النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المشهورة التي فيها: (فإن تسلیمکم یبلغني أينما كنتم، وإن صلاتكم تبلغني حيثما
كنتم)) يشير بذلك وّل إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم
من قبري وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا. والأحاديث عنه بأن صلاتنا
وسلامنا تبلغه، وتعرض عليه كثيرة، انتهى. وقال الشوكاني: ليس في الحديث ما
يدل على اعتبار كون المُسَلَّمُ عليه على قبره، بل ظاهره أعم من ذلك. انتهى.
قلت: إن كان المراد بالسلام في قوله: ((ما من أحد يسلم ... )) إلخ. ما هو بمنزلة
سلام التحية الموجب للرد الذي هو حق المسلم، ولا يختص بالمؤمن، فإن
الصحيح أن المراد في الحديث السلام عليه عند قبره كما فهمه كثير من العلماء؛
لأن سلام التحية على الميت يكون عند القبر، لكن السلام المشروع عند القبر الذي
هو سلام تحية ليس من خصائصه ◌َّ، ولهذا روي أن الميت يرد السلام مطلقًا،
فقد أخرج ابن عبد البر في ((الاستذكار)) و((التمهيد)) عن ابن عباس، قال: قال
رسول الله ◌َله: ((ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه
إلا عرفه، ورد عليه السلام))، صححه أبو محمد عبد الحق، قال: وهذا نص في أنه
يعرفه بعينه، ويرد عليه السلام، وروى ابن أبي الدنيا في كتاب ((القبور)) بسنده عن
زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، قال: ((إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد عليه
السلام وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه)). وعلى هذا فالحديث يكون
مختصا بالحاضر عند قبره. وأما الغائب فلا يحصل له ذلك. وإن كان المراد
بالسلام في الحديث ما أمر الله به في القرآن، أعني: الذي يسلم الله على صاحبه
كما يصلي على من صلى عليه، والذي يختص بالمؤمن ولا يوجب الرد ولا
يستدعيه، بل هو بمنزلة دعاء المؤمن للمؤمنين واستغفاره لهم، وله فيه الأجر
والثواب من الله ليس على المدعو لهم مثل ذلك الدعاء، خلافًا لسلام التحية،
فحمله على العموم هو الظاهر بل هو المتعين؛ لأنه ليس في الحديث ما يدل على
اعتبار كون المسلم عليه حاضرًا عند قبره. ولأن السلام المأمور به في القرآن مع
الصلاة عليه بقوله: ﴿صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: الآية ٥٦] مشروع له في جميع
الأمكنة، لا يختص بمكان دون مكان، ولا مزية للسلام عليه عند قبره، كما لا مزية
للصلاة عليه عند قبره. بل قد نهى عن تخصيص قبره بهذا كما روي: ((لا تتخذوا
قبري عيدًا؛ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم)) .

١٠١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَفَضْلِهَا
والراجح عندي: أن المراد بالسلام في الحديث سلام دعاء لا سلام تحية،
فيتعين حمل الحديث على العموم، ولا يكون في ذلك فرق بين القريب والبعيد،
كما قال في ((الصارم المنكي)) ولا يكون الحديث مختصًا بالزائر للقبر، الحاضر
عنده، بل يحصل ذلك لكل مسلم قريبًا كان أو بعيدًا، وحينئذ تحصل فضيلة رد
النبي ◌ّ السلام على المسلم من غير زيارة وحضور عند قبره. قال القاري في
((شرح الشفاء)): ظاهر حديث أبي هريرة الإطلاق الشامل لكل مكان وزمان، ومن
خص الرد بوقت الزيارة فعليه البيان . انتهى. وسيأتي من حديث أبي هريرة ما يدل
على أن سلام الغائب عن قبره يبلغه ويعرض عليه، وأما الحاضر عند القبر، الزائر له
إن كانت الزيارة المعهودة ممكنة مقدورة، فهل يكون كذلك أو يسمعه وَ له بغير
واسطة؟ فقال القاري: الزائر إذا صلى وسلم عند قبره سمعه سماعًا حقيقيًّا بخلاف
من يصلي ويسلم عليه من بعيد، فإن ذلك لا يبلغه إلا بواسطة لما جاء عنه بسند
جيد: ((من صلى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلى عليَّ من بعيد أعلمته)). انتهى.
قلت: أخرج هذا الحديث أبو بكر بن أبي شيبة، والبيهقي، والعقيلي من طريق
العلاء بن عمرو الحنفي، عن محمد بن مروان السدي، عن الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَاليه: ((من صلى علي عند قبري
سمعته، ومن صلى علي نائيًا عن قبري بلغته)). قال العقيلي: لا أصل له من حديث
الأعمش، وليس بمحفوظ. انتهى.
قلت: قد تكلم ابن حبان، والأزدي في العلاء بن عمرو. فقال ابن حبان: لا
يجوز الاحتجاج به بحال، وقال الأزدي: لا يكتب عنه بحال. ومحمد بن مروان
السدي متروك الحديث، متهم بالكذب، ورواه الطبراني من طريق العلاء أيضًا،
ولفظه: ((من صلى عليٍّ من قريب سمعته، ومن صلى عليَّ من بعيد أبلغته)). وقد رواه
أبو الشيخ في كتاب ((الثواب)) بلفظ الطبراني من رواية أبي معاوية عن الأعمش،
قال من ((الصارم)): وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن مروان السدي، وهو
متروك الحديث، متهم بالكذب. وقال ابن القيم في ((جلاء الأفهام)): هذا الحديث
غريب جدًّا، وقد ظهر بهذا أن قول القاري: بسند جيد ليس بجيد، وكذا ما قال
الحافظ في ((الفتح)) في رواية أبي الشيخ أنه أخرجها بسند جيد لا يخلو عن نظر
وإشكال. هذا، وقد ورد ما يدل على عدم السماع عند القبر، وهو ما روى البيهقي

*
see*
١٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في ((الشعب)) بسند فيه محمد بن موسى الكديمي البصري، ومحمد بن مروان
السدي، والكديمي متهم بالكذب، ووضع الحديث، والسدي متهم بالكذب،
متروك الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((ما من عبد
يسلم علي عند قبري إلا وكل الله به ملكًا يبلغني)). وفي رواية: ((من صلى علي عند
قبري وكل الله به ملكًا يبلغني ... )) إلخ. واعلم أن الذين استحبوا سلام التحية في
المسجد خارج الحجرة - وهم أحمد وأبو داود، وابن حبيب، والبيهقي، وغيرهم
- قد ذهبوا إلى أن المراد بالسلام في الحديث السلام عند قبره، وأنه وَّ لا يرد على
كل مسلم عليه في صلاته في شرق الأرض وغربها، واحتجوا لما اختاروه بهذا
الحديث، واعتمدوا عليه في مسألة الزيارة، لكن في الاستدلال به على استحباب
سلام التحية في المسجد خارج الحجرة نظر.
قال محمد بن عبد الهادي المقدسي في ((الصارم المنكي)) (ص ١٠٥): إن كان
المراد السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء، فهل يدخل فيه من سلم من
خارج الحجرة؟ هذا مما تنازع فيه الناس، وقد نوزعوا في دلالته، فمن الناس من
يقول: هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن
عائشة فيسلمون على النبي ◌َّ، وكان يرد عليهم، فأولئك سلموا عليه عند قبره،
وكان يرد عليهم، وهذا قد جاء عمومًا في حق المؤمنين: ((ما من رجل يمر بقبر
الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام)»
قالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره، بل سلامهم عليه
كالسلام عليه في الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسجد وخرج، هذا هو السلام
الذي أمر الله به في حقه بقوله: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: الآية ٥٦] وهذا
السلام قد ورد أنه من سلم عليه مرة سلم الله عليه عشرًا، كما أنه من صلى عليه مرة
صلى الله عليه بها عشرًا. وقال في (ص ١٠٧): وسلام الزائر للقبر على الميت
المؤمن من باب سلام التحية، ولهذا روي أن الميت يرد السلام مطلقًا، فالصلاة
والسلام عليه ◌َّ في مسجده، وسائر المساجد، وسائر البقاع مشروع بالكتاب
والسنة والإجماع. وأما السلام عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعًا لما
كان ممكنا بدخول من يدخل على عائشة. وأما تخصيص هذا السلام والصلاة
بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع، وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيَِّ وَفَضْلِهَا
١٠٣
منهم: من ذكر استحباب السلام والصلاة عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن
يصلي في المسجد استحب أيضًا أن يأتي إلى القبر، ويصلي، ويسلم، كما ذكر
ذلك طائفة من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد.
ومنهم: من لم يذكر إلا الثاني فقط، وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع
الأول فقط، فأما النوع الأول فهو المشروع لأهل البلد، وللغرباء في هذا المسجد،
وغير هذا المسجد. وأما النوع الثاني فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلاد
والغرباء، سواء فعله مع الأول أو مجردًا عنه، كما ذكر ذلك ابن حبيب وغيره.
وقال في (ص ١٢٦): وإنما كان نزاعهم في الوقوف للدعاء له، والسلام عليه عند
الحجرة. فبعضهم رأى هذا من السلام الداخل في قوله وَلّ: ((ما من رجل يسلم
عليَّ إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام))، واستحبه لذلك. وبعضهم: لم
يستحبه إما لعدم دخوله، وإما لأن السلام المأمور به في القرآن مع الصلاة وهو
السلام الذي لا يوجب الرد أفضل من السلام الموجب للرد، فإن هذا مما دل عليه
الكتاب والسنة، واتفق عليه السلف، فإن السلام المأمور به في القرآن كالصلاة
المأمور بها في القرآن كلاهما لا يوجب عليه الرد، بل الله يصلي على من يصلي
عليه. ويسلم على من يسلم عليه، ولأن السلام الذي يوجب الرد هو حق للمسلم،
ولهذا يرد السلام على من سلم وإن كان كافرًا، وكان اليهود إذا سلموا يقول:
((عليكم))، وأمر أمته بذلك. قال: ولا يجوز أن الكفار إذا سلموا عليه سلام التحية
فإن الله يسلم عليهم عشرًا، بل كان النبي ◌َّل يجيبهم على ذلك، فيوفيهم، كما لو
كان لهم دين فقضاه، وأما ما يختص بالمؤمنين فإذا صلوا عليه صلى الله على من
صلى عليه عشرًا، وإذا سلم عليه سلم الله عليه عشرًا، وهذا الصلاة والسلام عليه
هو المشروع في كل مكان بالكتاب، والسنة، والإجماع، بل هو مأمور به من الله
وَالَ، لا فرق في هذا بين الغرباء وأهل المدينة عند القبر. وأما السلام عليه عند
القبر، فقد عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا
دخلوا المسجد، وخرجوا منه، ولو كان هذا كالسلام عليه لو كان حيًّا لكانوا
يفعلونه كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، كما لو دخلوا المسجد في حياته وهو
فيه، فإنه مشروع لهم كلما رأوه أن يسلموا عليه، فهو لما كان حيًّا كان أحدهم إذا
أتى يسلم، وإذا قام يسلم ، ومثل هذا لا يشرع عند القبر باتفاق المسلمين، وهو

١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة، ولو كان سلام التحية خارج الحجرة لكان
مستحبًّا لكل أحد، ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة،
ولا بين حال السفر وغيره، فإن استحاب هذا لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعي
يفتقر إلى دليل شرعي، ولا يمكن أحدا أن ينقل عن النبي ◌َّ أنه شرع لأهل المدينة
الإِتيان عند الوداع للقبر، وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع
للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولم يشرع ذلك لأهل
المدينة، فمثل هذه الشريعة ليس منقولًا عن النبي وَل ولا عن خلفائه، ولا هو
معروف من عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر،
وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة، فقد روى عبد الرزاق عن معمر:
ذكرت ذلك - أي: عمل ابن عمر - لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم أحدًا من
أصحاب النبي ◌ّلل فعل ذلك إلا ابن عمر، هكذا قال عبيد الله بن عمر العمري
الكبير، وهو أعلم آل عمر في زمانه، وأحفظهم، وأثبتهم.
قال الشيخ، أي ابن تيمية: كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة، والنزول والمرور
حيث حل ونزل وغير ذلك في السفر، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك،
بل أبوه عمر كان ينهى عن مثل ذلك كما روى سعيد بن منصور في ((سننه)). وقال في
(ص ١٢٩): ومما اتفق عليه الصحابة، ابن عمر وغيره من أنه لا يستحب لأهل
المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا، بل يكره ذلك، يبين
ضعف حجة من احتج بقوله: ((ما من رجل يسلم إلا رد الله علي روحي حتى أَرُدَّ عليه
السلام))، فإن هذا لو دل على استحباب السلام من المسجد لما اتفق الصحابة على
ترك ذلك، ولم يفرق بين القادم من السفر وغيره، فلما اتفقوا على ترك ذلك مع
تيسره علم أنه غير مستحب، بل لو كان جائزًا لفعله بعضهم، فدل على أنه كان من
المنهي عنه كما دلت عليه سائر الأحاديث، وعلى هذا فالجواب عن الحديث: إما
بتضعيفه على قول من يضعفه، وإما بأن ذلك يوجب فضيلة الرسول وَلَه لا فضيلة
المسلم بالرد عليه، إذ كان هذا من باب المكافأة والجزاء حتى أنه يشرع للبر
والفاجر التحية، بخلاف ما يقصد به الدعاء المجرد، وهو السلام المأمور به. وإما
بأن يقال: هذا مما هو في من سلم عليه من قريب، والقريب أن يكون في بيته، فإنه
إن لم يحد بذلك لم يبق له حد محدود من جهة الشرع. ثم بسط الوجه الثاني، ثم

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَفَضْلِهَا
١٠٥
ذكر في (ص ١٣١) كلام ابن تيمية في الرد على حجة من فرق بين الصادر من
المدينة والوارد عليها، والوارد على مسجده من الغرباء، والصادر عنه. ثم قال في
(ص ١٣٦): والمقصود أن الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الراشدين يدخلون
المسجد ويصلون فيه الصلوات الخمس، ويصلون على النبي وَّله ويسلمون عليه
عند دخول المسجد وبعد دخوله، ولم يكونوا يذهبون ويقفون إلى جانب الحجرة
ويسلمون عليه هناك، وكان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة
عن المسجد، ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار، ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في
المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا
بالمدينة، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء
المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك، وكان الذي تولى ذلك عمر بن
عبد العزيز نائب الوليد على المدينة فسدَّ باب الحجرة، وبنوا حائطًا آخر عليها غير
الحائط القديم، فصار المسلم عليه من وراء الجدار أبعد من المسلم عليه لما كان
جدارًا واحدًا. قال هؤلاء: لو كان سلام التحية الذي يرده على صاحبه مشروعًا في
المسجد لكان له حد، ذراع أو ذراعان، أو ثلاثة، فلا يعرف الفرق بين المكان
الذي يستحب فيه هذا، والمكان الذي لا يستحب فيه. فإن قيل: من سلم عليه عند
الحائط الغربي رد عليه. قيل: وكذلك من كان خارج المسجد، وإلا فما الفرق؟
وحينئذٍ يلزم أن يرد على جميع أهل الأرض، وعلى كل مصل في صلاة كما ظنه
بعض الغالطين، ومعلوم بطلان ذلك. وإن قيل: يختص بقدر بين المُسَلِّمِ وبين
الحجرة. قيل: فما حد ذلك؟ ولهم قولان: منهم من يستحب القرب من الحجرة
كما استحب ذلك مالك وغيره. ولكن يقال: فما حد ذلك القرب؟ وإذا جعل له حد
فهل يكون من خرج عن الحد فعل المستحب؟ وآخرون من المتأخرين يستحبون
التباعد عن الحجرة كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي، فهل
هو بذراع أو باع أو أكثر؟ وقدره من قدره من أصحاب أبي حنيفة بأربعة أذرع فإنهم
قالوا: يكون حين يسلم عليه مستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، ولا يدنوا
أكثر من ذلك، وهذا والله أعلم قاله المتقدمون؛ لأن المقصود به السلام المأمور
به في القرآن كالصلاة عليه، ليس المقصود به سلام التحية الذي يرد جوابه المُسَلِّمُ
عليه، فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد، ولا يستقبل به القبلة، ولا يسمع إذا كان

١٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالصوت المعتاد. وبالجملة فمن قال: إنه يسلم سلام التحية الذي يقصد به الرد
فلابد من تحديد مكان ذلك، فإن قال: إلى أن يسمع ويرد السلام، فإن حَدَّ في ذلك
ذراعًا، أو ذراعين أو عشرة أذرع، أو قال: إن ذلك في المسجد كله أو خارج
المسجد فلابد له من دليل، والأحاديث الثابتة عنه فيها أن الملائكة يبلغونه صلاة
من صلى عليه، وسلام من سلم عليه، ليس في شيء منها أنه يسمع بنفسه ذلك،
فمن زعم أنه يسمع ويرد من خارج الحجرة من مكان دون مكان فلابد له من حد،
ومعلوم أنه ليس في ذلك حد شرعي، وما أحد يحد في ذلك حدًّا إلا عورض بمن
يزيده أو ينقصه ولا فرق، وأيضًا فذلك يختلف باختلاف ارتفاع الأصوات،
وانخفاضها، والسنة للمُسَلِّمِ في السلام عليه خفض الصوت. ورفع الصوت في
مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك بخلاف المُسَلَّمِ من الحجرة، فإنه
فرق ظاهر بينه وبين المسلم عليه من المسجد، ثم السنة لمن دخل مسجده أن
يخفض صوته، فالمسلم عليه إن رفع الصوت أساء الأدب برفع الصوت في
المسجد، وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة، وهذا بخلاف السلام
الذي أمر الله به ورسوله الذي يسلم الله على صاحبه كما يصلي على من صلى
عليه، فإن هذا مشروع في كل مكان لا يختص بالقبر. وبالجملة فهذا الموضع فيه
نزاع قديم بين العلماء، وعلى كل تقدير فلم يكن عند أحد من العلماء الذين
استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب زيارة قبره يحتجون به،
فعلم أن هذه الأحاديث - يعني: التي يوردها المبتدعون من القبوريين وغيرهم
للاحتجاج الاستحباب السفر لمجرد زيارة قبره من غير قصد الصلاة في مسجده وَال
وقد بين ما فيها من الكلام في ((الصارم المنكي)) مفصلا - ليست مما يعرفه أهل
العلم، ولهذا لما تتبعت وجدت رواتها إما كذاب، أو ضعيف سيئ الحفظ، ونحو
ذلك، وهذا الحديث الذي فيه: ((ما من مسلم يسلم إلا رد الله علي روحي حتى أرد
عليه السلام)) قد احتج به أحمد وغيره من العلماء. فلو قدر أن هذا مخالف لما هو
أصح منه، وجب تقديم ذلك عليه، ولكن السلام على الميت ورده السلام على من
سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث، ولو أريد إثبات سنة رسول الله قليلة بمثل هذا
الحديث لكان هذا مختلفًا فيه؛ للنزاع في إسناده وفي دلالة متنه. وقال في (ص
١٤٥) بعد ذكر الأحاديث التي فيها تبليغ صلاة أمته وسلامهم عليه: فهذه

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَفَضْلِهَا
١٠٧
الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان فصدق بعضهًا
بعضا، وهي متفقة على أن من صلى عليه وسلم من أمته فإن ذلك يبلغه، ویعرض
عليه، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي عليه والمسلم بنفسه، إنما فيها
أن ذلك يعرض عليه ويبلغه وَ الر تسليمًا، ومعلوم أنه أراد بذلك الصلاة والسلام
الذي أمر الله به سواء صلى عليه وسلم في مسجده، أو مدينته، أو مكان آخر،
فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه، وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه،
وذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه، ولا هو السلام المأمور
به الذي يسلم الله على صاحبه عشرًا، كما يصلي على من صلى عليه عشرًا، فإن
هذا هو الذي أمر الله به في القرآن، وهو لا يختص بمكان دون مكان، وقد تقدم
حديث أبي هريرة أنه يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند قبره، لكن النزاع
في معنى كونه عند القبر هل المراد في بيته كما يراد مثل ذلك في سائر ما أخبر به من
سماع الموتى إنما هو لمن كان عند قبورهم قريبًا منها، أو يراد به من كان في
الحجرة كما قاله طائفة من السلف والخلف؟ وهل يستحب ذلك عند الحجرة لمن
قدم من سفر أو لمن أراده من أهل المدينة أو لا يستحب بحال؟ وليس الاعتماد في
سماعه ما يبلغه من صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة، فأما ذاك
الحديث، يعني: ما روي عن أبي هريرة بلفظ: ((من صلى علي عند قبري سمعته،
ومن صلى علي نائيًا بلغته)) وإن كان معناه صحيحًا، فإسناده لا يحتج به، وإنما يثبت
معناه بأحاديث أخر، فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدي الصغير
عن الأعمش، وهو عندهم موضوع على الأعمش، وهو لو كان صحيحًا فإنما فيه
أنه يبلغ صلاة من صلى نائيًا، ليس فيه أنه يسمع ذلك، فإن هذا لم يقله أحد من أهل
العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث، إنما يقوله بعض الجهال، يقولون: إنه
يوم الجمعة وليلة الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من صلى عليه، فالقول بأنه يسمع ذلك
من نفس المصلي باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة أنه یبلغ ذلك ويعرض عليه،
وكذلك تبلغه إياه الملائكة. وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من بعيد، ممتنع فإنه
إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه هو بحيث يسمع
أصوات الخلائق من البعد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات
العباد کلهم. انتهى.

١٠٨
SEPME
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
***
وقال العلامة الشيخ محمد بشير السهسواني في ((صيانة الإنسان)) (ص٢١ -
٢٤): إن زيارة قبره وَّ المعهودة في زماننا هل يرفع فيها الصوت ويجهر له بالقول
أم لا؟ والأول منهي عنه لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
· [الحجرات: الآية ٢]، وقال: في هذا الشق يلزم ثلاث محذورات، الأول: رفع
الصوت في المسجد. والثاني: رفع الصوت في مسجد رسول الله وَّل. والثالث:
رفع الصوت عند رسول الله وَّل قال: والشق الثاني أيضًا باطل، فإن السلام
المشروع عند القبر سلام تحية لا سلام دعاء. وسلام التحية لا بد فيه من أن يفعل
بحيث يسمعه المسلم عليه حتى يرده على المسلم.
قال في ((المواهب)) وشرحه للزرقاني: ويكثر من الصلاة والسلام على
رسول الله ◌َ﴾ بحضرته الشريفة حيث يسمعه ويرد عليه، بأن يقف بمكان قريب منه
ويرفع صوته إلى حد لو كان حيًّا مخاطبًا لسمعه عادة. انتهى.
وقال الزرقاني: والظاهر أن المراد بالعندية قرب القبر بحيث يصدق عليه عرفًا
أنه عنده، وبالبعد ما عداه وإن كان بالمسجد. انتهى. ولما سدت حجرة عائشة
التي هي مدفن رسول الله وَل، وبنيت على القبر حيطان مرتفعة مستديرة حوله، ثم
بني عليه جداران من ركني القبر الشماليين، تعذر الوصول إلى قرب القبر،
فالزائرون اليوم إنما يسلمون من مسافة لو سلم علي حي من تلك المسافة لما
سمعه، فكيف يسمعه النبي ◌َّه ويرده عليه ولو سلم حياته وَّل في القبر؟ فإن قيل:
إن رسول الله وَلّ بعد الممات يمكن أن يزداد قوة سمعه فيسمع من تلك المسافة.
فيقال: أي دليل على هذا من كتاب وسنة؟ ومجرد الإمكان العقلي لا يغني عن
شيء، على أنه هل لذلك تحديد أم لا؟ على الثاني يستوي المُسَلِّمُ من بعيد والمُسَلِّمُ
عند القبر، وهذا باطل عند من يقول بقربة الزيارة، فإنهم فضلوا السلام عند القبر
على السلام من بعيد كالسبكي، وابن حجر المكي. وعلى الأول فلا بد من بيانه
بدليل شرعي وأنى له ذلك؟
(إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ) هذا مشكل على من ذهب إلى أن
الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، ووجه
الإشكال فيه: أن عود الروح إلى الجسد يقتضي انفصالها عنه، وهو الموت،

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيَِّ وَفَضْلِهَا
١٠٩
وَهُوَ لا يلتئم مع كونه حيًّا دائمًا، بل رد روحه يلزمه تعدد حياته ووفاته في أقل من
ساعة؛ إذ الكون لا يخلو من أن يسلم عليه بل قد يتعدد في آن واحد كثيرًا. وقد
أجابوا عنه بأجوبة، أحدها: أن المراد بقوله: (رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي)) أن رد روحه
كانت سابقة عقب دفنه، لا أنها تعاد ثم تنزع. قال السيوطي في تأليفه الذي أفرده
للجواب عن هذا الإشكال سماه: ((انتباه الأذكياء بحياة الأنبياء)) مانصه: أن قوله:
((رَدَّ اللَّهُ رُوحِي)) جملة حالية، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا صدرت بفعل
ماض قدرت فيه ((قد)) كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أي :
قد حصرت، وكذا ها هنا يقدر ((قد)) والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من
كل أحد، و((حتى)) ليست للتعليل بل لمجرد العطف بمعنى الواو، فصار تقدير
الحدث: ما من أحد يسلم علي إلا قدٍ رد الله علي روحي قبل ذلك، وأرد عليه،
وإنما جاء الإشكال من أن جملة ((رَدَّ اللَّه عَلَيَّ رُوحِي)) بمعنى حال أو استقبال، وظن
أن ((حتى)) تعليلية ولا يصح ذلك كله، وبهذا الذي قدرناه ارتفع الإشكال من أصله،
ويؤيده من حيث المعنى أن الرد لو أخذ بمعنى حال أو استقبال للزم تكرره عند
تكرار المسلمين، وتكرر الرد يستلزم تكرر المفارقة. وتكرر المفارقة يلزم منه
محذورات، منها: تألم الجسد الشريف بتكرار خروج روحه وعوده، أو نوع ما من
مخالفة تكرير إن لم يتألم، ومنها: مخالفة سائر الناس من الشهداء وغيرهم، إذا لم
يثبت لأحدهم أنه يتكرر له مفارقة روحه وعوده بالبرزخ، وهو ◌ّ أولى بالاستمرار
الذي هو أعلى رتبة، ومنها: مخالفة القرآن إذ دل أنه ليس إلا موتتان وحياتان،
وهذا التكرار يستلزم موتات كثيرة وهو باطل. ومنها: مخالفة الأحاديث المتواترة
الدالة على حياة الأنبياء. وما خالف القرآن والسنة المتواترة وجب تأويله. انتهى.
وهذا الجواب هو أحسن الأجوبة وأقواها عند السيوطي كما صرح به في
رسالته، وقد تلقى هذا الجواب عن البيهقي وسيأتي ما فيه من الكلام. الثاني: أنه
يستغرق في أمور الملأ الأعلى، فإذا سلم عليه رجع إليه فهمه ليجيب من سلم
عليه .
قال السيوطي: لفظ الرد قد لا يدل على المفارقة، بل كنى به عن مطلق
الصيرورة، وحسنه هنا مراعاة المناسبة اللفظية بينه وبين قوله: ((حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ
السَّلَامَ)) ، فجاء لفظ الرد في صدر الحديث لمناسبة ذكره بآخره، وليس المراد

١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بردها عودها بعد مفارقة بدنها، وإنما النبي ◌َّ بالبرزخ مشغول بأحوال الملكوت،
مستغرق في مشاهدته تعالى كما هو في الدنيا بحالة الوحي، فعبر عن إفاقته من
تلك الحالة برد الروح. وقال البيهقي: ويحتمل أن يكون ردًّا معنويًّا، وأن تكون
روحه الشريفة مستغلة بشهود الحضرة الإلهية، والملأ الأعلى عن هذا العالم، فإذا
سلم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم لتدرك سلام من يسلم عليه ويرد
عليه. انتهى. وقد نظر في هذين الجوابين الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن
عبد الهادي المقدسي في ((الصارم المنكي)) (ص ١٧٩، ٢٠٣) فقال: في كل منهما
نظر؛ أما الأول فمضمونه رد روحه ◌َله بعد موته إلى جسده، واستمرارها فيه قبل
سلام من يسلم عليه، وليس هذا المعنى مذكور في الحديث، بل هو مخالف
لظاهره، فإن قوله: ((إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي)) بعد قوله: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلَّمُ عَلَيَّ))
يقتضي رد الروح بعد السلام ولا يقتضي استمرارها في الجسد، وليعلم أن رد الروح
بعد السلام للبدن وعودها إلى الجسد بعد الموت لا يقتضي استمرارها فيه، ولا
يستلزم حياة أخرى قبل يوم النشور نظير الحياة المعهودة، بل إعادة الروح إلى
الجسد في البرزخ إعادة برزخية لا تزيل عن الميت اسم الموت، وقد ثبت في
حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في عذاب القبر ونعيمه، وفي بيان الميت
وحاله، أن روحه تعاد إلى جسده مع العلم بأنها غير مستمرة فيه وأن هذه الإعادة
ليست مستلزمة لإثبات حياة مزيلة لاسم الموت، بل هي نوع حياة برزخية،
والحياة جنس تحته أنواع، وكذلك الموت، فإثبات بعض أنواع الموت لا ينافي
الحياة كما في الحديث الصحيح عن النبي وَّلّر: أنه كان إذا استيقظ من النوم قال:
((الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور))، وتعلق الروح بالبدن واتصالها
به يتنوع أنواعًا :
أحدها: تعلقها به في هذا العالم يقظة ومنامًا.
الثاني: تعلقها به في البرزخ، والأموات متفاوتون في ذلك، فالذي للرسل
والأنبياء أكمل مما للشهداء، ولهذا لا تبلى أجسادهم، والذي للشهداء أكمل مما
لغيرهم من المؤمنين الذين ليسوا بشهداء.
والثالث: تعلقها به يوم البعث الآخر. ورد الروح إلى البدن في البرزخ لا يستلزم

كِتّابُ الصَّلَاةِ
secx
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَفَضْلِهَا
الحياة المعهودة، ومن زعم استلزامه لها لزمه ارتكاب أمور باطلة مخالفة للحس،
والشرع، والعقل، وهذا المعنى المذكور في حديث أبي هريرة من رده وَّل السلام
على من يسلم عليه قد ورد نحوه في الرجل يمر بقبر أخيه، فذكر ما رواه ابن عبد
البر من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في
الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه؛ حتى يرد عليه السلام)) ثم قال: ولم يقل
أحد: إن هذا الرد يقتضي استمرار الروح في الجسد، ولا قال: إنه يستلزم حياة
نظير الحياة المعهودة، ثم ذكر آثارًا عن أبي هريرة، وعائشة بمعناه، وقال: قد
روي في هذا الباب آثار كثيرة، وفي الجملة رد الروح علي الميت في البرزخ، ورد
السلام على من يسلم عليه لا يستلزم الحياة التي يظنها بعض الغالطين، وإن كانت
نوع حياة برزخية، وقول من زعم أنها نظير الحياة المعهودة مخالف للمنقول
والمعقول، ويلزم منه مفارقة الروح للرفيق الأعلى، وحصولها تحت التراب قرنًا
بعد قرن والبدن حي، مدرك، سميع، بصير تحت أطباق التراب والحجارة،
ولوازم هذا الباطلة مما لا يخفى على العقلاء، وبهذا يعلم بطلان تأويل قوله: ((إِلَّا
رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي)) بأن معناه: إلا وقد رد الله علي روحي، وأن ذلك مستمر وأحياه
الله قبل يوم النشور، وأقره تحت التراب واللبن، فيا ليت شعري هل فارقت روحه
الكريمة الرفيق الأعلى واتخذت ببيت تحت الأرض مع البدن، أم في الحال
الواحدة هي في المكانين؟! قال: وأما الجواب الثاني: وهو أن هذا رد معنوي،
ففيه نوع من الحق، لكن صاحبه قصر فيه غاية التقصير، وهو إنما يصح ويجيء على
قول أهل السنة من الفقهاء والمحدثين وغيرهم أن الروح ذات قائمة بنفسها لها
صفات تقوم بها، وأنها تقارن البدن، وتصعد وتنزل، وتقبض، وتنعم، وتعذب،
وتدخل، وتخرج، وتذهب، وتجيء، وتسأل، وتحاسب، ويقبضها الملك،
ويعرج بها إلى السماء، ويشيعها ملائكة السموات إن كانت طيبة، وإن كانت خبيثة
طرحت طرحًا، وأنها تحس، وتدرك، وتأكل، وتشرب في البرزخ من الجنة، كما
دلت عليه السنة الصحيحة في أرواح الشهداء خصوصًا، والمؤمنين عمومًا، ومع
هذا فلها شأن آخر غير شأن البدن، فإنهما تكون في الملأ الأعلى فوق السموات،
وقد تعلقت بالبدن تعلقًا يقتضي رد السلام على من سلم، وهي في مستقرها في
عليين مع الرفيق الأعلى، وقد مر النبي ◌ُّ ليلة الإسراء على موسى قائمًا يصلي في

١١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قبره، ثم رآه في السماء السادسة، ولا ريب أن موسى لم يرفع من قبره تلك الليلة لا
هو ولا غيره من الأنبياء الذين رآهم في السموات، بل لم تزل تلك منازلهم من
السموات، وإنما رآهم النبي ◌َّ ليلة الإسراء في منازلهم التي كانوا فيها من حين
رفعهم الله سبحانه إليها، ولم تكن صلاة موسى بقبره بموجبة مفارقة روحه للسماء
السادسة وحلولها في القبر، بل هي مستقرها ولها تعلق بالبدن قوي، حتى حمله
على الصلاة، وإذا كان النائم تقوى نفسه وفعلها في حال النوم حتى تحرك البدن،
وتقيمه وتؤثر فيه، فما الظن بأرواح الأنبياء، وقد ثبت في الصحيح: ((أن أرواح
الشهداء في حواصل طير خضر، تأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها، وتسرح
فيها حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، وهذا شأنها حتى يبعثها
الله سبحانه إلى أجسادها))، ومع هذا فإذا زارهم المسلم وسلم عليهم عرفوا به
وردوا عليه السلام، بل ونسمة المؤمن كذلك مع كونها طائرًا تعلق في شجر
الجنة، ترد على صاحبها وتشعر به إذا سلم عليه المسلم، وقد قال أبو الدرداء: إذا
نام العبد عرج بروحه حتى يؤتى بها إلى العرش، فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود.
ذكره ابن مندة في كتاب ((الروح)).
قال: فهذه روح النائم متعلقة ببدنه، وهي في السماء تحت العرش، وترد إلى
البدن في أكثر وقت فروح النائم مستقرها البدن، تصعد حتى تبلغ السماء، وتری ما
هنالك، ولم تفارق البدن فراقًا كليًّا، وعكسه أرواح الأنبياء، والصديقين
والشهداء، مستقرها في عليين، وترد إلى البدن أحيانًا، ولم تفارق مستقرها، ومن
لم ينشرح صدره لفهم هذا والتصديق به فلا يبادر إلى رده وإنكاره بغير علم، فإن
للأرواح شأنًا آخر غير شأن الأبدان، ولا يلتفت إلى كثافة طبع الجهمي، وغلظ
قلبه، ورقة إيمانه، ومبادرته إلى تكذيب ما لم يحط بعلمه. انتهى. الجواب
الثالث: أن المراد بالروح الملك المؤكل بإبلاغه السلام. الرابع: أن المراد
بالروح هنا النطق من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، أي: فهو ◌َّ في البرزخ
مشغول بالمشاهدة كما كان في الدنيا إلا أنه تعالى أعطاه قوة في الدنيا على تبيلغ
الأحكام: والاشتغال بالخلق ظاهرًا مع شغل باطنه بشهود مولاه، وفي البرزخ لا
شغل له بالخلق أصلًا بل بالشهود، فلا ينطق بالكلام إلا إذا سلم عليه شخص، فيرد
عليه إكرامًا له. فنطقه وَّر موجود بالقوة؛ فلما لم يوجد بالفعل لشغله بحضرة

كِتَابُ الصَّلَاةِ
oraLax
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَفَضْلِهَا
١١٣
القدس صار كالممنوع من النطق، فلذا قال: (رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي)) أي: نطقي.
قال الخفاجي: استعارة رد الروح للنطق بعيدة وغير معروفة، وكون المراد
بالروح ((الملك)) تأباه الإضافة لضمير. إلا أنه ملك موكل كان ملازمًا له فاختص
به، على أنه أقرب الأجوبة، وقد ورد إطلاق الروح على الملك في القرآن.
الخامس: أن الأنبياء والشهداء أحياء، وحياة الأنبياء أقوى، وإذا لم يسلط عليهم
الأرض فهم كالنائمين، والنائم لا يسمع ولا ينطق حتى ينتبه كما قال تعالى: ﴿وَلَِّى
لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً﴾ الآية [الزمر: الآية ٤٢]، فالمراد بالرد الإرسال الذي في الآية،
وحينئذٍ فمعناه أنه إذا سمع الصلاة والسلام بواسطة أو بدونها تيقظ ورد، لا أن
روحه تقبض قبض الممات، ثم ينفخ وتعاد كموت الدنيا وحياتها؛ لأن روحه
مجردة نورانية، وهذا لمن زاره. ومن بعد عنه تبلغه الملائكة سلامه، ذكره
الخفاجي. وقد استشكل هذا الحديث من جهة أخرى، وهو أنه يستلزم استغراق
الزمان كله في ذلك؛ لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا
يحصى كثرة. وأجيب: بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه
بأحوال الآخرة.
قلت: هذا الجواب هو الجواب الحق الصحيح عن كل إشكال يرد على هذا
الحديث، فنؤمن بظاهر الحديث، ونصدق به، ونكل علمه إلى الله ورسوله، ولا
نقيس أمر البرزخ على ما نشاهده في الدنيا، فإن هذا من قياس الغائب على
الشاهد، وهو غاية الجهل والغباوة والظلم والضلال (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في آخر الحج
(والبيهقي في الدعوات الكبير) وأخرجه أيضًا أحمد في ((مسنده)) كلهم من طريق
أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، وقد
سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: أبو صخر حميد بن زياد قد أخرج له مسلم في
(صحيحه))، وقد أنكر عليه شيء من حديثه، وضعفه يحيى بن معين مرة، ووثقه
أخرى. انتهى.
قلت: وضعفه النسائي أيضًا لكن الظاهر توثيقه؛ لأنه وثقه أحمد وأبو حاتم
والدار قطني وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن عدي بعد أن روى عنه ثلاثة
أحاديث: وهو عندي صالح الحديث، وإنما أنكر عليه هذان الحديثان: المؤمن
يألف، وفي القدرية، وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيمًا. وبهذا ظهر تعيين ما

١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
iE
أنكر على حميد بن صخر، وليس منه هذا الحديث، ومقتضى هذا أن لا ينحط هذا
الحديث عن درجة الحسن، وقد صرح الحافظ في ((الفتح)) بأن رواته ثقات، وقال
النووي في ((الأذكار)): إسناده صحيح. وكذا قال في ((الرياض)). وقال الإمام تقي
الدين ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)): هذا الحديث على شرط مسلم.
قال المقدسي في ((الصارم)) (ص ١٦٩): وفي ذلك نظر؛ فإن ابن قسيط وإن كان
مسلم قد روى في ((صحيحه) من رواية أبي صخر عنه، لكنه لم يخرج من روايته عن
أبي هريرة شيئًا، فلو كان قد أخرج في الأصول حديثًا من رواية أبي صخر، عن ابن
قسيط، عن أبي هريرة أمكن أن يقال في هذا الحديث أنه على شرطه. واعلم أن
كثيرًا ما يروي أصحاب الصحيح حديث الرجل عن شيخ معين لخصوصيته به،
و معرفته بحديثه، وضبطه له، ولا يخرجون حديثه عن غيره؛ لكونه غير مشهور
بالرواية عنه، ولا معروف بضبط حديثه، أو لغير ذلك، فيجيء من لا تحقيق عنده
فيرى ذلك المخرج له في الصحيح قد روى حديثًا عمن خرج له في الصحيح من
غير طريق ذلك الرجل، فيقول: هذا على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري.
أو على شرط مسلم؛ لأنهما احتجا بذلك الرجل في الجملة، وهذا فيه نوع
تساهل؛ فإن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره فلا يكون
على شرطهما، ثم ذكر لذلك نظائر من ((الصحيحين)) ثم قال: وهكذا عادة مسلم
غالبًا، إذا روى لرجل قد تكلم فيه، ونسب إلى ضعف لسوء حفظه، وقلة ضبطه،
إنما يروي له في الشواهد والمتابعات، ولا يخرج له شيئًا انفرد به، ولم يتابع عليه،
فعلم أن هذا الحديث الذي تفرد به أبو صخر، عن ابن قسيط عن أبي هريرة، لا
ينبغي أن يقال: هو على شرط مسلم، وإنما هو حديث إسناده مقارب، وهو صالح
أن يكون متابعًا لغيره، وعاضدًا له، انتهى.

١١۵
كِتَابُ الصَّلَاةِ
SENT*E
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِ﴿ وَفَضْلِهَا
٩٣٢ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: (لَا تَجْعَلُوا
بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلَّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {حسن}
کُنْتُمْ)).
الشَّرْحُ
٩٣٢ - قوله: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا) أي: كالقبور في خلوها عن الصلاة
والذكر والعبادة، بل اشغلوها بذلك. قيل: المراد منه كراهة الصلاة في المقابر،
والمعنى: أعطوا البيوت حظها من الصلاة والعبادة. ولا تجعلوها كالمقابر حيث لا
يعبد ولا يصلى فيها، فأحال على المقابر لكونها معهودة معروفة بهذه الصفة حسًّا
وشرعًا. وقيل: المراد الحث على الصلاة والعبادة في البيت؛ فإن الموتى لا
يصلون في بيوتهم، وكأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم
وهي القبور، أو لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تصيروا كالموتى، وتصير هي
كالقبور، فشبه المكان الخالي عن العبادة بالقبر، والغافل عنها بالميت، ثم أطلق
القبر على المقبرة، ولا يبعد أن يكون المراد منه المعنيين كليهما، أعني: النهي عن
العبادة في المقابر، والندب إلى العبادة في البيوت.
(وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا) العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد
عائد إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع أو الشهر، ونحو ذلك. وقال ابن القيم:
العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا
كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع والانتياب للعبادة عنده
ولغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله
تعالى عيدًا للحنفاء ومثابة للناس، كما جعل أيام العيد منها عيدًا، وكان للمشركين
أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء اللَّه بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها عيد
الفطر وعيد النحر، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة
وسائر المشاعر، انتهى.
(٩٣٢) النَّسَائِي عَنْهُ فِيهَا .

١١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قيل: المراد بالعيد هاهنا أحد الأعياد. أي: لا تجعلوا زيارة قبري عيدًا،
والمعنى: لا تجتمعوا للزيارة اجتماعكم للعيد؛ فإنه يوم لهو وسرور وزينة وحال
الزيارة مخالفة لتلك الحالة.
قال المناوي: معناه النهي عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد إما لدفع
المشقة، أو كراهة أن يتجاوزوا حد التعظيم. وقيل: العيد ما يعاد إليه، أي: لا
تجعلوا قبري عيدًا تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا علي، فظاهره النهي عن
المعاودة، والمراد المنع عما يوجبه، وهو ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه.
ويؤيده قوله: (صَلَّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ) أي: لا تتكلفوا المعاودة
إلىَّ، فقد استغنيتم بالصلاة عليَّ. قال المناوي: ويؤخذ منه أن اجتماع العامة في
بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السَّنّةِ، ويقولون: هذا يوم
مولد الشيخ، ويأكلون ويشربون، وربما يرقصون فيه - منهي عنه شرعًا، وعلى
ولي الشرع ردعهم على ذلك، وإنكاره عليهم، وإبطاله. وقال الإمام ابن تيمية في
((اقتضاء الصراط المستقيم)): معنى الحديث: أي لا تعطلوا البيوت من الصلاة فيها
والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن
تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه
الأمة، ثم إنه وَله أعقب النهي عن اتخاذها عيدًا بقوله: ((وَصَلَّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ
تَبْلُغُنِي حَيْثُ مَا كُنْتُمْ))، وفي الحديث: ((فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَمَا كُنْتُمْ))، يشير
بذلك وعليه إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري
وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا. قال: وهذا أفضل التابعين من أهل
بيته علي بن الحسين رضيها نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره وَ له . واستدل
بالحديث كما سيأتي وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين، عن جده
علي، وأعلم بمعناه من غيره، فبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذه له عيدًا. وكذلك
ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه
عند غير دخول المسجد. ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا، فانظر هذه السنة كيف
﴿ّ الذين لهم مع رسول اللَّه وَل قرب
مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت
النسب والدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا أضبط، انتهى.
والحديث قد استدل به على منع السفر لزيارة قبره ◌َلر؛ لأن المقصود من زيارة

١١٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَفَضْلِهَا
قبره هو الصلاة والسلام عليه والدعاء له وَلور، وهذا يحصل من بُعد كما يحصل من
قرب. ولأن من سافر إليه وحضر مع ناس آخرين فقد اتخذه عيدًا، وهو منهي عنه
بنص الحديث، فثبت المنع من شد الرحل لأجل ذلك بإشارة النص، كما ثبت
النهي عن جعله عيدًا بدلالة النص، وهاتان الدلالتان معمول بهما عند علماء
الأصول، ووجه هذه الدلالة على المراد قوله: (تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ))، فإنه يشير إلى
البُعد، والبعيد عنه وَّ لا يحصل له القرب إلا باختيار السفر إليه، ففيه النهي عن
السفر للزيارة. قال الإمام ابن تيمية: في الحديث دليل على منع شد الرحل إلى قبره
وَله، وإلى قبر غيره من القبور والمشاهد؛ لأن ذلك من اتخاذها عيدًا، انتهى.
وهذه المسألة - أي: السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والأولياء والصلحاء - هي
التي أفتى فيها ابن تيمية، وذكر اختلاف العلماء فيها، فمن مبيح لذلك كالغزالي،
وأبي محمد المقدسي، ومن مانع لذلك كابن بطة، وابن عقيل، وأبي محمد
الجويني، والقاضي عياض، وهو قول الجمهور، نص عليه مالك، ولم يخالفه
أحد من الأئمة، وهو الصواب لحديث النهي عن شد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد،
كما في ((الصحيحين))، كذا في ((فتح المجيد شرح كتاب التوحيد)). وارجع
للتفصيل في هذه المسألة إلى ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية، و((جلاء
الأفهام)) لابن القيم، و((الصارم المنكي)) لمحمد بن عبد الهادي المقدسي،
و((أحسن الأقوال [المقال] في شرح حديث لا تشد الرحال))، و((الرد على منتهى
المقال)» للعلامة القاضي بشير الدين القنوجي [١٢٣٤هـ - ١٢٩٦هـ]. (رَوَاهُ
النَّسَائِيُّ) هذا من أوهام المصنف؛ فإن حديث أبي هريرة هذا لم يروه النسائي،
اللهم إلا أن يكون المراد روايته في ((السنن الكبرى)). والحديث رواه أبو داود في
باب زيارة القبور في آخر المناسك، وقد تفرد بروايته من بين أصحاب الكتب الستة
كما يظهر من ((ذخائر المواريث)) و((الصارم المنكي)). وأخرجه أيضا أحمد، وقد
سكت عنه أبو داود، وصححه النووي في الأذكار، وقال الإمام ابن تيمية: هذا
إسناد حسن؛ فإن رواته كلهم ثقات مشاهير. لكن عبد الله بن نافع الصائغ المدني
صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه. قال يحيى بن معين: هو ثقة. وحسبك
بابن معين موثقًا. وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: ليس
بالحافظ هو لين تعرف من حفظه وتنكر، فإن هذه العبارات منهم تنزل حديثه إلى

١١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
مرتبة الحسن، إذ لا خلاف في عدالته وفقهه، وأن الغالب عليه الضبط، لكن قد
يغلط أحيانًا، ثم هذا الحديث مما يعرف من حفظه ليس مما ينكر، لأنه سنة مدنية
هو محتاج إليها في فقهه، ومثل هذا يضبط الفقيه. وللحديث شواهد من غير
طريقه، منها: ما روي عن علي بن الحسن أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند
قبر النبي وَّ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي،
عن جدي، عن رسول اللّه وَ ل قال: ((لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، فإن
تسليمكم يبلغني أينما كنتم)). ومنها: ما روي عن الحسن بن علي بن أبي طالب،
قال: قال رسول اللَّه ◌َله: ((صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا، ولا تتخذوا بيتي
عبدًا، وصلوا عليّ وسلموا؛ فإن صلاتکم وسلامکم یبلغني أينما كنتم)). روى هذين
الحديثين من طريق أبي يعلى الموصلى الحافظ الضياء المقدسي فيما اختاره من
الأحاديث الجياد الزائدة على ((الصحيحين))، وهو أعلى مرتبة من تصحيح
الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي، ونحوهما، فإن
الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل صحيح الحاكم، فإن فيها أحاديث كثيرة، يظهر
أنها كذب موضوعة، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره.
وقال سعيد بن منصور في ((سننه)): حدثنا عبد العزيز بن محمد : أخبرني سهل بن
سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو
في بيت فاطمة يتعشى. فقال: هلم إلى العشاء، فقلتُ: لا أريده، فقال: ما لي
رأيتك عند القبر؟ فقلتُ: سلمت على النبيِ وَله. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم،
ثم قال: إن رسول اللَّه وَلّه قال: ((لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر،
وصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا
قبور أنبيائهم مساجد))، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. وقال سعيد بن منصور
أيضا بسنده: عن أبي سعيد مولى المهري، قال: قال رسول اللَّه وَلّ: ((لا تتخذوا
قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني)). قال ابن تيمية:
فهذان المرسلان - مرسل أبي سعيد مولى المهري أحد ثقات التابعين، ومرسل
الحسن بن الحسن - من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث. لا
سيما وقد احتج به من أرسله، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه
مسندة غير هذين. فكيف وقد تقدم مسندًا؟! انتهى.

١١٩
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيَِّ وَفَضْلِهَا
كِتَابُ الصَّلاةِ
٩٣٣ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلِ ذُكِرْتُ
عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلِ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَّ قَبْلَ أَنْ
يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلِ أَدْرََ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ
الْجَنَّةَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٣٣- قوله: (رَغِم) بكسر الغين وتفتح، أي: لصق بالرغام، وهو تراب
مختلط برمل، كناية عن الذل والهلاك والخزي، رغِم يرغَم ورَغَم يَرغَم رَغْمًا
ورِغمًا ورُعْمًا، وأرغم الله أنفه، أي: ألصقه بالرغام وهو التراب، هذا هو الأصل،
ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره، انتهى. وهذا إخبار
أو دعاء. (أَنْفُ رَجُلٍ) ذكر الرجل وصف طردي، فإن المرأة مثل الرجل في ذلك.
(ذُكِرْتُ عِنْدَهُ) بالبناء للمفعول.
(فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) قال الطيبي: الفاء استبعادية، وقيل: إنها للتعقيب فتقيد به ذم
التراخي عن الصلاة عليه عند ذكره وَليفر. قال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين))
(ص٢٥): في الحديث دليل على وجوب الصلاة عليه وَ ل عند ذكره؛ لأنه لا يدعو
بالذل والهوان على من ترك ذلك إلا وهو واجب عليه، انتهى.
(ثُمَّ انْسَلَخَ) أي: انقضى. قال ابن حجر: وجه الإتيان بـ(ثم)) هنا أن بين ابتداء
رمضان وانقضائه مهلة طويلة بخلاف سماع ذكره الثّ والصلاة عليه، فإنها تطلب
عقب السماع من غير مهلة، وكذا بر الوالدين؛ فإنه يتأكد عقب احتياجهما المكنى
عنه بالكبر. وقال الطيبي: (ثُمَّ)) هذه استبعادية كما في قولك لصاحبك: بئس ما
فعلت، وجدت مثل هذه الفرصة ثم لم تنتهزها. وكذلك الفاء في قوله: ((فَلَمْ يُصَلِّ
عَلَيَّ)) و(فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ)) ونظيرِ وقوع الفاء موقع (ثُمَّ)) الاستبعادية قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن ذُكِرَ بِئَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ في سورة الكهف [٥٧]، و﴿ثُمَّ أَعْرَضَ
(٩٣٣) التِّرْ مِذِي (٣٥٤٥) عَنْهُ فِي الدَّعَوَاتِ.