النص المفهرس
صفحات 81-100
٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مُحَمَّدٍ))، وبهذا يستغنى عن قول من قال: في الجواب زيادة على السؤال؛ لأن
السؤال وقع عن كيفية الصلاة عليه، فوقع الجواب عن ذلك بزيادة كيفية الصلاة
على آله، انتهى.
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: المقصود السؤال عن كيفية الصلاة عليه وَظله)
وذكر أهل البيت تبعًا واستطرادًا. وقيل: أهل البيت كناية عن ذاته وَّل، والأهل
بمعنى الآل، وقد يقال: آل فلان، ويراد به نفسه وذاته فقط. كما قيل في آل داود
ونحوه. وفي قوله: (أَهْلَ الْبَيْتِ)) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَكَتُهُ عَلَيْكُمْ
أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] والقرينة على إرادة هذا المعنى قوله الآتي: ((فإن اللَّه قد
علمنا ... )) إلخ.
(أَهْلَ الْبَيْتِ) بالنصب على المدح والاختصاص، أو على أنه منادى مضاف،
ويجوز جره لكونه عطف بيان لضمير المخاطب. (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ
عَلَيْكُمْ) يعني: في التشهد، وهو قول المصلي ((السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
وَبَرَكَاتُهُ)). والمعنى: علمنا اللَّه كيفية السلام عليك على لسانك، وبواسطة بيانك،
وفي رواية للبخاري: ((قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟)) وفي
أخرى: ((أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟)) أي: إن الله تعالى
أمرنا بالصلاة والسلام عليك بقوله: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]،
وقد عرفنا كيفية السلام عليك بما علمتنا في التحيات من أن نقول: ((السلام عليك
أيها النبي ... )) إلخ. فعلمنا كيف اللفظ الذي به نصلي عليك كما علمتنا السلام؟
فالمراد بعدم علمهم الصلاة عدم معرفة تأديتها بلفظ لائق به عليه الصلاة والسلام
ولذا وقع يلفظ: كَيْفَ التي يسأل بها عن الصفة. قال القرطبي: هذا سؤال من
أشكلت عليه كيفية ما فهم أصله، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة فسألوا عن
الصفة التي تليق بها ليستعملوها، انتهى. والحامل لهم على ذلك أن السلام لما
تقدم بلفظ مخصوص وهو: ((السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ)) فهموا
منه أن الصلاة أيضًا تقع بلفظ مخصوص، وعدلوا عن القياس لإ مكان الوقوف على
النص، ولاسيما في ألفاظ الأذكار، فإنها تجيء خارجة عن القياس غالبًا، فوقع
الأمر كما فهموا، فإنه لم يقل لهم: قولوا: الصلاة عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته، ولا قولوا: الصلاة والسلام عليك ... إلخ. بل علمهم صيغة أخرى.
٨١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*B
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيَِّ وَفَضْلِهَا
وفي حديث أبي مسعود البدري عند أحمد في ((مسنده))، وابن خزيمة في
((صحيحه))، والدارقطني في ((سننه))، وابن حبان في (صحيحه))، والحاكم في
((مستدركه))، والبيهقي في ((سننه)) أنهم قالوا: ((يارسول الله أما السلام فقد عرفناه،
فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ وفي رواية: ((كيف نصلي في
صلاتنا؟)).
قال الدارقطني: إسناده حسن متصل، وقال البيهقي: إسناده حسن، صحيح،
وصححه الحاكم أيضًا. واستدل به جماعة من الشافعية كابن خزيمة، والبيهقي
على إيجاب الصلاة على النبي وَّر في كل صلاة في القعود آخر الصلاة بين التشهد
والسلام. وتعقب: بأنه لا دلالة فيه على ذلك، بل إنما يفيد إيجاب الإتيان بهذه
الألفاظ على من صلى على النبي وقّله في التشهد. وعلى تقدير أن يدل على إيجاب
أصل الصلاة فلا يدل على هذا المحل المخصوص، ولكن قرب البيهقي ذلك بأن
الآية لما نزلت وكان النبي ◌ّ- قد علمهم كيفية السلام عليه في التشهد، والتشهد
داخل الصلاة، فسألوا عن كيفية الصلاة، فعلمهم، فدل على أن المراد بذلك إيقاع
الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدم تعليمه لهم، وأما احتمال
أن يكون ذلك خارج الصلاة فهو بعيد كما قال عياض وغيره.
(قُولُوا) قال القسطلاني: الأمر هاهنا للوجوب اتفاقًا، نعم اختلف هل يتعدد أم
لا؟ فقيل: في العمر مرة واحدة، وقيل: في كل تشهد يعقبه سلام، قاله الشافعي.
وقال الشوكاني في ((النيل)): قوله في الحديث: ((قُولُوا)) استدل بذلك على وجوب
الصلاة عليه وَّيه بعد التشهد، وإلى ذلك ذهب عمر، وابنه، وابن مسعود، وجابر
ابن زيد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو جعفر الباقر، والشافعي،
وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن المواز. واختار القاضي أبو بكر بن العربي،
وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، منهم مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه،
والثوري، والأوزاعي، وآخرون. قال: ويمكن الاعتذار عنه بأن الأمر المذكور
تعليم كيفية، وهو لا يفيد الوجوب؛ فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره: إذا
أعطيتك درهمًا فكيف أعطيك إياه أسرًّا أم جهرًا؟ فقال له: أعطنيه سرًّا، كان ذلك
أمرًا بالكيفية التي هي السرية، لا أمرًا بالإعطاء. وتبادر هذا المعنى لغة وشرعًا
وعرفًا لا يدفع، وقد تكرر في السنة وكثر، فمنه: ((إذا قام أحدكم الليل فليفتتح
SOME
٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
se
الصلاة بركعتين خفيفتين)) الحديث. وقد أطال الكلام على دلائل القائلين بوجوب
الصلاة عليه وَّه في القعود آخر الصلاة، والاعتذار عنها. ومال إلى عدم وجوبها
في الصلاة. والأحوط عندي: هو وجوبها لما تقدم من تقرير البيهقي في الاحتجاج
لذلك، ولما سيأتي. وقد ألزم العراقي من قال من الحنفية بوجوب الصلاة عليه
كلما ذكر - كالطحاوي، ونقله السروجي في ((شرح الهداية)) عن أصحاب:
(المحيط))، و((العقد))، و((التحفة))، و((المغيث)) من كتبهم - أن يقولوا بوجوبها في
التشهد؛ لتقدم ذكره في آخرِ التشهد، لكن لهم أن يلتزموا ذلك، لكن لا يجعلونه
شرطًا في صحة الصلاة. (اللَّهُمَّ) هذه كلمة كثر استعمالها في الدعاء، وهو بمعنى
يا الله، والميم عوض عن حرف النداء، ولا يدخلها حرف النداء إلا في نادر، كقول
الراجز :
أَقُولُ: يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا
إِنِّي إِذَا مَاتَ حَادِثٌ أَلَمَّا
واختص هذا الاسم بقطع الهمزة عند النداء ووجوب تفخيم لامه، وبدخول
حرف النداء عليه مع التعريف، وبالباء في القسم، وذهب الفراء ومن تبعه من
الكوفيين إلى أن أصله يا الله، وحذف حرف النداء تخفيفًا، والميم مأخوذة من
جملة محذوفة مثل أمنا بخير، وقيل: بل زائدة كما ((زرقم)) للشديد الزرقة،
وزيدت في الاسم العظيم تفخيمًا، وقيل: غير ذلك (صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ) قال الجزري
في ((النهاية)) معناه: عَظِّمْهُ في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته،
وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته. وقيل: المعنى: لما أمر
الله سبحانه بالصلاة عليه ولم نبلغ قدر الواجب من ذلك أحلناه على الله، وقلنا:
اللهم صل أنت على محمد؛ لأنك أعلم بما يليق به. وهذا الدعاء قد اختلف هل
يجوز إطلاقه على غير النبي ◌َّ أم لا؟ والصحيح أنه خاص به فلا يقال لغيره. وقال
الخطابي: الصلاة التي بمعنى التكريم والتعظيم لا تقال لغيره، والتي بمعنى الدعاء
والتبرك تقال لغيره، ومنه الحديث: ((اللهم صلى على آل أبي أوفى))، أي: ترحم
وبرك. وقيل فيه: إن هذا خاص له لكنه هو آثر به غيره، وأما سواه فلا يجوز له أن
يخص به أحدًا، انتهى كلام الجزري. وارجع للتفصيل إلى ((الفتح))، و((العمدة))،
و((زاد المعاد))، و((القول البديع)). قال الحليمي: المقصود بالصلاة على النبي وَل
التقرب إلى الله بامتثال أمره، وقضاء حق النبي ◌َّ علينا، وتبعه ابن عبد السلام
٨٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَفَضْلِهَا
فقال: ليست صلاتنا على النبي وَّ شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله
لما أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا اللَّهُ لَمَّا
علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه. وقال ابن العربي: فائدة الصلاة عليه
ترجع إلى الذي يصلي عليه؛ لدلالة ذلك على نصوع العقيدة، وخلوص النية،
وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة، والاحترام للواسطة الكريمة واعليه.
واختلف في زيادة لفظ السيادة قبل محمد؛ فجعله ابن عبد السلام من باب سلوك
الأدب، ومال الشوكاني في ((النيل)) إلى أولويته. وقال الأسنوي: قد اشتهر زيادة
((سَيِّدَنَا)) قبل ((مُحَمَّدٍ)) عند أكثر المصلين وفي كون ذلك أفضل نظر، انتهى. قلتُ:
أما في الصلاة فالظاهر هو تركه وعدم زيادته امتثال للأمر، واتباعًا للَّفظ المأثور،
وأما في غير الصلاة فلا بأس بزيادته. قال السيوطي في ((الدر المنثور)): أخرج
عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن ماجه وابن مردوية عن ابن مسعود، قال: إذا
صليتم على النبي وَله فأحسنوا الصلاة، قالوا: فَعَلَّمْنَا. قال: قولوا: اللهم
اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام
المتقين ... الحديث. قال السخاوي: إن كثيرًا من الناس يقولون: اللهم صل
على سيدنا محمد، وأتى في ذلك بحثًا: أما في الصلاة فالظاهر أنه لا يقال اتباعًا
لللفظ المأثور، وأما في غير الصلاة فقد أنكر وه ليل على مخاطبه بذلك كما في
الحديث المشهور، وإنكاره يحتمل تواضعًا، أو كراهة منه أن يحمد مشافهة، أو
لأن ذلك كان من تحية الجاهلية، أو لمبالغتهم في المدح، وقد صح قوله وَ له: ((أنا
سيد ولد آدم))، وقوله للحسن: ((إن ابني هذا سيد))، وقوله لسعد: ((قوموا إلى
سيدكم)). وورد قول سهل بن حنيف للنبي وَّ: يا سيدي، في حديث عند النسائي،
وقول ابن مسعود: اللهم صل على سيد المرسلين. وفي كل هذا دلالة واضحة على
جواز ذلك، والمانع يحتاج إلى دليل سوى ما تقدم؛ لأنه لا ينهض دليلاً مع
الاحتمالات المتقدمة، انتهى. (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) قد اختلف في المراد بالآل في
هذا الحديث، فقيل: الراجح أنهم من حرمت عليهم الزكاة، فإنه بذلك فسرهم
زيد بن أرقم، والصحابي أعرف بمراده وَله، فتفسيره قرينة على تعين المراد من
اللفظ المشترك، وقد فسرهم بآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس.
وقيل: المراد بآل محمد: أزواجه وذريته؛ لأن أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ :
٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ass
((وَآلٍ مُحَمَّدٍ)، وجاء في حديث أبي حميد التالي موضعه: ((وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ)) فدل
على أن المراد بالآل الأزواج والذرية. وتعقب: بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في
حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثالث، فيحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم
يحفظ غيره، فالمراد بالآل في التشهد الأزواج، ومن حرمت عليهم الصدقة.
وتدخل فيهم الذرية، فبذلك يجمع بين الأحاديث. وقد أطلق على أزواجه وَل آل
محمد كما في حديث عائشة: ماشبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثًا، وفي حديث
أبي هريرة: ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا))، وكأن الأزواج أفردوا بالذكر تنويهًا
بهم وكذا الذرية. وقيل: المراد بالآل جميع أمة الإجابة. قال ابن العربي: مال
إلى ذلك مالك. وقال النووي في ((شرح مسلم)): هو أظهر الأقوال، قال: وهو
اختيار الأزهري وغيره من المحققين، انتهى. وقيده القاضي حسين والراغب
بالأتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا
اٌلْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. وقوله ◌َّ: ((إن أوليائي منكم المتقون))، وإلى حمله على أمة
الإجابة ذهب نشوان الحميري إمام اللغة، ومن شعره في ذلك:
مِنَ الأَعَاجِم وَالسُّودَانِ وَالْعَرَبِ
آلُ النَّبِيِّ هُمُ أَتْبَاعُ مِلَّتِهِ
صَلَّى الْمُصَلِّي عَلَى الطَّاغِي أَبِي لَهَبِ
لَوْ لَمْ يَكُنْ أَلُهُ إِلَّا قَرَابَتَهُ
ويدل على ذلك أيضًا قول عبد المطلب من أبيات:
وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آَلَكَ
وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيبِ
والمراد بآل الصليب أتباعه. ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ لأن المراد بآله أتباعه، وقد احتج لهذا القول
بحديث أنس رفعه: ((آل محمد كل تقي)). أخرجه الطبراني، ولكن سنده واه جدًّا.
وأخرج البيهقي عن جابر نحوه من قوله بسند ضعيف، ويؤيد ذلك معنى الآل لغة .
قال في ((القاموس)): الآل: أهل الرجل وأتباعه، وأولياؤه، ولا يستعمل إلا فيما فيه
شرف غالبًا، فلا يقال: آل الإسكاف، كما يقال أهله، انتهى. وفي تفسيره أقوال
أخرى كلها مرجوحة ضعيفة، فلا حاجة إلى ذكرها، ولولا ضعف حديث أنس
وكون سنده واهيًا جدًّا لتعين تفسير آل محمد في التشهد بأتقياء أمته، ثم لعل وجه
إظهار محمد في قوله: ((وَآلِ مُحَمَّدٍ)) مع تقدم ذكره: هو أن استحقاق الآل بالاتباع
٨٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَفَضْلِهَا
لمحمد، فالتنصيص على اسمه آكد في الدلالة على استحقاقهم، والله تعالى
أعلم. (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) ذكر في وجه تخصيصه من بين الأنبياء وجوه،
أظهرها كونه جد النبي ◌َّر، وقد أمرنا بمتابعته في أصول الدين أو في التوحيد
المطلق والانقياد المحقق، قاله القاري. (وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِیمَ) هم ذریته من إسماعيل
وإسحاق كما جزم به جماعة من الشراح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير
سارة وهاجر، فهم داخلون لا محالة. ثم إن المراد المسلمون منهم بل المتقون،
فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم. وفيه ما
تقدم في آل محمد، قاله الحافظ. وقال الباجي: ((وَآلِ إِبْرَاهِيمَ)) أتباعه، وهذا
يحتمل أن يريد به أتباعه من ذريته، ويحتمل أن يريد أتباعه مِن كل مَن اتبعه، أي :
من غير تخصيص بذريته، قال: والأظهر عندي أن الآل الأتباع والعشيرة.
واستشكل هذا التشبيه؛ لأن المقرر كون المشبه دون المشبه به، والواقع هاهنا
عكسه؛ لأن محمدًا وَّ وحده أفضل من إبراهيم وآله. وأجيب عن ذلك بأجوبة:
منها: أن التشبيه إنما هو الأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر، فهو كقوله
كُتِبَ عَلَيْكُمُ
﴾ [النساء: ١٦٣] وقوله :
تعالى: ﴿إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾
﴾ [البقرة: ١٨٣] وهو كقول القائل: أحسن إلى
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾
ولدك كما أحسنت إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره. ومنه قوله
تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: ٧٧] ورجح هذا الجواب القرطبي
في ((المفهم)). ومنها: أن الكاف للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ
رَسُولًا مِّنكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١] وفي قوله: ﴿وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
ومنها: أن قوله: اللهم صل على محمد، مقطوع عن التشبيه فيكون التشبيه متعلقًا
بقوله: ((وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ)). يعني أنه تم الكلام بقوله: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ)) ثم
استأنف: ((وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ)) أي: وصل على آل محمد كما صليت على إبراهيم
وعلى آل إبراهيم، والمسئول له مثل إبراهيم وآله، هم آل محمد وٍَّ لا لنفسه.
وفيه: أن هذا الجواب وإن نقله أبو حامد عن نص الشافعي، لكنه خلاف الظاهر.
وتعقب أيضًا بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف تطلب لهم صلاة
مثل الصلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله؟ ويمكن الجواب عن ذلك: بأن
المطلوب الثواب الحاصل لهم لا جميع الصفات التي كانت سببًا للثواب.
٨٦
GODEN
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنها: أن المسئول مقابلة الجملة بالجملة، ويدخل في ((آلِ إِبْرَاهِيمَ)) خلائق لا
يحصون من الأنبياء، ولا يدخل في ((آلِ مُحَمَّدٍ)) نبي، وطلب إلحاق هذه الجملة
التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء.
ومنها: أن التشبيه لمحمد وآل محمد من صلاة كل فرد فرد، فيحصل من
مجموع صلاة المصلين من أول التعليم إلى آخر الزمان أضعاف ما كان لآل
إبراهيم .
وعبر ابن العربي عن هذا بقوله: المراد دوام ذلك واستمراره. ومنها: دفع
المقدمة المذكورة أولًا وهي أن المشبه به يكون أرفع من المشبه، وأن ذلك ليس
بمطرد، بل قد يكون التشبيه بالمثل بل وبالدون كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِء
كَمِشْكَوْقٍ﴾ [النور: ٣٥]. وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لما كان المراد
من المشبه به أن يكون شيئًا ظاهرًا واضحًا للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة،
وكذا هاهنا لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهورًا واضحًا عند
جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما حصل
لإبراهيم وآل إبراهيم، ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله: ((فِي الْعَالَمِينَ)»،
أي: كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، ولذا لم يقع
قوله: ((فِي الْعَالَمِينَ)) إلا في ذكر آل إبراهيم، دون ذكر آل محمد على ما وقع في
الحديث الذي ورد فيه، وهو حديث أبي مسعود عند مالك ومسلم وغيرهما. وعبر
الطيبي عن ذلك بقوله: ليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل
من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر.
ومنها: ما قال السندي: أما تشبيه صلاته وَله بصلاة إبراهيم فلعله بالنظر إلى ما
يفيده واو العطف من الجمع والمشاركة، وعموم الصلاة المطلوبة له ولأهل
بيته ويليه، أي: شارك أهل بيته معه في الصلاة، واجعل الصلاة عليه عامة له ولأهل
بيته كما صليت على إبراهيم كذلك، فكأنه وَّليه لما رأى أن الصلاة عليه من اللّه
تعالى ثابتة على الدوام - كما هو مفاد صيغة المضارع المفيد للاستمرار التجددي
في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَئِكَتَّهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فدعاء المؤمنين بمجرد
الصلاة عليه قليل الجدوى - بين لهم أن يدعوا له بعموم صلاته له ولأهل بيته؛
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيَِّ وَفَضْلِهَا
٨٧
ليكون دعاؤهم مستجلبًا لفائدة جديدة، وهذا هو الموافق لما ذكره علماء المعاني
في القيود: أن محط الفائدة في الكلام هو القيد الزائد، وكأنه لهذا خص إبراهيم؛
لأنه كان معلومًا بعموم الصلاة له ولأهل بيته على لسان الملائكة، ولذا ختم بقوله:
((إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ))، كما ختمت الملائكة صلاتهم على أهل بيت إبراهيم بذلك.
ومنها: ما قال بعض المحققين، وجه الشبه: هو كون كل من الصلاتين أفضل
وأولى وأتم من صلاة من قبله، أي: كما صليت على إبراهيم صلاة هي أتم وأفضل
من صلاة من قبله، كذلك صل على محمد صلاة هي أفضل وأتم من صلاة من
قبله. قال السندي بعد ذكره: ويمكن أن تجعل وجه الشبه مجموع الأمرين من
العموم والأفضلية. (إِنَّكَ حَمِيدٌ) فعيل من الحمد بمعنى: محمود وأبلغ منه، وهو
من حصل له من صفات الحمد أكملها. وقيل: هو بمعنى الحامد أي: إنك حامد
من يستحق أن يحمد من عبادك، وقيل: هو بمعنى المستحق لجميع المحامد؛ لما
في الصيغة من المبالغة.
(مَجِيدٌ) مبالغة ماجد من المجد وهو الشرف، والمجيد صفة من كمل في
الشرف، وهذا تذييل الكلام السابق وتقرير له على سبيل العموم، أي: إنك حميد،
فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المتكاثرة والآلاء المتعاقبة المتوالية، مجيد،
كريم الإحسان إلى جميع عبادك الصالحين، ومن محامدك وإحسانك أن توجه
صلواتك، وبركاتك، وترحمك على حبيبك نبي الرحمة وآله، أو إنك حامد من
يستحق أن يحمد، ومحمد من أحق عبادك بحمدك، وقبول دعاء من يدعو له ولآله .
(اللَّهُمَّ بَارِْ عَلَى مُحَمَّدٍ) أي: أثبت له وأدم له ما أعطيته من الشرف والكرامة، وزده
من الكمالات ما يليق بك وبه. قال الحافظُ: المراد بالبركة هنا: الزيادة من الخير
والكرامة. وقيل: المراد: التطهير من الذنوب والتزكية.
وقيل: المراد: إثبات ذلك واستمراره من قوله: بركت الإبل، أي: ثبتت على
الأرض، وبه سميت بركة ماء - بكسر أوله وسكون الثانية - لإقامة الماء فيها .
والحاصل: أن المطلوب أن يُعطوا من الخير أوفاه وأن يثبت ذلك ويستمر
دائمًا، انتهى.
قال القاري: وهذا زيادة على أصل السؤال ووقع تتميمًا للكمال. واستدل بهذا
٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث على تعين هذا اللفظ الذي علمه النبي وَليه لأصحابه في امتثال الأمر، سواء
قلنا بالوجوب مطلقًا أو مقيدًا بالصلاة، وأما تعينه في الصلاة، فعن أحمد في
رواية، والأصح عند أتباعه: لا تجب. واختلف في الأفضل، فعن أحمد أكمل ما
ورد وعنه يتخير، وأما الشافعية فقالوا: يكفي أن يقول: اللهم صل على محمد،
واختلفوا هل يكفي الإتيان بما يدل على ذلك؛ كأن يقوله بلفظ الخبر فيقول: ((صلى
الله على محمد)) مثلاً؟ والأصح إجزاؤه، وذلك أن الدعاء بلفظ الخبر آكد فيكون
جائزًا بطريق الأولى. ومن منع وقف عند التعبد، وهو الذي رجحه ابن العربي، بل
كلامه يدل على أن الثواب الوارد لمن صلى على النبي وَّ إنما يحصل لمن صلى
عليه بالكيفية المذكورة.
قال الحافظ في ((الفتح)): واتفق أصحابنا على أنه لا يجزئ أن يقتصر على الخبر
كأن يقول: الصلاة على محمد؛ إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله تعالى، واختلفوا
في تعين لفظ محمد، لكن جوزوا الاكتفاء بالوصف دون الاسم، كالنبي، ورسول
الله؛ لأن لفظ: مُحَمَّدُ وقع التعبد به، فلا يجزئ عنه إلا ما كان أعلى منه. وذهب
الجمهور إلى الاجتزاء بكل لفظ أدى المراد بالصلاة عليه وَّلة، وعمدتهم في ذلك
أن الوجوب ثبت بنص القرآن بقوله تعالى: ﴿صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:
٥٦]. فلما سأل الصحابة عن الكيفية وعلمها لهم النبي ◌ُّ، واختلف النقل لتلك
الألفاظ اقتصر على ما اتفقت عليه الروايات، وترك ما زاد على ذلك كما في
التشهد؛ إذ لو كان المتروك واجبًا لما سكت عنه.
وقد استشكل ذلك ابن الفركاح في ((الإقليد)) فقال: جعلهم هذا هو الأقل يحتاج
إلى دليل على الاكتفاء بمسمى الصلاة، فإن الأحاديث الصحيحة ليس فيها
الاقتصار، والأحاديث التي فيها الأمر بمطلق الصلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب
من ذلك في الصلاة، وأقل ما وقع في الروايات: اللهم صل على محمد كما
صليت على إبراهيم، ومن ثم حكى الفوراني عن صاحب ((الفروع)) في إيجاب ذكر
إبراهيم وجهين، واحتج لمن لم يوجبه بأنه ورد بدون ذكره في حديث زيد بن
خارجة عند النسائي بسند قوي، ولفظه: ((صلوا عليَّ، وقولوا: اللهم صل على
محمد وآل محمد))، وفيه نظر؛ لأنه من اختصار بعض الرواة، فإن النسائي أخرجه
من هذا الوجه بتمامه، وكذا الطحاوي. واختلف في إيجاب الصلاة على الآل،
٨٩
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌ِ﴿ وَفَضْلِهَا
ففي تعيينها أيضًا عند الشافعية والحنابلة روايتان، والمشهور عندهم لا، وهو قول
الجمهور، وادعى كثير منهم فيه الإجماع. ونقل البيهقي في ((الشعب)) عن أبي
إسحاق المروزي، وهو من كبار الشافعية، قال: أنا أعتقد وجوبها. قال البيهقي:
وفي الأحاديث الثابتة دلالة على صحة ما قال، انتهى كلام الحافظ .
وقال الأمير اليماني في شرح حديث أبي مسعود البدري عند مالك وأحمد
ومسلم وغيرهم: الحديث يقتضي أيضًا وجوب الصلاة على الآل، ولا عذر لمن
قال بوجوب الصلاة عليه وَالي مستدلا بهذا الحديث من القول بوجوبها على الآل؛
إذ المأمور به واحد، ودعوى النووي وغيره الإجماع على أن الصلاة على الآل
مندوبة غير مسلمة، بل نقول: الصلاة عليه وَّةٍ لا تتم، ولا يكون العبد ممتثلًا بها،
حتى يأتي بهذا اللفظ النبوي الذي فيه ذكر الآل؛ لأنه قال السائل: كيف نصلي
عليك؟ فأجابه بالكيفية أنها الصلاة عليه وعلى آله، فمن لم يأت بالآل فما صلى
بالكيفية التي أمر بها، فلا يكون ممتثلاً للأمر، فلا يكون مصليًا عليه ◌ِّهِ، وكذلك
بقية الحديث من قوله: كما صليت ... إلى آخره يجب، إذهو من الكيفية المأمور
بها، ومن فرق بین ألفاظ هذه الکیفیة بإیجاب بعضها وندب بعضها فلا دلیل له على
ذلك، انتھی.
وقال الشوكاني في (تحفة الذاكرين)) بعد ذكر حديث أبي مسعود البدري: فيه
تقييد الصلاة عليه وق له بالصلاة فيفيد ذلك أن هذه الألفاظ المروية مختصة بالصلاة،
وأما خارج الصلاة فيحصل الامتثال بما يفيده قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فإذا قال القائل: اللهم صل وسلم
على محمد، فقد امتثل الأمر القرآني، وقد جاءت أحاديث في تعليمه وَّة لصفة
الصلاة عليه، فيجزئ المصلي أن يأتي بواحد منها إذا كان صحيحًا كما قلناه في
التشهد والتوجه، ولكنه ينبغي أن يأتي بما هو أعلى صحة وأقوى سندًا، كحديث
كعب وأبي مسعود، ومثل ذلك حديث أبي حميد الساعدي - يعني: الذي يأتي -
ومثل ذلك حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري والنسائي وابن ماجه، انتهى.
قال الحافظُ: واستدل بالحديث على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره، وكذا
العكس؛ لأن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة كما تقدم، فأفرد التسليم مدة
٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في التشهد قبل الصلاة عليه، وقد صرح النووي بالكراهة، واستدل بورود الأمر
بهما معًا في الآية. وفيه نظر، نعم يكره أن يفرد الصلاة، ولا يسلم أصلًا. وأما لو
صلى في وقت، وسلم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلاً، انتهى .
قال القاري في ((شرح الشفاء)): الواو تفيد الجمعية لا المعية كما عليه الأصولية،
فلا دلالة في الآية على كراهية إفراد الصلاة عن السلام، وعكسه كما ذهب إليه
النووي وأتباعه من الشافعية، وقد أوضحت ذلك في رسالة مستقلة، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ولفظه للبخاري في ترجمة إبراهيم لعلّل في كتاب الأنبياء.
والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
إلا أن مسلمًا لم يذكر ((على إبراهيم)) في الموضعين، أي: في قوله ((كَمَا صَلَّيْتَ))
وفي قوله: ((كَمَا بَارَكْتَ)) أي: واقتصر فيهما على قوله: ((عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ)) وقد ظهر
من سياق البخاري المذكور أن ذكر محمد وإبراهيم، وذكر آل محمد وآل إبراهيم
ثابت في أصل الخبر فيحمل على أن بعض الرواة حفظ مالم يحفظ الآخر. قال
الحافظُ: لما اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معًا وفي إفراد أحدهما، كان
أولى المحامل أن يحمل على أنه ◌ّ قال ذلك كله، ويكون بعض الرواة حفظ مالم
يحفظ الآخر، وأما التعدد فبعيد؛ لأن غالب الطرق تصرح بأنه وقع جوابًا عن
قولهم كيف نصلي عليك؟ ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على ((آلٍ إِبْرَاهِيمَ))
بدون ذكر إبراهيم، رواه بالمعنى، بناء على دخول إبراهيم في قوله: ((آلٍ
إِبْرَاهِیمَ)).
G تنبيه:
ادعى ابن القيم أن أكثر الأحاديث بل كلها مصرحة بذكر «مُحَمَّدٍ وَآلٍ مُحَمَّدٍ))
وبذكر ((آلِ إِبْرَاهِيمَ)» فقط أو بذكر ((إِبْرَاهِيمَ)) فقط. قال: ولم يجئ في حديث
صحيح بلفظ: ((إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ)) معًا. وإنما أخرجه البيهقي من طريق يحيى
ابن السباق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، ويحيى مجهول، وشيخه
مبهم، فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قوي، لكنه موقوف على
ابن مسعود، وأخرجه النسائي، والدارقطني من حديث طلحة، قال الحافظ بعد
ذكر كلام ابن القيم هذا: وغفل - أي: ابن القيم - عما وقع في ((صحيح البخاري))
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَقَضْلِهَا
*
٩١
كما تقدم في أحاديث الأنبياء في ترجمة إبراهيم اليّلا، وكذا وقع في حديث أبي
مسعود البدري، أخرجه الطبري، إلى آخر ما بسط الكلام في ذكر الطرق لأحاديث
من ذكر اللفظين معًا.
٩٢٦ - [٢] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ
وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ
وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْجُ
٩٢٦ - قوله: (قَالُوا) أي: الصحابة، ووقع عند السراج والطبراني في حديث
كعب بن عجرة: أن أصحاب رسول اللّه وَ له قالوا: ((كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟» أي:
كيف اللفظ اللائق بالصلاة عليك؟ (صلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) صلاة تليق به. (وَأَزْوَاجِهِ)
أمهات المؤمنين كما ورد التقييد بذلك في حديث أبي هريرة الآتي. (وَذُرِّيَّتِهِ) أي:
نسله أولاد بنته فاطمة ﴿ّ. قال الباجي: أما الأزواج فهن معروفات. وأما الذرية
فمن كانت للنبي وَّ ولادة من ولده، وولده ممن تبع النبي ◌َّ وأطاعه، انتهى.
وقال الحافظُ: الذرية - بضم المعجمة وحكى كسرها - هي النسل، وقد يختص
بالنساء والأطفال، وقد يطلق على الأصل، وهي من ذرأ - بالهمزة - أي خلق
الإنسان، إلا أن الهمزة سهلت لكثرة الاستعمال. وقيل: بل هي من الذر، أي:
خلقوا أمثال الذر، وعليه فليس مهموز الأصل، انتهى. قال السخاوي: فالذرية
الأولاد وأولادهم، وهل يدخل أولاد البنات؟ فمذهب الشافعي ومالك، وهو
رواية عن أحمد: أنهم يدخلون؛ لإجماع المسلمين على دخول أولاد فاطمة في
ذرية النبي وَلّ، وحكى ابن الحاجب الاتفاق على دخول ولد البنات. قال: لأن
عيسى من ذرية إبراهيم اليّة، وسامحه الشراح في نقل الاتفاق. ومذهب أبي
(٩٢٦) البُخَارِي (٦٣٦٠)، مُسْلِمٍ (٤٠٧)، أَبُو دَاوُد (٩٧٩)، النَّسَائِي (٣/ ٤٩)، ابن مَاجَهْ (٩٠٥) عَنْهُ
فيها .
٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حنيفة ورواية أخرى عن أحمد أنهم لا يدخلون، واستثنوا أولاد فاطمة رضيويّا لشرف
هذا الأصل العظيم، انتهى. والحديث قد استدل به على أن المراد بآل محمد:
أزواجه وذريته كما تقدم البحث فيه في الكلام على آل محمد. واستدل به على أن
الصلاة على الآل لا تجب لسقوطها في هذا الحديث وهو ضعيف؛ لأنه لا يخلو أن
يكون المراد بالآل غير أزواجه وذريته، أو أزواجه وذريته، وعلى تقدير كل منهما لا
ينهض الاستدلال على عدم الوجوب، أما على الأول فلثبوت الأمر بذلك في غير
هذا الحديث، وليس في هذا الحديث المنع منه، بل أخرج عبد الرزاق من طريق
ابن طاوس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن رجل من الصحابة
الحديث المذكور بلفظ: ((صل على محمد، وأهل بيته، وأزواجه، وذريته)). وأما
على الثاني فواضح. واستدل به البيهقي على أن الأزواج من أهل البيت، وأيده
بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. كذا
في ((الفتح)).
(عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) بذكر لفظ الآل في الموضعين. وبحذف ((عَلَى إِبْرَاهِيمَ))
فيهما، وقد تقدم أن ذكر إبراهيم ثابت في أصل الخبر، وإنما حفظ بعض الرواة ما
لم يحفظ الآخر، ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على إبراهيم بدون ذكر إبراهيم
رواه بالمعنى بناءًا على دخول إبراهيم في قوله: ((آلِ إِبْرَاهِيمَ))؛ لأنه قد يطلق ((آلٍ
فُلَانٍ)) على نفسه وعليه، وعلى من يضاف إليه جميعًا، كقوله وَّ للحسن بن علي:
((إِنَّا آَلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنا الصَّدَقَةُ))، وكقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اٌلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. ومعلوم أن فرعون داخل معهم. قال النووي في ((شرح
المهذب)): ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول: اللهم صل على
محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد، وأزواجه، وذريته، كما صليت على
إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته
كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
قال العراقي: بقي عليه مما في الأحاديث الصحيحة ألفاظ أخر، وهي خمسة
يجمعها قولك: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل
محمد، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته كما صليت على إبراهيم
وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد النبي الأمي، وعلى
٩٣
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِ وَفَضْلِهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
آل محمد، وأزواجه، وذريته، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في
العالمين إنك حميد مجيد، انتهى.
قال الشوكاني في ((النيل)): وهذه الزيادات التي ذكرها العراقي ثابتة في أحاديث
الباب التي ذكرها ابن تيمية في ((المنتقى))، وذكرناها، وقد وردت زيادات غير هذه
في أحاديث أخر عن علي، وابن مسعود، وغيرهما ولكن فيها مقال، انتهى.
وقال الحافظُ: قد تعقب الأسنوي ما قال النووي فقال لم يستوعب ما ثبت في
الأحاديث مع اختلاف كلامه، وقال الأذرعي: لم يسبق إلى ما قال، والذي يظهر
أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول كل ما ثبت؛ هذا مرة وهذا
مرة، وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث
واحد، انتهى. وكأنه أخذ من كلام ابن القيم فإنه قال: إن هذه الكيفية لم ترد
مجموعة في طريق من الطرق، والأَوْلَى أن يستعمل كل لفظ ثبت على حدة،
فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد، بخلاف ما إذا قال الجميع دفعة واحدة، فإن
الغالب على الظن أنه وَلّ لم يقله كذلك، قال: وقد نص الشافعي على أن
الاختلاف في ألفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف في القراءات، ولم يقل أحد من
الأئمة باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد من القرآن،
وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرين. قال الحافظُ: والذي يظهر أن
اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر سواء كما في: أزواجه، وأمهات المؤمنين
فالأولى الاقتصار في كل مرة على أحدهما، وإن كان اللفظ يستقل بزيادة معنى
ليس في اللفظ الآخر ألبتة فالأولى الإتيان به، ويحمل على أن بعض الرواة حفظ ما
لم يحفظ الآخر، وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئًا فلا بأس بالإتيان به
احتياطًا. وقالت طائفة منهم الطبري: إن ذلك من الاختلاف المباح، فأي لفظ ذكره
المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله وأبلغه. واستدل على ذلك باختلاف النقل
عن الصحابة، فذكر ما نقل عن علي وهو حديث طويل موقوف أخرجه الطبري،
وسعيد بن منصور، والطبراني، وابن فارس، وعن ابن مسعود أخرجه ابن ماجه،
والطبري، انتهى كلام الحافظ مختصرًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في ترجمة
إبراهيم من كتاب الأنبياء، وفي الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد، ومالك، وأبو
داود، والنسائي، وابن ماجه.
٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٢٧ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ
وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرحُ
٩٢٧ - قوله: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً) أي: صلاة واحدة (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا)
أي: عشر صلوات، وكلما زاد زاده بتلك النسبة. قال الشوكاني: المراد بالصلاة
من اللَّه: الرحمة لعباده، وأنه يرحمهم رحمة بعد رحمة حتى تبلغ رحمته ذلك
العدد، وقيل: المراد بصلاته عليهم إقباله عليهم بعطفه، وإخراجهم من ظلمة إلى
رفعة ونور كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَّكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ
إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣] انتهى. وقال عياض: معناه: رَحِمَهُ وضاعف أجره؛ كقوله
تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. قال القاري: والظاهر أن هذا
أقل المضاعفة .
قال عياض: ويجوز أن تكون الصلاة على وجهها، وظاهرها كلامًا يسمعه
الملائكة تشريفًا للمصلي وتكريمًا له، كما جاء: ((وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ
خير منهم))، انتهى. وقد يستشكل بأنه كيف يجوز أن يكون الصلاة على النبي وَل
واحدة وعلى المصلي عشرًا؟ وأجيب: بأن الواحدة صفة فعل المصلي، وجزاؤها
عشر صلوات من اللّه عليه على ما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾
[الأنعام: ١٦٠]. ولا يفهم منه أن الصلاة على النبي ◌َّهل من الله تكون واحدة، فإن
فضل الله واسع، ولو سلمنا أن الصلاة على النبي ◌َله من اللّه تكون واحدة، فلعل
هذه الصلاة الواحدة من اللَّه تساوي في الشرف مائة ألف صلاة، أو تزيد في
الشرف والكرامة بمائة ألف مرة، كما أن الجوهرة الواحدة الثمينة النفيسة تساوي
في الثمن مائة ألف فلس، والله أعلم. والجمع بين هذا الحديث وبين ما يأتي من
حديث عبد الله بن عمرو، قال: ((من صلى على النبي ◌ٍَّ واحدة صلى الله عليه
وملائكته سبعين صلاة))، بأنه وَّ كان يَعْلَمُ بهذا الثواب شيئًا فشيئًا، فكلما علم
(٩٢٧) مُسْلِم (٧٠ / ٤٠٨) عَنْهُ فِيهَا، والتِّرْ مِذِي (٤٨٥).
٩٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َُّ وَفَضْلِهَا
meeset
بشيء قاله، فعلم ◌َّ بأن ثواب من صلى عليه هو ما في الحديث الأول، وما ورد
في معناه، فأخبر به، ثم علم بأن ثوابه هو ما جاء في الحديث الثاني فأخبر به.
قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (ج٢: ص٢٧٣): الذي أعتقده - والله
أعلم - أن قوله: ((من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا))، ليست لمن قال:
كان رسول اللّه وَل، وإنما هي لمن صلى عليه كما علم بما نصصناه عنه، واللّه
أعلم، انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، وأبو داود،
والنسائي، وابن حبان في (صحيحه))، وفي بعض ألفاظ الترمذي: ((من صلى عليَّ
صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، وكتب له بها عشر حسنات)). لكن رواية الترمذي
هذه لم أجدها، وقد أشار إليها المنذري في ((الترغيب)) وذكر أنها رواية عند
الترمذي، فكأنه لم يجدها في كتاب آخر.
٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٩٢٨ - [٤] عَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((مَنْ صَلَّى عَلَّ صَلَاةً
وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرٍّ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
عَشْرُ دَرَجَاتٍ)).
الشَّرْجُ
٩٢٨ - قوله: (وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ) أي: غفرت، وسترت، ووضعت،
ولعله اختير لفظ: ((حُطَّتْ)) لمقابلة قوله: (وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ) في الدنيا
بتوفيق الطاعات، وفي القيامة بتثقيل الحسنات، وفي الجنة بزيادة الكرامات. قال
الطيبي: الصلاة من العبد: طلب التعظيم والتبجيل لجناب رسول اللَّه وَهِ،
والصلاة من الله تعالى أي في الجزاء إن كانت بمعنى الغفران فيكون من باب
المشاكلة من حيث اللفظ، وإن كانت بمعنى التعظيم فيكون من الموافقة لفظًا
ومعنى، وهذا هو الوجه لئلا يتكرر معنى الغفران، أي: مع الحط. ومعنى الأعداد
المخصوصة محمول على المزيد والفضل في المعنى المطلوب، كذا في المرقاة.
قال ابن العربي: إن قيل: قد قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالَْنَةٍ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾
[الأنعام: ١٦٠] فما فائدة هذا الحديث؟ قلنا: أعظم فائدة، وذلك أن القرآن اقتضى أن
من جاء بحسنة تضاعف عشرة، والصلاة على النبي وَّل حسنة، فمقتضى القرآن أن
يعطى عشر درجات في الجنة، فأخبر أن الله تعالى يصلي على من صلى على رسوله
عشرًا، وذكر الله العبد أعظم من الحسنة مضاعفة، قال: ويحقق ذلك أن الله تعالى
لم يجعل جزاء ذكره إلا ذكره وكذلك جعل جزاء ذكر نبيه ذكره لمن ذكره. قال
العراقي: ولم يقتصر على ذلك حتى زاده كتابة عشر حسنات، وحط عنه عشر
سيئات، ورفعه عشر درجات كما ورد في الأحاديث. (رَوَاهُ الَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا
أحمد، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه)) (ج١: ص ٥٥٠) وقال
(٩٢٨) التِّرْمِذِي، وَالنَّسَائِي (٣/ ٥٠) عَنْهُ فِيهَا.
٩٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌ِ﴿ وَقَضْلِهَا
صحيح الإسناد. وأقره الذهبي، وله شواهد من حديث سعيد بن عمر الأنصاري
عند أبي نعيم في ((الحلية))، ومن حديث أبي بردة بن نيار، وأبي طلحة، كلاهما
عند النسائي، ورواتهما ثقات، ومن حديث البراء بن عازب عند ابن أبي عاصم في
كتاب الصلاة عن مولى للبراء لم يسمه عنه .
٩٢٩ - [٥] وَعَنِ ابْن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَوْلَى النَّاسِ
بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَّيَّ صَلَاةً)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٩٢٩- قوله: (أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: أقربهم مني في القيامة،
وأحراهم باللحوق بي، وأحقهم بالفوز بشفاعتي. قال الطيبي: يعني: أخص
أمتي، وأقربهم مني، وأحقهم بشفاعتي، من الولي بمعنى القرب، وضمن معنى
الاختصاص فعدي بالباء. (أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) أي: في الدنيا، وذلك؛ لأن
الاستكثار من الصلاة عليه وَّ يورث المحبة وهي تورث الاتحاد، وقال المناوي:
لأن كثرة الصلاة عليه تدل على صدق المحبة وكمال الوصلة، فتكون منازلهم في
الآخرة منه بحسب تفاوتهم في ذلك، انتهى. قال ابن حبان في ((صحيحه)) عقب هذا
الحديث: فيه بيان أن أولاهم به ◌ّ في القيامة أصحاب الحديث، إذ ليس من هذه
الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم. وقال الخطيب البغدادي: قال لنا أبو نعيم: هذه
منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها؛ لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من
الصلاة على النبي وَليل أكثر مما يعرف لهذه العصابة نسخًا وذكرًا، يعني: كتابة
وقولًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه أيضًا ابن حبان
في (صحيحه)) كلاهما من رواية موسى بن يعقوب الزمعي عن عبد الله بن كيسان
الزهري، وموسى هذا وثقة ابن معين وابن القطان، وقال الآجري عن أبي داود: هو
صالح، وقال ابن عدي: لا بأس به عندي ولا برواياته.
(٩٢٩) التِّرْ مِذِي (٤٨٤) عَنْهُ فِيهَا. قُلْتُ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٩١١).
٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن المديني: ضعيف، منكر الحديث.
وقال النسائي: ليس بالقوي، كذا في ((تهذيب التهذيب)) (ج١: ص٣٧٨)،
و((الميزان)) (ج ٣: ص٢٢١) وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق، سيئ الحفظ،
انتهى. وأما عبد الله بن كيسان فقال عنه ابن القطان: لا يعرف حاله، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال الحافظُ: هو مقبول، وللحديث شاهد من حديث أبي
أمامة بلفظ: صلاة أمتي تعرض علي في كل جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة
كان أقربهم مني منزلة، أخرجه البيهقي.
قال الحافظ في ((الفتح)): لا بأس بسنده.
٩٣٠ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ
فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٣٠ - قوله: (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً) أي: جماعة منهم. (سَيَّاحِينَ) صفة الملائكة،
بالسين المهملة من السياحة وهي السير، يقال: ساح في الأرض يسيح سياحة إذا
ذهب فيها، وأصله من السيح وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض، في
((القاموس)): ساح الماء، جرى على وجه الأرض، والسياح - بالتشديد - كالعلام
مبالغة منها. (يُبَلَّغُونِي) من الإبلاغ أو التبليغ، قال القاري: وروي بتخفيف النون
على حذف إحدى النونين. وقيل: بتشديدها على الإدغام. (مِنْ أَمَّتِي السَّلَامَ) أي :
يبلغوني سلام من سلم علي منهم قليلاً أو كثيرًا وإن بعد قطره، أي: فيرد عليه
بسماعه منهم، وفيه حث على الصلاة والسلام عليه، وتعظيم له وَلِّ، وإجلال
لمنزلته، حيث سخر الملائكة الكرام لهذا الشأن الفخم. قال الشوكاني: في
الحديث الترغيب العظيم للاستكثار من الصلاة عليه وَله، فإنه إذا كانت صلاة
واحدة من صلاة من صلى عليه تبلغه كان ذلك منشطًا له أعظم تنشيط، والاقتصار
في الحديث على السلام لا ينافي إبلاغ الصلاة عليه وَّر، فحكمهما واحد كما يدل
(٩٣٠) أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِي (٣/ ٤٣) عَنْهُ فِيهَا .
٩٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌ِ﴿ وَقَضْلِهَا
عليه حديث الحسن بن علي، وحديث أنس كلاهما عند الطبراني، وسنذكر
لفظهما. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد، وابن حبان في
((صحيحه))، والحاكم (ج٢: ص٤٢١) وقال: صحيح، وأقره الذهبي. وقال
الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وأخرج الطبراني في ((الكبير)) بإسناد حسن من
حديث الحسن بن علي بن أبي طالب رضيًا: أن رسول اللَّه وَ ل قال: ((حيثما كنتم
فصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني))، وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) بإسناد لا بأس به
من حديث أنس رَتْ اشْتَهُ، قال: قال رسول اللَّه وَليل: ((من صلى علي بلغتني صلاته،
وصلیت علیه، و کتب له سوی ذلك عشر حسنات)).
٩٣١ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ
يُسَلَّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِير] {حسن}
الشَّرْجُ
٩٣١- قوله: (مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلَّمُ عَلَيَّ) ظاهره الإطلاق الشامل لكل مكان
وزمان، فيكون فيه دليل على حصول فضيلة رد السلام لكل مسلم قريبًا كان أو
بعيدًا، وعلى أنه يَّ يرد السلام على من يسلم عليه من جميع الآفاق من جميع أمته
على بُعد شقته، لكن فهم عامة العلماء منه أن المراد السلام عليه عند قبره، فيدل
على تخصيص رد السلام بالقريب من القبر. قال الحفني: قوله: ((ما من أحد -
أي: مؤمن - يسلم ... )) إلخ. ظاهره ولو بعيدًا عن القبر، لكن خصه بعض الأئمة
بالقريب منه، أما البعيد فيبلغه الملك . انتهى. وقال الحافظ العلامة محمد بن
أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي في ((الصارم المنكي في الرد على التقي
السبكي)) (ص ١٧٢): قوله: ((ما من أحد يسلم)) يحتمل أن يكون المراد به عند قبره
كما فهمه جماعة من الأئمة، ويحتمل أن يكون معناه على العموم، وأنه لا فرق في
ذلك بين القريب والبعيد، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو الموافق للأحاديث
(٩٣١) أَبُو دَاوُد (٢٠٤١) عن أبي هريرة في آخِرِ الحَجِّ.