهر من تبويبه، واستنبط منه أن من سبقه الحدث في الصلاة فلا بأس أن ينصرف
فيتوضأ ثم يبني على ما قد صلى، وفيه: أن هذا الحمل والاستنباط إنما يصح إذا
(١٠١٧) عند مَالِك (٧٩) من مُرسل عطاء بن يسار.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
EE
٢٩١
كان قصة حديث عطاء بن يسار غير ما وقع في أحاديث أبي هريرة وأنس وأبي بكرة
وعلي ومرسل ابن سيرين، وهو خلاف الأصل. وأيضًا يؤدي ذلك إلى القول بتكرر
القضية ثلاث مرات: الأولى ما في رواية الصحيحين. والثانية ما في رواية عطاء
المرسلة، والثالثة ما في أحاديث علي وأبي هريرة وأبي بكرة وأنس ومرسل ابن
سيرين. وهذا كما ترى بعيد جدًّا، ولذلك أورد الشيخ عبد الحي اللكنوي في
((التعليق الممجد)) (ص١٢١) على هذا الاستنباط بخمسة وجوه، وقال في آخرها:
وبالجملة إذا جمعت طرق حديث الباب، ونظر إلى ألفاظ رواياته، وحمل بعضها
على بعض، علم قطعًا أنه لا يصلح لاستنباط ما استنبطه محمد. وبه يظهر أنه لا
يصح إدخال هذا الحديث في باب الحدث في الصلاة؛ لأنه لم يكن هناك حدث في
الصلاة، انتهى.
١٠١٨ - [٣٤] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
وَّةِ، فَآَخُذُ قَبْضَةً مِنَ الْحَصَى؛ لِتَبْرُدَ فِي كَفِّي أَضَعُهَا لِجَبْهَتِي، أَسْجُدُ عَلَيْهَا
لِشِدَّةِ الْحَرِّ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى النَّسَائِيُ نَحْوَهُ] {حسن}
الشَّرْحُ
١٠١٨- قوله: (فَآَخَذَ) أي: فأخذت. فجاء المضارع لحكاية الحال
الماضية، قاله الطيبي. وتبعه ابن حجر. وهذا مبني منهما على أنه عطف على
(كُنْتُ)). والظاهر أنه عطف على ((أُصَلِّيَ)) قاله القاري. (قَبْضَةً) بفتح القاف وضمها
ومعنى الفتح المرة من القبض، ثم أطلق على المقبوض كضرب الأمير، وهو معنى
القبضة بضم القاف. قال الجوهري: القبضة هي ما قبضت عليه من شيء، قال
وربما جاء بالفتح، انتھی.
وقال في ((القاموس)): القبضة وضمه أكثر ما قبضت عليه من شيء. (مِنَ
الْحَصَى) صفة لقبضة مبنية. (لِتَبْرُدَ) بضم الراء من باب نصر. (لِجَبْهَتِي) أي:
لموضعها. (أَسْجُدُ عَلَيْهَا) أي: على الحصى الباردة.
(١٠١٨) أَبُو دَاوُد (٣٩٩)، والنَّسَائِي (٢ / ٢٠٤) عنه في الصَّلاة.
٢٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن حجر: بدل من أضعها التي هو نعت لقبضة، أو حال منها لتخصيصها،
انتھی .
قال القاري: والأخير هو الأظهر لوجود الفصل بالعلة المذكورة بينهما. (لِشِدَّةِ
الْحَرِّ) علة للأخذ. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص١٢٧): فيه من الفقه
تعجيل صلاة الظهر، وفيه: أنه لا يجوز السجود إلا على الجبهة، ولو جاز السجود
على ثوب هو لابسه أو الاقتصار من السجود على الأرنبة دون الجبهة لم يكن يحتاج
إلى هذا الصنيع، وفيه أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة، انتهى.
قلتُ: في الاستدلال به على تعجيل صلاة الظهر نظر؛ لأن شدة الحر قد توجد
مع الإبراد، وقد تبقى الحرارة في الحصى، وتستمر بعد الإبراد، فيحتاج إلى
تبريده، أو السجود على الثوب، ويكون فائدة الإبراد وجود ظل يمشي فيه إلى
المسجد أو يصلي فيه في المسجد. وأما قوله: لو جاز السجود على ثوب هو لا بسه
ففيه أيضًا نظر؛ لاحتمال أن يكون جابر لم يكن في ثوبه فضل يمكنه أن يسجد عليه.
نعم، لو ثبت أنه كان في ثوبه الذي هو لابسه فضل ولم يسجد عليه لتم ما قال
الخطابي. وقد روى البخاري عن أنس: ((كنا نصلي مع النبي ◌َلّ فيضع أحدنا طرف
الثوب من شدة الحر في مكان السجود)). وفي رواية: ((سجدنا على ثيابنا اتقاء
الحر)). ورواه مسلم أيضًا ولفظه في رواية: ((فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته
من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه)). فهذه الروايات تدل على جواز السجود على
الثوب المتصل بالمصلي، وعلى جواز استعمال الثياب، وكذا غيرها في الحيلولة
بين المصلي وبين الأرض؛ لاتقاء حرها، وكذا بردها، ومراعاة الخشوع فيها؛ لأن
الظاهر أن صنيعهم ذلك كان لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض وحر
الحصباء.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أي: بهذا اللفظ، وسكت عليه هو والمنذري. (وَرَوَى النَّسَائِيُ
نَحْوَهُ) أي: بمعناه في باب تبريد الحصى للسجود عليه. ولفظه: ((قال: كنا نصلي
مع رسول اللَّه ◌َيّ الظهر، فأخذ قبضة من حصى في كفي أبرده، ثم أحوله في كفي
الآخر، فإذا سجدت وضعته لجبهتي)). والحديث أخرجه البيهقي أيضًا (ج٢:
ص١٠٥).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِى الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٩٣
١٠١٩ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ يُصَلِّي
فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْك)) ثُمَّ قَالَ: ((أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ))، ثَلَاثًا وَبَسَطَّ
يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَّمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ
تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاَ بَسَطْتَ يَدَكَ قَالَ:
((إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ ؛ لِيَجْعَلَّهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ
بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أن آَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًّا،
يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٠١٩- قوله: (فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ) إظهارًا لغاية الخوف
والافتقار إلى الله تعالى والاحتياج إلى دوام فضله وعصمته. (ثُمَّ قَالَ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ
اللَّهِ) أي: إياك، والمعنى: أسأل الله أن يلعنك بلعنته المخصوصة لك التي لا
توازيها لعنة، أو أبعدك عني بإبعاد اللَّه لك. فالباء للتعدية، أو للآلة، أو للسبية.
(ثَلَاثًا) قيد لهما لما سيأتي. وفيه: أن المخاطبة في الصلاة إذا كانت بمعنى الطلب
من الله لا تعد كلامًا فلا يقطع الصلاة. قال القاضي: هذا دليل لجواز الدعاء لغيره
وعلى غيره بصيغة المخاطبة، خلافًا لابن شعبان من أصحاب مالك في قوله: إن
الصلاة تبطل بذاك. قال النووي: وكذا قال أصحابنا، فيتأول هذا الحديث، أو
يحمل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو غير ذلك، انتهى.
وقيل: عموم عدم جواز الخطاب للغير مخصوص بإبليس عند تعرضه للمصلي
بالوسوسة؛ لأنه لمصلحة الصلاة، ومحتاج إليه. وأما غير الشيطان فليس مثله في
ذلك؛ لأنه لا يحتاج لخطابه. وقيل: هذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام،
قلتُ: الخصائص لا تثبت إلا بدليل، والظاهر ما قدمنا أن المخاطبة في الصلاة إذا
كانت بمعنى الطلب من الله والدعاء، لا تعد كلامًا، فلا يقطع الصلاة. (وَبَسَطَ
(١٠١٩) مُسْلِم (٥٤٢) عن أبي الدرداء فيه.
٢٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يَدَهُ) أي: مدَّها. (يَتَنَاوَلُ شَيْئًا) أي: يأخذه من بعيد. (تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا) من
التعوذ، واللعن بالخطاب. (بَسَطْتَ يَدََ) كأنك تتناول شيئًا. (جاءَ بِشِهَابٍ) بكسر
الشين المعجمة، شعلة من نار ساطعة. (أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّمَّةِ) قال القاضي:
يحتمل تسميتها تامة، أي: لا نقص فيها، ويحتمل الواجبة له المستحقة عليه، أو
الموجبة عليه العذاب سرمدًا. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) الظاهر أنه ظرف لـ(قُلْتُ)) ويمكن أن
يكون ظرفًا لقوله: ((لم يستأخر)) أي: فلم يتأخر في ثلاث مرات من التعوذ
واللعنات. (ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ آَخُذَهُ) كذا في النسخ الحاضرة عندنا بصيغة المتكلم،
وزيادة ((أَنْ)) قبلها. وكذا وقع في ((سنن النسائي))، ووقع في بعض النسخ بغير ((أَنْ))
مطابقًا لما في ((صحيح مسلم)). وهو يحتمل أن يكون على صيغة المصدر، أو على
صيغة المتكلم. (لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا) أي: معشر الأنبياء. (سُلَيْمَانَ) بدل، أو عطف
بيان [((أَخِينَا)) ويمكن أن يكون منصوبًا بتقدير ((أَعْنِى)). (لَأَصْبَحَ) أي: لأخذته
وربطته فدخل في الصباح (مُوثَقًّا) حال، أو لصار موثقًا، أي: مربوطًا بسارية من
سواري المسجد، كما تقدم. والمراد: لو لا توهم عدم استجابة هذه الدعوة
لأخذته، لا أنه بالأخذ يلزم عدم استجابتها؛ إذ لا يبطل اختصاص تمام الملك
لسليمان بهذا القدر. وقد مضى الكلام فيه مفصلًا، فتذكر. وفيه دليل على أن
إبليس من الجن. والظاهر أن القضية متعددة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائي
والبيهقي (ج٢: ص٢٦٤).
١٠٢٠ - [٣٦] وَعَنْ نَافِعِ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُل وَهُوَ
يُصَلِّي، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ الرَّجُلُ كَلَامًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، فَقَلَ لَهُ:
إِذَا سُلَّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَا يَتَكَلَّمْ، وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٠٢٠ - قوله: (عَنْ نَافِع) مولى ابن عمر. (مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) أي: الرجل.
(١٠٢٠) رَوَاهُ مَالِك (٧٦/١٦٨/١) موقوفًا.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
se
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٩٥
(يُصَلِّي فَسَلَّمَ) بفتح السين على بناء الفاعل، والضمير لابن عمر. (عَلَيْهِ) أي: على
الرجل المصلي. (فَرَدَّ الرَّجُلُ) المصلي السلام على ابن عمر. (كَلَامًا) أي: نطقًا
وقولًا. وقال القاري: أي ردًّا ذا كلام. والمعنى رد كلام لا رد إشارة. (إِذَا سُلِّمَ)
بضم السين على صيغة المجهول. (عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي) فيه دلالة على أنه لا
يكره السلام على المصلي. وإليه ذهب أحمد كما في ((المغني))، ومالك في رواية
الحديث: ((إن الأنصار كانوا يدخلون ورسول اللّه وَل يصلي، ويسلمون، فيرد
عليهم إشارة بيده). (فَلَا يَتَكَلَّمْ) أي: يردُّ السلام؛ لأنه مفسد للصلاة. والظاهر أن
ابن عمر أمره بإعادة الصلاة. لكن لم ينقل إلينا. وفيه إشارة إلى أن السلام ابتداء
وردًّا كلام؛ لأن فيه خطابًا ومواجهة بالغير، والكلام في الصلاة منهي عنه. وقد دل
عليه حديث ابن مسعود المتقدم في الفصل الأول والثاني. (وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ) أي: لرد
السلام؛ لما قدمنا من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة في رد السلام
إشارة. وفيه: أن ابن عمر كان ممن يجوز رد السلام بالإشارة في الصلاة. وأما ما
قيل: إن المراد بالإشارة باليد الإشارة للمنع والنهي عن السلام، أو الإيماء إلى
الاعتذار بأنه في الصلاة، كما يشار للمار من غير قصد رد السلام، فهو مردود على
قائله، فإنه ادعاء محض، واحتمال مجرد، ليس عليه أثارة من دليل، فلا يلتفت
إليه. (رَوَاهُ مَالِك) في ((موطئه) عن نافع، وأخرجه البيهقي (ج٢: ص٢٥٩) من
طريق عبيد الله بن عمر عن نافع.
٢٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠ - بَابُ السَّهُوِ
(بَابُ السَّهْوِ) أي: باب بيان حكم السهو الواقع في الصلاة. وفي ((المصابيح)):
باب سجود السهو. وهو لغة: الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب إلى غيره. قال في
((المحكم)): السهو هو نسيان الشيء والغفلة عنه. وقضيته أن السهو والنسيان
مترادفان. وقيل: بينهما فرق دقيق. وهو أن السهو أن ينعدم له شعور، والنسيان له
فيه شعور. وفي المنطوق بين الفروق أن النسيان زوال الشيء عن الحافظة
والمدركة، والسهو زواله عن الحافظة فقط.
وقال الراغب: النسيان: ترك الإنسان ضبط ما استودع إما عن غفلة، وإما عن
ضعف قلبه، وإما عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره. وقال الجزري في
((النهاية)): السهو في الشيء تركه من غير علم، والسهو عن الشيء تركه مع علم،
وهذا فرق حسن دقيق. وبه يظهر الفرق بين السهو الذي وقع عن النبي وَّ غير
مرة، وبين السهو عن الصلاة الذي ذمه اللَّه تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ
سَاهُونَ
[الماعون: ٥] واختلف في حكم سجود السهو: قال الشافعية: مسنون
٥
كله، وعن المالكية: السجود للنقص واجب دون الزيادة. وعن الحنابلة: التفصيل
بين الواجبات غير الأركان، فيجب لتركها سهوًا وبين السنن القولية فلا يجب،
وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطلها عمده. وعن الحنفية واجب كله.
وحجتهم قوله في حديث أبي هريرة الآتي ((فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ))، وقوله في حديثي
ابن مسعود وأبي سعيد الآتيين (ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ)). والأمر للوجوب، وقد ثبت
من فعله وَّر، وأفعاله في الصلاة محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب،
ولا سيما مع قوله: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَصَلَّي)»، كذا في ((الفتح)).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْو
٢٩٧
الفصل الأول
*
١٠٢١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ
إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ
ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ)).
[متفق عليه]
الشَّرْخُ
١٠٢١ - قوله: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي) فرضًا أو نفلًا، فإن قلتُ: قوله في
الرواية الماضية، في باب ((فضل الأذان وإجابة المؤذن)) ((إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ)) قرينة
في أن المراد الفريضة، وكذا قوله: (إِذَا ثُوِّبَ))، أجيب: بأن ذلك لا يمنع تناول
النافلة؛ لأن الإتيان بها حينئذٍ مطلوب؛ لقوله ◌َلّ: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنٍ صَلَاةٌ)) (جاءَهُ
الشَّيْطَانُ) الظاهر أن ((ال)) فيه للعهد الذهني. وهو شيطان الصلاة الذي يسمى
خنزب، كما رواه مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص. (فَبَّسَ عَلَيْهِ) من
الثلاثي، أي: خلط عليه أمر صلاته وشوش خاطره. مصدره اللبس واللبس. وهو
اختلاط الأمر، يقال: لبس عليه الأمر يلبسه فالتبس، إذا خلطه عليه، وجعله
مشتبهًا بغيره، خافيًا حتى لا يعرف جهته. وقد يشدد للمبالغة، فيقال: لَبَّسَ تَلْبِيِسًا،
وأما اللباس فمن باب سمع. قال الجزري: لبست الأمر بالفتح ألبسه، إذا خلطت
بعضه ببعض. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. وربما
شدد للتکثیر، انتهى.
وقال النووي: هو بالتخفيف أي: خلط عليه صلاته، وشبهها عليه، وشككه
فيها. (حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى) أي: ركعة أو ركعتين أو غيرهما. والمعنى: حتى
ينسى قدر ما صلى؛ لاشتغال قلبه. (فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ) أي: التردد، وعدم العلم.
وقيل: السهو. (أَحَدُكُمْ) في صلاته. (فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ) ترغيمًا للشيطان حيث
(١٠٢١) البُخَارِي (١٢٣٢)، ومُسْلِم (٣٨٩/٨٢) وأَبُو دَاوُد (١٠٣٠)، والترمذي (٣٩٧)، وابن ماجه
(١٢١٦)، والنَّسَائِي (٣٠/٣)، عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
٢٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لبس عليه صلاته. وليس شيء أثقل على الشيطان من السجود؛ لما لحقه ما لحقه
من الامتناع عن السجود. وفيه دلالة على أنه لا زيادة على سجدتين وإن سها بأمور
متعددة. (وَهُوَ جَالِسٌ) زاد ابن إسحاق وابن أخي الزهري كلاهما عن الزهري في
هذا الحديث عند أبي داود لفظ: (قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ)). وكذا وقعت هذه الزيادة عند ابن
ماجه من رواياته ابن إسحاق عن الزهري، وسلمة بن صفوان بن سلمة كلاهما عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، لكن أعلها أبو داود وغيره بأن الحفاظ من
أصحاب الزهري، ابن عيينة ومعمرًا والليث ومالكًا لم يقولوا: ((قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ)).
وإنما ذكره ابن إسحاق وابن أخي الزهري، وليسا بحجة على من لم يذكروه، قاله
الزرقاني. وقال الحافظ في ((الفتح)): لم يقع في رواية الزهري تعيين محل
السجود. وقد روى الدار قطني من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن
أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا سها أحدكم فلم يدر أزاد أو نقص، فليسجد
سجدتين وهو جالس ثم يسلم)). إسناده قوي ولأبي داود من طريق ابن أخي الزهري
عن عمه نحوه بلفظ: ((وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيم)). وله من طريق ابن إسحاق، قال:
حدثني الزهري بإسناده، وقال فيه: ((فليسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم)). قال
العلائي: هذه الزيادة في هذا الحديث بمجموع هذه الطرق، لا تنزل عن درجة
الحسن المحتج به، انتھی.
وهذا كما ترى لم يلتفت الحافظ والعلائي إلى ما أشار إليه أبو داود من إعلال
هذه الزيادة، بل جعلاها حجة، وهذا هو الصواب عندي؛ لأنها زيادة ثقة غير
معارضة لرواية الثقات، أو لرواية من هو أوثق منه فتقبل، ولا سيما قد تأيدت
بالأحاديث الصحيحة الواردة في سجود السهو للشك، فإنها قاضية بأن سجود
السهو لهذا السبب يكون قبل السلام، كحديث أبي سعيد التالي، وحديث عبد
الرحمن بن عوف عند أحمد والترمذي وابن ماجه والبيهقي مرفوعًا: ((إذا شك
أحدكم في صلاته فلم يَدْرِ أواحدة صلى أم اثنتين؟ فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر
ثنتين صلى أم ثلاثًا فليجعلهما ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا فليجعلها ثلاثًا،
ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين)). نعم قد ورد ما
يعارض ذلك، كحديث ابن مسعود الآتي، وحديث عبد الله بن جعفر عند أحمد
٢٩٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْوِ
وأبي داود والنسائي والبيهقي مرفوعًا بلفظ: ((من شك في صلاته فليسجد سجدتين
بعد ما يسلم))، فيحمل الأمر في ذلك على التوسع، وإن الكل جائز، والله أعلم.
وأما الأفضل في محل السجود فسيأتي بيانه في شرح حديث ابن مسعود الآتي عند
ذكر اختلاف الأئمة.
واعلم: أن الأحاديث الواردة في السهو على خمسة أنحاء بالنظر إلى ما يجبر به
الساهي صلاته وما يصنعه من الإتمام وعدمه، فبعضها يدل على أن المصلي إذا
شك في صلاته فلم يدر زاد أو نقص، فليس عليه إلا سجدتان، كحديث أبي
هريرة، وحديث أبي سعيد عند الترمذي وأبي داود، وحديث عبد الله بن جعفر.
وبعضها يدل على أنه يعيد الصلاة، كحديث عبادة بن الصامت: أن رسول اللَّه وَاله
سئل عن رجل سها في صلاته فلم يدر كم صلى، فقال: ((ليعد صلاته، وليسجد
سجدتين قاعدًا)). أخرجه الطبراني في (الكبير)) من رواية إسحاق بن يحيى بن عبادة
بن الصامت عن جده عبادة بن الصامت. قال الهيثمي والعراقي: لم يسمع إسحاق
عن جده عبادة، وكحديث ميمونة بنت سعد أنها قالت: أَفْتِنَا يا رسول الله في رجل
سها في صلاته فلا يدري كم صلى، قال: ((ينصرف، ثم يقوم في صلاته حتى يعلم
كم صلى، فإنما ذلك الوسواس يعرض، فيسهيه عن صلاته)). أخرجه الطبراني في
((الكبير)). وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي الجزري، مختلف فيه. وهو
كبقية في الشاميين، يروي عن المجاهيل. وفي إسناده أيضًا عبد الحميد بن يزيد،
وهو مجهول، كما قال العراقي. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢:
ص١٥١): في إسناده مجاهيل. وبعضها يدل على أنه يبنى على ما استيقن،
كحديث أبي سعيد التالي. وفي بعضها أنه يبنى على الأقل، كحديث عبد الرحمن
ابن عوف عند أحمد والترمذي وغيرهما. وقد ذكرنا لفظه. وبعضها يدل على أنه
يتحرى الأقرب إلى الصواب، ويبنى عليه، كحديث ابن مسعود الآتي وغيره من
الآثار المروية في ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأبي سعيد. واختلف الأئمة في
العمل بهذه الأحاديث، فذهب الحسن البصري وطائفة من السلف إلى أن من دخل
عليه الشك فلم يدر زاد أم نقص سجد سجدتين، ليس عليه غير ذلك. واستدل
هؤلاء بظاهر حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وحديث عبد الله بن جعفر،
وأسقطوا وأهملوا أحاديث التحري والبناء على اليقين وغير ذلك. وهذا أضعف