النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخْ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
# ESeNone
٨٧١- [٤٤] وَعَنِ الفُرَافِصَةَ بْنِ عُمَيْرِ الْحَنَفِيَّ قَالَ: مَا أَخَذْتُ سُورَةَ
يُوسُفَ إِلَّا مِنْ قِرَاءَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ إِيَّاهَا فِي الصُّبْحِ مِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُرَدِّدُهَا
لَنَا.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٧١- قوله: (عَنِ الْفُرَافِصَةَ) بضمِّ الفاء الأولى، فراء، فألف، ففاء ثانية
مكسورة، فصاد مهملة، على ما ضبطه الزرقاني. وفي ((المغني)) لمحمد طاهر
الفتني: هو عند المحدثين بفتح الفاء الأولى. وقال الطيبي: الفاءُ الأولى مفتوحة
عند المحدثين، وأهل اللغة لا يعرفون إلا الضمَّ. (بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين المهملة
مصغرًا. (الْحَتَفِيِّ) نسبة إلى قبيلة بني حنيفة، من الطبقة الأولى من تابعي أهل
المدينة في الدرجة العالية. وثَّقْه العجلي وابن حبان. وهو غير الفرافصة بن
الأحوص بن عمرو بن ثعلبة الكلبي. (مَا أَخَذْتُ) أي: ما حفظت وتعلمت. (إِلَّا مِنْ
قِرَاءَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) لا ينصرف، وقد ينصرف، قاله القاري. (إِيَّاهَا) أي: تلك
السورة كلها. (فِي الصُّبْحِ) أي: في صلاته. (مِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُرَدِّدُهَا) أي: يكررها
في صلوات الصبح. ومِنْ تعليل لـ((أَخَذْتُ)).
وفيه: أنَّ المواظبة في أكثر الأحوال على سُورة واحدة لا محذور فيها. ويحتمل
أن ذلك لما بشره وَّله بالجنَّة على بلوى تصيبه، كما ورد: ((ائذن له وبشره بالجنة
على بلوى تصيبه)). وسورة يوسف فيها ذكر البلوى على يوسف ظلَّلا، فكان فيها
مناسبة به .
قيل: المداومة على قراءة سورة يوسف مورثة لسعادة الشهادة وهي مجربة،
والله أعلم.
(رَوَاهُ مَالِك) عن يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي، عن القاسم
ابن محمد، عن الفرافصة بن عمير، وأخرجه أيضًا الشافعي والبيهقي.
(٨٧١) مَالِك (١ / ٨٢/ ٣٥) عن الفُرافِصَة بن عُمَير.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
actExx
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٨١
٨٧٢- [٤٥] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: صَلَّيْنَا وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب
الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِيهِمَا بِسُورَةِ يُوسُفَ وَسُورَةِ الْحَجِّ قِرَاءَةً بَطِيئَةً، قِيلَ لَّهُ: إِذَا لَقَدْ
[ْرَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
كَانَ يَقُومُ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ، قَالَ: أَجَلْ.
الشّرْحُ
٨٧٢- قوله: (عَنْ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ) كذا في نسخ ((المشكاة)) الموجودة عندنا
بلفظ: عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ. وكذا ذكره ابنُ الديبع(*) في ((تيسير الوصول)) (ج٢ :
ص٢٢٤) عن مالك. وهكذا أورده محمد بن سُليمان المغربي في ((جمع الفوائد))
عن رَزين، أي: بلفظٍ عامر بن ربيعة، ووقع في نسخ ((الموطأ)) الحاضرة عندنا:
عبد الله بن عامر بن ربيعة، وبه جزم الزرقاني حيث قال في شرحه ((للموطأ)): وثّقه
العجلي، وأبوه - أي: عامر بن ربيعة - صحابي شهير، وكذا وقع في رواية البيهقي
من طريق مالك، وكذا ذكره ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) عنه. وهكذا في
رواية الطحاوي عن مالك. قيل: هذا هو الصواب.
وأما ما وقع في نسخ ((المشكاة)) و((تيسير الوصول)) فهو غلط، وليس هو من خطأ
النساخ بل من المصنفين بأنفسهما؛ لأنهما اقتصرا على ذكر ترجمة عامر بن ربيعة
في أسماءِ رجال ((المشكاة))، و((جامع الأصول))، ولم يذكرا ترجمة ولده عبد الله
ابن عامر، ولم يتنبه لذلك الخطأ القاري، بل تبعهما حيث قال: عامر بن ربيعة
يُكنى أبا عبد الله العنزي، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان
أسلم قديمًا. وقيل: كلتا النسختين صحيحتان، وأن هذا الأثر رواه عبد الله بن
(٨٧٢) مَالِك (١ / ٣٤/٨٢) رَضِوتَهُ، عنهُ.
(*) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن يوسف الشيباني، الزبيدي، الشافعي، المعروف بابن
الديبع - بكسر الدال المهملة، وسكون الياء المثناة من تحت، وفتح الموحدة، وفي آخره
مهملة - ومعناه بلغة النوبة: الأبيض، لقب جده على بن يوسف، وضبطه قطب الدين الحنفي في
كتابه ((البرق اليماني في الفتح العثماني)) بفتح الدال المهملة، وبالياء المثناة التحتية الساكنة، فالباءُ
الموحدة المفتوحة آخره عين. [ولد ٨٦٦هـ - وتوفى ٩٤٤ هـ / ١٤٦١ م - ١٥٣٧م].

٥٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
se
Beace
عامر وأبوه كلاهما، إلا أن هشامًا - شيخ مالك - أخذه عن عبد الله بن عامر بن
ربيعة بلا واسطة أبيه عروة، ورواه عن عامر بن ربيعة - والد عبد اللَّه - بواسطة
أبيه. قلتُ: وعدم ذكر الواسطة بين هشام وعبد الله هو الصواب عند مسلم
والبيهقي؛ لأن أصحاب هشام: أبا أسامة ووكيعًا وحاتمًا لم يقولوا فيه لفظ: عَنْ
أَبِيهِ. وقالوا: عن هشام، قال: أخبرني عبد الله بن عامر، وَوَهِمَ مالك فقال: عن
هشام عن أبيه، فزاد لفظ: عَنْ أَبِيهِ. ذكرَهُ ابنُ التركماني في ((الجوهر النقي)) نقلًا
عن ((الاستذكارٍ))، و((معرفة السنن))، وعلى هذا: فالصحيحُ هو ما وقع في نسخ
((الموطأ)) ورواية البيهقي والطحاوي من قوله: عبد الله بن عامر بن ربيعة، لا ما
وقع في نسخ ((المشكاة))، و(تيسير الوصول)) من قوله: عامر بن ربيعة؛ لأن رواية
هشام بلفظ الإخبار لا يمكن أن يكون عن عامر بن ربيعة؛ لأن عامرًا أكثر ما قيل في
وفاته سنة (٣٧) ومولد هشام سنة مقتل الحسين - أي: سنة (٦١) - والله أعلم. ثم
رأيت ((جامع الأصول)) للجزري قد وقع فيه (ج٦: ص٢٢٨) عامر بن ربيعة، كما
وقع في ((تيسير الأصول)). وعبد الله هذا هو عبد الله بن عامر بن ربيعة الأصغر،
ولد على عهدِ رسول اللّه وَّل، وقيل: في سنة ست من الهجرة، وتوفي رسول الله
وَّل وهو ابن أربع أو خمس سنين، وثَّقْه أبو زرعة. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة
من كبار التابعين. وقال أبو حاتم: رأى النبي ◌َّ لما دخل على أمه وهو صغير.
وقال ابن حبان في ((الصحابة)): أتاهم النبي ◌َّ في بيتهم وهو غلام، وروايته عن
الصحابة. مات سنة بضع وثمانين، وليس هو عبد الله بن عامر بن ربيعة الأكبر،
الصحابي الذي استشهد بالطائفٍ مع النبي ◌َّر. وأما أبوهما عامر، فهو عامر بن
ربيعة بن كعب بن مالك العَنْزي - بسكون النون - حليف بني عدي، ثم الخطاب
والد عمر، كان أحد السابقين الأولين، أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشهد
بدرًا والمشاهد كلها، وكان صاحب لواء عمر لما قدم الجابية. واستخلفه عثمان
على المدينةِ لما حجَّ، وقام عامر يصلي من الليل وذلك حين نشب الناس في الطعن
على عثمان، فصلى من الليل ثم نام، فأتي في منامه، فقيل له: قم فسل اللَّه أن
يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صَالِح عباده، فقام فصلى، ثم اشتكى، فما خرج بعد
إلا بجنازته، رواه مالك في الموطأ. واختلف سنة وفاته، فقيل: مات سنة (٣٢)
وقيل: (٣٣) وقيل: (٣٤) وقيل: (٣٦) وقيل: (٣٧)، وقال في ((التقريب)): ماتَ

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٨٣
ليالي قتل عثمان، له اثنان وعشرون حديثًا، اتفقا على حديثين.
(فَقَرَأَ فِيهِمَا) أي: في ركعتيه، وفي نسخة: فِيهَا. كما في ((الموطأ)). أي: في
صلاته. (بِسُورَةٍ يُوسُفَ) أي: كلها في الركعة الأولى. (وَسُورَةِ الْحَجِّ) كلها في
الثانية. (قِرَاءَةً بَطِيئَةً) بالهمزة ويشدد، أي: قراءة مجودة مرتلة مبيّنة بدون
الإسراع. (قِيلَ لَهُ) أي: لعامر أو لعبد الله بن عامر، على ما في نسخ ((الموطأ)).
وفي ((الموطأ)): فَقُلْتُ: وهو قول هشام على رواية الجماعة. أي: قال هشام:
فقلتُ لعبد الله بن عامر، أو قول أبيه عروة على رواية مالك، أي: قال عروة: قلت
لعامر بن ربيعة. (إِذَا لَقَدْ كَانَ يَقُومُ) أي: يبتدئ بصلاة الفجر. (حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ)
بضم اللام، أي: أول ما يظهر الصبح.
قال الطيبي: ((إِذًا)). جواب وجزاء، يعني: إِذَا كان الأمر على ما ذكرت، إِذًا
واللَّه لقام في الصلاة أول الوقت حين الغلس.
(قَالَ: أَجَلْ) أي: نعم، يقوم إذ ذاك، قيل: إن تطويل الخلفاء الراشدين كما يدل
عليه الآثار المتقدمة كان لعلمهم برضا من خلفهم، وبحرصهم على التطويل، وأما
اليوم فالتخفيف أولى، بل هو واجب؛ لقوله وَ له: ((مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ)).
وسيأتي تفصيل الكلام فيه.
(رَوَاهُ مَالِك) عن هشام بن عروة عن أبيه: أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة
يقول: صليّنا ... إلخ. وكذا أخرجَهُ الطحاوي والبيهقي. قال في ((الاستذكارِ)):
زعمٍ مسلم بن الحجاج، أنَّ مالكًا وَهِم فيه؛ لأنَّ أصحاب هشام لم يقولوا فيه لفظ:
عَنْ أَبِيهِ. وإنَّما قالوا: عن هشام، قال: أخبرني عبد الله بن عامر، وذكر البيهقي في
((المعرفة)) أنه بدون ذكر ((أَبِيهِ)) هو الصواب، انتهى.
وذكر ابن حزم في ((المحلى)) (ج٤: ص١٠٤) عن سفيانين كليهما، عن
الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حسين بن سبرة: أن عمر بن الخطاب قرأ في
الفجر ((يوسف)) ثم قرأ في الثانية ((وَالنَّجْم)) فسجدَ، ثم قام فقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ .
وأخرجه عبد الرزاق عن ربيعة بن عبد اللَّه بنَ الهدير، قال: كان عُمر يقرأ في الفجرِ
بيوسف ... إلخ.

٥٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨٧٣- [٤٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: مَا مِنَ
الْمُفَصَّلِ سُورَةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّا قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَؤُمُّ بِهَا النَّاسَ
فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] (ضعيف}
الشَّرْحُ
٨٧٣- قوله: (يَؤُمُّ بِهَا النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) أي: المفروضة على
الأعيان، وهي الخمس. وقد تقدَّم وجه الجمع بين الروايات المختلفة في القراءة
أنها باختلاف الأحوال والأوقات. (رَوَاهُ مَالِك) لم أجده في ((الموطأ)) مع الفحص
الشديد ويمكن أن يكون في غير رواية المصمودي، والظاهرُ: أنَّ المصنف قلد في
ذلك الجزري، فقد نسبه في ((جامع الأصول)) إلى ((الموطأ))، والحديث أخرجه أبو
داود في باب من رأى التخفيف في القراءة في المغرب، وسكت عنه هو
والمنذري، وفي إسناده محمد بن إسحاق، ورواه عمرو بن شعيب بالعنعنة وكذلك
رواه البيهقي (ج٢: ص٣٨٨) وذكر الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص١١٤)
من حديث ابنِ عُمر أنه قال: ما من سورة من المفصل صغيرة ولا كبيرة إلا وقد
سمعت رسول اللَّه ◌َالله يقرأها كلها في الصلاة. رواه الطبراني من رواية إسماعيل
ابن عياش عن الحجازيين، وهي ضعيفة، انتهى.
٨٧٤- [٤٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، قال: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِ: ﴿حَمّ﴾ الدُّخَانِ.
وَبـ
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُرْسَلًا] {مرسل}
الشَّرْجُ
٨٧٤- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون الفوقية بعدها
موحدة. (بْنِ مَسْعُودٍ) الهذلي، ابن أخي عبد الله بن مسعود، مَدَني الأصل، سكن
(٨٧٣) مَالِك من روايةٍ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه.
(٨٧٤) النَّسَائِي (٢/ ١٦٩) فيها عن عبد الله بن عتبة بن مسعود؛ وقد ذُكر في الصحابة

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٨٥
الكوفة، أدرك النبي وَل ورآه، وهو من كبار التابعين. وثَّقْه العجلي وجماعة. قال
ابن سعد: كان ثقة رفيعًا، كثير الحديث والفتيا، فقيهًا. مات في ولاية بشر على
العراق سنة (٧٤)، وقيل: (٧٣). قال ابنُ عبد البر: ذكره العقيلي في ((الصحابة))
فغلط، إنما هو تابعي من كبار التابعين بالكوفة، هو والد عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة الفقيه المدني الشاعر، شيخ ابن شهاب. استعمله عمر بن الخطاب على
السوق. قال: وولد في حياة النبي وَّل، وأتي به فمسحه بيده ودعا له. بـ (﴿حمّ﴾
الدُّخَانِ) أي: كلها في الركعتين. قال القاري: وفي أصل السيد جمال الدين ضُبِط
بكسرٍ ميم ((حَم))، وجر ((الدُّخَانِ)) ووجه الأول تحريكه بالكسر لالتقاء الساكنين،
ووجه الثاني أنَّه مُضاف إليه، أو بدل؛ أو بيان. وفي نسخةٍ: بفتح الميم؛ لأنَّ
الفتحة أخف الحركات. وفي أخرى: بنصبِ الدُّخَانَ. بتقدير: أعني.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُرْسَلًا)؛ لأن الراوي تابعي وحذف الصحابي، لكنَّه اعتضدَ بما
تقدَّم من قراءة السور الطويلة كالأعراف والطور والمرسلات في المغرب.

٥٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣ - بَابُ الزُّكُوعِ
(بَابُ الرُّكُوعِ) هو ركن بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو لغة: الانحناء،
وقد يرادُ به الخضوع. قيل: هو من خصائص هذه الأمة لقول بعض المفسرين في
قوله تعالى: ﴿وَأَرْكَعُواْ مَعَ الَّكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] إنما قال لهم ذلك؛ لأن صلاة اليهود
والنصارى لا ركوع فيها، والراكعون محمد وي ثير وأمته، ومعنى قوله تعالى:
﴿وَأَرَّكَعِى مَعَ الَّكِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] صَلَّي مع المصلين. قيل: حكمة تكرير
السجود دونه: أنه وسيلة ومقدمة للسجود الذي هو الخضوع الأعظم؛ لما فيه من
مباشرة أشرف ما في الإنسان لمواطئ الأقدام والنعال، فناسب تكريره؛ لأنه
المتكفل بالمقصود حیث ورد: «أقرب ما یکون العبد من ربه وهو ساجد)). وقيل غير
ذلك. والأظهر: أنه تعبُّد محض .
الفصل الأول
٨٧٥ - [١] عَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: «أَقِيمُوا الرُّكُوعَ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي)).
الشَّرْحُ
٨٧٥- قوله: (أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) أي: أكملوها، من أقام العود، إذا
قومه. وفي رواية ((أَتِمُّوا)) بدل ((أَقِيمُوا)). (لَأَرَاكُمْ) بفتح اللام المؤكدة والهمزة،
أي: أبصركم. (مِنْ بَعْدِي) أي: من خلفي إذا ركعتم وسجدتم. قال الحافظ في
(٨٧٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٤٢)، ومُسْلِم (١١٠/ ٤٢٥) عَنْ أَنَسٍ فِي الصَّلَاةِ، والنَّسَائِي (٢/
١٩٣).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكُوعِ
٥٨٧
((الفتح)): الصواب أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص
به وَلّ انخرقت له فيه العادة. وعلى هذا عمل البخاري، فأخرج هذا الحديث في
علامات النبوة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره، ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون
برؤية عينه، انخرقت له العادة فيه أيضًا فكان يرى بها من غير مقابلة؛ لأن الحق عند
أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلًا عضو مخصوص ولا مقابلة ولا قرب، وإنما
تلك أمور عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلًا، ولذلك حكموا بجواز رؤية
الله تعالى في الدار الآخرة، خلافًا لأهل البدع لوقوفهم مع العادة.
وقيل: كانت له عين خلف ظهره يرى بها من ورائه دائمًا .
وقيل: كان بين كفيه عينان مثل سَمِّ الخِيَاطِ يبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا
غيره، انتهى.
وظاهر الحديث أن ذلك يختص بحالة الصلاة، ويحتملُ أن يكون ذلك واقعًا في
جميع أحواله، وقد نُقِلَ ذلك عن مجاهد، وحكى بقي بن مخلد أنه وّ كان يبصر
في الظلمة كما يبصر في الضوء، وسبب هذه المقالة كما تدل عليه الروايات أنهم
قصروا في الصلاة وأساؤوها بتفويت الخشوع، ونقصان الركوع والسجود، وعدم
إحسان الصلاة.
ففي الحديث: الحثّ على الخشوع في الصلاة، والمحافظة على إتمام أركانها
وأبعاضها، وأنه ينبغي للإمام أن ينبه الناس على ما يتعلق بأحوال الصلاة، ولا سيما
إن رأى منهم ما يخالف الأولى، وقد سُئل عن الحكمة في تحذيرهم من النقص في
الصلاة برؤيته إياهم دون تحذيرهم برؤية الله تعالى لهم، وهو مقام الإحسان
المبين في سؤال جبريل كما تقدَّم في كتاب الإيمان: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ
تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَالَكَ)). فأجيب: بأن في التعليل برؤيته وبَّه لهم تنبيهًا على رؤية الله
تعالى لهم؛ فإنهم إذا أحسنوا الصلاة؛ لكون النبي وَّ يراهم، أيقظهم ذلك إلى
مراقبة الله تعالى، مع ما تضمنه الحديث من المعجزة لَّهُ وَّر بذلك، ولكونه يبعث
شهيدًا عليهم يوم القيامة، فإذا علموا أنه يراهم يحفظوا في عبادتهم، ليشهد لهم
بحسن عبادتهم .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا النسائي.

٥٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
٨٧٦- [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ◌َهِ وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ
السَّجْدَتَيْنِ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ - مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالقُّعُودَ - قَرِيبًا مِنَ
السَّوَاءِ .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْحُ
٨٧٦ - قوله: (كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ وَجَ) اسم كان. (وَسُجُودُهُ) عطف عليه. (وَبَيْنَ
السَّجْدَتَيْنِ) أي: وجلوسه بينهما. (وَإِذَا رَفَعَ) أي: اعتدل، وفي رواية: وإذا رفع
رأسه. (مِنَ الرُّكُوع) أي: قيامه وقت رفع رأسه من الركوع؛ لأن ((إِذَا)) إذا انسلخت
عن معنى الاستقبالَ تكون للوقتِ المجرَّد. وقال الطيبي: قوله: ((وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ))
و((إِذَا رَفَعَ)) معطوفان على اسم كان، أي: ركوع النبي ◌َّ، على تقدير المضاف،
أي: زمان ركوعه وسجوده، وبین السجدتین، ووقت رفع رأسه من الركوع. (مَا
خَلَا) بمعنى إلا. (الْقِيَامَ وَالقُعُودَ) بالنصبِ فيهما لا غير. (قَرِيبًا) خبر كان. (مِنَ
السَّوَاءِ) بفتح السين والمد. أي: كان قريبًا من المساواة والمماثلة، والاستثناء
هاهنا من المعنى فإن مفهوم ذلك: كانت أفعال صلاته كلها قريبة من السواء، ما
خلا القيام الذي هو للقراءة، والقعود الذي هو للتشهد، فإنه كان يطولهما. وفيه:
إشعار بأنَّ فيها تفاوتًا لكنَّه لم يعينه، وهو دال على الطمأنينة في الاعتدال وبين
السجدتين، لما علم من عاداته من تطويل الركوع والسجود.
قال ابنُ دقيق العيد: هذا الحديث يدلُّ على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث
أنس - يعني: الذي بعده - أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نص فيه، فلا ينبغي
العدول عنه لدليل ضعيف ذكر في أنه ركن قصير، وهو ما قيل: إنه لم يسن فيه
تكرار التسبيحات على الاسترسال، كما سنت القراءة في القيام، والتسبيحات في
الركوع والسجود مطلقًا. ووجه ضعفه: أنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد،
وأيضًا فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع،
فتكرير : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. ثلاثًا يجيء قدر قوله: اللهم ربنا لك الحمد حمدًا
(٨٧٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٧٩٢)، ومُسْلِم (١٩٣ / ٤٧١) عَنْهُ فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكُوعِ
٥٨٩
كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وقد شرع في الاعتدال ذكر أطول كما أخرجه مسلم من
حديث عبد الله بن أبي أوفي، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس بعد قوله: حمدًا
كثيرًا طيبًّا ((مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)) زاد في
حديث ابنٍ أبي أوفي: ((اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْج ... )) إلخ، وزاد في حديث الآخرين:
((أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ ... )) إلخ. كذا في ((الفتح)).
وفي رواية لمسلم: رمقت الصلاة مع محمد ثَلّ، فوجدت قيامه، فرکعته،
فاعتداله بعد ركوعه، فسجدتهُ، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين
التسليم والانصراف - قريبًا من السواء. وهذه الرواية تدلّ على عدم خروج حالة
القيام والقعود عن بقية حالات أركان الصلاة خلافًا لرواية الباب، فقيل في وجه
الجمع: إن رواية مسلم هذه محمولة على بعض الأحوال والأوقات، فكان فعل
النبي وَّ في ذلك مختلفًا فتارة يستوي الجميع، وفي أكثر الأحوال يستوي ما عدا
القيام والقعود. وقيل: ليس المراد بقوله: قريبًا من السواء، أنه كان يركع بقدر
قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت قريبًا معتدلة، فكان إذا
أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفها أخف بقية الأركان، فقد ثبت أنه قرأ في
الصبح بـ: ((الصَّافَّاتِ)) وثبت في السنن عن أنس: أنهم حزروا في السجود قدر عشر
تسبيحات، فيحمل على أنه إذا قرأ بدون ((الصَّافَّاتِ)) اقتصر على دون العشر، وأقله
كما ورد في السنن أيضًا ثلاث تسبيحات. ولا يخفى ما في هذا الجمع من
التكلَّف، ويزيفه بل يرده حديث عوف بن مالك الآتي في الفصل الثالث بلفظ:
((فلمَّا ركع مكث قدر سورة البقرة ... إلخ). وحديث حذيفة في مسلم: ((أنه لنَّل
قرأ في ركعة بـ ((الْبَقَرَةِ)) أو غيرها، ثم ركع نحوًا مما قرأ، ثم قام بعد أن قال: ((رَبَّنَا
وَلَكَ الْحَمْدُ)) قيامًا طويلًا قريبًا مما ركَعٍ. فالراجحُ في الجمع هو الوجه الأول،
وهو أن تحمل رواية مسلم المتقدمة على بعض الأحيان والحالات، والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: على أصل الحديث وإلا فقوله: ((مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ)) من
أفراد البخاري، والحديثُ أخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي.

EXTGONE
٥٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨٧٧- [٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ)) قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدَّ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى
نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ.
[رَوَاهُ مُشْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٧٧- قوله: (حَتَّى نَقُولَ) بالنصبِ على أن حَتَّى بمعنى: إِلَى. وأَنْ مضمرة،
أي: إلى أن نقولَ. و((حَتَّى)) إنما ينصب بعدها المضارع إذا كان مستقبلاً، وهذا قد
وقعَ ومضى. والجوابُ: أنه على حكايةِ الحال. وقيل: بالرفع على أن يكونَ
التقدير: قامَ. أي: أطال القيام. فقُلنا، فإطالةُ القيام سبب القول، وكلا الفعلين
ماض، فلم تَعمل فيه ((حتى)). وقيل: الرفعُ على أنَّ الفعل بعدها حال مقارن لما
قبلها، والحالُ لا ينصب بعد ((حتى)) ولا غيرها؛ لأنَّ الناصب مخلص للاستقبال
فتنافيا. و((حَتَّى)) المرفوع بعدها الفعل ابتدائية لا جارة؛ لأنها إنما تدخل على مفرد
أو مؤول به. قال التُّورْبَشْتِي: نصب ((نَقُولَ)) بـ: ((حَتَّى)). وهو الأكثرُ. ومنهم: مَن
لا يعمل ((حَتَّى))، إذا حسن: فِعْلُ. موضع: يَفْعَلُ. كما يحسن في هذا الحديث:
حتَّى قلنا قد أوهم. وأكثر الرواة على ما علمنا على النصبِ، وكان تركه من حيثُ
المعنى أتم وأبلغ، انتهى.
واعلم أن: حَتَّى. إذا وقعَ بعدها فعل فإما أن يكون حالًا أو مستقبلًا أو ماضيًا،
فإن وقع حالًا رفع، نحو: مرض زيد حتى لا يرجونه، أي: في الحال. وإن كان
مستقبلًا نصب نحو: سرت حتى أدخل البلد وأنت لم تدخلها، وإنْ كان ماضيًا
فتحكيه، ثم حكايتك له إما أن تكون بحسب كونه حالًا بأن يقدر أنه حال فترفعه
على حكاية هذا الحال، وإما أن تكون بحسب كونه مستقبلًا، فتنصبه على حكاية
الحال المستقبلة، فالرفع والنصب على حكاية الحال بمعنيين مختلفين، قال ابنُ
هشام: لا ينتصب الفعل بعد حَتَّى، إلَّا إذا كانَ مستقبلًا، ثُم إن كان استقباله بالنظرِ
إلى زَّمن التكلم فالنصب واجب نحو: ﴿لَن نَّْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ .
(٨٧٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٨٢١)، ومُسْلِم (٤٧٣) عَنْهُ فِيهَا، وأَبُو دَاوُد (٨٥٣).

٥٩١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكوع
وإن كان بالنسبةِ إلى ما قبلها خاصة فالوجهان نحو: ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾
الآية [البقرة: ٢١٤]. فإنَّ قولهم: إنما هو مستقبل. بالنظر إلى الزلزال، لا بالنظر إلى
زمن قص ذلك علينا، وكذلك لا يرتفعُ الفعل بعد حتى إلا إذا كان حالًا، ثم إن
كانت حاليته بالنسبة إلى زمن التكلم فالرفع واجب كقولك: سرت حتى أدخلها،
إذا قلتَ ذلك وأنت في حالة الدخول، وإن كانت حاليته ليست حقيقية بل كانت
محكية رفع، وجاز نصبه إذا لم تقدر الحكاية نحو: ﴿ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ قراءة
نافع بالرفع بتقديرٍ: حتى حالتهم حينئذٍ أن الرسول والذين آمنوا معه يقولون كذا
وكذا. واعلم: أنه لا يرتفعُ الفعل بعد: حَتَّى. إلا بثلاثة شروطٍ: أحدها: أن يكون
حالًا أو مؤولًا بالحال كما مثلنا. والثاني: أن يكون مسببًا عما قبلها. والثالث: أن
یکون فضلة، انتھی.
ومعنى الحديث: يطيلُ القيام، أو إطالة حتى نظنَّ، إذا القول قد جاء بمعناه. (قَدْ
أَوْهَمَ) بفتح الهمزة والهاء، فعل ماض مبني للفاعل. قال الجزريُّ: أَوْهَمَ فِي
صَلَاتِهِ. أي: أسقط منها شيئًا. يقال: أوهمت الشيء إذا تركته، وأوهمت في
الكلام والكتاب، إذا أسقطت منه شيئًا. ووهم - يعني: بكسر الهاء - يوهم وهما -
بالتحريك - إذا غلط. يعني: كان يلبث في حال الاستواء من الركوع زمانًا نظن أنه
أسقط الركعة التي ركعها، وعاد إلى ما كان عليه من القيام.
قال ابنُ الملك: ويقال: أوهمته، إذا أوقعته في الغلط. وعلى هذا يكون أوهم
على صيغة المجهول، أي: أوقع عليه الغلط ووقف سهوًّا، انتهى. قيل: ويحتمل
أن يكون معناه: نسى وجوب الهَوىٍ إلى السجود، أو نسى أنه في صلاة، أو ظن أنه
وقت القنوت حيث كان معتدلاً، أو وقت التشهد حيث كان جالسًا. ويؤيد التفسير
بالنسيان التصريح به في الرواية الأخرى كما سنذكرها.
(يَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) أي: يطيل القعود بينهما. (حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ) أي:
نظنُّ أنه أسقط السجدة الثانية. والحديث: نص صريح في تطويل الاعتدال
والجلوس بين السجدتين. وقد ترك الشافعية والحنفية هذه السنة الثابتة بالأحاديث
الصحيحة من عالم، وفقيه، وإمام، ومنفرد، وصغير، وكبير، والأعظم من ذلك
أنهم إذا رأوا من يطيل الاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين شغبوا عليه،

٥٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وجهَّلوه، وسفَّهوه، وتركوا الاقتداء به. قال بعض الحنفية معتذرًا عن أمثال هذا
الحديث: إن فيها مبالغة الراوي.
كانوا لا يبالغون
قلتُ: قال شيخُنا ردًّا عليه: كلَّ، ثم كلًّا، فإن الصحابة
من عند أنفسهم في وصف صلاته، وحكاية أفعاله في الصلاة وغيرها، ولا
يقصرون بل يحكون على حسب ما يرون، فحمله على مبالغة الراوي باطل مردود
عليه. وحمل بعضهم حديث أنس على ابتداء الأمر حين كان يطول صلاته، قال:
ثم أمر بالتخفيف بعده. وهذا ادعاء محض لا دليل على كون ما في هذا الحديث
حكاية لابتداء الأمر فلا يلتفت إليه.
وقال بعضهم: كانت هذه الإطالة في صلاة النافلة. وهذا الحمل أيضًا يحتاج
إلى دليل، ولا دليل على ذلك، بل يرده إطلاق ما روي عن ثابت، قال: كان أنس
ينعت لنا صلاة النبي ◌َّ، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول:
قد نسي، أخرجه البخاري.
وقال بعضهم: لم يذكر هذه الصفة إلا أنس من بين الصحابة الذين رووا صفة
صلاته. وفيه: أنه لم يتفرد بذلك أنس، بل وافقه البراء وحذيفة كما تقدم. ولو سلم
أنه لم يذكر هذه الصفة غير أنس، لا يضر من قال بمشروعيتها، فكم من صفة من
صفات الصلاة تفرد بذكرها بعض الصحابة وقد أخذها الأئمة وعملوا بها وعدوها
من سنن الصلاة .
وقال بعضُهم: فعله في الفرائض أحيانًا لبيان الجواز، ولفظة: ((كَانَ)) للرابطة،
لا لبيان المواظبة. قلتُ: لا مانع من حملها على التكرار، فالظاهرُ أن حاله وَلَه كان
مختلفًا، فتارة كان يطيل، وتارة كان يخفف.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود، وأخرج الشيخان عن ثابت، عن أنسٍ قال:
إني لا آلو أنْ أصلي بكم كما رأيت رسول اللَّه وَ ليصلي بنا. قال ثابت: فكان أنس
يصنعُ شيئًا لا أراكم تصنعوه، وكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى
يقول القائل: قد نسي، وإذا رفعَ رأسه من السجدةِ مكث حتى يقولَ القائلَا: قد
نسي .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكوع
٥٩٣
٨٧٨- [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ رِّ قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ بِّهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي
رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدَِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) يَتَأَوَّلُ
الْقُرْآنَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ]
الشَّرْخُ
٨٧٨- قوله: (يُكْثِرُ) من الإكثار. (أَنْ يَقُولَ) قد ورد في رواية البخاري في
التفسير بيان ابتداء هذا الفعل. وأنه واظبَ عليه وَّله، ولفظها: ما صلى النبي وَل
صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾﴾ إلا يقول فيها:
((سبحانك ... )) الحديث. قيل: اختار النبي وقَّ الصلاة لهذا القول مع أنه لم يقيد
بحال من الأحوال؛ لأن حالها أفضل من غيرها، فاختار أفضل الأحوال لأداء هذا
الواجب؛ ليكون أكمل وأبلغ في الامتثال.
قال الحافظُ: وليس في الحديث أنه لم يكن يقول ذلك خارج الصلاة أيضًا، بل
في بعض طرقه عند مسلمٍ ما يشعر بأنه وَّ كان يواظب على ذلك داخل الصلاة
وخارجها .
(سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ) تقدم الكلام فيه. (يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ) أي: يعمل بما
أمر به فيه، وقد تبيَّن من الرواية المذكورة أن المراد بالقرآن بعضه، وهو السورة
المذكورة، والذكر المذكور، وقوله: يَتَأَوَّلُ. حال من فاعل ((يَقُولُ)). أي: يكثر
قول ذلك حالٍ كونه متأولًا للقرآن، أي: مُبَنًّا ما هو المراد من قوله: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ
ج
رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] آتيًا بمقتضاه، وأصلُ الأَوْلِ الرجوع والانصراف، والمآل
ما يرجع إليه الأمر.
وقال القرطبي: معناه: يمتثل ما آل إليه معنى القرآن في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ
﴾﴾ [النصر: ١] إلخ. والحديث يؤخذ منه إباحة الدعاء في
نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ
الركوع، وإباحة التسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله الآتي وَطَّ: ((أَمَّا الرُّكُوعُ
(٨٧٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٨١٧)، ومُسْلِم (٢١٧/ ٤٨٤) عَنْهَا، وأَبُو دَاوُد (٨٧٧)، والنَّسَائِي (٢/
١٩٠)، وابن مَاجَهْ (٨٨٩).

٥٩٤
2080
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ))؛ لأنَّه لا مفهوم له، فلا
يمتنع الدعاء في الركوع، كما لا يمتنع التعظيم في السجود؛ لأنَّ تعظيم الرب فيه لا
ينافي الدعاء، كما أن الدعاء في السجود لا ينافي التعظيم.
قال ابنُ دقيق العيد: ويمكن أن يحمل حديث الباب على الجواز، وذلك على
الأولوية، ويحتمل أن يكون أمر في السجودِ بتكثير الدعاء لإشارة قوله؛
((فاجتهدوا))، والذي وقعَ في الركوعِ من قوله: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) ليس كثيرًا، فلا
يعارض ما أمر به في السجود، انتهى. وأراد بنفي الكثرة عدم الزيادة على قوله:
((اللهم اغفر لي))، في الركوع الواحد، فهو قليل بالنسبة إلى السجود المأمور فيه
بالاجتهاد في الدعاء المشعر بتكثير الدعاء.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٨٧٩ - [٥] وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيِّ بَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ:
(سُّوحُ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرخُ
٨٧٩- قوله: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ) بضم أولهما وفتحهما، والضم أكثر استعمالاً
وأفصح. قال ثعلب: كل اسم على: فَعُول. فهو مفتوح الأول إلا السبوح
والقدوس، فإنَّ الضم فيهما أكثر، وهما مِن صفات اللَّه تعالى، والمرادُ المسبح
والمقدس، فعول لمبالغة المفعول، فكأنه يقول: مسبح مقدس. ومعنى سُبُّوحٍ:
المبرأُ من النقائص والشريك، وكل ما لا يليق بالإلهية، وقُدُّوس: المطهرُ من كلِّ
ما لا يليقُ بالخالق، ولعلَّ التكرير للتأكيد، أو أحدهما لتنزيه الذات، والآخر:
التنزيه الصفات. وهما خبران مبتدأهما محذوف تقدیرُهُ: رُكوعي وسجودي لمن هو
سبوح قدوس، أي: منزَّه عن أوصاف المخلوقاتِ، أو أنت سبوح أو هو سبوح.
(رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ) هو من عطف الخاص على العام؛ لأنَّ الروح من
(٨٧٩) مُسْلِم (٢٢٣/ ٤٨٧)، وَأَبُو دَاوُد (٨٧٢)، وَالنَّسَائِي (٢/ ١٩٠) عَنْهَا فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكُوعِ
٥٩٥
الملائكة، وهو ملك عظيم يكونُ إذا وقف كجميع الملائكة. وقيل: المراد به:
جِبْرِيلُ؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفَّا﴾ [النبأ: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ
• [الشعراء: ١٩٣] وقوله تعالى: ﴿فَنَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]
بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ
١٩٢
وغير ذلك، خص بالذكر تفضيلًا.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا أبو داود والنسائي.
٨٨٠- [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَلَا إِنِّي نُهِيتُ
أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًّا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا
السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ )).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
٨٨٠- قوله: (أَلَا) كلمة تنبيه. (إِنِّي نُهِيتُ) بضم النون وكسر الهاء على بناء
المجهول. (أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا) أي: عن قراءة القرآن في هاتين
الحالتين. والنهي له وَلّ نهي لأمته كما يشعر بذلك قوله في الحديث: ((فَأَمَّا
الرُّكُوعُ ... )) إلخ. قال الطيبي: أمره إياهم بالتعظيم للرب في الركوع، وبالدعاء في
السجود، يدل على أن النهي عن القراءة ليس مخصوصًا به عليه السلام، بل الأمة
داخلون معه فیه.
قلتُ: ويشعرُ به أيضًا ما في ((صحيح مسلم)) وغيره أن عليًّا قال: نهاني
رسول اللَّهُ وَّل أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا. وهذا النهي يدلّ على تحريم قراءة
القرآن في الركوع والسجود؛ لأن الأصل في النهي التحريم. وفي بطلان الصلاة
بالقراءة حال الركوع والسجود خلاف، وحكمةُ النهي: أن الركوع والسجود حالان
دالان على غاية الذل والخضوع، ويناسبهما الدعاء والتسبيح، فنهي عن القراءة
فيهما تعظيمًا للقرآن الكريم؛ لأنَّ كلام اللّه لكونه في غاية العظمة والجلالة لا
يناسب قراءته في حالة الذلة والاستكانة، والله اعلم.
(٨٨٠) مُسْلِمٍ (٢٠٧ /٤٧٩)، وَأَبُو دَاوُد (٨٧٦) عَنْهُ فِيهَا .

٥٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَأَمَّا الرُّكُوعُ) كأنه قيل: فماذا نقول فيهما؟ فقال: فأمَّا الركوع. (فَعَظِّمُوا فِيهِ
الرَّبَّ) أي: سبِّحوه، ونزِهوه، ومجِّدوه، وقد بين وَّل كيفية هذا التعظيم، واللفظ
الذي يقع به هذا التعظيم في حديثي عائشة قبل هذا، وفي أحاديث عقبة بن عامر،
وابن مسعود، وحذيفة، وعوف بن مالك الآتية في هذا الباب، وفي حديث أبي
هريرة وعائشة في باب السجود وفضله.
(وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا) أي: بالغوا. (فِي الدُّعَاءِ) قال السندي: قوله:
((فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ)) أي: اللائق به في تعظيم الرب، فهو أولى من الدعاء، وإن كان
الدعاء جائزًا أيضًا، فلا ينافي أنه كان يقول في ركوعه: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))، وقوله:
((فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ))، أي: أنه محل لاجتهاد الدعاء، وأنَّ الاجتهاد فيه جائز بلا
ترك أولوية، وكذلك التسبيح فإنه محل له أيضًا، انتهى.
والحديث: دليل على مشروعيةِ الدعاء حال السجود، بأي دُعاء كان من طلبٍ
خير الدنيا والآخرة، والاستعاذة من شرِّهما. وقد بيَّن بعض الأدعية ما أفاده حديث
عائشة السابق.
(فَقَمِنٌ) هو بفتح القاف وفتح المیم و کسرها، لغتان مشهورتان، فمن فتحَ فهو
عنده مصدر لا يُؤنث، ولا یثنی، ولا یجمع، ومن کسر فهو وصف يؤنث ویثنی
ويجمع، وفيه لغة ثالثة: ((قمين)) - بزيادةِ الياء وفتح القاف وكسر الميم - وهو
مثل: القمن - بكسر الميم - في كونه وصفًا، ومعناه: جدير وحقيق.
(أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ)؛ لأنَّ السجود أقرب ما يكون العبد فيه إلى ربه، فيكون
الدعاء في تلك الحالة أقرب إلى الإجابة. وفي الحديث: الحثَّ على الدعاء في
السجود، وأنه محل الإجابة، وقد ورد الأمر بالإكثار من الدعاء فيه في حديث أبي
هريرة الآتي في باب السجود وفضله.
قال الحافظُ: الأمرُ بإكثار الدعاء في السجود يشمل الحث على تكثير الطلب
لكل حاجة، كما جاء في حديث أنس: ((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى شِسْعَ
نَعْلِهِ))، أخرجه الترمذي. ويشمل التكرار للسؤال الواحد، والاستجابة تشمل
استجابة الداعي بإعطاء سؤله واستجابة المثني بتعظيم ثوابه، انتهى.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكوع
٥٩٧
وظاهر الحديث يدل على وجوب تسبيح الركوع، ووجوب الدعاء في السجود
للأمر بهما. وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل، وطائفة من المحدثين. وقال
الجمهورُ: إنه مستحب؛ لحديث المسيء صلاته، فإنه لم يعلمه النبي ◌َّ ذلك،
ولو كان واجبًا لأمره به وفيه نظر لا يخفى على المتأمل.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي.
٨٨١- [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((إِذَا قَالَ
الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ
قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
[متفق عليه]
الشّرُْ
٨٨١- قوله: (إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ
الْحَمْدُ) قال القسطلاني: وللأصيلي: ((وَلَكَ الْحَمْدُ)) بالواو، انتهى. قال ابنُ
القيم: لم يرد الجمع بين لفظ: ((اللَّهُمَّ))، وبين: الْوَاوِ في حديث صحيح. قال
الشوكاني: قد ثبت الجمع بينهما في ((صحيح البخاري)) من حديث أنس بلفظ:
((وَإِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)). وقد
تطابقت على هذا اللفظ النسخ الصحيحة من ((صحيح البخاري))، انتهى. واستدل
بهذا الحديث وما في معناه لمالك وأبي حنيفة على أن الإمام يكتفي بالتسميع ولا
يقول: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وأن المأموم يكتفي بالتحميد ولا يقول: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ)) لكون ذلك لم يذكر في هذه الرواية، وأنه ظلَّل قسم التسميع والتحميد،
فجعل التسميع الذي هو طلب التحميد للإمام، والتحميد الذي هو طلب الإجابة
للمأموم، والتقسيم ينافي الشركة. ورد هذا الاستدلال بأنه ليس المقصود منه
التقسيم، بل ذكر وقت تحميد المقتدي أنه عند قول الإمام: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ))، وهو ساكت عن تحميد الإمام إثباتًا ونفيًا. قال الحافظ في ((الفتح)): وفي
(٨٨١) البُخَارِي (٧٩٦)، مُسْلِم (٧١/ ٤٠٩)، أَبُو دَاوُد (٨٤٨)، التِّرْمِذِي (٢٦٧)، النَّسَائِي (١٩٦/٢)
عَنْهُ فِيهَا .

٥٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الاستدلال به على ذلك نظر؛ لأنه ليس فيه ما يدل على النفي، بل فيه أن قول
المأموم ((رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ)) يكون عقب قول الإمام ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، والواقع
في التصوير ذلك؛ لأن الإمام يقوله في حال انتقاله، والمأموم يقول التحميد في
حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام كما في الخبر، وهذا الموضع يقرب من
مسألة التأمين كما تقدم من أنه لا يلزم من قوله: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿وَلَ الضَّالِّينَ﴾
فَقُولُوا: ((آمِين)) أن الإمام لا يؤمن بعد قوله: ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾)). وليس فيه أن
الإمام يؤمن، كما أنه ليس في هذا أنه يقول ((رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ))، لكنهما مستفادان
من أدلة أخرى صحيحة صريحة، انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في
((السعاية)) (ص١٨٦): فإن قلت آخذًا من ((فتح القدير)): السكوت في معرض
البيان بيان، فلو كان التحميد أيضًا مشروعًا للإمام لبينه، فلما سكت عنه علم أنه
ليس مشروعًا له. قلتُ: هذا إنما يستقيم لو كان الموضع موضع بيان أذكار الإمام
والمؤتم، وهو ممنوع، فإن الظاهر من التعليق أنه موضع بيان وقت ذكر المقتدي
أنه حين قول الإمام: سمع الله لمن حمده، فلا ينافيه مشروعية الذكر الآخر بعده
للإمام، على أن اعتبار السكوت في موضع البيان إنما هو إذا لم يوجد حكم
المتنازع فيه من موضع آخر، وأما إذا وجد حكمه صريحًا موافقًّا أو مخالفًا فلا
اعتبار له، كما صرحوا به في مواضع. وهاهنا قد وجدت مشروعية التحميد بدليل
آخر؛ وهو ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، والبخاري من حديث
ابن عمر، ومسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى، ومن حديث علي بن أبي
طالب، أنهم قالوا في وصف صلاة رسول اللَّه وَلير: أنه كان حين يرفع رأسه من
الركوع، يقول: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ)). فهذا صريح في
مشروعية التحميد للإمام. فإن قلت آخذًا من ((فتح القدير)): إن أحاديث الجمع
فعلية، وحديث القسمة قولي، والقول النبوي مقدم على فعله كما هو مقرر في
مقره. قلتُ: هذا إذا كان القول دالّا صراحة على خلاف الفعل، وهاهنا ليس
كذلك. وأي ضرورة دعت إلى حمل الحديث السابق على القسمة حتى ينافي
حديث الفعل. فإن قلتُ: لعل زيادة التحميد كانت في النوافل؟ قلتُ: هذا مقام لا
يكفي فيه ليت ولعل. والحمل بمجرد الاحتمال مستبعد جدًّا، مع كون غالب
أحوال رسول اللَّه وَ له الإمامة. وبالجملة: فالاكتفاء بالتسميع وإن كان مشى عليه

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكُوع
٥٩٩
أرباب المتون لكونه قول أبي حنيفة، لكن الدليل يساعد الجمع، فهو الأحق
بالاختيار خصوصًا إذا وجد اختياره من جماعة من المتأخرين. وذهب إليه
الصاحبان، وروي مثله عن الإمام، انتهى كلام الشيخ اللكنوي.
قلتُ: ذهب أحمد، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، والجمهور إلى أن
الإمام يقول: ربنا لك الحمد، بعد التسميع كالمنفرد، واختاره الفضلي،
والطحاوي، والشرنبلاني، وصاحب ((المنية))، وعامة المتأخرين من الحنفية،
وهو الأصح الموافق لما ثبت عنه وَّل أنه كان يأتي بالتحميد بعد قوله: ((سَمِعَ اللَّهُ
لِمَنْ حَمِدَه)). قال الحافظُ في ((الفتح)): الأحاديث الصحيحة تشهد له. وأما المنفرد،
فحكى الطحاوي، وابن عبد البر الإجماع على أنه يجمع بينهما، وجعله الطحاوي
حجة لكون الإمام يجمع بينهما؛ للاتفاق على اتحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن
أشار صاحب الهداية إلى خلافه عندهم في المنفرد. وأما المأمومُ، فقال الشافعي،
وإسحاق، وعطاء، وابن سيرين، وغيرهم: هو كالإِمام والمنفرد، يجمعُ بينهما،
وذهب أحمد، ومالك، وأبو حنيفة، وصاحباه إلى أنه لا يأتي بالتسميع. واستدل
الشافعي ومن وافقه بما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. وفيه: ثُمَّ يقولُ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) حين يرفع صِلبه من
الركعة. ثم يقول وهو قائم: ((رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ)) بانضمام قوله ◌ََّ: ((صَلَّوا كَمَا
رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)). وبما رواه الدار قطني عن أبي هريرة، قال: كنّا إذا صلينا خلف
رسول اللَّه ◌َ له فقال: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، قال من وراءه: سمع الله لمن حمده.
لكن صرح الدار قطني بأن المحفوظ لفظ: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ،
فَلْيَقُلْ مَنْ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)). وبما رواه الدار قطنيُّ أيضًا عن بريدة، قال:
قال رسول اللّه وَله: ((يَا بُرَيْدَةُ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَقُلْ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ
بَعْدُ)) .
وظاهره: عدم الفرق بين كونه إمامًا، أو منفردًا، أو مأمومًا، ولكن سنده
ضعيف. وليس في جمع المأموم بين التسميع والتحميد حديث صحيح صريح.
قال الحافظُ: زاد الشافعي: أن المأموم يجمعهما أيضًا، لكن لم يصح في ذلك
شيء. (فَإِنَّه) أي: الشأن. (مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ) وهو قوله: ربنا لك الحمد، بعد قول