النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال: (فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ) أي: لا يمنعهم عما هم فيه، ولا يخفى أن التفريع على هذا
المعنى يكون بعيدًا، قاله السندي. قلتُ: المعنى الثاني هو الذي ذكره عامة
العلماء؛ قال النووي: قال العلماء: معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم
ضرورة، ولا عتب عليكم في ذلك؛ لأنه غير مكتسب لكم فلا تكليف به، ولكن لا
تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم، فهو الذي تقدرون عليه وهو مكتسب لكم
فيقع به التكليف. فنهاهم ◌َّ عن العمل بالطيرة والامتناع من تصرفاتهم بسببها.
وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير والطيرة، وهي محمولة
على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه، انتهى.
وقال القاري: يعني: هذا وهم ينشأ من نفوسهم ليس له تأثير في اجتلاب نفع
وضر، وإنما هو شيء يسوله الشيطان ويزينه حتى يعملوا بقضيته؛ ليجرهم بذلك
إلى اعتقاد مؤثر غير الله تعالى، وهو كفر صراح، فلا يمنعهم التطير من
مقاصدهم؛ لأنه لا يضرهم ولا ينفعهم ما يتوهمونه. وقال الطيبي: أي: لا يمنعهم
عما يتوجهون إليه من المقاصد أو من سواء السبيل ما يجدون في صدورهم من
الوهم، فالنهي وارد على ما يتوهمونه ظاهرًا، وهم منهيون في الحقيقة عن مزاولة
ما يوقعهم من الوهم في الصد. (وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ) يشير إلى علم الرمل والخط
عند العرب، فيما فسره ابن الأعرابي، أن يأتي الرجل العراف وبين يديه غلام،
فيأمره بأن يخط في الرمل خطوطًا كثيرة وهو يقول: ابْنَيْ عِيانْ أسْرِعا البيان، ثم
يأمره أن يمحو منها اثنين اثنين، ثم ينظر إلى أخر ما يبقى من تلك الخطوط، فإن
كان الباقي منها زوجًا فهو دليل الفلج والظفر، وإن كان فردًا فهو دليل الخبية
والبأس، وقد طول الكلام في ذلك في ((لسان العرب)). (كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطَّ)
قيل: هو إدريس أو دانيال عليهما الصلاة والسلام. (فَمَنْ وَافَقَ) ضمير الفاعل راجع
إلى ((مَنْ))، أي: فمن وافق فيما يخطه. (خَطَّهُ) بالنصب على الأصح المشهور،
وروي مرفوعًا، فيكون المفعول محذوفًا أي من وافق خَطَّهُ خَطَّهُ أي: خط ذلك
النبي في الصورة والحالة. (فَذَاكَ) أي: هو المصيب، وهو كالتعليق بالمحال. قال
النووي: اختلف العلماء في معناه، فالصحیح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له،
ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه
لا يباح إلا بيقين بالموافقة، وليس لنا يقين بها. وإنما قال النبي وَ له: «فَمَنْ وَافَقَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٢١
خَطَّهُ فَذَاَ))، ولم يقل حرام بغير تعليق على الموافقة، لئلا يتوهم متوهم أن هذا
النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي ◌ُّ على حرمة ذاك النبي،
مع بيان الحكم في حقنا، فالمعنى: أن ذلك النبي لا منع في حقه، وكذا لو علمتم
موافقته، ولكن لا علم لكم بها. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص٢٢٢): يشبه
أن يكون أراد به الزجر عنه وترك التعاطي له، إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك
النبي؛ لأن خطه كان علمًا، أي: معجزة لنبوته، وقد تقطعت نبوته فذهبت
معالمها، انتهى. وقال ابن حجر: قال المحرمون لعلم الرمل، وهم أكثر العلماء،
لا يستدل بهذا الحديث على إباحته؛ لأنه علق الإذن فيه على موافقة خط ذلك
النبي، وموافقته غير معلومة؛ إذ لا تعلم إلا من تواتر ونص منه عليه الصلاة السلام
أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت كذلك، ولم يوجد ذلك،
فاتضح تحريمه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص ٤٤٧ - ٤٤٨) وأبو
داود والنسائي والبيهقي (ج٢ ص٢٤٩). (قوله: لَكِنِّي سَكَتُّ، هَكَذَا وُچِدَتْ فِي
((صَحِيحٍ مُسْلِم)) وَكِتَابُ الْحُمَيْدِيِّ) أي: ((الجمع بين الصحيحين)). (وَصُحِّحَ فِي
جَامِعِ الأَصُولِ) لابن الأثير الجزري. (بِلَفْظَهَ كَذَا) أي: بكتابة لفظة ((كذا)).
(فوقَ ... لكني) قال القاري: أي كذا في الرواية لفظ ((لكني)) مسطور، دفعًا لوهم
أنه ليس في الحديث بمذكور، والحاصل: أن ((لكني)) ثابت في الأصول، لكنه
ساقط في ((المصابیح))، انتهى.
قلتُ: غرض المصنف من هذا الكلام أن لفظة ((لكني)) في قوله: ((لَكِنِّي
سَكَتُّ))، صحيحة رواية ومعنى، ثابتة في الأصول، لا ينبغي الشك في صحتها
وثبوتها، ولفظة ((كذا)) علامة للتصحيح، فإنهم كما يكتبون لفظ صح على كلام
صح رواية ومعنى، وهو عرضة للشك أو الخلاف، هكذا يكتبون لفظة كذا فوق
اللفظ الذي هو محل الشك أو الخلاف ومظنة لعدم الصحة، ويعنون به أن هذا
اللفظ صحيح ثابت في الأصول، فلفظة ((كذا)) تصحيح لمثل هذا اللفظ، كما أن
قولهم (صَحَّ)) علامة ورمز للتصحيح، وسبب كون لفظة ((لَكِنِّي)) في قوله: ((لَكِنِّي
سَكَتُّ)) عرضة للشك في صحته: أن في ذكرها هاهنا إشكالاً، كما لا يخفى، وأيضًا
لم تقع هذه اللفظة في بعض روايات أحمد، ولفظها: ((فَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي
سَكَتُّ حَتَّى صَلَّى رَسُولُ اللّهِ بِّهِ فَدَعَانِي)) .
٢٢٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
٩٨٦ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلَّمُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َل
وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ
يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا!
فَقَالَ: ((إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْحُ
٩٨٦ - قوله: (كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا) أي: السلام
بالقول واللفظ حين كان الكلام مباحًا في الصلاة. وفي رواية لأبي داود: ((كنا
نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا)). (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ) بفتح النون
وتكسر، وتخفيف الجيم وبالشين المعجمة وتخفيف الياء وتشدد كياء النسب، في
القاموس: النجاشي بتشديد الجيم، وتخفيفها أفصح وبكسر النون وقيل: هو
أفصح، وقال الجزري: الياء مشددة، وقيل: الصواب تخفيفها، وأفاد ابن التين أنه
بسكون الياء، يعني أنها أصلية لا ياء النسبة، وحكى غيره تشديد الياء أيضًا، وحكى
ابن دحية كسر نونه، وهو لقب لملك الحبشة، كقيصر لملك الروم، وكسرى
الملك فارس، وفرعون لملك مصر. واسمه أَصْحَمَةُ، أسلم في زمن النبي وَلَه
ومات سنة تسع من الهجرة عند الأكثر، وصلى عليه النبي وَلخير هو وأصحابه
بالمدينة. اعْلَمْ أن جماعة من الصحابة كانت هاجرت من مكة إلى أرض الحبشة،
حين كان رسول اللّه وَ له بمكة؛ فرارًا بدينهم من الفتنة، ثم بلغهم أن المشركين
أسلموا فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتد الأذى عليهم فخرجوا
إليها أيضًا، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع
الفرقتين، ولما خرج رسول اللّه وَله إلى المدينة وبلغهم مهاجرته إليها رجعوا من
الحبشة إلى المدينة، حين كان النبي ◌َّ يتجهز لغزوة بدر. واختلف في مراد قول
ابن مسعود: ((فلما رجعنا)) هل أراد الرجوع الأول، أي: إلى مكة من الهجرة
الأولى، أو الرجوع الثاني، أي: إلى المدينة من الهجرة الثانية؟ فمال إلى كل منها
(٩٨٦) مُتََّقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٩٩)، ومُسْلِم (٣٤/ ٥٣٨) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، وأَبُو دَاوُد (٩٢٣).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٢٣
فرقة، والراجح أن ابن مسعود أراد رجوعه الثاني. وقد ورد أنه قدم المدينة
والنبي گلّ یتجهز لبدر.
وفي (مستدرك الحاكم) عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول اللَّه وَله إلى النجاشي
ثمانين رجلاً ... فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: فتعجل عبد الله بن مسعود
فشهد بدرًا، وفي ((السير)) لابن إسحاق: أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن
النبي ◌َّل هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلًا، فمات منهم
رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلًا،
فشهدوا بدرًا، فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبي وَل
بعد رجوعه كان بالمدينة قبل بدر، وعلى هذا لا يكون في حديث ابن مسعود دلالة
على أن نسخ الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة، بل هو يتفق مع حديث زيد
ابن أرقم على أن النهي عن الكلام في الصلاة كان بالمدينة بعد الهجرة بمدة
يسيرة، ولفظه قال: ((كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه
في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا
عن الكلام))، أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وأبو داود والنسائي، وللترمذي:
((كنا نتكلم خلف رسول اللّه وَليل في الصلاة))، وحديث زيد هذا ظاهر في أن نسخ
الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة؛ لأن الآية
مدنية بالاتفاق، وصحبة زيد لرسول اللَّه وَ ◌ّل كانت بالمدينة فإنه ممن لم يدخل مكة
قط، مع أنه يروي أنه وجد زمان جواز الكلام في الصلاة ونسخه كليهما، فدل على
أن الكلام كان جائزًا بالمدينة أيضًا إلى زمن أدركه زيد بن أرقم ثم أنه نسخ، كما
رواه هو، فلو كان نسخ الكلام بمكة لم يكن لزيد بن أرقم أن يدرك جوازه ويرويه
ويروي نسخه أيضًا. ويقوي ذلك ما زاد في رواية كلثوم الخزاعي عن ابن مسعود
عند النسائي: ((أن اللَّه أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم
فقوموا لله قانتين))، فأمرنا بالسكوت، فإن هذه الرواية ظاهرة في أن كلّ من ابن
مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلِتِينَ﴾ وقال: من
مال إلى أن المراد بقوله: ((فلما رجعنا الرجوع الأول)): إن تحريم الكلام كان
بمكة، وحمل حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقال: لا مانع
أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه. وفيه: أن قول زيد بن أرقم: يكلم الرجل منا
٢٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صاحبه وأن ذلك كان خلف رسول اللَّه وَّله، يرد هذا التأويل؛ لأن تكليم بعضهم
بعضًا في الصلاة لا يخفى عليه وَّر؛ لما قد صح عنه أنه كان يراهم في الصلاة من
خلفه. (سَلَّمْنَا عَلَيْهِ) أي: وهو في الصلاة. (فَلَمْ يَرُدَّ) بفتح الدال ويجوز ضمها
وكسرها. (عَلَيْنَا) أي: السلام باللفظ فيها، فقد روى ابن أبي شيبة من مرسل ابن
سيرين أن النبي ◌َّ رد على ابن مسعود في هذه القصة السلام بالإشارة. (فَقُلْنَا)
أي: بعد الصلاة. (إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا) بضم الشين وسكون الغين وبضمهما، قال
الشوكاني: هاهنا صفة محذوفة، والتقدير: لشغلًا كافيًا عن غيره من الكلام. أو
مانعًا من الكلام، وقال الطيبي: التنكير فيه للتنويع، أي: بقراءة القرآن والذكر
والدعاء لا الكلام، أو للتعظيم أي: شغلًا وأي شغل؛ لأنها مناجاة مع اللَّه تعالى
تستدعي الاستغراق بخدمته، فلا تصلح للاشتغال بالغير، وقال النووي: معناه أن
وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته وتدبر ما يقوله، فلا ينبغي أن يعرج على غيرها من
رد السلام ونحوه. وزاد في الرواية الآتية في الفصل الثاني: ((إن اللَّه يحدث من
أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة)). والحديث: استدل به على
كراهة ابتداء السلام على المصلي؛ لكونه ربما شغل بذلك فكره واستدعى منه
الرد، وهو ممنوع منه، وبذلك قال جابر وعطاء والشعبي ومالك في رواية ابن
وهب .
وقال في ((المدونة)): لا يكره، وبه قال أحمد والجمهور. ثم اختلف هؤلاء
فرخصت طائفة للمصلي في رد السلام قولًا ونطقًا، وهم سعيد بن المسيب
والحسن البصري وقتادة وأبو هريرة، والحديث حجة عليهم لنفي الرد فيه صراحة،
وقال أكثر الفقهاء: لا يرد السلام لفظًا، قالوا: يرد إذا فرغ من الصلاة باللفظ أو هو
فيها بالإشارة. قال في ((شرح السنة)): أكثر الفقهاء على أنه لا يرد بلسانه، ولو رد
بطلت صلاته، ويشير بيده أو إصبعه، انتهى.
وقال الخطابي: رد السلام في الصلاة قولًا ونطقًا محظور، ورده بعد الخروج
من الصلاة سنة، والإشارة حسنة. وقال الشوكاني: مذهب الشافعي والجمهور أن
المستحب أن يرد السلام في الصلاة بالإشارة، واستدلوا بحديث ابن عمر وصهيب
في الفصل الثاني، وبما روي في معناه. وقال أبو حنيفة: لا يرد في الصلاة مطلقًا لا
باللفظ ولا بالإشارة، واستدل له بحديث ابن مسعود هذا. وفيه: أنه قد تقدم أن
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٢٥
المراد بنفي الرد فيه نفي الرد بالكلام واللفظ، لما روى ابن أبي شيبة من مرسل ابن
سيرين أنه ◌َّللرد على ابن مسعود في هذه القصة السلام بالإشارة، ولو لم ترد هذه
الرواية لكان الواجب هو ذلك؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الصحيحة التي تدل على
جواز رد السلام بالإشارة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ
لمسلم وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٢ ص٢٤٨).
٩٨٧ - [٣] وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ، عَنِ النَّبِّ وََّ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ
حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ فَّاعِلًا فَوَاحِدَةً)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْئُ
٩٨٧ - قوله: (وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ) بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية
وكسر القاف بعدها مثناة تحتية ساكنة ثم موحدة، هو ابن أبي فاطمة الدوسي
حليف بني عبد شمس، شهد بدرًا وكان أسلم قديمًا بمكة وهاجر إلى الحبشة
الهجرة الثانية، وأقام بها حتى قدم النبي وّر بالمدينة، وكان على خاتم النبي وَلّ،
واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال. قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء
الجذام فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف، وتوفي في خلافة
عثمان، وقيل: بل في خلافة علي سنة أربعين. له أحاديث اتفقا على هذا الحديث
وانفرد مسلم بآخر. (عَنِ النَّبِيِّ وََّ فِي الرَّجُلِ) ولفظ الشيخين أن النبي ◌َّ قال في
الرجل أي: في شأن الرجل حال كونه (يسوى التراب) أي: في الصلاة. (حَيْثُ)
أي: في المكان الذي (يَسْجُدُ) فيه، والحديث أخرجه الترمذي بلفظ: ((سألت
النبي ◌َّر عن مسح الحصى في الصلاة))، قال الحافظُ: التقييد بالحصى وبالتراب
خرج للغالب؛ لكونه كان الموجود في فرش المساجد إذ ذاك، فلا يدل تعليق
الحكم به على نفيه عن غيره مما يصلى عليه من الرمل والقذى وغير ذلك. وكذا
ذكر الرجل للغالب وإلا فالحكم جار في جميع المكلفين. (قَالَ) أي: النبي ◌َّل .
(إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا) أي: لذلك ولا بد. (فَوَاحِدَةً) بالنصب بتقدير: فامسح مسحة
(٩٨٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٢٠٧)، ومُسْلِم (٥٤٦/٤٧) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.
٢٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
واحدة أو افعل فعلة واحدة أو فليكن واحدة، أو بالرفع مبتدأ وحذف خبره، أي:
فمرة واحدة تكفيك، أو خبر مبتدأ محذوف أي: المشروع فعلة واحدة، أو فالجائز
واحدة، أي: لئلا يلزم العمل الكثير المبطل، أو عدم المحافظة على الخشوع، أو
لئلا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلًا، وأبيح له المرة لئلا يتأذى به في
سجوده. وروى ابن أبي شيبة عن أبي صالح السمان قال: إذا سجدت فلا تمسح
الحصى؛ فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها. فهذا تعليل آخر غير ما تقدم. وفي
الحديث: كراهة مسح الحصى والتراب في الصلاة مع الإذن بمسحة واحدة عند
الحاجة. وحكى النووي اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصى وغيره في
الصلاة، وفيه نظر؛ فقد حكى الخطابي في ((المعالم)) وابن العربي في ((شرح
الترمذي)) عن مالك: أنه لم ير به بأسًا وكان يفعله، فكأنه لم يبلغه الخبر، وأفرط
بعض أهل الظاهر فقال: إنه حرام إذا زاد على واحدة لظاهر النهي، ولم يفرق بين
ما إذا توالى أو لا، مع أنه لم يقل بوجوب الخشوع، كذا في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج٢ ص٢٨٤).
٩٨٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنِ الْخَصْرِ فِي
الصَّلَاةِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْحُ
٩٨٨ - قوله: (نَهَى عَنِ الخَصْرِ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة
من الخاصرة. (فِي الصَّلَاةِ) قال التُّرْبَشْتِي: فسر الخصر بوضع اليد على الخاصرة
وهو صنع اليهود، والخصر لم يفسر على هذا الوجه في شيء من كتب اللغة، ولم
أطلع عليه إلى الآن، والحديث على هذا الوجه أخرجه البخاري، ولعل بعض
الرواة ظن أن الخصر يرد بمعنى الاختصار، وهو وضع اليد على الخاصرة، وفي
رواية أخرى له: نهى أن يصلي الرجل مختصرًا، وكذا رواه مسلم والدارمي
(٩٨٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٢٢٠)، ومُسْلِم (٤٦/ ٥٤٥) عَنْهُ فِيهَا .
٢٢٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَ يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
والترمذي والنسائي، وفي رواية لأبي داود: نهى عن الاختصار في الصلاة، فتبين
أن المعتبر هو الاختصار لا الخصر، قال الطيبي: رده هذه الرواية على مثل هذه
الأئمة المحدثين بقوله: لم يفسر الخصر بهذا الوجه في شيء من كتب اللغة، لا
وجه له؛ لأن ارتكاب المجاز والكناية لم يتوقف على السماع بل على العلاقة
المعتبرة، وبيانه: أن الخصر وسط الإنسان والنهي لما ورد عليه علم أن النهي عن
أمر يتعلق به، ولما اتفقت الروايات على أن المراد وضع اليد على الخاصرة وجب
حمله عليه وهو من الكناية، فإن نفي الذات أقوى من نفي الصفة ابتداء، انتهى.
قلتُ: وقع في رواية للبخاري: ((نهى النبي ◌َّ أن يصلي الرجل متخصِّرًا))، أي
من التخصر، قال الحافظُ: وفي رواية الكشمهيني ((مخصَّرًا)) بتشديد الصاد،
وللنسائي ((مختصرًا)) بزيادة المثناة، قال النووي: اختلف العلماء في معنى
الاختصار، فالصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب
والمحدثين: ١- أن المختصر هو الذي يصلي ويده على خاصرته، وقال الهروي:
قيل: ٢ - هو أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها، وقيل: ٣ - أن يختصر سورة فيقرأ من
آخرها آية أو آيتين، وقيل: ٤ - هو أن يحذف الطمأنينة فلا يمد قيامها وركوعها
وسجودها وحدودها، وقيل: ٥ - الاختصار أن يحذف الآية التي فيها السجدة إذا
مر بها في قراءته حتى لا يسجد في الصلاة لتلاوتها، وهذه الأقوال الثلاثة الأخيرة
وإن كان أخذها ممكنًا من الاختصار لكن رواية التخصر والخصر تأباها.
قال النووي: والصحيح الأول، وقال العراقي: والقول الأول هو الصحيح الذي
عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والحديث والفقه، والحديث: يدل على
تحريم الاختصار في الصلاة، وقد ذهب إلى ذلك أهل الظاهر، وذهب ابن عمر
وابن عباس وعائشة ومالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وآخرون إلى أنه
مكروه، والظاهر ما قاله أهل الظاهر؛ لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم
الذي هو معناه الحق كما هو الحق. واختلف في حكمة النهي عن ذلك، فقيل: لأن
إبليس أهبط متخصرًا، قاله حميد بن هلال في رواية ابن أبي شيبة عنه.
وقال الترمذي: يروى أن إبليس إذا مشى يمشي مختصرًا، وقيل: لأن اليهود
تكثر من فعله فنهي عنه كراهة للتشبه بهم، أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل عن
٢٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*E
عائشة، وقيل: إنه راحة أهل النار، كما سيأتي في الفصل الثالث، وقيل: إنه فعل
المختالين والمتكبرين، وقيل: لأنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم
على الخواصر إذا قاموا في المآتم، وقيل: لأنها صفة الراجز حين ينشد، قال
الحافظ بعد سرد هذه الأقوال والعزو إلى قائليها: وقول عائشة أعلى ما ورد في
ذلك، ولا منافاة بين الجمع .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قال مَيْرَك: الأولى أن يقال: رواه البخاري فإن الحديث من أفراده
عن مسلم، قلتُ: لما كانت رواية مسلم موافقة لرواية البخاري معنى كما تقدم
صح إسناد الحديث إليهما، فالمراد بقوله: ((مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)) أي: على أصل الحديث
ومعناه لا على اللفظ المذكور، والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود
والنسائي والحاكم والبيهقي (ج٢ ص٢٨٧).
٩٨٩ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّ قَالَت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ عَنِ
الإِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْحُ
٩٨٩ - قوله: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ،وَ لَه عَنِ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ) أي: بالرأس
يمينًا وشمالاً من غير حاجة، والالتفات في الصلاة على ثلاثة أنحاء، الأول:
الالتفات بطرف الوجه يمينًا وشمالاً بلا حاجة من غير أن يتحول صدره عن القبلة،
وهذا مكروه عند الجمهور، حرام عند الظاهرية، والثاني: الالتفات بطرف العين،
وهذا لا بأس به، وإن كان خلاف الأولى، والثالث: الالتفات بحيث أن يتحول
صدره عن القبلة، وهذا مبطل الصلاة بالاتفاق، والمراد في الحديث هو الأول.
(فَقَالَ) وَهِ. (هُوَ) أي: الالتفات. (اخْتِلَاسٌ) افتعال من الخلس وهو السلب،
أي: استلاب وأخذ بسرعة، وقيل: شيء يختلس به. (يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ)
(٩٨٩) البُخَارِي (٧٥١) عَنْهَا فِيهَا .
٢٢٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
قال القسطلاني: بإبراز الضمير المنصوب، وهو رواية الكشمهيني، وللأكثر
((يختلس)) الشيطان، انتهى. (مِنْ صَلاةِ الْعَبْدِ) أي: يحمله الشيطان على هذا الفعل
لأجل نقصان صلاة العبد، أو يسلبه الشيطان من كمال صلاة العبد، وضمير
((يختلسه)) منصوب على المصدر، قال الطيبي: المعنى: من التفت يمينًا وشمالًا
ذهب عنه الخشوع المطلوب بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاِهِمْ خَشِعُونَ
[المؤمنون: ٢] فاستعير لذهاب الخشوع اختلاس الشيطان تصويرًا لقبح تلك الغفلة، أو
أن المصلي حينئذٍ مستغرق في مناجاة ربه، وأنه تعالى مقبل عليه، والشيطان
كالراصد ينتظر فوات تلك الحالة عنه، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلسها
منه، انتهى. والحديث: يدل على كراهة الالتفات في الصلاة، وهو إجماع، لكن
الجمهور على أنها كراهة تنزيه، مالا يبلغ إلى حد استدبار القبلة بالصدر. وقال
المتولي: يحرم إلا للضرورة، وهو قول أهل الظاهر، وسبب الكراهة والتنفير عنه
ما فيه من نقص الخشوع أو ترك استقبال القبلة ببعض البدن.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه نظر؛ فإن الحديث لم يروه مسلم، وقد ذكر الحاكم في
((المستدرك)) (ج١ ص٢٣٧) أيضًا أن الشيخين اتفقا على إخراجه، وكذا نسبه
الجزري إليهما في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص٣٢٥). وهو سهو منهم جميعًا، فإن
مسلمًا لم يروه، فلم أجده فيه، وكذلك نص العيني والحافظ في ((الفتح)) على أنه
من أفراد البخاري، ويدل عليه أيضًا أن المجد ابن تيمية في ((المنتقى)) والمنذري في
((الترغيب)) و((تلخيص السنن)) نسباه إلى البخاري فقط، والحديث أخرجه أيضًا
أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم.
BeiK
٢٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٩٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ فَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: (لَيَنْتَهِيَنَّ
أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ
أَبْصَارُهُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٩٠ - قوله: (لَيَنْتَهِيَنَّ) اللام جواب قسم محذوف، وقيل: للتأکید، وهو خبر
بمعنى أمر. (عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ) قال القاري:
أي خصوصًا وقت الدعاء، وإلا فرفع الأبصار مطلقًا في الصلاة مكروه. قلتُ:
التقييد بقوله عند الدعاء في الصلاة يقتضي اختصاص الكراهة بالدعاء الواقع في
الصلاة، لكن أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أنس بغير
تقييد، ولفظه: ((ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة))، فاشتد قوله
في ذلك حتى قال: ((لينتهن عن ذلك أو ليخطفن أبصارهم))، وأخرجه بغير تقييد
أيضًا ابن ماجه وابن حبان والطبراني من حديث ابن عمر، ولفظه: ((لا ترفعوا
أبصاركم إلى السماء أن تلتمع)) يعني: في الصلاة، وأخرجه أيضًا بغير تقييد مسلم
والنسائي وابن ماجه من حديث جابر بن سمرة، والطبراني من حديث أبي سعيد
الخدري وكعب بن مالك، وأخرج ابن أبي شيبة من رواية هشام بن حسان عن
محمد بن سيرين: كانوا يلتفتون في صلاتهم حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَِّينَ هُمْ فِ صَلَتِهِمْ خَشِعُونَ
[المؤمنون: ١، ٢] فأقبلوا على صلاتهم، ونظروا
أمامهم، وكانوا يستحبون أن لا يجاوز بصر أحدهم موضع سجوده، وصله الحاكم
بذكر أبي هريرة فيه، ورفعه إلى النبي وَّ، وقال في آخره: فطأطأ رأسه. وإطلاق
هذه الأحاديث يقضي بأنه لا فرق بين أن يكون عند الدعاء أو عند غيره إذا كان في
الصلاة، والعلة في ذلك أنه إذا رفع بصره إلى السماء خرج عن سمت القبلة
وأعرض عنها وخرج عن هيئة الصلاة.
(أَوْ لَتُخْطَفَنَّ) بضم الفوقية وفتح الفاء على البناء للمفعول، أي: لتسلبن بسرعة.
(٩٩٠) مُسْلِم (١١٨ / ٤٢٩) عَنْهُ فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٣١
(أَبْصَارُهُمْ) إن لم ينتهوا عن ذلك، أي: أن أحد الأمرين واقع لا محالة، إما
الانتهاء منهم أو خطف أبصارهم من اللَّه تعالى عقوبة على فعلهم، قال الطيبي:
كلمة ((أَوْ)) هاهنا للتخيير تهديدًا، أي: ليكونن أحد الأمرين، كما في قوله تعالى:
◌ِنُقَائِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي: يكون أحد الأمرين، أما المقاتلة أو الإسلام لا ثالث
لهما، وكما في قوله تعالى: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي
مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] أي: ليكونن أحد الأمرين، إما إخراجكم وإما عودكم في
الكفر، والمعنى: ليكونن منكم الانتهاء عن الرفع أو خطف الأبصار من الله
تعالى، انتهى. وفيه: وعيد عظيم وتهديد شديد، وهو يدل على أن رفع البصر إلى
السماء حال الصلاة حرام؛ لأن العقوبة بالعمى لا تكون إلا عن محرم، والمشهور
عند الشافعية أنه مكروه، وبالغ ابن حزم فقال: تبطل الصلاة به، واختلف في رفع
البصر إلى السماء حال الدعاء خارج الصلاة، فكرهه القاضي شريح وآخرون،
وجوزه الأكثرون؛ لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي والبيهقي (ج٢ ص ٢٨٢).
٩٩١ - [٧] عَنْ أَبِ قَتَادَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ
أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَانِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا.
[متفق عليه]
الشَّرْجُ
٩٩١ - قوله: (يَؤُمُّ النَّاسَ) الجملة حال؛ لأن رأيت بمعنى النظر لا العلم، قاله
الطيبي. (وَأَمَامَةُ) بضم الهمزة وتخفيف الميمين: وهي ابنة زينب بنت رسول الله
وَّة، كانت صغيرة على عهد رسول اللَّه ◌َله، وتزوجها علي بعد موت فاطمة بوصية
منها. وقيل: كان أبوها أبو العاص قد أوصى بها إلى الزبير بن العوام، فزوجها من
علي، فلما قتل علي، وانقضت عدتها تزوجها المغيرة بن نوفل بن الحارث،
(٩٩١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥١٦)، ومُسْلِم (٤٢/ ٥٤٢) عَنْهُ فِيهَا .
٢٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
زوجها منه الحسن بن علي، وماتت عند المغيرة. (بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ) بن الربيع بن
عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. اختلف في اسم أبي العاص،
فقيل: لقيط، وقيل: مقسم، وقيل: القاسم، وقيل: مهشم، وقيل: هشيم،
وقيل: ياسر، وهو مشهور بكنيته، وهو ختن النبي وَّ، زوج ابنته زينب أكبر بناته،
رضي الله عنهن. وأمه هالة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة لأبيها وأمها، أسلم
قبل الفتح، وهاجر إلى النبي وَ لّر بعد أن كان أسر يوم بدر كافرًا، ورد عليه النبي وَل
ابنته زينب بالنكاح الأول، وماتت معه، وأثنى عليه في مصاهرته. وكانت وفاته في
خلافة أبي بكر الصديق في ذي الحجة سنة اثني عشرة من الهجرة، وقد بسط قصة
أسره يوم بدر وإسلامه ابن عبد البر والحافظ نقلًا عن ابن إسحاق. (عَلَى عَاتِقِهِ)
بكسر التاء وهو ما بين المنكبين إلى أصل العنق. وفي رواية لأحمد ((على رقبته)).
(فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا) هكذا في ((صحيح مسلم)) والنسائي وأحمد وابن حبان، ورواية
البخاري: ((فإذا سجد وضعها)). ولأبي داود: ((حتى إذا أراد أن يركع أخذها
فوضعها ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها))،
وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه وَّر، لا أنها كانت تنزل وتركب
بنفسها. وهذا يرد تأويل الخطابي، حيث قال: يشبه أن تكون الصبية قد ألفته، فإذا
سجد تعلقت بأطرافه والتزمته، فينهض من سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن
يركع فيرسلها. (وَإِذَا رَفَعَ) أي: رأسه. (مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا) ولأحمد: فإذا قام
حملها فوضعها على رقبته. والحديث: فيه دليل لصحة صلاة من حمل آدميًّا أو
حيوانًا طاهرًا، وأن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة حتى يتحقق نجاستها، وأن
الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن الأفعال إذا تعددت ولم تتوال بل تفرقت لا تبطل
الصلاة. وفيه: تواضعه مع الصبيان وسائر الضعفة، ورحمتهم وملاطفتهم. وفيه:
دليل على جواز إدخال الصبيان في المساجد، وعلى أنه يجوز حمل الصبي والصبية
في الصلاة من غير فرق بين الفريضة والنافلة والمنفرد والمؤتم والإمام؛ لأن قوله:
((يؤم الناس)) صريحٌ أو كالصريح في أنه كان في الفريضة. وأصرح من هذا ما
أخرجه أبو داود بلفظ: بينما نحن ننتظر رسول اللّه وَ لّ في الظهر أو العصر، وقد
دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقه، فقام في مصلاه، فقمنا
خلفه فكبر فكبرنا وهي في مكانها. وإذا جاز ذلك في حال الإمامة في صلاة
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَ يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
39
٢٣٣
الفريضة جاز في غيرها بالأولى. وإليه ذهب الشافعي وأحمد. قال في ((الشرح
الكبير)) (ج١ ص٦٧٢): وإن كان - أي: العمل الذي من غير جنس الصلاة -
متفرقًا لم تبطل؛ لأن النبي وَّ حمل أمامة في الصلاة، إذا قام حملها، وإذا سجد
وضعها، وهذا لو اجتمع كان كثيرًا، وإن كان يسيرًا لم يبطلها، انتهى. وذهب
مالك إلى عدم جواز الحمل مطلقًا، وأجاب عن الحديث بأنه كان في النافلة، وهو
مردود، لما تقدم من رواية أبي داود. ويرده أيضًا رواية مسلم؛ لأن إمامته بالناس
في النافلة ليست بمعهودة. وأجاب أيضًا: بأن ذلك كان للضرورة حيث لم يجد من
يكفيه أمرها، وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت وشغلت سره أكثر من شغله
بحملها. وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن
لم يجد جاز فيهما. وهذا أيضًا مردود؛ لأنه دعوى مجردة لا دليل عليها ولا ضرورة
إليها. وأجاب أيضًا: بأنه منسوخ، قال ابن عبد البر: لعله نسخ بتحريم العمل في
الصلاة. وتعقب: بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن هذه القصة كانت بعد
قوله بَله: ((إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا))؛ لأن ذلك قبل الهجرة أو بعدها بمدة يسيرة،
وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة. وأجاب بعض المالكية: بأن
ذلك كان من خصائصه والر لكونه معصومًا من أن تبول وهو حاملها. ورد بأن
الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره
بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك.
وقال أبو حنيفة: بجوازه عند الضرورة، وبكراهته عند عدم الحاجة. وحمل
الحديث على حال الضرورة كما حمل عليها مالك. وأول بعض الحنفية
بأنه تعالَّل كان يشير بها بالنزول عند الركوع وبتعلقها بنفسها عند القيام، فلم يكن
منه وَلَه إلا الإشارة، فعبر الراوي عن تعلقها بنفسها وعن إشارته بالنزول، والتعلق
بأنه صلى وهو حامل لها وإذا ركع وضعها وإذا قام حملها، فهذا توسع من الراوي
لا غير. وهذا تأويل بعيد غاية البعد، يرده ظاهر ألفاظ الحديث وطرقه، وهو في
الحقيقة تحريف للحديث لا توجيه له فلا يلتفت إليه. وقال الخطابي في ((المعالم))
(ج١ ص٢١٧): بعد تأويل الحديث بنحو ذلك: وإذا كان علم الخميصة يشغله عن
صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانية، فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمر؟!
انتهى. وتعقبه النووي فقال: وأما قضية الخميصة فلأنها تشغل القلب بلا فائدة،
٢٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وحمل إمامة لا نسلم أنه يشغل القلب، وإن شغله فيترتب عليه فوائد، وبيان قواعد
مما ذكرنا وغيره، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة. فالصواب
الذي لا معدل عنه: أن الحديث كان لبيان الجواز، والتنبيه على هذه الفوائد، فهو
جائز لنا، وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين، انتهى.
قلتُ: هذا هو الصواب الذي لا يجوز العدول عنه، أن الحديث محمول على
بيان الشرع والجواز. وإليه ذهب بعض الحنفية. قال في (رد المحتار)) (ج١ ص
٦١٢): قد أطال المحقق ابن أمير حاج في ((الحلية)) في هذا المحل ثم قال: إن
كونه للتشريع بالفعل هو الصواب الذي لا يعدل عنه، كما ذكره النووي، فإنه ذكر
بعضهم أن البيان بالفعل أقوى من القول، ففعله ذلك لبيان الجواز، وأن الآدمي
طاهر، وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدنه، ثم ذكر بقية كلام
النووي، وسنذکر تمامه.
قال الحافظُ: حمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال لوجود
الطمأنينة في أركان الصلاة.
وقال النووي بعد أن ذكر التأويلات المتقدمة ما لفظه: وكل هذه الدعاوي باطلة
مردودة؛ فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز
ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من
النجاسة معفو عنه لكونه في معدنه، وثياب الأطفال وأجسامهم على الطهارة،
ودلائل الشرع متظاهرة على هذا، والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو
تفرقت، وفعل النبي ◌َّجّ هذا بيانًا للجواز، انتهى.
وقال الفاكهاني: وكان السر في حمله أمامة في الصلاة دفعًا لما كانت العرب
تألفه من كراهة البنات وحملهن، فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في
ردعهم، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم،
والحديث أخرجه أيضًا مالك وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج٢ ص ٢٦٢).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٣٥
٩٩٢ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا
تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْخُ
٩٩٢ - قوله: (إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ) بالهمزة، وقيل: بالواو، ونسب إلى الغلط .
قال الحافظ في ((الفتح)): قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): وقع في رواية المحبوبي
عن الترمذي - أي: لحديث أبي هريرة - بالواو، وفي رواية السبخي بالهمز،
ووقع عند البخاري وأبي داود بالهمز، وكذا في حديث أبي سعيد - أي: الذي نحن
بصدد شرحه - عند أبي داود. وأما عند مسلم فبالواو. قال: وكذا هو في أكثر نسخ
مسلم، وفي بعضها بالهمز، وقد أنكر الجوهري كونه بالواو. قال: تقول تثاءبت
على وزن تفاعلت، ولا تقل تثاوبت. قال: والتثاؤب أيضًا مهموز، وقد يقلبون
الهمز المضمومة واوًا، والاسم الثؤباء بضم، ثم همز، على وزن الخيلاء. وجزم
ابن دريد وثابت بن قاسم في ((الدلائل)): بأن الذي بغير واو بوزن تيممت، فقال
ثابت: لا يقال تثاءب بالمد مخففًا، بل يقال تثأب بالتشديد. وقال ابن دريد: أصله
من ثئب فهو مثؤب، إذا استرخى وكسل. وقال غير واحد: إنهما لغتان، وبالمد
والهمز أشهر، انتهى.
والتثاؤب: التنفس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات المحتقنة في عضلات
القلب، وينشأ من امتلاء المعدة وثقل البدن واسترخائه وكدورة الحواس، فيورث
الغفلة وسوء الفهم والكسل والنوم الداعي إلى إعطاء النفس شهواتها، ولذا كرهه
اللَّه وأحبه الشيطان، كما في الحديث الصحيح. قال القاري: أي فتح فاه لكسل أو
فترة أو امتلاء أو غلبة نوم، وكل ذلك غير مرضي؛ لأنه يكون سببًا للكسل عن
الطاعة والحضور فيها. (فِي الصَّلَاةِ) هكذا قيده بحالة الصلاة، وكذا أخرجه
(٩٩٢) مسلم (٢٩٩٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّلاَةِ، وَلِمُسْلِمٍ (٢٩٩٥/٥٩) فِيهَا، وَأَبُو دَاوُد (٥٠٢٦) فِي
الأَدَبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .
٢٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** E
الترمذي في الصلاة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ :
((التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع)). قال
العراقي في ((شرح الترمذي)): أكثر روايات ((الصحيحين)) فيها إطلاق التثاؤب،
ووقع في الرواية الأخرى تقييده بحالة الصلاة، فيحتمل أن يحمل المطلق على
المقيد، وللشيطان غرض قوي في التشويش على المصلي في صلاته، ويحتمل أن
تكون كراهته في الصلاة أشد، ولا يلزم من ذلك أن لا يكره في غير حالة الصلاة،
ويؤيد كراهته مطلقًا كونه من الشيطان، وبذلك صرح النووي. وقال ابن العربي:
ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خص الصلاة؛ لأنها أولى الأحوال بدفعه؛
لما فيه من الخروج من اعتدال الهيئة واعوجاج الخلقة. (فَلْيَكْظِمْ) بفتح ياء
المضارعة وكسر الظاء، أي: ليحبس التثاؤب وليدفعه وليمسكه بضم الشفتين
وتطبيق السن، وإن لم يقدر فبوضع اليد على الفم. (مَا اسْتَطَاعَ) أي: ما أمكنه.
وفي رواية لأبي داود: ((فليمسك على فيه)). وفي حديث أبي هريرة عند البخاري:
((فليرده ما استطاع)). قال الحافظُ: أي يأخذ في أسباب رده، وليس المراد به أنه
يملك دفعه؛ لأن الذي وقع لا يرد حقيقة. وقيل: معنى ((إِذَا تَشَاءَبَ)) إذا أراد أن
يتثاءب. وجوز الكرماني أن يكون الماضي فيه بمعنى المضارع، انتهى.
وفي رواية الترمذي: ((فليضع يده على فيه)). وهذا يتناول ما إذا انفتح بالتثاؤب
فيغطي بالكف ونحوه، وما إذا كان منطبقًا حفظًا له عن الانفتاح بسبب ذلك، وفي
معنى وضع اليد على الفم وضع الثوب ونحوه ما يحصل ذلك المقصود، ويستثنى
ذلك من النهي عن وضع المصلي يده على فمه. ومما يؤمر به المتثائب في الصلاة
أن يمسك عن القراءة حتى يذهب عنه، لئلا يتغير نظم قراءته. وأسند ابن أبي شيبة
نحو ذلك عن مجاهد وعكرمة والتابعين المشهورين. (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ) أي:
في فيه. قال الحافظُ: يحتمل أن يراد به الدخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من
الإنسان مجرى الدم لكنه لا يتمكن منه ما دام ذاكر الله تعالى، والمتثائِب في تلك
الحالة غير ذاكر، فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقة، ويحتمل أن يكون أطلق
الدخول وأراد التمكن منه؛ لأن من شأن من دخل في شيء أن يكون متمكنًا منه.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في كتاب الزهد في أواخر ((صحيحه))، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود
في الأدب، والبيهقي.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٣٧
٩٩٣ - [٩] وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((إِذَا تَشَاءَبَ
أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَقُلْ: هَا؛ فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ مِن
الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ)).
{صحیح}
الشَّرْجُ
٩٩٣ - قوله: (وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ) بالإضافة. (إِذَا تَتَاءَبَ أَحَدُكُمْ) أي: أحس
بالتثاؤب. (فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ) أي: بالضم أو الوضع. (وَلَا يَقُلْ: هَا) بل يدفعه
بالفعل. و((هَا)) مقصورة من غير همز حكاية صوت المتثائب، والمعنى لا يصوت
عند التثاؤب، كما يفعله بعض من لا يضبط حاله في التثاؤب. (فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ) أي:
التثاؤب وقيل: قولكم: ((هَا)). (مِنَ الشَّيْطَانِ) أي: من حمله عليه. قال ابن بطال:
إضافة التثاؤب إلى الشيطان بمعنى إضافة الرضا والإرادة، أي: إن الشيطان يحب
أن يرى الإنسان متثائبًا؛ لأنها حالة تتغير فيها صورته فيضحك منه، لا أن المراد أن
الشيطان فعل التثاؤب. وقال ابن العربي: قد بينا أن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى
الشيطان؛ لأنه واسطته، وأن كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملك؛ لأنه واسطته.
قال: والتثاؤب من الامتلاء، وينشأ عنه التكاسل، وذلك بواسطة الشيطان.
وقال النووي: أضيف التثاؤب إلى الشيطان؛ لأنه يدعو إلى الشهوات؛ إذ يكون
عن ثقل البدن واسترخائه وامتلائه. والمراد: التحذير من السبب الذي يتولد منه
ذلك، وهو التوسع في المآكل. (يَضْحَكَ) أي: الشيطان، حقيقة أو كناية عن فرحه
وسروره بكونه أغواه بتعاطي سبب التثاؤب، وهو كثرة الأكل فطاوعه واغتوى،
والأصل الأول؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى العدول عن الحقيقة. (مِنْهُ) أي: من ذلك
القول. قال الطيبي: أي: يرضى بتلك الفعلة، والضمير في ((مِنْهُ)) راجع إلى المشار
إليه بـ((ذا)) ((وَكَمْ)) بيان لخطاب الجماعة، وليس بضمير. وقال ابن حجر: يضحك
حال، انتهى. ویمکن أن یکون استئناف بيان.
(٩٩٣) الْبُخَارِي (٤٨٨٧).
٢٣٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
iE
G تنبيه:
لم أجد حديث أبي هريرة عند البخاري باللفظ الذي ذكره المصنف، نعم روى
أبو داود عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، ولا يقل: هاه
هاه، فإنما ذلكم من الشيطان، يضحك منه)). ولفظه عند البخاري في رواية: ((وأما
التثاؤب، فإنما هو من الشيطان فليرده ما استطاع، فإذا قال: هَا ضحك منه الشيطان))،
وفي أخرى: ((فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها ضحك
الشيطان))، وفي أخرى: ((فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان)). والظاهر أن
المصنف أخذ الطرف الأول من حديث أبي سعيد عند مسلم، أي: قوله: ((إذا
تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع))، وأخذ الطرف الآخر من حديث أبي داود، أي:
قوله: ((ولا يقل هاه، فإنما ذلكم الشيطان، يضحك منه)). فجعل مجموعهما حديثًا
واحدًا من رواية أبي هريرة وعزاه للبخاري، ولا يخفى ما في هذا الصنيع. ثم رأيت
((جامع الأصول)) (ج٧: ص٣٩٨) للجزري وقد وقع فيه مثل ما في ((المشكاة))،
فلعل المصنف تبعه في ذلك. والله أعلم.
٩٩٤ - [١٠] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَ: إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ
الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ
أَرْبِطَّهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلَّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ
أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فَرَدَدْتُهُ خَاسِقًا.
[متفق عليه]
الشّرْحُ
٩٩٤ - قوله: (إِنَّ عِفْرِيتًا) بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء، أي: جنيًّا
خبيثًا منكرًا مبالغًا في المرودة، مع دهاء وخبث. فعليت من العفر بكسر فسكون،
وهو الخبث، قاله القاري. (مِنَ الْجِنِّ) بيان له. قال ابن عبد البر: الجن على
مراتب، فالأصل جني، فإن خالط الإنس، قيل: عامر، ومن تعرض منهم للصبيان
(٩٩٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٦١)، ومُسْلِم (٣٩/ ٥٤١) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِيهَا.
٢٣٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَ يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
قيل: أرواح، ومن زاد في الخبث قيل: شيطان، فإن زاد على ذلك قيل: مارد، فإن
زاد على ذلك قيل: عفريت. وقال الراغب: العفريت من الجن هو العارم الخبيث،
وإذا بولغ فيه قيل: عفريت نفريت. وقال ابن قتيبة: العفريت الموثق الخلق. وقال
الزجاج: العفريت النافذ في الأمر المبالغ فيه من خبث ودهاء. (تَفَلَّتَ) أي: عليَّ،
كما في رواية. وهو بفتحات وتشديد اللام، أي: تعرض لي فلتة، أي: بغتة في
سرعة. وقال القزاز: يعني توثب، وقيل: تخلص فجأة. قال ابن حجر: أي: من
أسر سليمان عليه الصلاة والسلام الذي خرق الله له به عادة الأنبياء والملوك، حتى
مكنه مما أراد بهم. وفي رواية: عرض لي فشد علي. فإن قلتَ: قد ثبت أن
الشيطان يفر من ظل عمر، وأنه يسلك في غير فجه، ففراره من النبي وَّ أولى،
فكيف شد عليه عليه الصلاة والسلام وأراد قطع صلاته؟
أجيب: بأنه ليس المراد حقيقة الفرار، بل بيان قوة عمر وصلابته على قهر
الشيطان، وقد وقع التصريح بأنه بَّ قهره وطرده، كما سيأتي. (الْبَارِحَةَ) هي
أقرب ليلة مضت، وفي ((المنتهى)): كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة لأدنى ليلة
زالت عنك. وانتصابها على الظرفية، والمعنى تعرض في صلاتي الليلة الماضية.
(لِيَقْطَعَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (صلَاتِي) أي: يبطلها ويفسدها، إما بمروره بين يديه؛
لأن النبي وَليّ حكم بقطع الصلاة من مرور الكلب الأسود، فقيل: ما بال الأحمر
من الأبيض من الأسود؟ فقال: ((الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ))، والجن يتصورون
بصورته، أو بإلجائه إلى العمل الكثير، بأن يصدر من العفريت أفعال يحتاج إلى
دفعها بأفعال كثيرة منافية للصلاة فيقطعها بتلك الأفعال. وقيل: المراد بالقطع قطع
وصلة المناجاة بمروره بين يديه. وقيل: المراد قطع الخشوع وكمال الصلاة.
(فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ) أي: أعطاني مكنة منه وقدرة عليه. (فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ) بكسر
الباء، أي: أشده. (عَلَى سَارِيَةٍ) أي: أسطوانة. (مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه
المسجد النبوي. وفيه: دليل على إباحة ربط الأسير في المسجد، وقد بوب
البخاري على هذا الحديث باب: الأسير أو الغريم يربط في المسجد. ومن هذا قال
المهلب: إن في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحق عليه أو دين، والتوثق
منه في المسجد أو غيره. والمراد بالربط في الصلاة: أن يربطه بوجه كان شغلاً
يسيرًا فلا تفسد به الصلاة. وقال السندي: لا يلزم منه أن أخذه وربطه غير مفسد،