النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظُ: ويمكن أن يفرق بين الإمام والمأموم، فيستحب للإمام النظر إلى
موضع السجود، وكذا للمأموم إلا حيث يحتاج إلى مراقبة إمامه، وأما المنفرد
فحكمه حكم الإمام. والله أعلم. قلتُ: كلام الحافظ هذا حسن جيد، ولم أجد
حديثًا مرفوعًا أو موقوفًا يدل على التفصيل الذي ذكره الطيبي والقاضي حسين
وصاحب النهاية، ويؤيد ما ذهب إليه الشافعي وأحمد ما رواه البيهقي عن أنس أن
النبي ◌َّه قال: ((يا أنس، اجعل بصرك حيث تسجد)). وهو حديث الباب، وسيأتي
الكلام فيه. وفي رواية: ((يا أنس، ضع بصرك في الصلاة عند موضع سجودك))، قال
هذا شديد، قال: ((ففي المكتوبة إذًا))، وما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد
ابن سيرين، قال: كان أصحاب رسول اللّه و له يرفعون أبصارهم إلى السماء في
الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ
خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا
يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض، كذا في تفسير
ابن كثير، وما روي عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي وَّر، أنها قالت: كان
الناس في عهد رسول اللَّه ◌َ ل إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع
قدميه، فتوفي رسول اللَّه ◌َ له فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم
موضع جبينه، فتوفي أبو بكر وكان عمر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد
بصر أحدهم موضع القبلة، ثم توفي عمر، وكان عثمان، فكانت الفتنة، فالتفت
الناس يمينًا وشمالًا. قال المنذري في ((الترغيب)): رواه ابن ماجه أي: في الجنائز
بإسناد حسن، إلا أن موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي لم يخرج له من
أصحاب الكتب الستة غير ابن ماجه، ولا يحضرني فيه جرح ولا تعدیل، انتهى.
(رَوَاهُ ... ) هاهنا بياض بالأصل، وألحق به - أي في الحاشية - البيهقي في سننه
الكبير من طريق الحسن عن أنس، وفي نسخة صحيحة يرفعه. قيل: إنه من
ملحقات الجزري. قال ابن حجر: وله طرق تقتضي حسنه، كذا في ((المرقاة)).
قلتُ: حديث أنس هذا أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (ج٢ ص ٢٨٤) من طريق
الربيع بن بدر عن عنطوانة عن الحسن، عن أنس، قال البيهقي رواه جماعة عن
الربيع بن بدر عن عنطوانة، والربيع بن بدر ضعيف، انتهى. وقال الحافظ في
((اللسان)) (ج٤ ص ٣٨٥): عنطوانة عن الحسن عن أنس مرفوعًا: ((يا أنس، ضع

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٦١
بصرك حيث تسجد)). لا يُدْرَى من ذا. انفرد به عنه عليلة بن بدر، انتهى. وذكره
العقيلي فقال: مجهول بصري، روى عنه الربيع بن بدر، وهو متروك ثم ساق حديثه
المذكور. والربيع هو عليلة بالتصغير، انتهى.
١٠٠٤ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا بُنَيَّ، إِيَّاَكَ
وَالِلْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الِلْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي
التَّطَوُّعِ لَا فِي الْفَرِيضَةِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٠٠٤ - قوله: (يَا بُنَيَّ، إِيََّ والِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ) أي: بتحويل الوجه.
(فَإِنَّ الِلْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ) أظهر في موضع الضمير لمزيد الإيضاح والبيان في مقام
التحذير. (هَلَكَةً) بفتحتين أي هلاك؛ لأنه طاعة الشيطان، وهو سبب الهلاك. قال
الطيبي: الهلكة الهلاك وهو استحالة الشيء وفساده؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ
اُلْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] والصلاة بالالتفات تستحيل من الكمال إلى الاختلاس
المذكور في الحديث الخامس من الفصل الأول. وقال الشوكاني: سمي الالتفات
هلكة باعتبار كونه سببًا لنقصان الثواب الحاصل بالصلاة، أو لكونه نوعًا من تسويل
الشيطان واختلاسه، فمن استكثر منه كان من المتبعين للشيطان، واتباع الشيطان
هلكة، أو لأنه إعراض عن التوجه إلى الله، والإعراض عنه رَّك هلكة. (فَإِنْ كَانَ
لَابُدَ) أي: من الالتفات.
(فَفِي التَّطَوُّع لا فِي الْفَرِيضَةِ)؛ لأن مبنى التطوع على المساهلة؛ ألا ترى أنه
يجوز قاعدًا مع القدرة على القيام، وفيه الإذن بالالتفات للحاجة في التطوع،
والمنع من ذلك في صلاة الفرض. (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن. ونقل
مَيْرَك أنه قال: حسن صحيح. وذكر الزيلعي الحديث في ((نصب الراية)) (ج٢
ص٨٩) عن الترمذي وقال: قال: حديث حسن صحيح. ونقل المجد بن تيمية
الحديث في ((المنتقى)) وقال: رواه الترمذي وصححه. وقال المنذري في
(١٠٠٤) التِّرْمِذِي (٥٨٩) فِيهَا عَنْهُ.

٢٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((الترغيب)) بعد ذكره: رواه الترمذي من رواية علي بن زيد عن سعيد بن المسيب
عن أنس، وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ صحيح. قال المنذري: وعلي
ابن زيد بن جدعان یأتي الكلام علیه، ورواية سعيد عن أنس غير مشهورة، انتھی.
وقال في الفصل الذي ذكر فيه الرواة المختلف فيهم: علي بن زيد بن جدعان،
قال البخاري وأبو حاتم: لا يحتج به، وضعفه ابن عيينة وأحمد وغيرهما، وروى
عن يحيى ليس بشيء، وروى عنه ليس بذاك القوي، وقال أحمد العجلي: كان
يتشيع وليس بالقوي، وقال الدارقطني: لا يزال عندي فيه لين، وقال الترمذي:
صدوق، وصحح له حديثًا في السلام، وحسن له غير ما حديث، انتهى.
! قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ كَانَ
١٠٠٥ - [٢١] وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ .
يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٠٠٥ - قوله: (كَانَ يَلْحَظُ) بفتح الحاء المهملة وبالظاء، أي: ينظر بمؤخر
عينيه من اللحظ، وهو النظر بطرف العين الذي يلي الصدغ، وفي رواية النسائي:
((كان يلتفت)). (فِي الصَّلَاةِ) قيل: النافلة، ويحتمل الفرض أيضًا. والحاصل: أن
التفاته كان متضمنًا لمصلحة بلا ريب مع دوام حضور القلب وتوجهه إلى الله تعالى
على وجه الكمال، قاله السندي. (يَمِينًا وَشِمَالًا) أي: تارة إلى جهة اليمين وأخرى
إلى جهة الشمال. (ولا يلوى) أي: لا يصرف ولا يميل. (عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) أي:
إلى جهته. وقال الطيبي: الْلَيُّ: فتل الحبل، يقال: لويته أَلْوِيْهِ لَيًّا، ولوى رأسه
وبرأسه: أماله. ولعل هذا الالتفات كان منه في التطوع، فإنه أسهل لما في
الحديث السابق. وقال ابن الملك: قيل: التفاته عليه الصلاة والسلام مرة أو مرارًا
قليلة؛ لبيان أنه غير مبطل أو كان لشئ ضروري، فان كان أحد يلوى عنقه خلف
ظهره، أي ويحول صدره عن القبلة فهو مبطل للصلاة، كذا في ((المرقاة)) قلتُ:
(١٠٠٥) التِّرْ مِذِي (٥٨٧)، وَالنَّسَائِي (٩/٣) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
ses
*
٢٦٣
الالتفات المذكور في حديث ابن عباس هذا هو أن يلحظ بعينيه يمينًا وشمالاً
لمراقبة أحوال المقتدين، أو لمصلحة أخرى، وهو مباح عند الجميع في الفرض،
وإن كان خلاف الأولى، وهو غير الإلتفات المذكور في حديث أنس السابق،
والحديث الخامس من الفصل الأول، فان المراد من الالتفات فيهما هو أن يلتفت
بطرف الرأس والوجه من غير أن يحول صدره عن القبلة، وهو مكروه عند الجميع
بلا حاجة بل حرام عند الظاهرية. (رَوَاهُ التِّرْمِذِي والنسائي) وأخرجه أيضًا أحمد
وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم في ((المستدرك)) (ج١: ص٢٣٦ - ٢٥٦) وقال:
هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه
أيضًا الدار قطني في ((سننه)) (ص ١٩٥) والحازمي في ((كتاب الاعتبار)) (ص ٦٤) قال
الترمذي: حديث غريب يعني أنه تفرد بروايته متصلًا الفضل بن موسى عن عبد الله
ابن سعيد بن أبي هند. ونقل القاري في ((المرقاة)) عن ميرك، أنه نقل عن الترمذي
حسن غريب، ونقل عن النووي أنه صحح إسناده. وقال الترمذي في ((جامعه)): وقد
خالف وكيع الفضل بن موسى في روايته، ثم أخرجه عن وكيع عن عبد الله بن
سعيد عن بعض أصحاب عكرمة ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّلَ كَانَ يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ)) فذكر نحوه.
وقال في ((علله الكبير)): ولا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد
مسندًا مثل ما رواه الفضل بن موسى، انتهى.
وقال الدارقطني بعد روايته: تفرد به الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد به
متصلاً وغيره يرسله، وكذا قال الحازمي في ((كتاب الاعتبار))، وأراد الترمذي
والدار قطني والحازمي بذلك تعليل الرواية المتصلة. وليست هذه علة، بل إسناد
الحديث صحيح أو حسن، والرواية المتصلة زيادة من ثقة، فهي مقبولة.
والفضل بن موسى ثقة ثبت. قال ابن القطان في ((كتابه)): هذا حديث صحيح،
وإن كان غريبًا، لا يعرف إلا من هذه الطريق. قال: عبد الله بن سعيد وثور بن زيد
ثقتان، وعكرمة احتج به البخاري. فالحديث صحيح، انتهى. والحديث أخرجه
البزار في مسنده عن مندل بن علي العنزي عن الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس :
((أن النبي ◌َّ- كان إذا صلى يلاحظ أصحابه في الصلاة يمينًا وشمالًا، ولا يلتفت)).
ورواه ابن عدي في ((الكامل))، وأعله بمندل، وضعفه عن النسائي والسعدي وابن
معین، ولینه هو، وقال: إنه ممن یکتب حديثه، انتھی.

٢٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وفي الباب عن علي بن شيبان، قال: خرجنا إلى رسول اللَّه وَلَه، فبايعناه،
وصلينا خلفه، فلمح بمؤخر عينيه رجلًا لم يقم صلبه في الركوع والسجود، فقال:
((إنه لا صلاة لمن لم يقم صلبه))، أخرجه ابن ماجه وابن حبان.
١٠٠٦ - [٢٢] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ قَالَ:
((الْعُطَاسُ، وَالتُّعَاسُ، وَالتَّنَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْحَيْضُ، وَالْقَيْءُ، وَالرُّعَافُ
مِنَ الشَّيْطَانِ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشّرْجُ
١٠٠٦ - قوله: (رَفَعَهُ) أي: رفع جَدُّ عدي الحديث إلى النبي ◌َّ. ولولا هذا
القيد لأوهم قوله: (الْعُطَاسُ) أن يكون من قول الصحابي، فيكون موقوفًا، قاله
الطيبي. (وَالنُّعَاسُ) هو النوم الخفيف، أو مقدمة النوم، وهو سنة. (وَالتَّنَاؤُبُ فِي
الصَّلَاةِ) قال الطيبي: إنما فصل بين الثلاثة الأول والأخيرة بقوله: ((في الصلاة))؛
لأن الثلاثة الأول مما لا يبطل الصلاة بخلاف الأخير. (وَالْحَيْضُ وَالْقَيْءُ
وَالرُّعَافُ) بضم الراء، دم الأنف. (مِنَ الشَّيْطَانِ) قال القاضي: أضاف هذه الأشياء
إلى الشيطان؛ لأنه يحبها ويتوسل بها إلى ما يبتغيه من قطع الصلاة، والمنع عن
العبادة، ولأنها تغلب في غالب الأمر من شره الطعام الذي هو من أعمال الشيطان .
وزاد التوربشتي ومن ابتغاء الشيطان الحيلولة بين العبد وبين ما ندب إليه من
الحضور بين يدي الله، والاستغراق في لذة المناجاة، ذكره الطيبي. وقال ابن
حجر: المراد من العطاس كثرته، فلا ينافيه الخبر: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَّاسَ))؛ لأن
محله في العطاس المعتدل، وهو الذي لا يبلغ الثلاث التوالي، بدليل أنه يسن
تشميته حينئذٍ بـ((عافاك الله وشفاك)) الدال على أن ذلك مرض، انتهى.
قال القاري: والظاهر الجمع بين الحديثين بأن يحمل محبة الله تعالى العطاس
مطلقًا على خارج الصلاة، وكراهته مطلقًا في داخل الصلاة؛ لأنه في الصلاة لا
يخلو عن اشتغال بال به، وهذا الجمع كان متعينًا لو كان الحديثان مطلقين فكيف
(١٠٠٦) التِّرْمِذِي (٢٧٤٨) فِي الاسْتِئْذَانِ، وَابن مَاجَهْ (٩٦٩) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُز

كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٦٥
مع التقييد بها في هذا الحديث؟ وقال العراقي في ((شرح الترمذي)): لا يعارض هذا
حديث أبي هريرة: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التََّاؤب))؛ لكونه مقيدًا بحال
الصلاة، فقد يتسبب الشيطان في حصول العطاس للمصلي ليشغله عن صلاته،
ذكره الحافظ في ((الفتح)). (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أي: في ((الأدب))، وقال: حديث
غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك عن أبي اليقظان عن عدي، انتهى.
وشريك هذا: هو ابن عبد الله النخعي القاضي، وهو صدوق يخطيء كثيرًا،
تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. وأبو اليقظان اسمه: عثمان بن عمير الكوفي
الأعمى، ضعيف، واختلط، وكان يدلس، ويغلو في التشيع. وقال الحافظ في
((الفتح)) بعد ذكر الحديث: وسنده ضعيف، وله شاهد عن ابن مسعود في
الطبراني، لكن لم يذكر النعاس، وهو موقوف، وسنده ضعيف أيضًا، انتهى.
والحديث أخرجه ابن ماجه من طريق شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن
ثابت عن أبيه، عن جده عن النبي وَّ بلفظ قال: ((البزاق، والمخاط، والحيض،
والنعاس في الصلاة من الشيطان)). قال في ((الزوائد)): أبو اليقظان أجمعوا على
ضعفه .
١٠٠٧ - [٢٣] وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
أَتَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ - يَعْنِي - يَبْكِي،
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَى النَّسَائِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَأَبُو دَاوُدَ الثَّانِيةَ] {صحيح}
الْبُكَاءِ.
الشّرْخُ
١٠٠٧ - قوله: (وَعَنْ مُطَرِّفٍ) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة.
(بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِخِّيرِ) بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة
بعدها تحتانية ثم راء، الحرشي العامري البصري، ثقة عابد فاضل من كبار
(١٠٠٧) أَبُو دَاوُد (٩٠٤)، والنَّسَائِي (١٣/٣) عَنْهُ، لَكِنْ التِّرْمِذِي (٣٢٢) فِي ((الشَّمَائِلِ)).

٢٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التابعين، مات سنة ٩٥هـ، وقد ذكر ابن سعد وغيره له مناقب كثيرة. (عَنْ أَبِيهِ)
عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وقدان بن الحريش الحرشي العامري
الصحابي ذكره ابن سعد في مسلمة الفتح. وقال ابن منده: وفد في وفد بني عامر،
له أحاديث انفرد له مسلم بحديث. (وَهُوَ يُصَلَّي) أي: والحال أنه يصلي، فالجملة
حالية، وكذلك جملة قوله: (وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ) أي: والحال أن لجوفه أزيزًا بزائين
معجمتين ككريم، وهو صوت القِدْرِ إذا غلت. والمراد: حنين من الخوف
والخشية، وهو صوت البكاء. وقال الجزري: هو أن يجيش جوفه ويغلي من
البكاء. (كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم، الإناء الذي يغلي
فيه الماء سواء كان من حديد أو صفر أو حجارة أو خزف، والميم زائدة. قيل له
ذلك؛ لأنه إذا نصب كأنه أقيم على أرجل. وقال القاري: المرجل: القدر إذا
غلى. قال الطيبي: أزيز المرجل صوت غليانه، ومنه الأز، وهو الإزعاج. وقيل:
المرجل: القدر من حديد أو حجر أو خزف؛ لأنه إذا نصب، كأنه أقيم على
الرجل. (يعني يبكي) أي: يريد الراوي بالعبارة المذكورة، أن النبي وَل يبكي
بجيشان جوفه وغليانه. وقال الطيبي: فيه دليل على أن البكاء لا يبطل الصلاة. قال
ابن حجر: وفيه نظر؛ لأن الصوت إنما سمع للجوف أو الصدر، لا اللسان،
والمختلف في إبطاله إنما هو البكاء المشتمل على الحرف. وقال البيجوري في
((شرح الشمائل)): يؤخذ من الحديث أنه إذا لم يكن الصوت مشتملا على حرفين أو
حرف مفهم لم يضر في الصلاة، انتهى.
قلتُ: الحديث بظاهره وبإطلاقه دليل بين على أن البكاء غير مبطل للصلاة،
سواء ظهر منه حرفان أم لا ، إذا كان من خشية الله تعالى، وهو الذي فهمه الترمذي
وأبو داود والنسائي والمجد ابن تيمية، كما يظهر من تبويبهم على هذا الحديث،
وليس في الحديث أدنى إشارة إلى القيد الذي ذكره ابن حجر والبيجوري تبعًا
لمذهبهما. قال الشوكاني: في الحديث دليل على أن البكاء لا يبطل الصلاة، سواء
ظهر منه حرفان أم لا. وقد قيل: إن كان البكاء من خشية الله لم يبطل، وهذا
الحديث يدل عليه، ويدل عليه أيضًا ما رواه ابن حبان بسنده إلى علي بن أبي
طالب، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود، ولقد رأيتنا وما فينا
قائم إلا رسول اللّه وَليل تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح، وبوب عليه ذكر

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٦٧
الإباحة للمرء أن يبكي من خشية الله، ويدل عليه أيضًا ما أخرجه البيهقي وسعيد بن
منصور وابن المنذر أن عمر صلى صلاة الصبح وقرأ سورة يوسف حتى بلغ إلى
قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُواْ بَشِى وَحُزْنِيِّ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] فسمع نشيجه. والنشيج: على
وزن فعيل، أشد البكاء كما في ((المحكم))، ويدل عليه أيضًا: ما روي عن ابن عمر
عند البخاري وعن عائشة عند البخاري ومسلم في تصميمه بّ على استخلاف أبي
بكر في الصلاة بعد أن أخبر أنه إذا قرأ غلبه البكاء، ويدل عليه أيضًا مدح الباكين
بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُنْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَبُّكِيًّا﴾ [ مريم: ٥٨] وبقوله: ﴿وَيَخِرُونَ
لِلْأَذْقَانِ يَتْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]، فإنه يشمل المصلي وغيره. واختلف العلماء في
البكاء والأنين والتأوه، فعن الشعبي والنخعي يفسد الصلاة، وعن المالكية
والحنابلة والحنفية: إن كان لذكر النار والجنة والخوف لم يفسد، وإن كان لغير
الخوف كالمصيبة والوجع أفسد. وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه، أصحها: إن
ظهر منه حرفان أو حرف مفهم أفسد وإلا فلا، ثانيها: وحكى عن نصه في الإملاء
أنه لا يفسد مطلقًا؛ لأنه ليس من جنس الكلام، ولا يكاد يبين منه حرف محقق
فأشبه الصوت الغفل، ثالثها: عن القفال إن كان فمه مطبقًا لم يفسد وإلا أفسد إن
ظهر منه حرفان، وبه قطع المتولي. قال الحافظُ: والوجه الثاني أقوى دليلًا.
(وَفِ رِوَايَةٍ) أخرى. (كَأَزِيزِ الرَّحَى) يعني: الطاحون. قال الخطابي: أزيز
الرحى: صوتها وحرحرتها. (مِنَ الْبُكَاءِ) بالمد أي: من أجله. قال ابن حجر: هو
بالقصر خروج الدمع مع الحزن، وبالمد خروجه مع رفع الصوت. (رَوَاهُ أَحْمَدُ)
(ج٤: ص٢٥ - ٢٦) أي: أصل الحديث عند أحمد مع قطع النظر عن خصوص
اللفظ، وإلا فليس عنده الرواية الثانية. والحديث أخرجه أيضًا الترمذي في
الشمائل، قال الحافظ في ((الفتح)): وإسناده قوي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان
والحاكم، ووهم من زعم أن مسلمًا أخرجه، انتهى.
(وَرَوَى النَّسَائِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى ... ) إلخ، وأخرج البيهقي الروايتين (ج٢ :
ص٢٥١).

٢٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i *=
١٠٠٨ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((إِذَا قَامَ
أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ والِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِي وَابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرُْ
١٠٠٨- قوله: (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: إذا دخل فيها؛ إذ قبل
التحريم لا يمنع. (فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى) أي: فلا يعرض عن الصلاة لأدنى شيء،
أي: لما فيه من قطع التوجه للصلاة، فتفوته الرحمة المسببة عن الإقبال على
الصلاة، وهذا إذا لم يكن لإصلاح محل السجود، وإلا فيجوز مرة بقدر الضرورة،
كما تقدم. والحَصَى بفتحتين واحدتها: حصاة، وهي الحجارة الصغيرة، والتقييد
بالحصى خرج مخرج الغالب؛ لكونه كان الغالب على فرش مساجدهم، ولا فرق
بينه وبين التراب والرمل على قول الجمهور. ويدل على ذلك قوله في حديث
معيقيب المتقدم في الرجل يسوي التراب. (فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ) أي: تنزل عليه
وتقبل إليه. وهي علة للنهي، يعني: فلا يليق لعاقل تلقي شكر تلك النعمة الخطيرة
بهذه الفعلة الحقيرة، قاله الطيبي .
وقال الشوكاني: هذا التعليل يدل على أن الحكمة في النهي عن المسح أن لا
يشغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حَظّه منها. وقد روي أن
حكمة ذلك: أن لا يغطي شيئًا من الحصى يمسحه، فيفوته السجود عليه، كما تقدم
في رواية ابن أبي شيبة عن أبي صالح السمان. قال ابن العربي: معناه: الإقبال على
الرحمة، وترك الاشتغال عنها بالحصباء وسواه إلا أن يكون لحاجة كتعديل موضع
السجود أو إزالة شيء مضر، وقد كان مالك يفعله، وغيره يكرهه، انتهى. (رَوَاهُ
أَحْمَدُ) (ج٥ : ص ١٥٠ - ١٦٣ - ١٧٩). (والتِّرْمِذِيُّ) وحسنه. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت
عنه هو والمنذري.
(١٠٠٨) أَبُو دَاوُد (٩٤٥)، والتِّرْمِذِي (٣٧٩)، وابن مَاجَهْ (١٠٢٧)، والنَّسَائِي (٦/٣) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
TREkEe
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
SE
٢٦٩
(وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه البيهقي أيضًا (ج٢: ص٢٨٤) كلهم من طريق
الزهري عن أبي الأحوص عن أبي ذر. وقد تقدم الكلام في أبي الأحوص. وفي
الباب أحاديث عديدة ذكرها الشوكاني في ((النيل)).
١٠٠٩ - [٢٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: رَأَى النَّبِيُّ وَ غُلَامًا لَنَا، يُقَالُ
لَهُ: أَفْلَحْ، إِذَا سَجَدَ نَفَخَ، فَقَالَ: (يَا أَفْلَحُ، تَرِّبْ وَجْهَكَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشّرْخُ
١٠٠٩ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أم المؤمنين. (يُقَالُ لَهُ: أَفْلَحُ) وقيل: اسمه
رباح، كما في رواية لأحمد (ج٦: ص٣٢٣) والترمذي، وقيل: يسار، كما في
رواية أخرى لأحمد (ج٦: ص٣٠١). (إِذَا سَجَدَ) أي: إذا أراد أن يسجد. (نَفَخَ)
أي: في الأرض ليزول عنها التراب فيسجد. (تَرِّبْ وَجْهَكَ) أي: في سجودك من
التتريب، أي: أوصل وجهك إلى التراب، وألقه به وضعه عليه، ولا تبعده عن
موضع وجهك بالنفخ، فإنه أقرب إلى التواضع والتذلل والخضوع، فإن علوق
التراب بالوجه الذي هو أفضل الأعضاء غاية التواضع. والحديث قد استدل به من
اختار مباشرة المصلي للأرض من غير وقاية، روي ذلك عن ابن مسعود وعروة بن
الزبير وإبراهيم النخعي خلافًا للجمهور، قال العراقي: والجواب عنه: أنه لم يأمره
أن يصلي على التراب، وإنما أراد به تمكين الجبهة من الأرض، وكأنه رآه يصلي
ولا يمكن جبهته من الأرض، فأمره بذلك. لا أنه رآه يصلي على شيء يستره من
الأرض، فأمره بنزعه، انتهى.
واستدل بالحديث أيضًا على كراهة النفخ في الصلاة. وقد اختلف العلماء فيه:
فروي عن مالك كراهة النفخ في الصلاة ولا يقطعها كما يقطعها الكلام، وهو قول
أحمد وإسحاق على ما ذكر الترمذي. وإليه ذهب أبو يوسف وأشهب على ما قال
ابن بطال. وفي ((المدونة)): النفخ بمنزلة الكلام يقطع الصلاة. وعن أبي حنيفة
(١٠٠٩) التِّرْ مِذِي (٣٨١) عَنْهَا فِيهَا .

ESCHE
٢٧٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومحمد: إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يبطل الصلاة، وإلا فلا، واستدل لهما
بحديث أم سلمة، وفيه: أنه حديث ضعيف الإسناد.
قال الحافظ في ((الفتح)): ولو صح لم يكن فيه حجة على إبطال الصلاة بالنفخ؛
لأنه لم يأمره بإعادة الصلاة، وإنما استفاد من قوله: ((تَرِّبْ وَجْهَك)) استحباب
السجود على الأرض، فهو نحو النهي عن مسح الحصى. قال: وفي الباب - أي في
كراهة النفخ في الصلاة - عن أبي هريرة في ((الأوسط)) للطبراني، وعن زيد بن ثابت
عند البيهقي، وعن أنس وبريدة عند البزار، وأسانيد الجميع ضعيفة جدًّا، انتهى.
وقد ذكر الشوكاني في ((النيل)): هذه الأحاديث مع بيان ما فيها من الضعف.
واستدل لهما أيضًا بأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة بأن النفخ كلام يدل على
ذلك، ما رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) عن ابن عباس، قال: النفخ في الصلاة
كلام، وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عباس، أنه كان يخشى أن يكون النفخ
كلامًا. وأجيب: بمنع كون النفخ كلامًا؛ لأن الكلام يتركب من الحروف
المعتمدة على المخارج ولا اعتماد في النفخ، وأيضًا: الكلام المنهي عنه في
الصلاة هو المكالمة، ولو سلم صدق اسم الكلام على النفخ كما قال ابن عباس
لكان فعله وَّليّ لذلك في الصلاة مخصصًا لعموم النهي عن الكلام، كذا في
((النيل)). والمصحح عند الشافعية والحنابلة أنه إن ظهر من النفخ حرفان بطلت
الصلاة وإلا فلا. والراجح المعتمد عندنا هو عدم بطلان الصلاة بالنفخ مطلقًا،
أي: سواء ظهر منه حرفان أم لا، مسموعًا كان أو غير مسموع؛ لما رواه أحمد
والترمذي وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو ((أن النبي وَّل نفخ في صلاة
الكسوف))، وقد ذكره البخاري تعليقًا. وأخرج أحمد هذا المعنى من حديث
المغيرة بن شعبة. ولفظ أبي داود: ثم نفخ في آخر سجوده، فقال: ((أف أف)).
وفيه رد صريح على ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة والحنفية؛ لأنه كان مسموعًا،
وقد صرح فيه بظهور الحرفين وفي الحديث أيضًا: أنه وَّر قال: ((وعرضت عليَّ
النار، فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرها))، والنفخ لهذا الغرضٍ لا يقع إلا
بالقصد إليه، فانتفى قول من حمله على الغلبة. وأجاب الخطابي بأن ((أَفَّ)) لا تكون
كلامًا حتى يشدد الفاء، قال: والنافخ في نفخه لا يخرج الفاء صادقة من مخرجها .
وتعقبه ابن الصلاح بأنه لا يستقيم على قول الشافعية أن الحرفين كلام مبطل، أَفْهَمَا
أولم يُفْهِمَا، وأشار البيهقي إلى أن ذلك من خصائص النبي ◌َّ، ورد بأن

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
SE
٢٧١
الخصائص لا تثبت إلا بدليل، كذا في الفتح. قال ابن بطال: والقول الأول أي:
عدم قطع النفخ للصلاة أولى، وليس في النفخ من النطق بالهمزة والفاء أكثر مما
في البصاق من النطق بالتاء والفاء، قال: وقد اتفقوا على جواز البصاق في الصلاة،
فدل على جواز النفخ فيها؛ إذ لا فرق بينهما، ولذلك ذكره البخاري معه في
الترجمة، انتهى. وقد روي الرخصة في النفخ في الصلاة عن قدامة بن عبد الله
الصحابي، أخرجه البيهقي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٦: ص٣٢٣)
والبيهقي (ج٢: ص٢٥٢) كلهم من طريق ميمون أبي حمزة الأعور القصاب
الكوفي الراعي عن أبي صالح عن أم سلمة. قال الترمذي: إسناده ليس بذاك،
وميمون أبو حمزة قد ضعفه بعض أهل العلم، انتهى.
قلتُ: ميمون أبو حمزة هذا ضعيف، لم يوثقه أحد ولا قواه، بل ضعفه جميعهم
أو أكثرهم، كما يظهر من ((تهذيب التهذيب)) و((الميزان)). فالحديث ضعيف، لكن
أخرجه أحمد من غير طريق أبي حمزة أيضًا، فقد رواه (ج٦: ص ٣٠١) عن طلق بن
غنام بن طلق، عن سعيد بن عثمان الوراق، عن أبي صالح، عن أم سلمة، ورواه
ابن حبان أيضًا في (صحيحه)) من غير طريق أبي حمزة. قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) في ترجمة أبي صالح: ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج حديثه ((هَذَا))
في صحيحه من رواية غير أبي حمزة ميمون عنه، انتهى. ويؤيده أيضًا حديث
حذيفة مرفوعًا: ما من حالة يكون العبد فيها أحب إلى الله من أن يراه ساجدًا، يعفر
وجهه في التراب. رواه الطبراني.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ :
١٠١٠ - [٢٦] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ .
((الْأخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ)).
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ]
الشّرْجُ
١٠١٠ - قوله: (الْأخْتِصَارِ) أي: وضع اليد على الخاصرة، وهي جنب
(١٠١٠) ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ رَخْتُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ ٣/ ٢٤٨)) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مُعْضَلًا. قُلْتُ: وَصَلَهُ الطََّرَانِيُّ
(الأوسط ٦٩٢٥) مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٢٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإنسان فوق رأس الوِرْك. (فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ) قال القاضي: أي يتعب أهل
النار من طول قيامهم أي: في الموقف، فيستريحون بالاختصار، وقيل: إنه من
فعل اليهود والنصارى في صلاتهم، وهم المرادون بأهل النار أي: مالًا وعاقبة؛
لأن أهل النار لا راحة لهم؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥]. (رَوَاهُ فِي
((شَرْح السُّنَّةِ))) قال ميرك: أي بغير سند، فقال: وفي بعض الأحاديث: ((الاختصار
راحةَ أهل النار))، انتهى.
قلتُ: فقول المصنف رواه في ((شرح السنة)) خطأ؛ فإنه إنما يقال في مثل هذا:
ذكره، ولا يقال: رواه. وقد صح النهي عن الاختصار في الصلاة، كما تقدم في
الفصل الأول مع بيان حكمة النهي عنه مفصلًا. والحديث أخرجه ابن خزيمة وابن
حبان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا، كما في ((الترغيب)) للمنذري.
وقال الشوكاني في ((النيل)): روى ذلك ابن أبي شيبة عن مجاهد، ورواه أيضًا عن
عائشة، وروى البيهقي (ج٢: ص٢٨٧) عن أبي هريرة، أن النبي وَّر قال:
((الاختصار في الصلاة راحة أهل النار)). قال العراقي: وظاهر إسناده الصحة،
ورواه أيضًا الطبراني، انتهى.
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص٨٥): بعد ذكره من رواية أبي
هريرة: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه عبد الله بن الأزور، ضعفه الأزدي،
وذكر له الحديث وضعفه به، انتهى. ولم أقف على من أخرجه من حديث ابن عمر .
١٠١١ - [٢٧] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوِفْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ :
((اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ و التِّرْمِذِيُّ وَلِلنَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠١١ - قوله: (اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ) أي: ولو في الصلاة، ففي
(١٠١١) أَبُو دَاوُد (٩٢١)، والتِّرْمِذِي (٣٩٠)، والنَّسَائِي (١٠/٣) فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَ يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٧٣
sea
حديث ابن عباس عند الحاكم والطبراني بإسناد ضعيف مرفوعًا: ((اقتلوا الحية
والعقرب، وإن كنتم في صلاتكم)) والأمر للندب، وقيل: للرخصة والإباحة،
وصرفه عن الوجوب ما رواه أبو يعلى والطبراني في ((الأوسط)) عن عائشة، قالت:
(دخل علي بن أبي طالب على رسول اللَّه ◌َله وهو يصلي، فقام إلى جنبه، فصلى
بصلاته، فجاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول اللَّه ◌َلل ثم تركته، فذهبت نحو
علي، فضربها بنعله حتى قتلها، فلم ير رسول اللَّه وَ ليل بقتلها بأسًا)). قال الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص٨٤): رجال أبي يعلى رجال الصحيح غير معاوية بن
يحيى الصدفي، وأحاديثه عن الزهري مستقيمة، كما قال البخاري، وهذا منها،
وضعفه الجمهور. وفي طريق الطبراني: عبد الله بن صالح كاتب الليث. قال عبد
الملك بن شعيب بن الليث ثقة مأمون، وضعفه الأئمة أحمد وغيره، انتهى.
(الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ) بيان للأسودين. وتسمية العقرب والحية بالأسودين إما
لتغليب الحية على العقرب؛ لأنه لا يسمى بالأسود في الأصل إلا الحية، أو لأن
عقرب المدينة يميل إلى السواد. وقيل: بل لأن بعض العقارب يكون أسود، و(ال))
فيهما للجنس، فيشمل كل منهما الذكر والأنثى، ويلحق بهما كل ضَرَّار مباح القتل
كالزنابير والشبثان ونحوهما، وأما القمل فقال القاضي: الأولى التغافل عنه، فإن
قتلها فلا بأس؛ لأن أنسًا كان يقتل القمل والبراغيث في الصلاة، وكان الحسن
يقتل القمل، وقال الأوزاعي: تركه أحب إليّ، وكان عمر يقتل القمل في الصلاة،
رواه سعيد، كذا في ((المغني)) (ج١: ص٦٦٧).
قال الشوكاني: والحديث يدل على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة من
غير كراهة. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء، كما قال العراقي. وحكى الترمذي
عن جماعة كراهة ذلك، منهم إبراهيم النخعي. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١:
ص٢١٨): رخص عامة أهل العلم في قتل الأسودين إلا إبراهيم النخعي، والسنة
أولى ما اتبع، انتهى.
قال العراقي: وأما من قتلها في الصلاة، أَوْهَمَّ بقتلها، فعلي بن أبي طالب وابن
عمر روى ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح، أنه رأى ريشة وهو يصلي فحسب أنها
عقرب، فضربها بنعله، ورواه البيهقي أيضًا، وقال: فضربها برجله، وقال: حسبت
أنها عقرب. واعلم: أن الأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة مطلق غير مقيد

٢٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بضربة أو ضربتين، فيجوز قتلهما في الصلاة، وإن احتاج فيه إلى المشي الكثير
والمعالجة الكثيرة لإطلاق الحديث. قال ابن الهمام: الحديث بإطلاقه يشمل ما
إذا احتاج إلى عمل كثير، انتهى. ولا تفسد الصلاة بذلك؛ لأنه رخصة كالمشي
والعمل في سبق الحديث عند الحنفية. وفي ((شرح المنية)) قالوا: أي: بعض
المشائخ هذا إذا لم يحتج إلى المشي الكثير كثلاث خطوات متواليات، ولا إلى
المعالجة الكثيرة، كثلاث ضربات متواليات، فأما إذا احتاج فمشى وعالج تفسد
صلاته كما لو قاتل؛ لأنه عمل كثير، ذكره السروجي في ((المبسوط)). ثم قال:
والأظهر: أنه لا تفصيل فيه؛ لأنه رخصة كالمشي في سبق الحدث، ويؤيد إطلاق
الحدث، والأصح هو الفساد، إلا أنه يباح له إفسادها لقتلهما، كما يباح لإغاثة
ملهوف أو تخليص أحد من الهلاك كسقوط من سطح أو حرق أو غرق، ذكره
القاري في ((المرقاة)). والحق عندنا هو عدم التفصيل، فقتلهما لا يفسد الصلاة
مطلقًا لإطلاق الحديث. ذكر شيخ الإسلام السرخسي: أن الأظهر أن لا تفسد
صلاته؛ لأن هذا عمل رخص فيه للمصلي، فأشبه المشي بعد الحدث والاستقاء من
البئر والوضوء، انتهى. وقال الشوكاني: واستدل المانعون من ذلك إذا بلغ إلى حد
الفعل الكثير، والكارهون له بحديث: ((إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا))، وبحديث: ((اسْكُنُوا
فِي الصَّلَاةِ)) عند أبي داود. ويجاب عن ذلك: بأن حديث الباب خاص، فلا يعارضه
ما ذكروه، وهكذا يقال في كل فعل كثير ورد الإذن به، كحديث حمله قال# لأ مامة،
وحديث خلعه للنعل، وحديث صلاته وَ لخير على المنبر، ونزوله للسجود ورجوعه
بعد ذلك، وحديث أمره وَله بدرء المَارِّ، وإن أفضى إلى المقاتلة، وحديث مشيه
لفتح الباب. الآتي بعد هذا الحديث وكل ما كان كذلك ينبغي أن يكون مخصصًا
لعموم أدلة المنع، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) في (ج٢: ص٣٣٣ - ٣٤٨). (وأبو داود والترمذي) وأخرجه أيضًا
ابن حبان في ((صحيحه)) والبيهقي (ج٢: ص ٢٦٦) والحاكم في ((المستدرك))
(ج١: ص٢٥٦)، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه. وقال الترمذي: حديث
حسن صحيح، وسكت عنه أبو داود. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وفي
الباب عن عائشة وابن عباس، کما تقدم، وعن أبي رافع عند ابن ماجه، بإسناد
ضعيف، وعن رجل من بني عدي بن كعب عند أبي داود في مراسيله بإسناد
منقطع .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
ecHSKEE
٢٧٥
١٠١٢ - [٢٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يُصَلِّي تطوُّعًا
وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فَجِئْتُ، فَاسْتَفْتَحْتُ فَمَشَى فَفَتَحَ لِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ،
وَذَكَرَتْ: أَنَّ الْبَابَ كَانَ فِي الْقِبْلَةِ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ] {صحيح}
الشَّرُْ
١٠١٢ - قوله: (وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ) فيه أن المستحب لمن صلى في مكان بابه
إلى القبلة أن يغلق الباب عليه؛ ليكون سترة للمار بين يديه، وليكون أستر. وفيه
إخفاء صلاة التطوع عن الآدميين. (فَجِئْتُ، فَاسْتَفْتَحْتُ) أي: طلبت فتح الباب،
والظاهر: أنها ظنت أنه ليسٍ في الصلاة، وإلا لم تطلبه منه كما هو اللائق بأدبها
وعلمها. (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ) أي: على عقبيه. (وَذَكَرَتْ) أي: عائشة. (أَنَّ الْبَابَ
كَانَ فِي الْقِبْلَةِ) أي: فلم يتحول ◌ّ عنها عند مجيئه إلیه، ویکون رجوعه إلى مصلاه
على عقبيه إلى خلف. قال الأشرف: هذا قطع وهم من يتوهم أن هذا الفعل يستلزم
ترك استقبال القبلة، ولعل تلك الخطوات لم تكن متوالية؛ لأن الأفعال الكثيرة إذا
تفاصلت ولم تكن على الولاء لم تبطل الصلاة، قال المظهر: ويشبه أن تكون تلك
المشية لم تزد على خطوتين. قال القاري: الإشكال باق؛ لأن الخطوتين مع الفتح
والرجوع عمل كثير، فالأولى أن يقال: تلك الفعلات لم تكن متواليات، انتهى.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): هذا كله من التقييد بالمذهب. والظاهر أن أمثال
هذه الأفعال في صلاة التطوع عند الحاجة لا تبطل الصلاة، وإن كانت متوالية. قال
ابن الملك: مشيه عليه الصلاة والسلام وفتحه الباب ثم رجوعه إلى مصلاه يدل
على أن الأفعال الكثيرة إذا تتوالى لا تبطل الصلاة. وإليه ذهب بعضهم، انتهى.
قلتُ: وهذا هو الراجح المعول عليه عندي لظاهر الحديث، لكن في صلاة
التطوع عند الحاجة لا مطلقًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأبو دَاوُدَ والتِّرْمِذِي) وأخرجه أيضًا
البيهقي (ج٢: ص٢٦٥). وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وسكت عنه
(١٠١٢) أَبُو دَاوُد (٩٢٢)، والترمذي (٦٠١)، والنَّسَائِي (١١/٣) فِيهَا عَنْ عَائِشَةَ
.
رمانا

٢٧٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أبو داود. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. (وروى النسائي نحوه) ولفظه:
قالت: ((استفتحت الباب، ورسول الله وَل يصلي تطوعا، والباب على القبلة،
فمشى عن يمينه أو عن يساره ففتح الباب، ثم رجع إلى مصلاه)).
١٠١٣ - [٢٩] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلَيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَ: ((إِذَا فَسَا
أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأُ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى الَّرْمِذِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ] {ضعيف}
الشّرْخُ
١٠١٣ - قوله: (وَعَنْ طَلْقٍ) بفتح الطاء وسكون اللام. (بْنِ عَلِيٍّ) كذا وقع في
جميع النسخ الموجودة الحاضرة عندنا. ووقع في ((المصابيح)) عن علي بن طلق،
وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٨: ص١٠٨) وهذا هو الصواب؛ لأنه
موافق لما وقع في ((جامع الترمذي)) و((سنن أبي داود)) والنسائي والدارمي
والدار قطني وابن حبان والبيهقي (ج٢: ص٢٥٥)؛ ولأن هذا الحديث من مسند
علي بن طلق كما يظهر من ((الاستيعاب)) و((الإصابة)) و((تهذيب التهذيب))، لا من
مسند طلق بن علي، فإن له أحاديث أخرى غير ذلك، فما وقع هاهنا لا شك عندي
في كونه سهوًا من صاحب المشكاة أو توهم هو وقوع القلب في روايات من ذكرنا
من أصحاب الكتب. كما رأى بعض الناس على ما قال البرقي، كما في ((تلقيح
الفهوم)) (ص١١٤، لابن الجوزي)، فخالف صاحب ((المصابيح))، وصحح على
ما توهم، وأيًّا ما كان فالصحيح هاهنا هو علي بن طلق لا طلق بن علي، وقد تقدم
هذا الحديث في باب ما يوجب الوضوء بزيادة ونقصان من رواية الترمذي وأبي
داود، وذكر المصنف هناك اسم الصحابي علي بن طلق على ما هو الصواب. قال
الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج٧: ص٣٤١): علي بن طلق بن المنذر بن قيس بن
عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم، نسبه خليفة بن خياط الحنفي
(١٠١٣) أَبُو دَاوُد (١٠٠٥) فِي الصَّلَاةِ، والتِّرْمِذِي (١١٦٤) فِي الرَّضَاعِ، والنَّسَائِي في ((الكبرى)
(٩٠٢٣) فِي العِشْرَةِ.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٧٧
اليمامي، روى عن النبي ◌َّ في الوضوء من الريح وغير ذلك، انتهى. وقال في
((الإصابة)) (ج٢: ص ٥١٠) بعد ذكر نسبه كما في ((التهذيب)): قال ابن حبان: له
صحبة. وقال ابن عبد البر: أظنه والد طلق بن علي، وبذلك جزم العسكري.
وروى حديث أبو داود والترمذي والنسائي، وهو ((إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلَا
تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ) ونقل الترمذي عن البخاري قال: لا أعرف لعلي بن طلق
غير هذا الحديث، انتهى.
وقد قَوَّى الحافظ ظن ابن عبد البر في ((تهذيب التهذيب)) حيث قال: وهو ظن
قوي؛ لأن النسب الذي ذكره خليفة هنا هو النسب المتقدم في ترجمة طلق بن علي
من غير مخالفة، وجزم به العسكري، انتهى.
تنبيهان:
الأول: ذكر بعض الرواة في روايته لهذا الحديث اسم الصحابي طلق ابن علي،
كعبد الرزاق عن معمر عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان، وأبي نعيم عن عبد
الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان، وسمى شعبة عن عاصم الأحول عند أحمد
طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق على الشك. وكلاهما خطأ عندي، والصحيح هو علي
بن طلق. قال ابن كثير في ((تفسيره)) بعد ذكر رواية شعبة عن عاصم الأحول: ورواه
عبد الرزاق عن معمر عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن
طلق بن علي. والأشبه أنه علي بن طلق، كما تقدم، انتهى.
وقد ذكر الحديث قبل ذلك من رواية علي بن طلق، وعزاه لأحمد والترمذي،
وسنذكره. وإنما قال: الأشبه أي: بالصواب؛ لأن أبا معاوية عند أحمد
والترمذي، وسفيان في رواية عبد الرزاق عنه عند أحمد على ما ذكر ابن كثير،
وعبد الواحد بن زياد عند الدارمي، وجرير بن عبد الحميد عند أبي داود،
والدار قطني وابن حبان والبيهقي قد اتفقوا في روايتهم عن عاصم الأحول على
تسمية الصحابي بعلي بن طلق. وكذا سماه به وكيع عند الترمذي وإبراهيم كلاهما
عن عبد الملك بن مسلم، كما في ((أسد الغابة)) (ج٣: ص٦٤).
والثاني: وقع هذا الحديث في مسند أحمد في مسند علي بن أبي طالب رضي ◌ُّهُ
(ج١: ص٨٦)، فظن الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١: ص٢٤٣) و(ج ٤:

٢٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ص٢٩٩) أن هذا الحديث عند أحمد من مسند علي بن أبي طالب، لا من مسند
علي بن طلق حيث بدأه بقوله: وعن علي - يعني ابن أبي طالب - فذكر لفظه، ثم
قال: رواه أحمد من حديث علي بن أبي طالب، ورجاله ثقات، ورواه أصحاب
السنن من حديث علي بن طلق، انتهى.
وكذا وقع في هذا الظن علي المتقي في ((كنز العمال)) حيث ذكر هذا الحديث في
(ج٥: ص١١٦) في مسند علي بعد ذكر مسانيد أبي بكر وعمر وعثمان، وعزاه
لأحمد والعدني، قال: ورجاله ثقات، ثم ذكره في (ج٥: ص١١٧) عن علي بن
طلق وعزاه لابن جرير فقط. ويظهر من صنيع مجد الدين ابن تيمية الأكبر في
((المنتقى)) أن الحديث عنده في المسند عن علي بن أبي طالب وعلي بن طلق
كليهما، حيث أورد في باب النهي عن إتيان المرأة في دبرها، ما يدل على النهي عن
ذلك عن علي بن أبي طالب وعلي بن طلق كليهما. وهذا ظاهر في أنه جعلهما
حديثين منفصلين. ويظهر من كلام الأمير اليماني أن الحديث عنده مروي عن
الصحابيين المذكورين، وعن طلق بن علي أيضًا، حيث قال في ((سبل السلام))
(ج٣: ص١٣٦): روى هذا الحديث. أي حديث أبي هريرة المخرج في أبي داود
والنسائي في منع إتيان النساء في أدبارهن بلفظه من طرق كثيرة، عن جماعة من
الصحابة، منهم علي بن أبي طالب وعمر وخزيمة وعلي بن طلق، وطلق بن علي،
وابن مسعود ... إلخ. والظاهر عندي: أن الحديث من مسند علي بن طلق فقط.
وأنه وقع السهو ممن رتب المسند وهذبه، حيث ذكر هذا الحديث في مسند علي
ابن أبي طالب، لما رأى في طريق وكيع عن عبد الملك لفظ علي من غير نسب،
أي: من غير نص على أنه ابن طلق أو ابن أبي طالب، فظن أنه ابن أبي طالب. قال
الحافظ بن كثير في ((تفسيره)) (ج٢: ص٨١): قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق
أخبرنا سفيان، عن عاصم عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن علي بن طلق،
قال: نهى رسول الله وهلهو أن يؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحي من
الحق. وأخرجه أحمد أيضًا عن أبي معاوية، وأبو عيسى الترمذي من طريق أبي
معاوية أيضًا عن عاصم الأحول به، وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن. ومن
الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، كما وقع في مسند
الإمام أحمد بن حنبل. والصحيح أنه علي بن طلق، انتهى.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٧٩
Bes
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٠٦) بعد ذكر الحديث ما لفظه: هكذا نسبه
أي الرافعي، فقال: علي بن أبي طالب، وهو غلط، والصواب: علي بن طلق،
وهو اليماني، كذا رواه من طريقة أحمد وأصحاب السنن والدار قطني وابن حبان،
انتھی .
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد (ج٢: ص ٦٤ -
٦٦) بعد ذكر كلام ابن كثير السابق: هكذا وافق الحافظ بن كثير رأي الترمذي في
أن عليًّا في هذا الإسناد هو ابن طلق؛ لأنه ذكر فيه من غير نسب، فلم ينص على أنه
هذا أو ذاك وأنا أرجح أن رأي الترمذي ومن تبعه خطأ؛ لأنه من المستبعد جدًّا أن
يخفى مثل هذا على الإمام أحمد وابنه عبد الله، ولأن علي بن طلق اشتبه أمره على
البخاري، فظن أنه شخص آخر غير طلق بن علي اليماني، فلم يعرف له غير هذا
الحديث الواحد، وظن ابن عبد البر أن علي بن طلق هو والد طلق بن علي. وقوى
الحافظ في ((التهذيب)) هذا الظن؛ لاتفاق نسبهما، ولو كان هذا صحيحًا لكان علي
ابن طلق صحابيًّا قدیمًا معمرًا حتی یدر که مسلم بن سلام، بل حتی یدر که عیسی بن
حطان الرقاشي، فيما يزعم الحافظ في ((التهذيب)) (ج ٢: ص ٢٠٧): أنه روى عنه
على خلاف فيه. بل أنا أظن أن الحديث حديث علي بن أبي طالب، كما ذكره
الإمام أحمد في مسنده. أي: علي بن أبي طالب، رواه عنه مسلم بن سلام، ورواه
عن مسلم ابنه عبد الملك على الصواب، ثم رواه عن مسلم أيضًا عيسى بن حطان
فأخطأ، فقال عنه ((عَنْ عَلِيٍّ بْنِ طَلْقٍ))، قال: وأما رواية الإِمام أحمد حديث ((عَلِيٍّ
ابْنِ طَلْقٍ)) التي أشار الحافظ بن كثير إلى أنه رواها بإسنادين فلم أجدها في المسند،
بل لم أجد لعلي بن طلق فيه مسندًا خاصًا بما حصرت مسانيده في فهارسي، ولا
فيما أتممت تحقيقة من هذا الديوان الأعظم، وهو أكثر من خمسة عشر ألف
حديث، فلعله سيأتي في باقي الكتاب في أثناء مسند صحابي آخر، والله اعلم،
انتھی .
قلتُ: قد ظهر من هذا كله، أن عيسى بن حطان ذكر عليًّا في روايته عن مسلم بن
سلام منسوبًا، فَنَصَّ على أنه ابن طلق، وهذه الرواية عند أحمد على ما ذكر ابن
كثير والترمذي وأبي داود والدارمي وابن حبان والدار قطني وابن الأثير الجزري في
((أسد الغابة)) (ج ٣: ص٦٤)، ورواه عبد الملك بن مسلم بن سلام عن أبيه مسلم،