النص المفهرس
صفحات 21-40
BIGNE
٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
عليها دلالة تضمن، فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة، فكنى عنها أولا، ثم صرح بها
ثانيًا، ولأن الراضي قد يعاقب للمصلحة أو لاستيفاء حق الغير، انتهى.
(أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) أي: أنت الذي أثنيت على ذلك ثناء يليق بك، فمن
يقدر على أداء حق ثنائك؟ فالكاف زائدة، والخطاب في عائد الموصول بملاحظة
المعنى نحو: ((أنا الذي سمتني أمي حيدرة)). ويحتمل أن الكاف بمعنى ((عَلَى))
والعائد إلى الموصول محذوف، أي: أنت ثابت دائم على الأوصاف الجليلة التي
أثنيت بها على نفسك. والجملة على الوجهين في موضع التعليل، وفيه إطلاق لفظ
النفس على ذاته تعالى بلا مشاكلة. وقيل: ((أَنْتَ)) تأكيد المجرور في ((عَلَيْكَ)) فهو
من استعارة المرفوع المتصل موضع المجرور المنفصل، إذ لا منفصل في
المجرور، و((مَا)) في ((كَمَا)) مصدرية، والكاف بمعنى مثل صفة ثناء، ويحتمل أن
يكون ((ما)) على هذا التقدير موصولة أو موصوفة، والتقدير: مثل ثناء أثنيته، أو مثل
الثناء الذي أثنيته، على أن العائد المقدر ضمير المصدر، ونصبه على كونه مفعولًا
مطلقًا، وإضافة المثل إلى المعرفة لا يضر في كونه صفة نكرة؛ لأنه متوغل في
الإبهام فلا يتعرف بالإضافة. وقيل: أصله ثناءك المستحق كثنائك على نفسك،
فحذف المضاف من المبتدأ فصار الضمير المرفوع مجرورًا.
قال الخطابي: معنى الحديث: الاستغفار من التقصير من بلوغ الواجب من حق
عبادته والثناء عليه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي في الدعوات، وأبو داود،
والنسائي في الصلاة، وابن ماجه في الدعاء.
٩٠١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ
الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٠١ - قوله: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ) الظاهر أن ((مَا)) مصدرية و((كَانَ))
(٩٠١) مُسْلِم (٢١٥/ ٤٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٢١
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
تامة والجار متعلق بأقرب، وليست ((من)) تفضيلية، والمعنى شاهد كذلك، فلا يرد
أن اسم التفضيل لا يستعمل إلا بأحد أمور ثلاثة لا بأمرين كالإضافة ومن، فكيف
استعمل هاهنا بأمرين؟ فافهم. وخبر ((أَقْرَبُ)) محذوف أي ((حاصل له)) وجملة ((وَهُوَ
سَاجِدٌ)) حال من ضمير ((حاصل)) أو من ضمير ((لَهُ)). والمعنى: أقرب أكوان العبد
من ربه تبارك وتعالى حاصل له حين كونه ساجدًا. ولا يرد على الأول أن الحال
لابد أن يرتبط بصاحبه، ولا ارتباط هاهنا؛ لأن ضمير ((هُوَ سَاجِدٌ)) للعبد لا
(أَقْرَبُ))؛ لأنا نقول: يكفي في الارتباط وجود الواو من غير حاجة إلى الضمير،
مثل: جاء زيد والشمس طالعة .
وقال الطيبي: التركيب من الإسناد المجازي، أسند القرب إلى الوقت، وهو
للعبد مبالغة، فإن قلتَ: أين المفضل عليه، ومتعلق أفعل في الحديث؟ قلتُ:
محذوف، وتقديره: إن للعبد حالتين في العبادة: حال كونه ساجدًا لله تعالى،
وحال كونه متلبسًا بغير السجود، فهو في حالة السجود أقرب إلى ربه من نفسه في
غير تلك الحالة، انتهى. قيل: وجه الأقربية أن العبد في السجود داع؛ لأنه أمر به،
والله تعالى قريب من السائلين بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّ
قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ ولأن السجود غاية في الذل، والانكسار، وتعفير الوجه،
وهذه الحالة أحب أحوال العبد كما رواه الطبراني في ((الكبير)) بإسناد حسن عن ابن
مسعود، ولأن السجود أول عبادة أمر الله تعالى بها بعد خلق آدم، فالمتقرب بها
أقرب، ولأن فيه مخالفة لإبليس في أول ذنب عصى الله به. وقيل: لأن العبد بقدر
ما يبعد عن نفسه يقرب من ربه، والسجود غاية التواضع، وترك التكبر، وكسر
النفس؛ لأنها لا تأمر الرجل بالمذلة، ولا ترضى بها، ولا بالتواضع، بل بخلاف
ذلك، فإذا سجد فقد خالف نفسه، وبَعُدَ عنها، فإذا بَعُد عنها قرب من ربه.
قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة، والمكانة، والكرامة، لا بالمسافة
والمساحة؛ لأنه تعالى منزه عن المكان والزمان.
(فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) أي: في السجود؛ لأنه حالة قرب، وحالة قرب مقبول
دعاءها؛ لأن السيد يحب عبده الذي يطيعه، ويتواضع له، ويقبل منه ما يقوله، وما
يسأله. وقال ابن الملك: وهذا لأن حالة السجود تدل على غاية تذلل، واعتراف
Se **
٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عبودية نفسه وربوبية ربه، فكان مظنة الإجابة، فأمرهم بإكثار الدعاء في السجود.
والحديث يدل على مشروعية الاستكثار من السجود، ومن الدعاء فيه، ولا دليل فيه
لمن قال: إن السجود أفضل من القيام؛ لأنه لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه
حال سجوده أفضليته على القيام؛ لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود، والنسائي.
٩٠٢ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ: ((إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ،
فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَيْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَتَى! أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ
فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ، فَلِي النَّارُ)) [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٩٠٢ - قوله: (إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ) ذكر تلميحًا لقصة أبيه آدم مع الشيطان التي هي
سبب العداوة بينهما. (السَّجْدَةَ) أي: آيتها. (فَسَجَدَ) أي: سجود التلاوة.
(اعْتَزَلَ) أي: تباعد عنه. (الشَّيْطَانُ) قيل: المراد به إبليس فقط. (يَبْكِي، يَقُولُ)
قال الطيبي: هما حالان من فاعل ((اعْتَزَلَ)) مترادفتان، أي: باكيًا وقائلًا، أو
متداخلتان، أي: باكيًا قائلًا.
(يَا وَيْلَتَى!) قال ابن الملك: أصله ((يَا وَيْلِي)) فقلبت ياء المتكلم تاء، وزيدت
بعدها ألف للندبة. والويل الحزن والهلاك، كأنه يقول: يا حزني! ويا هلاكي!
احضر، فهذا وقتك وأوانك. قال الطيبي: نداء الويل للتحسر على ما فاته من
الكرامة، وحصول اللعن والخيبة للحسد على ما حصل لابن آدم بيانه.
(أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ) امتثالا لأمر ربه. (فَلَهُ الْجَنَّةُ) أي: على الطاعة.
(فَأَبَيْتُ) أي: امتنعت تكبرًا. (فَلِي النَّارُ) قال المناوي: نار جهنم خالدًا فيها
لعصيانه واستكباره. والحديث دليل على فضل السجود. واستدل به من قال
بوجوب سجدة التلاوة. وأجيب عنه: بأن الذم والوعيد متعلق بترك السجود إباءًا
(٩٠٢) مُسْلِم (١٣٣ / ٨١) فِي الإِيمَانِ، وَابن مَاجَهْ (١٠٥٢) عَنْهُ فِيهَا.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
٢٣
BASE
وإنكارًا واستكبارًا كما يدل عليه لفظ: ((أَبَيتُ)) صراحة فلا يخالف الحديث من
يقول بسنيته. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، وابن ماجه.
٩٠٣ - [١٠] وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
وَِّ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: (سَلْ)) فَقلتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي
الْجَنَّةِ. قَالَ: ((أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ)) قلتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: ((فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ
السُّجُودِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرُْ
٩٠٣- قوله: (وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ) بن مالك الأسلمي، يكنى أبا فراس
المدني، صحابي من أهل الصفة، ويقال: كان خادمًا لرسول اللّه وَئية، صحبه
قديمًا، وكان يلزمه سفرًا وحضرًا، ومنهم من فرق بين ربيعة وأبي فراس الأسلمي،
وصوب الحاكم أبو أحمد وابن عبد البر تبعًا للبخاري التفريق بينهما. مات ربيعة
سنة (٦٣) بعد الحرة، وليس له في ((الأدب المفرد)) للبخاري، و((صحيح مسلم))،
وسنن الأربعة غير هذا الحديث.
(كُنْتُ أَبِيتُ) من البيتوتة أي أكون في الليل. (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ) ولعل هذا وقع
له في سفر. وقال ابن حجر: أي إما في السفر أو الحضر، والمراد بالمعية: القرب
منه بحيث يسمع نداءه إذا ناداه لقضاء حاجته. (فَأَتَيْتُهُ) وفي بعض النسخ ((فَآَتِهِ))
موافقًا لما في ((صحيح مسلم)). (بِوَضُوئِهِ) بفتح الواو أي: ماء وضوئه وطهارته.
(وَحَاجَتِهِ) أي: سائر ما يحتاج إليه من نحو سواك وغيره. (فَقَالَ لِي: سَلْ) أي:
اطلب مني حاجة .
قال ابن حجر: أتحفك به في مقابلة خدمتك لي؛ لأن هذا هو شأن الكرام، ولا
أكرم منه بَّ. وفيه: جواز قول الرجل لأتباعه ومن يتولى خدمته: سلوني
حوائجكم. (أَسْأَلَكَ مُرَافَقَتَكَ) أي: كوني رفيقًا لك. (فِي الْجَنَّةِ) بأن أكون قريبًا
(٩٠٣) مُسْلِم (٢٢٦ / ٤٨٩)، أَبُو دَاوُد (١٣٢٠)، النَّسَائِي (٢/ ٢٢٧)، عَنْهُ فِيهَا .
BCTHE
٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
منك متمتعًا بنظرك. (أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ) يحتمل فتح الواو، أي: أتساءل ذلك وغيره أم
تسأله وحده؟ وسكونها، أي: تسأل ذلك أم غيره؟ وقال بعضهم: يروى بسكون
الواو وبفتحها، وعلى التقديرين فغير إما مرفوع أو منصوب، والتقدير على الأول:
فمسؤولك هذا أو غير ذلك؟ وعلى الثاني: أتسأل هذا وغير ذلك أنسب بحالك.
وأما في صورة نصب ((غَيْرُ)) فالمعنى على تقدير سكون الواو. تسأل ذلك أو غير
ذلك؟ وقيل المعنى: سل غير ذلك. وعلى تقدير فتحها: أتسأل هذا وهو شاق
وتترك ما هو أهون منه؟ (هُوَ ذَاكَ) أي: مسئولي ذلك لا غير.
(فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ) أي: على تحصيل حاجة نفسك التي هي المرافقة. (بِكَثْرَةِ
السُّجُودِ) في الدنيا حتى ترافقني في العقبى، والمراد تعظيم تلك الحاجة وأنها
تحتاج إلى معاونة منك، ومجرد السؤال مني لا يكفي فيها، أو المعنى: فوافقني
بكثرة السجود قاهرًا بها على نفسك. وقيل: أعني على قهر نفسك بكثرة السجود،
كأنه أشار إلى أن ما ذكرت لا يحصل إلا بقهر نفسك التي هي أعدى عدوك، فلا بد
لي من قهر نفسك بصرفها عن الشهوات، ولابد لك أن تعاونني فيه، ففيه تلويح إلى
أن نفسه بمثابة العدو المناوئ، فاستعان بالسائل إلى قهر النفس، وكسر شهواتها
بالمجاهدة والمواظبة على الصلاة، والاستعانة بكثرة السجود حسمًا للطمع الفارغ
عن العمل، والاتكال على مجرد التمني. وقيل: المعنى: كن لي عونًا في إصلاح
نفسك، وجعلها طاهرة مستحقة لما تطلب، فإني أطلب إصلاح نفسك من الله
تعالى، وأطلب منك أيضًا إصلاحها بكثرة السجود لله، فإن السجود كاسر للنفس
ومذل لها، وأي نفس انكسرت وذلت استحقت الرحمة، وهذا كقول الطبيب
للمريض: أعالجك بما يشفيك، ولكن أعني بالاحتماء وامتثال أمري. وفي
الحديث دليل على أن السجود من أعظم القرب التي تكون بسببها ارتفاع الدرجات
عند الله تعالى إلى حد لا يناله إلا المقربون، وأن مرافقة النبي وَّر في الجنة لا
تحصل إلا بقرب من الله تعالى بكثرة السجود، والمراد به السجود في الصلاة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود، والنسائي. قال المنذري: وأخرج
الترمذي وابن ماجه طرفًا منه.
٢٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
٩٠٤ - [١١] وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ
وَهِ، فَقلتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلِ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ،
فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلَّتُهُ الثَّالِئَةَ، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ فَقَالَ:
((عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا
دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً)) قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتَّهُ،
فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٠٤- قوله: (مَعْدَانَ) بفتح الميم، وسكون العين المهملة. (بْنِ طَلْحَةَ)
ويقال: ابن أبي طلحة اليعمري - بفتح الياء التحتية، وسكون العين المهملة، وفتح
الميم - شامي ثقة من كبار التابعين. رجح الترمذي أن اسمه: معدان بن أبي
طلحة، وكذلك سماه ابن سعد في ((الطبقات)) (ج ٧: ص١٥٤) ورجح يحيى بن
معين: مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةَ فقد قال: أهل الشام يقولون: ابن طلحة، وقتادة وهؤلاء
يقولون: ابن أبي طلحة، وأهل الشام أثبت فيه. (أَعْمَلُهُ) بالرفع على صفة العمل
وكذلك. (يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ) قال الطيبي: ويجوز أن يكون ((أَعْمَلُهُ)) جوابا
للأمر، و((يُدْخِلُنِي)) بدلا منه، وذلك لأن معدان لما كان معتقدا لكون الإخبار سببًا
لعمله صح ذلك. (فَسَكَتَ) أي: ثوبان، ولعل سكوته لامتحان حال القائل في
الجد، والسؤال، والطلب.
(فَقَالَ: عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ .. ) إلخ. فيه دليل على أن كثرة السجود مرغب
فيها، والمراد به السجود في الصلاة. وسبب الحث عليه ما تقدم في حديث أبي
هريرة: ((أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)). وهو موافق لقوله تعالى:
﴿ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾ [العلق: ١٩]، فإن في كل سجدة يسجدها العبد رفع درجة، فلا يزال
العبد يترقى في المداومة على السجود درجة فدرجة حتى يفوز بالقدح من القرب
إلى الله تعالى. ولا دليل فيه كالحديث الذي قبله لمن يقول: إن السجود أفضل من
(٩٠٤) مُسْلِمٌ (٢٢٥ / ٤٨٨)، الترمذيُّ (٣٨٨)، النَّسَائِي (٢٢٨/٢)، ابن مَاجَهْ (١٤٢٣)، عَنْهُ فِيهَا .
٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القيام؛ لأن صيغة ((افْعَلْ)) الدالة على التفضيل إنما وردت في فضل طول القيام كما
سبق، ولا يلزم من فضل السجود الذي دل عليه حديث ربيعة وثوبان أفضليته على
طول القيام. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، والنسائي،
وابن ماجه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
٢٧
الفصل الثانى
٩٠٥ - [١٢] عَنْ وَائِل بْنِ حُجْرِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَه إِذَا سَجَدَ
وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتَّْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي وَابْن مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ]
الشَّرْحُ
٩٠٥ - قوله: (إِذَا سَجَدَ) أي: أراد السجود. (وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ یَدَيْهِ) استدل به
لمن قال: باستحباب وضع الركبتين قبل اليدين عند الانحطاط للسجود، وهم
الشافعي وأبو حنيفة، وأحمد في مشهور مذهبه، وسفيان الثوري وإسحاق، لكن
الحديث ضعيف كما ستعرف، وذهب مالك، وابن حزم، وأحمد في رواية إلى
استحباب وضع اليدين قبل الركبتين، وروى الحازمي عن الأوزاعي قال: أدركت
الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم.
قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث، واستدل لهم بحديث أبي هريرة
التالي، وهو حديث صحيح أو حسن لذاته كما سنحققه. (وَإِذَا نَهَضَ) أي: وإذا
أراد النهوض وهو القيام. (رَفَعَ یَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتيْهِ) فیه دلیل لمن قال برفع الیدین قبل
الركبتين عند القيام من الركعة أي ركعة كانت، وهو أحمد وأبو حنيفة، واستدل
لهما أيضًا بما رواه أبو داود عن ابن عمر، قال: ((نهى رسول اللَّه وَل أن يعتمد
الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة))، لكن رواية أبي داود هذه شاذة، والصحيح
ما رواه أبو داود عن أحمد بلفظ: ((نهي أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد)).
وقال مالك والشافعي: السنة أن يعتمد على يديه في النهوض؛ لأن مالك بن
الحويرث قال في صفة صلاة رسول اللَّه وَله: ((إنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية
(٩٠٥) أَبُو دَاوُد (٨٣٨)، التِّرْ مِذِي (٢٦٨)، النَّسَائِي (٢٠٦/٢)، ابن مَاجَهْ (٨٨٢)، ابنُ خزيمة (٦٢٩)،
ابنُ حبان (١٩٠٣) عَنْه فیھا .
٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
استوى قاعدًا، ثم اعتمد على الأرض)). رواه النسائي. وفي رواية البخاري: جلس
واعتمد على الأرض، ثم قام. وعند الشافعي: واعتمد بيديه على الأرض، وقد
قال ◌َّ لمالك وأصحابه: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولما روى عبد الرزاق عن
ابن عمر: أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدًا على يديه قبل أن يرفعهما .
ولأن ذلك أعون للمصلي كما لا يخفى. فالراجح عندنا: أن يرفع الرجل ركبتيه قبل
يديه ويقوم معتمدًا بيديه على الأرض ولا يعتمد على ركبتيه. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ
وأخرجه أيضًا الدار قطني، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن السكن في
صحاحهم من طريق شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل. وقال
الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قلتُ: في كون هذا الحديث حسنًا نظر، فإنه
قد تفرد به شريك عن عاصم كما صرح به البخاري، والترمذي، وابن أبي داود،
والدارقطني، والبيهقي، وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي، صدوق،
يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. قال الدارقطني في ((سننه)): لم
یحدث به عن عاصم بن کلیب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فیما یتفرد به،
انتھی .
ولحديث وائل هذا طريقان آخران عند أبي داود: أحدهما: من جهة همام، عن
محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه. والثاني: من جهة همام، عن
شقيق أبي الليث، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي وَّ. قال النيموي بعد
ذكر هذه الطرق: فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن لكثرة طرقه. قلتُ: قد ظهر
بما ذكرنا أن لحديث وائل بن حجر هذا ثلاث طرق: الأولى: طريق شريك، عن
عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، وقد عرفت أنها ضعيفة لشريك القاضي،
فإنه متفرد به، وهو ليس بالقوي فيما يتفرد به كما صرح به الدار قطني. والثانية:
طريق همام، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، وهي أيضًا
ضعيفة؛ لأنها منقطعة فإن عبد الجبار لم يسمع من أبيه. والثالثة: طريق همام، عن
شقيق، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ◌َّ. وهي أيضًا ضعيفة لإرسالها،
ولأن فيها شقيقًا أبا الليث، وهو مجهول كما صرح به الحافظ في ((التقريب))،
والذهبي في ((الميزان))، والطحاوي في ((شرح الآثار))، فهذه الطرق الثلاث كلها
ضعيفة، ثم هي مختلفة في الوصل والإرسال، والمحفوظة منها على ما قال
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
٢٩
الحازمي في ((كتاب الاعتبار)) هي طريق همام المرسلة التي فيها الشقيق المجهول،
ففي ارتقاء حديث وائل إلى درجة الحسن كلام، ولو سلم أن حديث وائل بن حجر
حسن، فحديث أبي هريرة الآتي أثبت وأقوى منه كما ستعرف.
٩٠٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((إِذَا سَجَدَ
أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُلْكِ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
- قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِي: حَدِيثُ وَائِل بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا(*).
( ** )
- وَقِيلَ: هَذَا مَنْسُوخ(*
.
الشَّرْجُ
٩٠٦ - قوله: (فَلَا يَبْرُك) بضم الراء من باب نصر، نهي، وقيل: نفي. (كَمَا
يَبْرُكُ الْبَعِيرُ) أي: لا يضع ركبتيه قبل يديه كما يبرك البعير، شبه ذلك ببروك البعير
مع أنه يضع يديه قبل رجليه؛ لأن ركبة الإنسان في الرجل، وركبة الدواب في
اليد، وإذا وضع ركبتيه أولًا فقد شابه الإبل في البروك. (وَلْيَضَعْ) بسكون اللام
وتكسر. (يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ) قال التُّورْبَشْتِي الحنفي: كيف نهى عن بروك البعير ثم
أمر بوضع اليدين قبل الركبتين والبعير يضع اليدين قبل الرجلين؟ والجواب: أن
الركبة من الإنسان الرجلين، ومن ذوات الأربع في اليدين، كذا في ((المرقاة)).
والحديث نص في استحباب وضع اليدين قبل الركبتين، وهو قول مالك، وهو قول
أصحاب الحديث. وقال الأوزاعي: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم،
وهي رواية عن أحمد، ويدل أيضًا على هذا القول ما أخرجه ابن خزيمة،
وصححه، والدار قطني، والحاكم من حديث ابن عمر بلفظ: ((أن النبي وَّ كان إذا
سجد يضع يديه قبل ركبتيه))، وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأخرجه
(٩٠٦) أَبُو دَاوُد (٨٤٠)، والتِّرْمِذِي (٢٦٩)، والنَّسَائِي (٢٠٧/٢)، عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
(*) قُلْتُ: هُوَ قَوْلُ الخَطَّابِّ.
( ** ) حَكَاهُ الخَطَّابِيُّ أَيْضًا.
٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
أيضًا البيهقي، والطحاوي، وقال البخاري في ((صحيحه)): قال نافع: كان ابن عمر
يضع يديه قبل ركبتيه، قال الحافظ في ((الفتح)): وصله ابن خزيمة والطحاوي
وغيرهما من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع بهذا،
وزاد في آخره: ويقول كان النبي وَلّ يفعل ذلك. قال الحافظُ: قال مالك هذه
الصفة أحسن في خشوع الصلاة. وبه قال الأوزاعي، قال: وعن مالك، وأحمد
رواية بالتخيير، انتهى. وظاهر الحديث الوجوب بقوله: ((لَا يَبْرُك)) وهو نهي،
وللأمر بقوله: ((وَلْيَضَعْ))، قيل: ولم يقل أحد بوجوبه فتعين أنه مندوب، وقد
أجاب الحنفية، والشافعية، والحنابلة عن حديث أبي هريرة بوجوه كلها
مخدوشة، يأتي ذكر بعضها مع بيان ما فيه من الخدشة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي،
والطحاوي، والبيهقي، والدار قطني بعضهم من طريق عبد الله بن نافع، عن محمد
ابن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة. وبعضهم من
طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي
الزناد ... إلخ. وبعضهم من الطريقين كليهما. وهذا حديث صحيح أو حسن
لذاته، رجاله كلهم ثقات. أما عبد الله بن نافع فقد وثقه ابن معين، والنسائي
والعجلي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وأما عبد العزيز بن محمد الدراوردي
فهو أحد مشاهير المحدثين، وثقه ابن معين، وابن المديني، وقال النسائي: ليس
به بأس، وروى له البخاري حديثين، قرنه فيهما بعبد العزيز بن حازم، وغيره،
واحتج به مسلم، وأصحاب السنن. وأما محمد بن عبد الله بن الحسن فهو الملقب
بالنفس الزكية، وهو ثقة، وأما أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فهو أصح
الأسانيد، قاله البخاري كما في ((الخلاصة)). والحديث سكت عنه أبو داود، فهو
عنده صالح للاحتجاج. وقال الحازمي في كتاب ((الاعتبار)) بعد روايته: وهو على
شرط أبي داود، والنسائي، والترمذي، أخرجوه في كتبهم. وقال القاري في
((المرقاة)): قال ابن حجر: إسناده جيد. وقال ابن سيد الناس: أحاديث وضع
اليدين قبل الركبتين أرجح، وقال: ينبغي أن يكون حديث أبي هريرة داخلًا في
الحسن على رسم الترمذي لسلامة رواته عن الجرح.
وقال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): وحديث أبي هريرة المذكور أولًا يعني
٣١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
((وليضع يديه ثم ركبتيه)) دلالته قولية، وقد تأيد بحديث ابن عمر، فيمكن ترجيحه
على حديث وائل؛ لأن دلالته فعلية على ما هو الأرجح عند الأصوليين، انتهى.
وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)): وهو أقوى من حديث وائل بن حجر، فإن للأول
شاهدًا من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقًا، انتهى.
ورجح ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) حديث أبي هريرة على حديث وائل من
وجه آخر، فقال: الهيئة التي رأى مالك. (وهي الهيئة المروية في حديث أبي
هريرة) منقولة في صلاة أهل المدينة، فترجحت بذلك على غيره. (قال أبو
سليمان) أي: في ((معالم السنن)) (ج١: ص٢٠٨) واسمه حمد بن محمد بن
إبراهيم بن الخطاب البستي - بضم الباء الموحدة - نسبة إلى مدينة ((بُسْتْ)) من بلاد
((كَابُلْ)) بين ((هرات)) و((غزنة)). ولد في رجب سنة (٣١٩) وتوفي في ربيع الأول سنة
(٣٨٨) كان محدثًا، فقيهًا، أديبًا، شاعرًا، لغويًا، حجة، صدوقًا، زاهدًا، ورغًا،
صاحب كتاب ((غريب الحديث)) و((أعلام السنن)) في ((شرح صحيح البخاري))،
و((معالم السنن)) في شرح ((سنن أبي داود)) وغير ذلك. والمشهور فيما بين الناس أنه
كان شافعيًا. والظاهر أنه كان من أهل الحديث ولم يكن مقلدًا للشافعي ولا لغيره
من الأئمة، يدل على اختياراته ومخالفته للأئمة كلامه في كثير من المواضع، من
جملة ذلك قوله في ((معالم السنن)) (ج١: ص٢٥٢) خلافًا للشافعي: ((سنة
رسول اللَّه ◌َلل أولى، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب. وفي
(ج١: ص٣١٣) وقول الجماعة أولى لموافقته الحديث، وهذا في خلاف
الشافعي، وكم له مثلها. (الْخَطَّابِيَّ) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الطاء المهملة
وبعد الألف باء موحدة، هذه نسبة إلى جده الخطاب المذكور، وقيل: إنه من ذرية
زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي فنسب إليه. قال السبكي في ((طبقات الشافعية))
(ج٢: ص٣١٨): ولم يثبت ذلك، قال: وكان إمامًا في الفقه والحديث واللغة.
(حَدِيثُ وَائِل بْنِ حُجْرِ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا) أي: فهو أولى بالعمل من حديث أبي هريرة.
وفيه نظر، فإن حديث وائل ضعيف كما عرفت، ولو سلم أنه حسن كما قال
الترمذي، فلا يكون هو حسنًا لذاته بل لغيره لطرقه الضعاف. وأما حديث أبي
هریرة فهو صحیح أو حسن لذاته، ومع هذا فله شاهد من حديث ابن عمر، صححه
ابن خزيمة، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقد تقدم قول
٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن سيد الناس، وابن التركماني وابن العربي، والحافظ في ترجيح حديث
أبي هريرة على حديث وائل بن حجر، فالقول الراجح: أن حديث أبي هريرة أثبت
وأقوى من حديث وائل. فإن قيل: إن كان لحديث أبي هريرة شاهد فلحدیث وائل
ثلاثة شواهد، أحدها: ما رواه ابن أبي شيبة والطحاوي في ((شرح الآثار)) من طريق
عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ((إذا سجد
أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفحل)). وثانيها: ما رواه
الدار قطني والحاكم والبيهقي وابن حزم عن عاصم الأحول، عن أنس، قال:
((رأيت رسول اللَّه وَالهيل انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه)).
قال الحاكم: هو على شرطهما، ولا أعلم له علة. وثالثها: ما رواه ابن خزيمة في
((صحيحه)) عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: ((كنا نضع اليدين قبل
الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين)). أجيب: بأن هذه الأحاديث كلها
ضعيفة جدًا، لا تصلح أن تكون شاهدة لحديث وائل. أما حديث أبي هريرة فلأن
مداره على عبد الله بن سعيد المقبري وهو متروك، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال
الفلاس: منكر الحديث، متروك. وقال يحيى بن سعيد: استبان كذبه في مجلس.
وقال الدارقطني: متروك ذاهب. وقال أحمد مرة: ليس بذلك، ومرة قال: متروك.
وقال فيه البخاري: تركوه، كذا في ((الميزان)). وأما حديث أنس فلأن في سنده
العلاء بن إسماعيل، وقد تفرد به، وهو مجهول، قاله البيهقي. وقد أخطأ الحاكم
في تصحيحه، ونقل الحافظ في ((لسان الميزان)) عن أبي حاتم أنه أنكر هذا
الحديث. وحكي عن الدار قطني أنه أخرجه، وقال: إن العلاء تفرد به وهو مجهول،
ثم قال الحافظُ: وخالفه عمر بن حفص بن غياث وهو من أثبت الناس في أبيه، فرواه
عن أبيه، عن أعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وغيره، عن عمر موقوفًا عليه، وهذا
هو المحفوظ. وأما حديث سعد بن أبي وقاص فلأن في سنده إبراهيم ابن إسماعيل
ابن يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو يرويه عن أبيه وقد تفرد به، وهما ضعيفان،
إبراهيم بن إسماعيل اتهمه أبو زرعة، وأبوه إسماعيل متروك. وقال الحازمي: في
سنده مقال، وأن المحفوظ عن مصعب، عن أبيه حديث نسخ التطبيق، انتهى. وقد
ظهر بهذا التفصيل أن هذه الأحاديث ضعيفة جدًا، فلا تصلح أن تكون شاهدة
لحديث وائل فإنها لضعفها وسقوطها صارت كأن لم تكن.
٣٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
(وقيل: هذا) وفي ((معالم السنن)): وزعم بعض العلماء أن هذا أي حديث
أبي هريرة. (مَنْسُوخٌ) أي: بما رواه ابن خزيمة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه.
وقد ذكرنا لفظه. وفيه: أن دعوى النسخ بحديث سعد بن أبي وقاص باطلة، فإن هذا
الحديث ضعيف كما عرفت، وقد عكس ابن حزم في (المحلى)) (ج ٤: ص ١٣٠)
فجعل حديث أبي هريرة ناسخًا لما خالفه. وقيل: إن حديث أبي هريرة ضعيف
معلول أعله البخاري بأن محمد بن عبد الله بن الحسن لا يتابع عليه، وأنه لا يدري
أسمع محمد من أبي الزناد أم لا. وفيه: أن قوله: ((لا يتابع عليه)) ليس بمضر؛ لأن
محمد بن عبد الله ثقة، ولحديثه هذا شاهد من حديث ابن عمر، وصححه
ابن خزيمة، والحاكم، ووافقه الذهبي، قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)):
محمد بن عبد الله وثقه النسائي، وقول البخاري ((لا يتابع على حديثه)) ليس بصريح
في الجرح، فلا يعارض توثيق النسائي، انتهى. وأما قوله: ((لا يدري
أسمع ... )) إلخ. ففيه: أنها أيضًا ليست بعلة، وشرط البخاري معروف، خالفه
فيه جمهور المحدثين، ومحمد بن عبد الله ليس بمدلس، وسماعه من أبي الزناد
ممكن، فإن أبا الزناد مات سنة ثلاثين ومائة بالمدينة، ومحمد مدني أيضًا غلب
على المدينة، ثم قتل في سنة خمس وأربعين ومائة وعمره ثلاث وخمسون سنة.
قاله الزبير بن بكار. وقال ابن سعد وغير واحد: قتل وهو ابن خمس وأربعين، وقد
أدرك أبا الزناد طويلاً، فيحمل عنعنته على السماع عند جمهور المحدثين. وقيل: إن
حديث أبي هريرة مضطرب، فإنه قال بعضهم: إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل
يديه. أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة والطحاوي كما تقدم، وهذه الرواية تخالف
الرواية التي رواها أبو داود، والنسائي وغيرهما بحيث لا يمكن الجمع بينهما،
والاضطراب مورث للضعف. وفيه: أن رواية ابن أبي شيبة، والطحاوي هذه
ضعيفة جدًا كما عرفت، فلا اضطراب في حديث أبي هريرة، فإن من شرط
الاضطراب استواء وجوه الاختلاف، ولا تعل الرواية الصحيحة بالرواية الضعيفة
الواهية كما تقرر في موضعه. وقيل: إن في حديث أبي هريرة قلبًا من الراوي حيث
قال : ((وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ))، و کان أصله وليضع ر کبتیه قبل يديه، ويدل عليه أول
الحديث، وهو قوله: ((فَلَ يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ))، فإن المعروف من بروك البعير هو
تقديم اليدين على الرجلين، ذكره ابن القيم في ((زاد المعاد))، وقال: ولما علم
٣٤
e
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه لا في رجليه، فهو إذا برك وضع
ركبتيه أولًا، فهذا هو المنهى عنه. قال: وهو فاسد من وجوه: حاصلها أن البعير إذا
برك يضع يديه، ورجلاه قائمتان، وهذا هو المنهي عنه، وأن القول بأن ركبتي البعير
في يديه لا يعرفه أهل اللغة. وأنه لو كان الأمر كما قالوا لقال النبي وَالر: فليبرك كما
يبرك البعير؛ لأن أول ما يمس الأرض من البعير يداه. وفيه: أن في قوله: ((في
حديث أبي هريرة قلب من الراوي)) نظرًا، إذ لو فتح هذا الباب لم يبق اعتماد على
رواية راو مع كونها صحيحة، قاله القاري، وأما قوله: ((كون ركبتي البعير في يديه
لا يعرفه أهل اللغة)) ففيه: أنه مبني على عدم اطلاعه؛ لأنه منصوص عليه في ((لسان
العرب)) (ج١: ص٤١٧) وقال صاحب ((القاموس)): ((الركبة - بالضم - موصل ما
بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، أو مرفق الذراع من كل شيء، ووقع في
حديث هجرة النبي وَّر قول سراقة: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا
الركبتين)). رواه البخاري في صحيحه، فهذا نص صريح وبرهان قاطع على أن
ركبتي البعير في يديه، وأما قوله: إنه لو كان كما قالوا لقال النبي وَليقول: ((فليبرك كما
يبرك البعير)) إلخ. ففيه: أنه لما ثبت أن ركبتي البعير تكونان في يديه ومعلوم أن
ركبتي الإنسان تكونان في رجليه، وقد قال ◌َ له في آخر هذا الحديث: ((وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ
قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ))، فكيف يقول في أوله: فليبرك كما يبرك البعير؟ أي: فليضع ركبتيه قبل
يديه، ذكره شيخنا في ((شرح الترمذي)) (ج١: ص٢٣٠) وفي ((أبكار المنز))
(ص ٤٦٥/٢٢٣).
٩٠٧ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيِ نَّهِ يَقُولُ بَيْنَ
السَّجْدَتَيْنِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِيَ وَاهْدِنِي وَعَافِي وَارْزُقْنِي)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٩٠٧ - قوله: (كَانَ النَّبِيِّهِ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) أي: في الفريضة والنافلة.
(٩٠٧) أَبُو دَاوُد (٨٥٠)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٨٤)، وَابن مَاجَهْ (٨٩٨) عَنْهُ فِيهَا.
٣٥
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
HOME
كِتَابُ الصَّلَاةِ
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) أي: ذنوبي، أو تقصيري في طاعتي. (وَارْحَمْنِي) أي: من عندك لا
بعملي، أو ارحمني بقبول عبادتي. (وَاهْدِنِي) لصالح الأعمال، أو ثبتني على دين
الحق. (وَعَافِي) من البلاء في الدارين، أو من الأمراض الظاهرة والباطنة.
(وَارْزُقْنِي) رزقا حسنًا أو توفيقًّا في الطاعة، أو درجة عالية في الآخرة. والحديث
دليل على مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في القعود بين السجدتين، وهو يعم
الفرائض والنوافل. قال الترمذي بعد رواية الحديث: وهكذا روي عن علي، وبه
يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، يرون هذا جائزًا في المكتوبة والتطوع،
انتهى. وحمله الحنفية على التطوع خاصة لما قيده ابن ماجه في روايته بصلاة
الليل. وفيه: أن التقييد بصلاة الليل لا يدل على أن هذا الدعاء مخصوص بصلاة
التطوع كما في دعاء الاستفتاح الذي اختاره الحنفية للفرض مع أن الترمذي وأبا
داود قد رويا عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ◌َّ كان إذا قام من الليل كبر، ثم
يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك ... )) الحديث. فعمم الحنفية
هذا الدعاء للفرائض والنوافل مع كونه مقيدًا بصلاة الليل في الحديث المذكور.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) إلا أنه قال فيه (وَاجْبُرْنِي)) مكان ((عَافِي)). قيل: هو من
جبرت الوهن والكسر إذا صلحته وجبرت المصيبة إذا فعلت مع صاحبها ما ينساها
به. وقال الجزري: واجبرني أي: أغنني، من جبر اللَّه مصيبته، أي: رد عليه ما
ذهب عنه، أو عوضه عنه. وأصله من جبر الكسر. والحديث أخرجه أيضًا
ابن ماجه، وزاد ((وَارْفَعْنِي)) ولم يقل ((اهْدِنِي)) ولا ((عَافِي)) وأخرجه الحاكم في
((المستدرك)) بإسنادين: الأول: بلفظ أبي داود، والثاني: جمع فيه هذه الألفاظ
كلها إلا أنه لم يقل ((وَعَافِي)). وهذا الاختلاف محمول على أن بعض الرواة حفظ
ما لم يحفظه الآخر، والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الحاكم في
الموضعين، ووافقه الذهبي. ونقل الحافظ في ((بلوغ المرام)) تصحيح الحاكم،
وأقره، ولم ينكر عليه، قلتُ: في سنده أبو العلاء كامل بن العلاء السعدي، يروي
عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، وكامل هذا وثقة يحيى بن معين، وقال
ابن عدي: لم أر للمتقدمين فيه كلامًا، وفي بعض رواياته أشياء أنكرتها، ومع هذا
أرجو أنه لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال مرة: ليس به بأس.
وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يخطئ، وحبيب بن أبي ثابت ثقة فقيه
٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جليل، لكنه كثير الإرسال والتدليس، وقد روى عند الجميع بالعنعنة، قال في
((الزوائد)): رجاله ثقات، إلا أن حبيب بن أبي ثابت كان يدلس، وقد عنعنه، وأصله
في أبي داود، والترمذي، انتهى.
٩٠٨ - [١٥] وَعَنْ حُذَيْفَة أَنَّ النَّبِي وَلَ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ:
((رَبِّ اغْفِرْ لِي)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشّرْخُ
٩٠٨ - قوله: (كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي) أي: مكررًا. قال ابن
قدامة في ((المغني)): المستحب عند أبي عبد الله أي: أحمد، أن يقول بين
السجدتين: رب اغفرلي، رب اغفرلي، يكرر ذلك مرارًا، والواجب منه مرة،
وأدنى الكمال ثلاث ... إلخ. والحديث يدل على مشروعية طلب المغفرة في
الاعتدال بين السجدتين، ولا يختص ذلك بالتطوع كما قيل، بل يعم الفريضة
والتطوع، ويحمل هذا الحديث مع حديث ابن عباس السابق على اختلافات
الأوقات، فكان ◌َل يقول في بعض الأحيان ما رواه ابن عباس، وفي بعض الأحيان
ما رواه حذيفة. (رَوَاهُ النَّسَائِيّ) في حديث أطول منه، وأخرجه أيضًا ابن ماجه،
ولفظه: كان يقول بين السجدتين: ((رب اغفرلي)). وهو حديث صحيح، وأصله في
مسلم .
(٩٠٨) ابن مَاجَهْ (٨٩٧) عَنْه فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
EXONes
٣٧
الفصل الثالث
٩٠٩ - [١٦] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ وَةِ عَنْ
نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطَّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا
يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] {حسن}
الشَّرْخُ
٩٠٩- قوله: (عَنْ عَبْدالرَّحْمَن بْن شِبْل) بكسر الشين المعجمة، وسكون
الموحدة، ابن عمرو بن زيد الأنصاري الأَوسي، أحد النقباء، المدني، وأحد
علماء الصحابة، نزل حمص، له أربعة عشر حديثًا. مات في إمارة معاوية بن أبي
سفيان. (عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ) بفتح النون، أي: عن ترك الطمأنينة، وتخفيف السجود
بحيث لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد الأكل منه. قال الخطابي
في (المعالم)): هي أن لا يتمكن الرجل من السجود فيضع جبهته على الأرض حتى
يطمئن ساجدًا، فإنما هو أن يمس بجبهته أو بأنفه الأرض كنقرة الطائر ثم يرفعه.
(وَافْتِرَاشِ السَّبُع) بفتح السين المهملة، وضم الباء الموحدة، والافتراش:
افتعال من الفرش، أي: نهى أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض
كما يبسط السبع والكلب والذئب ذراعيه.
(وَأَنْ يُوَطِّنَ) بتشديد الطاء، ويجوز التخفيف، يقال: أوطن الأرض ووطنها،
واستوطنها، إذا اتخذها وطنًا. (الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ) أي:
أن يتخذ لنفسه من المسجد مكانًا معينًا لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يبرك من عطنه
إلا في مبرك قديم. وفي ((النهاية)) للجزري: قيل: معناه: أن يألف الرجل مكانًا
معلومًا من المسجد مخصوصًا به، لا يصلي إلا فيه كالبعير لا يأوي من عطنه إلا
إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخًا، لا يبرك إلا فيه. وقيل: معناه: أن يبرك
(٩٠٩) أَبُو دَاوُد (٨٦٢)، والنَّسَائِي (٢ / ٢١٤) عنه في الصَّلاة.
٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على ركبتيه قَبْلَ يديه إذا أراد السجود مثل بروك البعير، انتهى. قلتُ: وهذا أي
المعنى الثاني لا يوافق لفظ الحديث فلا يصح أن يكون مرادًا.
قال ابن حجر: وحكمة النهي أن ذلك يؤدي إلى الشهرة، والرياء، والسمعة،
والتقيد بالعادات، والحظوظ، والشهوات، وكل هذه آفات أي آفات فتعين البعد
عما أدى إليها ما أمكن. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري. (وَالنَّسَائِيُّ
وَالدَّارِمِيّ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)).
والنهي عن نقرة كنقرة الديك، أخرجه أيضًا أحمد بإسناد حسن، وأبو يعلي،
والطبراني في ((الأوسط)) عن أبي هريرة.
٩١٠ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((يَا عَلِيُّ أُحِبُّ
لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لََّكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)).
[َرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٩١٠ - قوله: (يَا عَلِيُّ أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي)
المقصود إظهار المحبة لوقوع النصيحة، وإلا فهو مع كل مؤمن كذلك. (لَا تُقْع)
بضم التاء من الإقعاء. (بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) زاد ابن ماجه في رواية له: ((إقعاء
الكلب)). وفي حديث أنس عند ابن ماجه مرفوعًا: ((إذا رفعت رأسك من السجود
فلا تقع كما يقعِي الكلب ... )) الحديث. وفي حديث أبي هريرة عند أحمد: قال:
نهاني رسول اللّه وَ ل عن ثلاث: ((عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب))،
وقد فسر هذا الإقعاء المنهي: عنه بنصب الساقين ووضع الأليتين واليدين على
الأرض. وروى مسلم وغيره عن ابن عباس، قال: الإقعاء بين السجدتين هي سنة
نبيكم. وعن طاوس، قال: رأيت العبادلة يقعون.
قال الحافظُ: وأسانيدها صحيحة. وفسر هذا الإقعاء بأن ينصب القدمين،
(٩١٠) التِّرْمِذِي (٢٨٢) عنه فيها .
٣٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
ويجلس عليهما فلا منافاة. قال البيهقي: الإقعاء ضربان: أحدهما: أن يضع أليتيه
على عقبيه، ويكون ركبتاه في الأرض، وهذا هو الذي رواه ابن عباس، وفعلته
العبادلة ونص الشافعي في ((الْبُوَيْطِيُّ)) على استحبابه بين السجدتين، لكن الصحيح
أن الافتراش أفضل منه، لكثرة الرواة له، ولأنه أعون للمصلي، وأحسن في هيئة
الصلاة. والثاني: أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه، وهذا هو الذي
وردت الأحاديث بكراهته. وتبع البيهقي على هذا الجمع ابن الصلاح والنووي،
وأنكر على من ادعى فيهما النسخ، وقالا: كيف ثبت النسخ مع عدم تعذر الجمع،
وعدم العلم بالتاريخ؟ كذا في (التلخيص)) (ص٩٩). قال الشوكاني: وهذا الجمع
لا بد منه، وأحاديث النهي والمعارض لها يرشد لما فيها من التصريح بإقعاء
الكلب، ولما في أحاديث العبادلة من التصريح بالإِقعاء على القدمين وعلى أطراف
الأصابع، وقد روي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: من السنة أن تمس عقبيك أليتيك،
وهو مفسر للمراد، فالقول بالنسخ غفلة عن ذلك، وعما صرح به الحفاظ من جهل
تاريخ هذه الأحاديث، وعن المنع من المصير إلى النسخ مع إمكان الجمع، وقد
روي عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم فعله كما قال النووي. ونص
الشافعي في ((الْبُوَيْطِيُّ)) و((الإملاء)) على استحبابه، انتهى كلام الشوكاني. قلتُ:
الذي قاله البيهقي، وابن الصلاح، والنووي، ثم الشوكاني، هو الحق والصواب،
ويؤيده كتب اللغة. قال ابن دريد في ((الجمهرة)) (ج٣: ص٢٦٣): الإقعاء: مصدر
أقعى إقعاء وهو أن يقعد على عقبيه، وينصب صدور قدميه، ونهي عن الإقعاء في
الصلاة وهو أن يقعد على صدور قدميه، ويلقي يديه على الأرض. وفي ((لسان
العرب)): أقعى الكلب إذا جلس على استه مفترشًا رجليه، وناصبًا يديه، وقد جاء
في الحديث النهي عن الإقعاء في الصلاة، وفي رواية: نهي أن يقعي الرجل في
الصلاة، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين. وهذا تفسير الفقهاء. قال
الأزهري: كما روي عن العبادلة، وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم: أن يلصق الرجل
أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب،
وهذا هو الصحيح، وهو أشبه بكلام العرب، وليس الإقعاء في السباع إلا كما
قلناه، انتهى. والزمخشري حين فسر الحديث في النهي في كتابي ((الفائق))
و((الأساس)) إنما فسر الإقعاء بما فسره به أهل اللغة فقط، واختار الجمع المذكور