النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لقوله وَالّ: ((أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا ... )) الحديث. ولا
دليل لمن حمل حديث ابن عباس على أن الجهر كان أحيانًا أو وقتًا يسيرًا لأجل
تعليم المأمومين صفة الذكر والتكبير، كما لا دليل لمن حمل حديث الجهر
بالتسمية في الصلاة، وحديث الجهر بالتأمين، على أنه كان أحيانًا للتعليم، ولا
يثبت شيء بالادعاء والتحكم، والراوي وهو ابن عباس لم يقيد رفع الصوت بوقت
دون وقت، بل أطلقه وعممه، وفيه أيضًا لفظة ((كَانَ)) وهي تشعر بالمواظبة، فدل
ذلك على أن أكثر عمل النبي وَلّ وأصحابه قد كان على رفع الصوت بالتكبير،
فالحق أن رفع الصوت بذلك أثر كل صلاة مكتوبة حسن، كما صرح به ابن حزم في
((المحلى)) (ج٤: ص٢٦٠). (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي.
٩٦٧ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهَ إِذَا سَلَّمَ لَمْ
يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا
الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ».
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْحُ
٩٦٧ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ إِذَا سَلَّمَ) أي: من الصلاة المكتوبة. (لَمْ
يَقْعُدْ) أي: في بعض الأحيان؛ فإنه قد ثبت قعوده وَلَّ بعد السلام أزيد من هذا
المقدار. وقيل: المراد لم يقعد مستقبل القبلة إلا مقدار قوله ذلك، ثم يلتفت يمنة
أويسرة، أو يستقبل المؤتمين. قال السندي: الظاهر أن المراد لم يقعد على هيئة إلا
هذا المقدار ثم ينصرف عن جهة القبلة، وإلا فقد جاء أنه كان يقعد بعد صلاة الفجر
إلى أن تطلع الشمس وغير ذلك، فلا دلالة في هذا الحديث على أن المصلي لا
يشتغل بالأوراد الواردة بعد الصلاة بل يشتغل بالسنن الرواتب، ثم يأتي بالأوراد
كما قال بعض العلماء، انتهى. وقيل: المراد لم يقعد بين الفرض والسنة إلا هذا
المقدار. قال الطيبي: إنما ذلك في صلاة بعدها راتبة، وأما التي لا راتبة بعدها
كصلاة الصبح فلا، انتهى.
(٩٦٧) مُسْلِم (١٣/ ٥٩٢) عَنْهُ فِيهِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
ESSHI NE
١٨١
(اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ) هو من أسماء الله تعالى، أي: أنت السليم من المعائب
والآفات، ومن كل نقص، وقال الأمير اليماني: المراد: ذو السلامة من كل نقص
وآفة، مصدر وصف به للمبالغة. (وَمِنْكَ السَّلَامُ) هذا بمعنى السلامة، أي: أنت
الذي تعطي السلامة وتمنعها، أو منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة، أو
منك يرجى السلام ويستوهب ويستفاد، أو السلامة من المعائب والآفات مطلوبة
منك، أو حاصلة من عندك، فالسالم من سلمته، قال الشيخ الجزري: وأما ما يزاد
بعد قوله: ((وَمِنْكَ السَّلَامُ)) من نحو: وإليك يرجع السلام فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا
دار السلام، فلا أصل له، بل مختلق من بعض القصاص. (تَبَارَكْتَ) تفاعلت من
البركة، وهي الكثرة والنماء، ومعناه: تعاظمت؛ إذ كثرت صفات جلالك
وكمالك. (يا ذا الجلال) أي: ذا العظمة. (وَالِإِكْرَام) أي: الإحسان.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٩٦٨ - [٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ رَضِفَهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ
صَلَائِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا
الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
٩٦٨ - قوله: (إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ) أي: سلم منها. قال النووي: المراد
بالانصراف السلام. (اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا) قال مسلم في ((صحيحه)) بعد رواية هذا
الحديث: قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفر
الله، أستغفر الله، انتهى. وقيل: أقله: أستغفر الله، والأكمل زيادة: العظيم،
الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيوم وأتوب إليه، والاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم
بحق عبادة مولاه؛ لما يعرض له من الوسواس والخواطر، فشرع له الاستغفار
تداركًا لذلك، وقال السندي: استغفر بَّه تحقيرًا لعمله وتعظيمًا لجناب ربه.
(٩٦٨) مُسْلِم (١٣٥/ ٥٩٢)، وَأَبُو دَاوُد (١٥١٣)، والتِّرْمِذِي (٣٠٠)، وابن مَاجَهْ (٩٢٨)، والنَّسَائِي
(٦٨/٣) عَنْهُ فِيهَا.

١٨٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وكذلك ينبغي أن يكون حال العابد، فينبغي أن يلاحظ عظمة جلال ربه وحقارة
نفسه وعمله لديه، فيزداد تضرعًا واستغفارًا كلما يزداد عملًا، وقد مدح الله عباده
[الذاريات: ١٧، ١٨].
١٨
وَبِالْأَشْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
فقال. ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَّتْلِ مَا يَهْجَعُونَ
وقال ابن سيد الناس: هو وفاء بحق المعبودية، وقيام بوظيفة الشكر كما قال: ((أفلا
أكون عبدًا شكورًا)). وليبين للمؤمنين سنه فعلًا كما بينها قولًا في الدعاء والضراعة
ليقتدي به. (وَقَالَ) أي: بعد الاستغفار، (أَنْتَ السَّلَامُ) أي: المختص بالتنزه عن
النقائص والعيوب لا غيرك. (وَمِنْكَ السَّلَامُ) أي: منك السلامة، منها لمن أردت له
ذلك لا من غيرك. (يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام) بزيادة ((يَا)) في جميع نسخ ((المشكاة))
الحاضرة عندنا. وفي ((صحيح مسلم)) ((ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام)) بحذف ((يَا)). وهذا من
عظائم صفاته تعالى لا يستعمل في غير اللَّه تعالى. (رَوَّاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا
أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٩٦٩ - [٤] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ
صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَخْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَّيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ
ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشرْحُ
٩٦٩- قوله: (كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ) أي: عقب كل صلاة
فريضة. (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) أي: منفردًا في ذاته. (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي: في أفعاله،
وصفاته، وعبادته، وقال ابن حجر: تأكيد بعد تأكيد لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد.
(لَهُ الْمُلْكُ) أي: لا لغيره. (وَلَهُ الْحَمْدُ) في الأولى والآخرة. قال الحافظ في
الفتح: زاد الطبراني من طريق أخرى، عن المغيرة ((يُحْيِى وَيُمِيتُ وَهوَ حَيٍّ لا
يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرِ ... ))، إلى ((قَدِيرٌ)). ورواته موثقون. (اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ)
أي: من قضيت له بقضاء من رزق أو غيره لا يمنعه أحد عنه. (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ)
(٩٦٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٨٤٤)، ومُسْلِم (١٣٧ / ٥٩٣) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
١٨٣
أي: من قضيت له بحر مان لا معطي له. (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) بفتح الجيم
وهو الحفظ، والغنى، والعظمة، والسلطان، وأبو الأب والأم، و((مِنْ)) في قوله:
((مِنْكَ)) بمعنى البدل، قال الشاعر [من الطويل]:
فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الظَّمْآنِ
يريد: ليت لنا بدل ماء زمزم. وقيل: ((مِنْكَ)) بمعنى عندك؛ وقيل: هو صفة الجد
أي: الكائن منك. وقيل: المضاف فيه مقدر أي: من عذابك، وسطوتك،
وقضائك، والمعنى: لا ينفع صاحب الغنى والحظ في الدنيا بالمال والولد
والعظمة والسلطان عندك، أو من عذابك، أو بدل لطفك غناه وحظه، أي: لا ينجيه
حظه منك، وإنما ينفعه وينجيه فضلك ورحمتك، أو لا ينفع ذا نسب نسبه، وإنما
ينفعه العمل الصالح. وروي ((الْجَدِّ) بكسر الجيم، والمعنى: لا ينفع صاحب الجد
والاجتهاد في العلم والعمل مجرد اجتهاده في ذلك ما لم يقارنه القبول، وذلك لا
یکون إلا بفضل الله ورحمته.
والحديث: دليل على استحباب هذا الذكر عقب الصلوات لما اشتمل عليه من
ألفاظ التوحيد، ونسبة الأمر كله إليه، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة، وظاهره أن
يقول ذلك مرة، وفي رواية للنسائي: أن النبي ◌َّ كان يقول هذا التهليل وحده أولًا
ثلاث مرات. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي.
٩٧٠ - [٥] وَعَنْ عَبْد اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا سَلَّمَ
مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلُْكُ
وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ
وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٩٧٠ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِلّهِ إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الأَعْلَى)
(٩٧٠) مُسْلِم (١٣٩ / ٥٩٤)، وَأَبُو دَاوُد (١٥٠٧)، وَالنَّسَائِي (٣/ ٧٠) عَنْهُ فِيهَا .

١٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حديث عبد الله بن الزبير هذا أخرجه مسلم من طرق، ولكن ليس في طريق منها
قوله: ((بِصَوْتِهِ الأَعْلَى)). وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي ولم تقع هذه
اللفظة عندهم أيضًا، ولفظ مسلم في طريق الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير،
عن عبد الله بن الزبير: كان رسول اللّه وَ ل يقول إذا سلم في دبر الصلاة أو
الصلوات ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ... )) إلخ. وفي طريق موسى بن عقبة عن أبي الزبير
أنه سمع عبد الله بن الزبير، وهو يقول في أثر الصلاة إذا سلم .. وكان يذكر ذلك
عن رسول اللَّه وَلّ، وأما السياق الذي ذكره المصنف تبعًا للبغوي فهو للشافعي في
كتاب ((الأم)) (ج١: ص ١١٠) قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني موسى
ابن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: كان رسول اللّه وَلّل إذا
سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ... )) إلخ. إلا
أنه ليس عنده كلمة ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) بين قوله: ((لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ))، وقوله:
((وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ))، وقوله: إِذَا سَلَّمَ فيه: أنه ينبغي أن يكون هذا الذكر تاليًا للسلام
مقدما على غيره لتقييد القول به بوقت التسليم، ولا يعارض ذلك ما تقدم من
حديث عائشة وثوبان، فإنه يحمل على أوقات مختلفة فيقول بعد السلام تارة ما
وقع في حديث عائشة وثوبان، وتارة ما وقع في حديث ابن الزبير والمغيرة، وعلى
هذا فالسنة أن يأتي بهذه الأذكار على سبيل البدل لا الجمع. وقيل: يجوز الجمع
بينها؛ لأنه يحتمل أنه ◌ّل# كان يجمع بينها وروى كل واحد ما سمعه منه وَله، ولا
يخفى بعده. والحديث: يدل على مشروعية هذا الذكر بعد الصلاة مرة لعدم ما
يدل على التكرار. (لَا حَوْلَ) أي: لا تحول عن معصية الله.
(وَلَا قُوَّةَ) على طاعة الله. (إِلَّا بِاللَّهِ) أي: بعصمته وإعانته. (وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ) إذ
لا يستحق العبادة سواه. (لَهُ النِّعْمَةُ) أي: جنسها. قال تعالى. ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ
فَمِنَ اَللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. أو له نعمة التوفيق. (وَلَهُ الْفَضْلُ) بالقبول أو التفضل على
عباده. (وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ) على ذاته وصفاته وأفعاله ونعمه وعلى كل حال.
(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي: الطاعة. (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) أي: كوننا مخلصين
دين الله، وكوننا عابدين وموحدين الله. قال الطيبي: قوله: (مُخْلِصِينَ) حال
عامله محذوف وهو الدال على مفعول ((كَرِهَ))، أي: نقول ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) حال كوننا
مخلصين ولو كره الكافرون قولنا. و((الدِّينِ)) مفعول به لمخلصين، و((لَّهُ)) ظرف

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
ExxX
١٨٥
قدم على المفعول به للاهتمام به. قال ابن حجر: وفيه تكلف، والأولى جعله حالًا
من فاعل ((نَعْبُدُ)) المذكور، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أي: أصل الحديث، وإلا فقوله: ((بِصَوْتِهِ الأَعْلَى)) ليس عند مسلم
بل هو للشافعي كما عرفت، وكان على البغوي أن يذكر هاهنا سياق مسلم لا سياق
الشافعي لما اشترط أنه يورد في الصحاح ما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وكان
على المصنف أن ينبه على تسامح البغوي في ذلك. وفي سنده عند الشافعي إبراهيم
ابن محمد شيخ الشافعي، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو
إسحاق المدني ضعيف متروك عند جمهور المحدثين، وكان الشافعي حسن الرأي
فيه، وارجع إلى ((التهذيب)) (ج١: ص١٥٨ - ١٦١) والحديث أخرجه أيضًا أحمد
(ج ٤: ص٤، ٥) وأبو داود والنسائي.
٩٧١ - [٦] وَعَنْ سَعْدٍ، أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: إِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَلَّ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن الْجُبْنِ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا
وَعَذَابِ الْقَبْرِ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
٩٧١ - قوله: (وَعَنْ سَعْدٍ) أي: ابن أبي وقاص. (أَنَّهُ كَانَ يُعَلَّمُ بَنِيهِ) أي:
أولاده، وفيه تغليب، وقد ذكر ابن سعد في الطبقات أولاد سعد، فذكر من الذكور
أربعة عشر نفسًا، والإناث سبع عشرة، وروى عنه الحديث منهم خمسة: عامر،
ومحمد، ومصعب، وعائشة، وعمر. (هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) أي: الآتية كما يعلم
المعلم الغلمان الكتابة. (دُبُرَ الصَّلَاةِ) أي: عقب الصلاة المكتوبة. فالمراد
بالصلاة عند الإطلاق المكتوبة. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِك) أي: ألتجئ إليك. (مِنَ
الْجُبْنِ) بضم الجيم وسكون الباء، وتضم، هو المهابة للأشياء، والتأخر عن فعلها،
(٩٧١) البُخَارِي (٢٨٢٢) فِي الجِهَادِ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٦٧) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي (٢٥٦/٨) فِي
الاسْتِعَاذَةِ، كُلُّهُمْ عَنْهُ.

١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والمتعوذ منه هو التأخر عن الإقدام بالنفس إلى الجهاد الواجب، والتأخر عن
الصدع بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك. (وَأَعُوذُ بِكَ
مِنَ الْبُخْلِ) بضم الباء الموحدة، وإسكان الخاء المعجمة، وبفتحهما، وبضمهما،
ويفتح الباء وإسكان الخاء ضد الكرم أي: من عدم النفع إلى الغير بالمال، أو
العلم، أو غيرهما، ولو بالنصيحة.
قال الطيبي: الجود إما بالنفس وهو الشجاعة، ويقابله الجبن، وإما بالمال وهو
السخاوة، ويقابله البخل، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفس كاملة، ولا
ينعدمان إلا من مُتَنَاهٍ في النقص.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرٍ) بضم الميم وسكونها لغتان، أي: رديئة، وهو ما
ينتقص فيه القوى الظاهرة والباطنة، فيصير كالطفل في سخف العقل، وقلة الفهم،
وضعف القوة، وفي رواية البخاري: ((وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر)). قال
العيني: أي: عن الرد، وكلمة ((أَنْ)) مصدرية، و((أَرْذَلِ الْعُمُرٍ)» هو الخرف، يعني
يعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية، ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم،
ويقال: أرذل العمر أرداه، وهو حالة الهرم والضعف عن أداء الفرائض، وعن
خدمة نفسه فيما يتنظف فيه، فيكون كَلَّا على أهله، ثقيلا بينهم يتمنون موته، فإن
لم يكن له أهل فالمصيبة أعظم.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) بأن تتزين للسالك، وتغره، وتنسيه الآخرة، ويأخذ
منها زيادة على قدر الحاجة، وقال الأمير اليماني: فتنة الدنيا هي الافتتان
بشهواتها، وزخارفها حتى تلهيه عن القيام بالواجبات التي خلق لها العبد.
(وَعَذَابِ الْقَبْرِ) أي: من موجبات عذابه، وإنما خص وَّ هذه المذكورات
بالتعوذ منها؛ لأنها من أعظم الأسباب المؤدية إلى أنواع الشرور والمعاصي، وترك
العبادات الظاهرة والباطنة، وأما طول العمر مع سلامة القوى والحواس فسعادة
عظيمة للمؤمن المطيع. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الجهاد، وفي الدعوات، وأخرجه
أيضًا الترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
eti ces
بَابُ الذكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
١٨٧
٩٧٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ
وَلَّهِ فَقَالُوا: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّنُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فَقَالَ:
(وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: يُصَلَّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومٌّ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا
نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا
تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُوِنُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ
إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((تُسَبِّحُونَ
وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبْرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً) قَالَ أَبُوِ صَالِحِ: فَرَجَعَ
فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا
فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ: ((ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
وَلَيْسَ قَوْلَ أَبِي صَالِحٍ إِلَى آخِرِهِ إِلَّ عِنْدَ مُسْلِم.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِي: ((تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدُونَ
عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا)) بَدَل: (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ))(*) .
الشّرْحُ
٩٧٢ - قوله: (إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ) فيهم أبو ذر كما عند أبي داود. (قَدْ ذَهَبَ
أَهْلُ الدُّنُورِ) بضم الدال المهملة والمثلثة، جمع دَثْر - بفتح الدال وسكون المثلثة
- أي: أهل الأموال، والدثر يجيء بمعنى المال الكثير وبمعنى الكثير من كل
شيء. (بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى) بضم العين جمع العلياء، وهي تأنيث الأعلى، والباء
للتعدية، وقال الطيبي: للمصاحبة، يعني: ذهب أهل الأموال بالدرجات العلى،
واستصحبوها معهم في الدنيا والآخرة، ومضوا بها ولم يتركوا لنا شيئًا منها، فما
حالنا يا رسول الله؟ والدرجات يحتمل أن يكون حِسِّية، والمراد: الدرجات العالية
في الجنة، أو معنوية، والمراد: علو القدر عند اللَّه تعالى. (وَالنَّعِيمِ الْمُقِيم) أي:
(٩٧٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهُ الْبُخَارِي (٦٣٢٩) فِي الدَّعَوَاتِ، مُسْلِم (٥٩٥) فِي الصَّلَاةِ.
(*) قوله: ((ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ)) عند مُسْلِمٍ (١٤٢ / ٥٩٥) عَنْهُ.

١٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وبالعيش الدائم المستحق بالصدقة. قال الطيبي: فيه تعريض بالنعيم العاجل، فإنه
على وشك الزوال. (فقال: وما ذاك؟) أي: ما سبب سؤالكم هذا؟ أو ما سبب
فوزهم وحيازهم دونكم؟ (وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) زاد في حديث أبي الدرداء عند
النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) ((ويذكرون كما نذكر)) وللبزار من حديث ابن عمر:
((وصَدَّقُوا تَصْدِيقَنَا وآمَنُوا إِيمَانَنَا)). (وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصدَّقُ، ويُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ)؛
لأنهما يتعلقان بالمال ولا مال لنا، فلهم علينا بزيادة العبادات المالية. وفي رواية
للبخاري: ((ولَهُمْ فَضْلُ أَمْوَالٍ يَحُجُونَ بِهَا، ويَعْتَمِرُونَ ويُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ)).
(أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ) قدمت الهمزة للصدارة، والتقدير: ألا أسليكم فلا أعلمكم.
(تُدْرِكُونَ بِهِ) أي: بذلك الشيء. (مَنْ سَبَقَكُمْ) أي: من أهل الأموال الذين امتازوا
بالصدقة والإعتاق عليكم، والجملة في موضع نصب، مفعول (تُدْرِكُونَ)). والمراد
بالسبق: السبق رتبة أي من حيث كثرة الأعمال بسبب المال، ورجحه الشيخ تقي
الدين على السبق زمانًا، وعلى هذا ينبغي حمل البعدية في قوله: (وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ
بَعْدَكُمْ) على البعدية رتبة أيضًا، أي: تسبقون به أمثالكم الذين لا يقولون هذه
الأذكار، فتكون البعدية معنوية، أي: بحسب الرتبة لا حسية. (وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ)
أي: من الأغنياء؛ لأن الكلام فيهم. (أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ) قيل :
الاستثناء متعلق بهذه الجملة الأخيرة فقط، وقيل: يصح جعله متعلقًا بالجمل
الثلاث كلها، على معنى يحصل لكم الأحوال الثلاث بالنظر إلى الطوائف إلا من
عمل من الطوائف الثلاث مثله. قال الطيبي: فإن قلتُ: ما معنى الأفضلية في
قوله: ((لا يكون أحد أفضل منكم)) مع قوله: ((إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ))، فإن
الأفضلية تقتضي الزيادة، والمثلية تقتضي المساواة، قلتُ: هو من باب قوله [من
الرجز لجران العدد]:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
يعني: إن قدر المثلية تقتضي الأفضلية فتحصل الأفضلية، وقد علم أنها لا
تقتضيها فإذًا لا يكون أحد أفضل منكم، هذا على مذهب التميمي. ويحتمل أن
يكون المعنى: ليس أحد أفضل منكم إلا هؤلاء فإنهم يساوونكم، وأن يكون
المعنى بأحد الأغنياء أي ليس أحد من الأغنياء أفضل منكم إلا من صنع مثل ما
صنعتم، انتهى.

١٨٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
واستشكل تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرب بالمال مع شدة المشقة فيه.
وأجيب: بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل حال، فإن ثواب
كلمة الشهادتين مع سهولتها أكثر من العبادات الشاقة. (قَالُوا بَلَى) أي: علمنا
ذلك. (قَالَ: تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ) أخبار بمعنى الأوامر، أو من قبيل
(تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)). وقد وقع في هذه الرواية تقديم التكبير على
التحميد خاصة، وفيه: أيضًا قول أبي صالح: يقول: ((الله أكبر، وسبحان الله،
والحمد لله))، ومثله لأبي داود من حديث أم الحكم، وله من حديث أبي هريرة:
(تكبر، وتحمد، وتسبح))، وكذا في حديث ابن عمر، ووقع في أكثر الأحاديث
((تسبحون، وتحمدون، وتكبرون))، وهذا الاختلاف يدل على أن لا ترتيب فيها
ويستأنس لذلك بقوله في حديث: ((الباقيات الصالحات لا يضرك بأيهن بدأت))،
لكن الترتيب الذي وقع في أكثر الأحاديث أولى.
قال الحافظُ: الأولى البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري
سبحانه وتعالى، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له؛ إذ لا يلزم من نفي
النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال نفي
أن يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدال على انفراده سبحانه وتعالى
بجميع ذلك. (دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) وفي رواية للبخاري ((خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ)). ومقتضى
الحديث: أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن
الفراغ فإن كان يسيرًا بحيث لا يعد معرضا أو كان ناسيًّا أو متشاغلا بما ورد أيضًا،
وكآية الكرسي فلا يضر، وظاهر قوله: ((كُلُّ صَلَاةٍ)) يشمل الفرض والنفل، لكن
حمله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عجرة الآتي التقييد
بالمكتوبة، وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا يكون التشاغل بعد
المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلاً بين المكتوبة والذكر، والله أعلم. (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ
مَرَّةً) يحتمل أن يكون المجموع للجميع، فإذا وزع كان لكل واحد من الثلاثة إحدى
عشرة، وهو الذي فهمه سهيل بن صالح، كما رواه مسلم، لكن لم يتابع سهيل على
ذلك، والأظهر: أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد، والأفعال الثلاثة تنازعت في
الظرف، وهو ((دُبُرَ)) وفي (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ)) وهو مفعول مطلق، والتقدير: تسبحون
دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتكبرون كذلك. وتحمدون كذلك ثم ظاهر هذه

١٩٠
SETHE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الرواية أن يقول ذلك مجموعًا، ورجحه بعضهم للإتيان فيه بواو العطف،
والمختار: أن الإفراد أولى لتميزه باحتياجه إلى العدد، وله على كل حركة لذلك
سواء كان بأصابعه أو بغيرها ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلاث. (قَالَ
أَبُو صَالِح) وهو راوي الحديث عن أبي هريرة، وهو ذكوان - بفتح المعجمة
وسكون الكاف - أبو صالح السمان الزيات المدني مولى جويرية بنت الأحمس
الغطفاني، شهد الدار زمن عثمان، ثقة ثبت، من أوساط التابعين، كان يجلب
الزيت إلى الكوفة، مات سنة (١٠١).
(فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ ... ) إلخ. قول أبي صالح هذا مدرج في حديث أبي
هريرة، قال الحافظ في ((الفتح)): هذه الزيادة مرسلة، وقد روى الحديث البزار من
حديث ابن عمر، وفيه ((فرجع الفقراء)) فذكره موصولًا لكن إسناده ضعيف، وروى
جعفر الفريابي من رواية حرام بن حكيم عن أبي ذر، وقال فيه: قال أبو ذر: يا
رسول الله إنهم قد قالوا مثل ما نقول، فقال: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)).
ونقل الخطيب أن حرام بن حكيم يرسل الرواية عن أبي ذر، فعلى هذا لم يصح بهذه
الزيادة إسناد إلا أن هذين الطريقين يقوى بهما مرسل أبي صالح، انتهى.
(سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ) بدل، وفائدة البدل إشعار بأن ذلك غبطة لا حسد.
(بِمَا فَعَلْنَا) ضمن سمع معنى الإخبار فعدي بالباء. (فَفَعَلُوا مِثْلَهُ) أي: مثل ما فعلنا،
وإطلاق الفعل على القول شائع سائغ. (ذَلِك) أي: الزائد من الثواب الذي حصل
لهم على الجود بأموالهم منضمًا إلى فعلهم ما فعله الفقراء.
(فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) قال الطيبي: إشارة إلى أن الغني الشاكر أفضل من
الفقير الصابر، نعم لا يخلوا الغني عن أنواع من الخطر، والفقير الصابر آمن،
انتهى. قلتُ: المسألة ذات خلاف مشهور بين السلف والخلف من الطوائف،
بسطه الغزالي في ((إحياء العلوم))، والحافظ في ((الفتح)) في كتاب الأطعمة، وأما ما
ورد من أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة سنة من
أيام الدنيا، ففيه: أن دخول الفقراء قبل الأغنياء لا ينافي فضل الأغنياء، وعلو
درجاتهم، وكثرة ثواب أعمالهم؛ لأن ذلك من جهة كون حساب الفقراء يسيرًا،
سهلًا سريع الانقضاء، والله أعلم. والحديث يدل على فضل الذكر عقب الصلاة،
واستدل به البخاري على فضل الدعاء عقيب الصلاة؛ لأنه في معناها، فإن الذاكر

١٩١
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
يحصل له ما يحصل للداعي إذا شغله الذكر عن الطلب كما في حديث ابن عمر:
((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))، أخرجه الطبراني
بسند لَيِّنٍ، وحديث أبي سعيد بلفظ: ((من شغله القرآن وذكري عن مسألتي ... ))
الحديث، أخرجه الترمذي وحسنه؛ ولأنها أوقات فاضلة ترجى فيها إجابة الدعاء.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ المذكور لمسلم، والمراد أنه اتفق الشيخان على أصل هذا
الحديث، وإلا فقوله: ((يتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق))، من أفراد مسلم.
والحديث أخرجه أيضًا النسائي في ((اليوم والليلة)).
(وَلَيْسَ قَوْلَ أَبِي صَالِحٍ إِلَى آخِرِهِ إِلَّا عِنْدَ مُسْلِم). الأحسن أن يقول المصنف بعد
قوله: (وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلُّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ)) متفق عليه، وزاد مسلم: قال أبو
صالح ... إلخ. (وفي رواية للبخاري) أي: في الدعوات. (تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ
صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا بَدَل: ثَلَاثًا) نصب على الحكاية.
(وَثَلَاثِينَ) قال الحافظ في ((الفتح)): وقع في رواية ورقاء عن سمي عند المصنف في
الدعوات في هذا الحديث (تسبحون عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا)). ولم
أقف في شيء من طريق حديث أبي هريرة على من تابع ورقاء على ذلك، لا عن
سمي، ولا عن غيره، ويحتمل أن يكون تأول ما تأول سهيل من التوزيع ثم ألقى
الكسر، ويعكر عليه أن السياق صريح في كونه كلام النبي ◌َّ، وقال: وأظن سبب
الوهم أنه وقع في رواية ابن عجلان (تسبحون، وتکبرون، وتحمدون دبر كل صلاة
ثلاثًا وثلاثين مرة)) فحمله بعضهم على أن العدد المذكور مقسوم على الأذكار
الثلاثة، فروى الحديث بلفظ: ((إحدى عشرة))، وألغى بعضهم الكسر فقال:
((عَشْرًا)) والله أعلم. قال: وقد وجدت لرواية العشر شواهد: منها عن علي عند
أحمد، وعن سعد بن أبي وقاص عند النسائي، وعن عبد الله بن عمرو عنده، وعند
أبي داود والترمذي، وعن أم سلمة عند البزار، وعن أم مالك الأنصارية عند
الطبراني، وجمع البغوي في ((شرح السنة)) بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون
صدر ذلك في أوقات متعددة، أولها عشرًا عشرًا، ثم إحدى عشرة، إحدى عشرة،
ثم ثلاثًا وثلاثين، ثلاثًا وثلاثين، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل التخيير، أو
يفترق بافتراق الأحوال.

١٩٢
Be
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٧٣- [٨] وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ شَةِ: ((مُعَقِّبَاتٌ
لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ
تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ تَكْبِيرَةً )).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
٩٧٣ - قوله: (مُعَقِّبَاتٌ) بضم الميم وفتح المهملة وكسر القاف المشددة،
أي: كلمات معقبات، وهو مبتدأ خبره ((ثلاث وثلاثون))، أو قوله: ((لا يخيب ... ))
إلخ. قال الجزري: سميت معقبات؛ لأنها عادت مرة بعد أخرى، أو لأنها تقال
عقيب الصلاة، والمعقب من كل شيء ما جاء عقيب ما قبله. (لَا يَخِيبُ) من
الخيبة، أي: لا يحرم من أجرهن، أي: كيفما كان ولو عن غفلة، هذا هو ظاهر هذا
اللفظ، والله تعالى أعلم. وقد ذكر بعضهم أنه لا أجر في الأذكار إذا كانت عن
غفلة سوى القراءة. (قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ) أو للشك من الراوي. (دُبُرَ كُلُّ صَلَاةٍ)
ظرف القول. (ثَلَاثٌ وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَةً) قال الطيبي: قوله: معقبات إما صفة مبتدأ
أقيمت أي في الابتدائية مقام الموصوف، أي: كلمات معقبات، و(لَا يَخِيبُ))
خبره، و(دُبُرَ)) ظرف، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون متعلقًا بقائلهن،
وإما مبتدأ و(لَا يَخِيبُ)) صفته، و(دُبُرَ)) صفة أخرى و((ثَلَاثٌ وَثَلاثُونَ)) خبر، ويحتمل
أن يكون ((ثَلَاثٌ وَثَلاثُونَ)) خبر مبتدأ محذوف، أي: هن أو هي ثلاث وثلاثون إلى
غير ذلك من الاحتمالات.
رواه مسلم وأخرجه أيضًا الترمذي في الدعوات، وحسنه، وذكر الاختلاف في
رفعه ووقفه، وأخرجه النسائي في الصلاة. قال النووي في ((شرح مسلم)): ذكر
الدار قطني هذا الحديث في استدراكاته على مسلم، وقال: الصواب أنه موقوف
على كعب؛ لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ، وهذا الذي قاله
(٩٧٣) مُسْلِم (١٤٤ / ٥٩٦)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤١٢)، وَالنَّسَائِي (٣/ ٧٥) فِي الصَّلَاةِ عَنْ كَعْبٍ بْنِ
عُجْرَةَ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
١٩٢
الدار قطني مردود؛ لأن مسلمًا رواه من طرق كلها مرفوعة، وذكره الدار قطني أيضًا
من طرق أخرى مرفوعة، وإنما روي موقوفًا من جهة منصور وشعبة، وقد اختلفوا
عليهما أيضًا في رفعه ووقفه، وبين الدار قطني ذلك، وقد قدمنا أن الحديث الذي
روي موقوفًا ومرفوعًا يحكم بأنه مرفوع على المذهب الصحيح الذي عليه
الأصوليون والفقهاء والمحققون من المحدثين، منهم البخاري، وآخرون، حتى
لو كان الواقفون أكثر من الرافعين حكم بالرفع، كيف، والأمر هنا بالعكس؟
ودليله أن هذه زيادة ثقة، فوجب قبولها، ولا ترد لنسيان أو تقصير حصل ممن
وقفه، انتهى.
٩٧٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ
فِي دُبُرٍ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا
وَثَلَائِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا
شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَّى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ،
وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٩٧٤ - قوله: (مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ) أي: قال: سبحان الله. (فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) أي:
فريضة. (وَحَمِدَ اللَّهَ) بكسر الميم المخففة، أي: قال: الحمد لله. (وَكَبَّرَ اللَّهَ)
أي: قال: الله أكبر. (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) أي: في دبر كل صلاة، وحذفه في هذا وما
قبله للعلم به من الأول. (فَتِلْكَ) أي: التسبيحات والتحميدات والتكبيرات. (تِسْعَةٌ
وَتِسْعُونَ) علم العدد جملة بعد التفصيل، ویسمی فذلكة ليحاط به من جهتين فيتأكد
قلے
العلم، إذ علمان خير من علم، فهو نظير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:
١٩٦]. بعد ذكر ثلاثة وسبعة، وليترتب عليه قوله: (وَقَالَ) أي: النبي ◌َّ. وقيل:
ذلك القائل، يعني ذكر. (تَمَامَ الْمِائَةِ) بالنصب على المفعولية، وقيل: مرفوع على
أنه مبتدأ خبره. (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) قال القاري: تفصيل الكلام في هذا المقام أن لفظ:
(٩٧٤) مُسْلِم (١٤٦ / ٥٩٧) عَنْهُ فِيهَا .

١٩٤
CHEROF
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(تَمَامَ)) إما منصوب على أنه مفعول به لـ((قال))؛ لأنه في المعنى جملة، إذ ما بعده
عطف بيان، أو بدل، أو خبر محذوف، فصح كونه مقول القول، والمراد من ((تَمَامَ
الْمِائَةِ)) ما تتم به المائة، ويجوز أن يكون نصبه بالظرفية أي: في وقت تمام المائة،
أي: عند إرادة تمامها، والعامل فيه لفظ قال. قال ابن الملك: فلفظة ((قَالَ))
للرسول و # بدل من سبح، وقال زين العرب، والأبهري: فيه ضمير يعود إلى من
سبح، أو مرفوع على أنه مبتدأ وخبره لا إله إلا الله ... إلخ. فيكون ((تمام)) مع
خبره حالًا من ضمير سبح، والعائد محذوف، أي: حال كونه تمام مائة عليها أو
عليه، فلفظة ((قَالَ)) على هذا تكون للراوي، وضميره عائد إلى الرسول وَل. قال ابن
الملك: والأول أولى، وعليهما الجزاء إنما يترتب على الشرط إذا وقع تمام المائة
التهليل المذكور، انتهى. وكون التهليل المذكور تمام المائة يخالف ما ورد في
عدة من الروايات أنه يكبر أربعًا وثلاثين، فإنه يدل على كون تمام المائة التكبير.
قال النووي: يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعًا وثلاثين، ويقول معها ((لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ وَحْدَهُ)) إلى آخره. وقال غيره: بل يجمع بأن يختم مرة بزيادة تكبيرة، ومرة بلا
إله إلا الله، على وفق ما وردت به الأحاديث.
(وَحْدَهُ) جوز الكوفية كون الحال معرفة، والبصرية أولوها بالنكرة، وقالوا:
معناه منفردًا أي: في ذاته. (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي: في أفعاله وصفاته نقلًا وعقلًا. (لَهُ
الْمُلْكُ) أي: أصناف المخلوقات له خاصة لا لغيره. (وَلَهُ الْحَمْدُ) المصدرية
الشاملة لمعنى الفاعلية والمفعولية، فهو الحامد والمحمود. (غُفِرَتْ خَطَايَاهُ) هذا
جزاء الشرط وهو ((مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ)). والمراد بالخطايا: الذنوب الصغائر. قال
القاري: ويحتمل الكبائر. (وَإِنْ كَانَتْ) أي: في الكثرة.
(مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) وهو ما يعلو على وجهه عند هيجانه وتموجه. واعلم أنه قد ورد
في كل من تلك الكلمات الثلاث روايات مختلفة. قال ابن حجر المكي: ورد
التسبيح ثلاثًا وثلاثين، وخمسًا وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرة، وثلاثًا، ومرة
واحدة. وسبعين، ومائة، وورد التحميد ثلاثًا وثلاثين، وخمسًا وعشرين، وإحدى
عشرة، وعشرة، ومائة، وورد التهليل عشرة، وخمسًا وعشرين، ومائة.
قال الحافظ الزين العراقي: وكل ذلك حسن، وما زاد فهو أحب إلى الله تعالى.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
HE
١٩٥
EXANCE
وتقدم عن البغوي أنه جمع بأنه يحتمل صدور ذلك في أوقات متعددة، وأن يكون
على سبيل التخيير، أو يفترق بافتراق الأحوال، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائي، والبيهقي في الدعوات كلهم من طريق
عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، قاله السيوطي. وأخرجه مالك في ((الموطأ)) من هذا
الطريق موقوفًا على أبي هريرة.

١٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٩٧٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَّ الدُّعَاءِ
أَسْمَعُ؟ قَالَ: ((جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشّرْجُ
٩٧٥ - قوله: (أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ) أي: أوفق إلى السماع، أو أقرب إلى
الإجابة، فإن السمع قد يجيء بمعنى الإجابة، يقال: سمع الأمير قوله، أي: أجابه
وأعطى سؤاله (جوْفَ اللَّيْلِ) روي بالرفع وهو الأكثر على أنه خبر مبتدأ محذوف،
أو مبتدأ خبره محذوف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مرفوعًا،
أي: دعاء جوف الليل أسمع، وروي بنصب ((جَوْفَ)) عل الظرفية أي في جوفه.
(الآخِرُ) صفة جوف فيتبعه في الإعراب. قيل: والجوف الآخر من الليل هو وسط
النصف الآخر من الليل - بسكون السين لا بالتحريك - (دُبُرَ الصَّلَوَاتِ
المَكْتُوبَاتِ) عطف على ((جَوْفَ)) تابع له في الأعراب. والحديث: فيه تصريح بأن
جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات من أوقات الإجابة، وسيأتي هذا
الحديث في باب التحريض على قيام الليل. (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) أي: في الدعوات من
طريق ابن جريح، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة، وقال: حديث
حسن، انتھی.
قلتُ: رجاله ثقات، إلا أن ابن جريح مدلس، وقد رواه عن عبد الرحمن
بالعنعنة، وأيضًا في سماع عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة كلام، قال الحافظ
في ((الإصابة)) (ج٣: ص١٤٨) في القسم الرابع من حرف العين: أما هو أي:
عبد الرحمن بن سابط فتابعي، كثير الإرسال، ويقال: لا يصح له سماع من
صحابي، أرسل عن النبي ◌َّ كثيرًا، وعن معاذ وعمر وعياش بن أبي ربيعة، وسعد
(٩٧٥) التِّرْمِذِي (٣٤٩٩) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى (٩٩٣٦) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
١٩٧
ابن أبي وقاص، والعباس بن عبد المطلب، وأبي ثعلبة، فيقال: إنه لم يدرك أحدًا
منهم. قال الدوري: سئل ابن معين هل سمع من سعد؟ فقال: لا. قيل: من أبي
أمامة؟ قال: لا. قيل: من جابر؟ قال: لا. قلتُ: وقد أدرك هذين، انتهى.
٩٧٦ - [١١] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ أَقْرَأَ
بِالْمُعَوِّذَاتِ فِي دُبُرٍ كُلِّ صَلَاةٍ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ (صحيح }
الشَّرْحُ
٩٧٦ - قوله: (أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَات) بكسر الواو المشددة وتفتح. (فِي دُبُرِ كُلِّ
صَلَاةٍ) أي: فريضة. والحديث في ((مسند أحمد)) (ج٤: ص١٥٥، ٢٠٤) وفي
(سنن أبي داود والنسائي)) و((المستدرك)) للحاكم (ج١: ص٢٥٣) و((الدعوات
الكبير)) للبيهقي بلفظ ((المعوذات))، وفي فضائل القرآن من ((جامع الترمذي))
و((صحيح ابن حبان)) كما في الحصن بلفظ ((المعوذتين))، فعلى الأول إما أن نذهب
إلى أن أقل الجمع اثنان، وإما أن يدخل سورة الإخلاص وحدها، أو مع الكافرين
في المعوذتين، إما تغليبًا، أو؛ لأن كلتيهما براءة من الشرك، والتجاء إلى الله
تعالى، ففيهما التبرئ عن الشرك، والتعوذ به منه. وقيل: المراد بالمعوذات:
الآيات المتضمنة للاستعاذة لفظًا أو معنى، فيدخل فيها سورة الإخلاص، وسورة
الكافرون أيضًا، فإن فيهما معنى التعوذ، وقيل: المراد الكلمات المعوذة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص ١٥٥، ٢٠١). (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري.
(وَالنَّسَائِيُّ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا الترمذي في فضائل القرآن، وقال: حسن
غريب. وابن حبان في (صحيحه)) والحاكم (ج١: ص٢٥٣) وقال: صحيح على
شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
(٩٧٦) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَبُو دَاوُد(١٥٢٣)، والنَّسَائِي (٣/ ٦٨) فِي الصَّلَاةِ، والتِّرْ مِذِي (٢٩٠٣) فِي فَضْلِ
القُرْآنِ .

١٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٧٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ تَّهِ: ((لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْم
يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقُّ
أَرْبَعَةً مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى
أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أُعْتِقُ أَرْبَعَةً)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرْخُ
٩٧٧ - قوله: (لَأَنْ أَقْعُدَ) بفتح الهمزة أي: لَقُعُودِي، واللام للابتداء، وقيل:
للقسم. (مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ) لم يقل: ذاكرًا معهم لإفادة أن ذلك لا يتوقف على
ما إذا ذكر معهَمَّ، بل الاستماع يقوم مقام الذكر، فما بالك بما إذا ذكر معهم؛
لأنهم القوم لا يشقى جليسهم، والذكر يعم الدعاء، وتلاوة القرآن، والصلاة على
النبي ◌َّ، ويلحق به ما في معناه، كدرس العلوم الشرعية. (مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) أي:
الصبح. (مِنْ أَنْ أَعْتِقَ) بضم الهمزة وكسر التاء. (أَرْبَعَةَ) أنفس. (مِنْ وَلَدٍ
إِسْمَاعِيلَ) خص بني إسماعيل لشرفهم على غيرهم من العرب، والعرب أفضل
الأمم، ولقربهم منه عليه الصلاة والسلام؛ لكونه وَلّر من أولاد إسماعيل. وفي
الحديث: أوضح دليل لما ذهب إليه الشافعي من أنه يجوز ضرب الرق على
العرب؛ إذ لو امتنع رقهم لم يقل وقال: إن هذا أحب إليه من عتقهم. وتأويل الحنفية
هذا الحديث بأن إطلاق الأرقاء والعتق عليهم على الفرض والتقدير، وبأنه يمكن
أن يسبي بالاشتباه، وأن المراد بالعتق: إنقاذهم من الشدائد والمهالك، بعيد
خلاف الظاهر، فلا يلتفت إليه.
قال التُّورْبَشْتِي: معرفة وجه التخصيص في الرقاب على الأربعة يقينًا لا يوجد
تلقينه إلا من قبل الرسول وقليل، وعلينا التسليم، عرفنا ذلك أو لم نعرف، ويحتمل
أن يكون ذلك؛ لانقسام العمل الموعود عليه على أربعة أقسام: ذكر الله تعالى
والقعود له، والاجتماع عليه، وحبس النفس من حين يصلي إلى أن تطلع الشمس.
(٩٧٧) أَبُو دَاوُد (٣٦٦٧) فِي العِلْمِ عَنْ أَنَسٍ .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
١٩٩
وقال ابن الملك: الأربعة هي القعود أي: لذكر الله، وكونه مع قوم يذكرون
الله، وكون ذلك من الغدوة أو العصر، واستمراره إلى الطلوع أو الغروب، وقيل:
خص عدد الأربعة؛ لأن فيه ذكر القعود، والذكر، والاستمرار إلى طلوع الشمس
وصلاة ركعتين أو أربع كما في رواية. (مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ) أي: من بعد صلاة
العصر. (مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً) أي: من ولد إسماعيل، فإن الحديث رواه أبو يعلى
أيضًا، وزاد في الموضعين ((أربعة من ولد إسماعيل، دية كل رجل منهم اثنا عشر
ألفًا)). والحديث دليل على أن الذكر أفضل من العتق والصدقة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في العلم وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده موسى بن خلف
العمي البصري، وقد استشهد به البخاري، وأثنى عليه غير واحد من المتقدمين،
وتكلم فيه ابن حبان البستي، انتهى. وقال الحافظ العراقي: إسناده حسن.
والحديث أخرجه أبو يعلى أيضًا. وقال في الموضعين: ((أحب إليّ من أن أعتق أربعة
من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا)). قال الهيثمي بعد ذكره: وفيه
محتسب أبو عائذ، وثقة ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات، انتهى.
٩٧٨ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ صَلَّى الفَجْرَ فِي
جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، كَانَتْ لَّهُ
كَأَجْرٍ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ)) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ: (تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشَّرْجُ
٩٧٨ - قوله: (ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ) أي: استمر في مكانه ومسجده الذي صلى
فيه مشتغلا بالذكر. (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ) قال الطيبي: أي: ثم صلى بعد أن ترتفع
الشمس قدر رمح حتى يخرج وقت الكراهة، وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق،
وهي أول الضحى، انتهى. قلتُ: وقع في حديث معاذ عند أبي داود: حتى يسبح
ركعتي الضحى، وكذا وقع في حديث أبي أمامة، وعتبة بن عبد عند الطبراني.
(٩٧٨) التِّرْ مِذِي (٥٨٦) فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ.